“سيارة من الأناناس وسائق صغير من الفراولة” ديوان مستوحى من مصطلحات العصر

لوحة للرسام توفيق حميدي (الصورة تخضع لحقوق الملكية الفكرية – صفحة الرسام على فيسبوك)

يرتاد الشاعر المصري عصام أبو زيد في ديوانه الجديد “سيارة من الأناناس وسائق صغير من الفراولة” (الهيئة العامة لقصور الثقافة، 2021) عوالم غرائبية هي بمثابة حياة بديلة ملونة وواقع مواز مشحون بالبراءة والبهجة والمرح.

في عمله الشعري العاشر خلال مسيرته، يؤكد أبو زيد صوته الخاص كواحد من شعراء جيل التسعينيات البارزين، مواصلاً رحلة إبحاره في فانتازيا اللعب والدهشة، بعد محطات مثيرة شهدت دواوينه السابقة في الفلك ذاته، ومنها “كيف تصنع كتاباً يحقق أعلى مبيعات؟”، “أكلت ثلاث سمكات وغلبني النوم”، “الحياة السرية للمجنون الأخضر”، “اخترعت برتقالة”، “الحركات الرئيسية لرقصة الميرينجو”، “شكراً لحياتي الطيبة”.

فضاءات غريبة

يجسد غلاف الديوان بشكل مباشر توليفة العناصر والمفردات الفنية التي ترسم ملامح الشعرية غير المحكومة بأطر مسبقة وقوالب جاهزة، وتكاد تترجم الصورة عنوان الديوان إمعاناً في استلاب المتلقي وجره إلى تلك الفضاءات العجائبية البعيدة التي يسعى الشاعر إلى اقتحامها وتعزيز مصداقيتها بدعابات تبلغ حد الجد، لفرط الإصرار عليها والانخراط في تفاصيلها.

من ثم، فكأنما السيارة بالفعل من أناناس: سمتاً، ونكهة، ورحيقاً، وكأنما السائق حبة فراولة معسولة مقطوفة لتوها من الحقل، وكأنما الطبق الطائر هو الراعي الرسمي لحفلة قوس قزح والألوان الصاخبة المتفجرة، التي هي ليست فقط لنسيان هزائم قاسية وإحباطات قاتمة، وإنما لإثبات علاقات مختلفة دافئة وفيوض إنسانية دافقة تقود إلى الألفة والمحبة والائتناس: “ابتسم يا رجل، وكن قوياً / تبدو غريباً وأفكارك كثيرة / أراك تترنح، وتعبر الحياة وكأنك لا تراني/ أنا صديقتك القديمة.. حبيبتك القديمة، المقيمة في الشارع القريب مع شجر الورد، والقطط الرمادية الصغيرة”.

القصائد وفق رؤية عصام أبو زيد في ديوانه هي ببساطة ثمرات للتلذذ، وسمكات ضاحكة في مطاعم المأكولات البحرية، وأغنيات للاستماع والاستمتاع “أنا نغم، نعم، أنا نغم”، ورقصات فوق الأرض وفوق صفحة الماء من أجل الدوران والذوبان من النشوة “يكفي أن نقف أمام جهاز تشغيل الأسطوانات، لتنهض الدنيا كلها وترقص”.

هي الحياة، التي تصير أكثر حناناً حينما نقلم أظافرنا، ونسمي “الكونغ فو” معركة عناق وقبلات، وننظر إلى خصلات شعر زوجة الغول على أنها خليط من سنبلات وأمطار وتخاريف لذيذة: “وصلت إلى قناعة؛ ربما لا تقبل الشك، أن الدخان الذي يرقص فوق الماء؛ يعني أننا نلعب لعبة الترويج السري للعواطف / كوني معي في قلب هذه اللعبة، وارفعي الصخور الصغيرة المسننة، من تحت قوائم الحياة، واقذفي بها إلى أعلى/ ثم انظري إلى الأرض وابتسمي”.

لغة العصر

يتعاطى الشاعر على مدار ديوانه مع لغة العصر بامتياز، وذلك على مستويين أساسيين؛ الأول: مستوى قاموس الألفاظ والعبارات والتركيبات، تلك التي تكتسب شعريتها وظلالها ومعانيها الجديدة من خلال تخليق السياقات المبتكرة والمراوغة، التي لا تخلو من مفارقات: “اكتبي أنت قصيدة النهر/ أنا مشغول بأزمتنا الاقتصادية”، والتي تحفل باللدغات الذكية والصدمات المباغتة “اسمعي الآن صوت الناي، اسمعيه من أنفي: عدد المشاهدات يزيد، والفيديو أصبح عالمياً!”

 

أما المستوى الثاني؛ فهو مستوى الأسلوب العصري في ممارسة كل الأفعال والنشاطات والعلاقات منذ الميلاد حتى الموت، وهذا هو الأهم في التجربة، فالشاعر يعي جيداً أنه ابن مرحلته، الرقمية المعلوماتية، التقنية الاتصالاتية، العولمية الكونية، المادية التسليعية “حلم اليقظة بواحد يورو، وحلم المنام بخمس ابتسامات”.

وهو يدرك أنه لكي يستمر ويصمد، فثمة خسائر كثيرة قد تحدث له ولمن حوله، ليس أقساها كسر إصبعه وهو يحاول رفع الدمعة الكبيرة عن الأرض، لكن لا بأس من التضحيات، صغرت أو عظمت، فهناك دائماً الأبهى والأشهى، اللذان يستحقان البقاء لأجلهما.

من هنا، فإنه يكتب بعمق عن معايناته ومعايشاته ومكابداته البسيطة والمصيرية كما يجدها، ومثلما يقبل عليها أو حتى يهرب منها، وليس كما يقرأ أو يسمع عنها. وهذا التصالح الحميم مع الذات واللحظة المعيشة بأريحية تامة هو سر وصول الشاعر إلى الهدف من أقصر الطرق، من أجل قنص الجوهر، وحصد القطاف، ومقاومة الفناء “لا تزالين في قاع بحيرة العدم، تمارسين حياتك المهنية بنجاح، وتوزعين يومك بين طهو وجبات خفيفة، والتواصل مع أشخاص مجهولين، في أماكن مضطربة من العالم”.

مذاقات أولية

مثلما يتباسط الشاعر في فك شيفرات الأشياء، أو التغاضي عن تعقيدها البغيض الذي لا يعنيه، وكما ينهمك في مد الأيدي والخطوات صوب مساحات الأمل المشمسة، وتجاويف الصدور الآدمية البكر، فإنه يكاد يصل بالقصيدة السلسة المستساغة إلى مذاقات أولية، يريدها خالية من الرموز والمجازات ومكسبات الطعم والسكر الاصطناعي، كحلوى هامسة، لتحدث تأثيرها في ترسيخ معالم هذا الوجود الخرافي الذي أسسه في الفراغ. ويرجو أن يشاركه آخرون الإقامة فيه، لكي لا يبقى الواحد واحداً، ولا يظل المجهول مجهولاً “هبطت دجاجة من الفضاء، وباضت بين صخرتين، ثم أحست بالاختناق، وبدأ ريشها يتساقط، ثم انفجرت، ثم خرجت أنا من البيضة، خرجت كما أنا؛ كبيراً وبذراعين طويلتين لألتقط حياتي/ البحث في تاريخي لا يعني شيئاً/ أنا مجهول”.

وسط الارتباكات المحيطة، يتحسس الشاعر قدراً مناسباً من الاتزان، ليعيد تعريف كل شيء “القصدير؛ أكثر العناصر جاذبية، وشاعرية”. وعليه، ففي مقرات الدراسة والعمل، وفي دروب الحب والتسكع والارتحال الطويل، فإن هندسة النفط وقصيدة النثر ليستا متنافرتين. وفي السوبر ماركت، وفي غرف العشق، فإن الفاكهة التي تذيب الأسقف واحدة “أشتري سيارة من الأناناس، يقودها سائق صغير من الفراولة، فوق رأسه قبعة من القش، ويبدو حزيناً ولكنه يبتسم، ويشير بيده إلى أعلى، لأن سقف السيارة يذوب”.

وهكذا، على طول الخط، هناك دائماً منبع مشترك تعود إليه الأصول جميعاً، وتخرج منه أوراق البنكنوت وأوراق الشجر، على السواء. ذلك لأن هناك شاعراً أخضر، له ساقان طويلتان، يضعهما كالفرجار على طرفي العالم المتهاوي، لتتوقف الزلازل قليلاً، أو تصير بدورها حركات جمالية في المسابقة الكبرى لاكتشاف المواهب الجديدة في الرقص والغناء والجنون “لا يمكنني أن أستعيد المجنون الأخضر، إلا وأنا جالس معك، خلف سور الجامعة الفرنسية القديمة/ أنت تحكين عن وجع التهاب الجيوب الأنفية/ وأنا أحكي عن رغبتي في الرقص”.

https://www.independentarabia.com/n