لوي أراغون وإلسا (أ.ف.ب)

في نهاية الأمر، هناك سؤال لا بد من طرحه: هل كانت إلسا تريوليه هي الحبيبة الحقيقية التي كتب لها الشاعر الفرنسي لوي أراغون (1897-1982) ألوف الصفحات ومئات القصائد والنصوص التي وزعها في مراحل متفرقة من حياته، على ما يزيد على نصف دزينة من الكتب؟ لو سألناه هو عن ذلك، وقد سألناه بالفعل في لقاء في بعلبك اللبنانية يوم زار هذا البلد للمساهمة في عرض لاقتباس مسرحي لرائعته “مجنون إلسا” وكان ذلك عند نهايات سبعينيات القرن العشرين، لكان جوابه: أجل كل ذلك كتبته من أجلها!

ثلاثي “مقدس”

لكن هذا الجواب الذي أتى على لسان أراغون يومها مع ابتسامة حزينة كان بعد سنوات قليلة من رحيلها. ومن المعروف أن ذلك الرحيل أحدث لدى أراغون تأثيراً تواصل حتى نهاية حياته. غير أن معظم دارسي شعر أراغون وحياته يقولون إن إلسا لم تكن سوى جزء من ثلاثي عاش متضافراً في حياة الشاعر: إلسا والوطن والحزب الشيوعي الفرنسي. ومن هنا حين كان أراغون يكتب عن الوطن كان يعني إلسا، وحين كان يكتب عن هذه كان يعني الوطن من دون أن يفوته أن يكون الحزب دائماً في البال حين يتحدث عن الاثنين في بوتقة واحدة. ومع ذلك لا يبدو من الإشارة هنا إلى أن علاقة أراغون مع الحزب قد تكون حميمية… غير أن علاقته بإلسا، ومن قبلها الوطن ظلت هي الأساس. وهو قال لنا عن إلسا على أية حال حين التقيناه في حديقة فندقه البعلبكي ومشهد القلعة يلوح لنا من بعيد “منذ عرفت إلسا، لم أرَ وجهاً لامرأة أخرى. قبل إلسا… كانت لي بالطبع علاقات غرامية عديدة. لكن كل هذا انتهى منذ عرفتها… هذه المرأة الساحرة التي رافقتني كل حياتي. بعد موتها، أحس بالفراغ. لكني مع هذا أشعر بأن لديَّ بعض الوقت أيضاً. أنا الآن في السابعة والسبعين من عمري… لذا عليَّ أن أكون نافعاً في شيء ما”.

عن الحياة والأعمال

ولد أراغون في باريس في أواخر عام 1897، بدأ حياته الفنية تحت لواء الحركة الدادائية ثم الحركة السوريالية فكتب بعض أعماله الأولى الجيدة مثل “نار الحبور” (1920)، و”آنيسي” (1921)، و”فلاح باريس” (1926) وكتابه “دراسة حول الأسلوب” الذي كان ثورياً في شكله ومضمونه. عام 1930 انضم أراغون إلى الحزب الشيوعي الفرنسي وتخلى نهائياً عن الأدب الخالص، لينصرف بعض الوقت إلى العمل الصحافي النضالي. وفي تلك الأثناء كتب قصيدته “الجبهة الحمراء” التي أكسبته فترة من السجن، وأدت إلى حدوث القطيعة النهائية بينه وبين حلفائه السورياليين.

المرأة منذ الطفولة

أما ذكريات أراغون عن المرأة ومكانتها في حياته فترجع إلى حين كان في الرابعة من عمره !

“لقد حدث آنذاك أن نمت في سرير واحد بالقرب من فتاة شابة. كان ذلك في منتهی البراءة، ولم يحدث بيننا أي شيء بالطبع. لكني لم أنسَ تلك الحادثة حتى الآن. لقد لعبت المرأة والحب، على الدوام، دوراً كبيراً في حياتي. ومن هنا بإمكاني التأكيد، وأنا الآن في شيخوختي هذه، على أن الرغبة واللذة هما السعادة الوحيدة للإنسان”.

في “مجنون إلسا”، التي قدمت مسرحياً في بعلبك شرقي لبنان وكان تقديمها في حضور الشاعر الفرنسي قبل رحيله بسنوات قليلة، مناسبة اللقاء بينه وبين كاتب هذه السطور، لكنها لم تلقَ الكثير من النجاح، حتى وإن كان أراغون أتى إلى لبنان خصيصاً لدعم العرض… في “مجنون إلسا” يقول أراغون “المرأة هي مستقبل الرجل”. وهو يؤمن بهذا ويقول بأن على الرجل أن يأخذ هذا الكلام على سبيل الإنذار؛ “لقد سيطر الرجل على المرأة بفعل قوته الجسدية، فحولها إلى عبدة. لكن الأمور تغيرت الآن. بيد أن التغيير لم يشمل العلاقة بين الرجل والمرأة. ولهذا لا شك أن الغد سيحمل للرجال عناء كبيراً.. وبهذا ستكون المرأة قد حققت انتقامها”.

عينا إلسا تعبران الحدود

صحيح أن أراغون كتب “مجنون إلسا” عام 1963 مستوحياً إياها من تاريخ أندلسي – إسباني متخيل، لكنها أتت في ذلك العام المتأخر من حياته وقبل سبع سنوات من رحيل امرأته ورفيقته إلسا تريوليه، لتستكمل عدداً لا بأس به من الكتب التي ما كان يمكنها أن توجد لولا وجود إلسا في حياته. ومن الطبيعي أن تكون مجموعته “عينا إلسا” أشهر كتب تلك المجموعة ولا سيما إذ انكب على موسقة العديد من مقطوعاتها بعض كبار المغنين الفرنسيين من ليو فيريه إلى جان فيرا، الذي غنى معظم أناشيد حياته انطلاقاً من أشعار أراغون نفسه، وفي رصيده عدد كبير من الأغاني التي توجد نصوصها ضمن دفتي هذه المجموعة. وهنا لا بد أن نشير إلى أن مجموعة “عينا إلسا” قد وزعت في فرنسا تحت حكم فيشي الموالي للنازيين، الذي كان يحظر نشر أية نصوص شيوعية أو ديمقراطية بشكل عام. لكن أراغون عرف كيف يمرر المجموعة فتنشر في فرنسا وذلك بفضل رقيب كان من مناصري اليساريين سراً. فاعتبر الأمر مأثرة من مآثر المقاومة الحقيقية حتى وإن كانت الرقابة الموالية للنازيين لم تعتبر الأشعار الواردة في المجموعة أكثر من قصائد حب، مثبتة للمرة المليون غباءها بالطبع.

بين الحب والستالينية

مهما يكن، لا بد من التوقف دائماً عند الأشعار التي كتبها أراغون لإلسا باعتبارها أشعاراً سياسية أكثر منها غرامية، وإن كانت حملت من الحب كل معانيه وفي أرق لغة فرنسية ممكنة. وطبعاً لا يمكننا عزو ذلك إلى الرقابة وحدها، فالرقابة قد يمكن الحديث عنها بصدد مجموعة “عينا إلسا” ولكن ليس بصدد مجموعات أو كتب مثل “إلسا” (1959) أو “الرواية غير المنجزة” (1956) أو طبعاً “مجنون إلسا” وغيرها. وكلها صدرت متأخرة عن الحرب ورقابتها. ومن هنا يبدو واضحاً أن دوافع جمالية وأسلوبية حدت بالشاعر الكبير إلى المزج، بخاصة، بين الوطن والحبيبة. ولا بد من الإشارة إلى أن تلك الرقابة التي كمنت في البداية خلف لغة “عينا إلسا” كانت “مفيدة لتوجه أراغون الشعري”. وذلك ليس فقط من منطلق سياسي، بل من منطلق إبداعي خالص. ومع ذلك يمكن القول إن قراء أراغون خلال الحرب العالمية الثانية وتحت ربقة الاحتلال النازي لبلادهم، لم يفتهم هذا البعد فقرأوا القصائد كقصائد حب وهيام لا حدود له ولكن كذلك كقصائد مقاومة. وكأن الحب نفسه صار فعل مقاومة حتى وإن كان كثر من أولئك القراء لم يبالوا بإلسا نفسها، بل قال بعضهم إنها كانت لزمن طويل هي من يأخذ أراغون بيده موصلاً إياه إلى عوالم الستالينية!

الشاعرية والالتزام

لكن تلك حكاية جانبية هنا. بالنظر إلى أن الجوهري في الأمر هو أن تلك المرأة – الحبيبة، وبصرف النظر عن كينونتها الشخصية، وفرت للشاعر – العاشق، النسغ الذي ألهب عواطفه حباً بالوطن ورغبة في التعبير عن ذلك الحب المزدوج، ما جعله، وربما لكي يقرأ على نطاق واسع، يتخلى بالتدريج، قصيدة بعد قصيدة في تلك المجموعة “الأولى” المؤلفة من 21 قصيدة، عن تلك التركيبية التي كانت قد وسمت أشعار مرحلته السوريالية الأولى، لتبسط لغته وتوضح الصور التي كان يلجأ إليها بثراء مدهش، وبتزاوج خلاق بين الإيقاعات الداخلية للغة فتبدو كجدول رقراق، ومعانٍ تحمل كل العواطف والصور المدهشة، ولا سيما بعيداً من الاستفزاز الذي كان يطبع أشعاره المبكرة. وربما، كما قال دارسو شعره من موقع الاستنكار غالباً، “كي يؤكد الرابط العميق بين شاعريته الشخصية والتزامه السياسي”.

https://www.independentarabia.com/node/280906