نصف الحياة للمغامرات المدهشة ونصفها الآخر لحكايات لا تُصدق

هنري دي مونفرد ( غيتي)

عاش الفرنسي هنري دي مونفرد نحو مئة عام، لكنه لم يبدأ الكتابة بالفعل إلا خلال النصف الثاني من تلك السنوات، أي حين كان قد تجاوز الخمسين. بالنسبة إليه تحتاج الكتابة إلى استقرار، وهو لم يكن مستقراً بأية حال من الأحوال خلال العقود الخمسة الأولى من حياته، ولكن لئن كانت الكتابة وتحديداً تلك التي خاضها في عشرات النصوص والمطولات بعد أن استقر به العيش، تحتاج إلى مواضيع مثيرة ومتحركة، فإن تلك المواضيع توفرت له من خلال الحياة التي عاشها في البدايات، وتحديداً حين كان يتنقل في مناطق القرن الأفريقي بحراً وبراً وبالطائرات البدائية أحياناً، حيث تعرفت عليه شعوب تلك المناطق بحاراً ومغامراً أفاقاً ومهرب سلاح يسير من دون هوادة على خطى ذاك الذي كان مثله الأعلى، الشاعر آرثر رامبو، وفي المنطقة ذاتها إلى درجة أنه ربما حدث لهما أن التقيا وتعاونا واختصما. ولكن إذا كان رامبو قد عرف بأدبه الكبير الذي غطى دائماً على مغامراته، فإن حال مونفرد كانت معكوسة تماماً، فهو ككاتب، لم يكن يحلم بأن يكون رامبو جديداً. فاكتفى بأن يسجل كتابة كثير من المغامرات التي عاشها في الشرق الأفريقي وفي مناطق البحر الأحمر، بحيث جاءت كتبه العديدة أشبه بسيرة مطولة له. وينطبق هذا بخاصة على “روايته” الأشهر “ثلاثية البحر الأحمر” التي تُقرأ دائماً كما تُقرأ روايات كونراد وحيّاها الكاتب المغامر العمدة جوزف كيسيل بوصفها “واحدة من أفضل نصوص المغامرات” التي قرأها في حياته.

يوم كاد أن يغرق في باب المندب

لكن “ثلاثية البحر الأحمر”، لا سيما بجزئها المعنون “أسرار البحر الأحمر” ليست رواية مغامرات تماماً، بل هي سرد كتبه مونفرد عام 1931، وكان يقترب من عامه الستين ليصف فيه الحياة التي عاشها كصياد لؤلؤ ومهرب سلاح في القرن الأفريقي عام 1914 تقريباً. ولعل ذروة تلك المغامرات كانت، كما يروي لنا في واحد من أجمل نصوص الكتاب، حين كاد مركبه يغرق به وهو يجتاز منطقة خطرة تعرف بباب اسكندر، تقع عند مضيق باب المندب بين البر اليمني وجزيرة بريم.

مهما يكن فإن الكتاب يروي لنا تلك المغامرة بتفاصيلها وصولاً إلى مصادرة السلطات للمركب، وسجن مونفرد لست سنوات اختصرت إلى ثلاث مقابل تجنيده في الجيش الفرنسي ومن ثم عودته إلى بلاده. وكانت تلك العودة إيذاناً بانتهاء حياة المغامرات التي عاشها، وكانت الصحافة الباريسية لا تتوقف عن متابعة أخبارها، فيما كان هو لا يتوقف عن تدوين يومياته التي راحت تتحول لاحقاً إلى كتب أمنت له شهرة واسعة في حينه.

ولكن على الرغم من كل تلك الكتابة الغزيرة هل ثمة من يتذكر، اليوم، هنري دي مونفرد؟ قليل من الناس طبعاً، وبخاصة في المناطق العربية المتاخمة لشمال البحر الأحمر، حيث يروي لنا بعض أغرب المغامرات والأحداث التي جابهها خلال حياته المديدة. لقد كان ما يرويه، لا سيما خلال النصف الثاني من حياته، من الغرابة بحيث أن كثيرين كانوا يميلون إلى عدم تصديقه، أو على الأقل، النظر إلى حكاياته على أنها حافلة بالمبالغات حتى ولو كانت لها جذور واقعية.

حتى تجارة العبيد!

ولكن كان هناك، على الأقل، شخص آمن بهنري مونفرد، ومال إلى تصديقه، فكان أن شجعه على تدوين كل ما يرويه. وهذا الشخص لم يكن غير جوزف كيسيل وعلى هذا النحو، وبخاصة بدفع من كيسيل ولدت تلك الكتب والنصوص، التي بلغ عددها أكثر من ثلاثين كتاباً، لو راجعناها اليوم لعشنا ذلك الحلم الذي كان يعيشه كل أوروبي مثقف أو نصف مثقف، منذ الزمن الذي اشتهرت فيه حكاية الشاعر آرثر رامبو، الذي إلى كونه شاعراً كبيراً، بل من أكبر شعراء الفرنسية على مر العصور، عُرف كذلك بحياة مغامرات أمضاها بين عدن والحبشة والسودان وإريتريا (أي في نفس المنطقة المتاخمة للبحر الأحمر)، ولم يكن خلالها شاعراً بقدر ما كان مهرب أسلحة، وربما تاجر عبيد أيضاً.

والحال أن حياة رامبو الأفاقة كانت هي المثال الأعلى الذي اتخذه دي مونفرد “مستجيباً لنداء البحر”، أو بالأحرى لنداء حياة المغامرات، فتوجه إلى نفس المنطقة التي عاش وغامر فيها رامبو، فكانت واحدة من أغرب المغامرات، إن نحن صدقنا كل، أو حتى بعض ما يرويه هنري دي مونفرد في كتبه، التي منذ وضعها لم تكف عن أن تصدر في طبعات متلاحقة.

ومن خلال تلك النصوص، تظهر له صور عديدة. فالرجل الذي عاش أكثر من خمسة وتسعين عاماً، عرف كيف يكون على التوالي سائقاً ومهندساً وتاجراً وبحاراً ومهرب أسلحة ثم مهرب مخدرات وصياد لؤلؤ، ثم صناعياً مرموقاً (بعد استقراره نهائياً في فرنسا، طبعاً) وصحافياً ومزارعاً ومحاضراً، ثم أخيراً كاتباً.

ولادة الكاتب المتأخرة

 مهما يكن، حين كان هنري دي مونفرد يعيش مغامراته خلال الربع الأول من القرن العشرين، لم يكن كاتباً بعد، بل حتى لم يكن مأثوراً عنه أنه يسجل ملاحظات يومية، استخدمها لاحقاً في كتبه المتأخرة، حتى وإن كان قد اكتشف له بعد موته نص هو التدوين اليومي على ظهر سفينة مغامراته التي تنقل فيها في مناطق البحر الأحمر، وفيه كان يسجل ما يحدث له يوماً بيوم، وكان النص مرفقاً بعديد من الصور. والحال إن اكتشاف هذا النص أعطى صدقية لكل ما رواه في كتبه، بخاصة في محاضراته التي كان يلقيها بعد عودته النهائية، وأثارت أحلام كثير من الشبان الفرنسيين في فترة ما قبل الحرب العالمية الثانية.

ولد هنري دي مونفرد في 1879 وتقلب، خلال طفولة وصبا لا يُعرف عنهما الكثير، في العديد من المهن الصغيرة حتى انتهى به الأمر لأن يصبح بحاراً، وهكذا وصل إلى منطقة البحر الأحمر على متن سفينة وقرر أن يبقى هناك، وأن يعيش حياة تسير على منوال حياة آرثر رامبو، التي كان قد اطلع عليها. وهو منذ تلك اللحظة، ودائماً كما روى لاحقاً في نصوصه وكتبه، لم يتوقف عن حياة المغامرات التي اختارها لنفسه. حيث نراه مرة وهو يتاجر بالسلاح مع الحبشة وإريتريا، فتكون خسائره أكثر من خسائر رامبو، ويتعرض للموت في كل مرة طالب فيها المشترين بأن يدفعوا له ثمن ما اشتروه. وهو إذ ييأس من تجارة السلاح، يتوجه إلى تجارة “الحشيش”، وكله (كما يروي لنا في كتابه “رحلة الحشيش”) أمل في أن يتمكن من ضرب الاحتكار الإنجليزي في ذلك المضمار، إذ كان الإنجليز يحتكرون بيع الحشيش في… مصر. ثم نراه وهو يصارع ضد شركائه حين يحاولون سلبه الحمولة ويبدأ بمطاردتهم (كما يروي لنا في كتاب “مطاردة قايبان”) في شوارع بورسعيد وغيرها من المدن المصرية.

من يقاوم تلك العناوين؟

هذه المغامرات وغيرها يرويها هنري دي مونفرد في كتب تحمل عناوين مثيرة مثل، “ثلاثية البحر الأحمر” ثم “الطريق الممنوع” و”مغامرات البحر” و”الرجل الذي خرج من الماء” و”المأساة الإثيوبية” و”من هرر إلى كينيا” و”مقبرة الفيلة” و”الثعبان الأحمر”. ترى، مع عناوين من هذا الطراز، كيف كان بإمكان القارئ الفرنسي أن يقاوم كل ذلك السحر الذي طبع كتابات خاطبت المخيلة بلغة بسيطة ونقلت القارئ والمستمع إلى عالم أحلام، أين منه ألف ليلة وليلة؟

رحل هنري دي مونفرد عن عالمنا عام 1974 مكللاً بالمجد، وقد آلى على نفسه خلال سنوات عمره الأخيرة أن ينصرف إلى الزراعة، فجعل لنفسه مزرعة أحاط نفسه فيها بشتى أنواع الحيوانات الأليفة، ثم أخذ يكتب ويكـتب بكثافة، وكأنه يريد أن يترك وراءه عالماً كاملاً، أو لعله كان يريد أن يحقق ما لم يفعله آرثر رامبو، تحويل حياة مغامرات بأسرها إلى نصوص. ومن اللافت هنا، أن قارئ نصوص دي مونفرد، وبخاصة الأخيرة منها سيخيل له أنه يقرأ عما حدث لرامبو، في تلك المنطقة نفسها قبل عقدين من وصول دي مونفرد إليها!

https://www.independentarabia.com/