إعادة قراءة للمرحلة الأولى من تاريخ الحركة السورّيالية والتناقضات التي واجهتها

الشاعر الفرنسي السوريالي رنيه كروفيل (موقع السوريالية)

لا يختلف النقّاد اليوم على اعتبار الشاعر الفرنسي رنيه كروفيل (1900 ــ 1935) أحد أبرز وجوه الجيل السورّيالي الأول. لكنّ هذا الشاعر الكبير الذي “من دونه كانت السورّيالية ستفقد أحد أجمل نماذجها الزخرفية” (أندريه بروتون)، معروفٌ اليوم أكثر بسلوكه غير الامتثالي وانتحاره الباكر، منه بنصوصه. وفي ذلك، ينتمي إلى ذلك الفصيل من الشعراء “الملعونين” الذين غالباً ما نذكرهم أو نستشهد بهم من دون أن نكون قد قرأناهم. وهذا بالتأكيد ما حثّ الكاتب وتاجر الفن الفرنسي باتريس تريغانو على وضع كتاب حوله صدر حديثاً عن دار “موريس نادو” الباريسية بعنوان “الحب مذبوحاً”، ويتوق إلى التعريف بحياة هذا العبقري وكتاباته.

لبلوغ هذا الهدف، اعتمد تريغانو السرد الروائي بدلاً من نموذج البحث النقدي أو السيرة التقليدية. خيارٌ صائب لسببين رئيسيين: تشكيل هذا النوع الأدبي خير ركيزة لإعادة خطّ مسيرة شعرية تعجّ، على رغم قصرها، بالأحداث المهمة واللقاءات المثيرة والمغامرات العاطفية المجنونة؛ قدرة الرواية بسردها المشوِّق على إثارة اهتمام القرّاء بشاعر صعب وسوداوي، مثل كروفيل، وعلى إيصال تأملات عميقة في حياته وأعماله إليهم بيُسرٍ وسلاسة يتعذّر على أي بحثٍ بلوغهما.

وليس بدافع المصادفة انطلاق رواية تريغانو في أحد صباحات حزيران (يونيو) 1914، فخلاله يستيقظ كروفيل، وكان في سن الرابعة عشرة، على وقع صراخ أمه التي لا تلبث أن تجرّ ابنها إلى الصالون كي يرى جسد والده معلّقاً على حبلٍ، بعد إقدامه على الانتحار شنقاً، ويصغي إلى الشتائم التي كانت تكيلها إليه. صدمة لن يشفى الشاعر منها، بل تتسلّط عليه طوال حياته وتحدّد قدره بتغذيتها داخله حاجة ملحّة إلى التمرّد لن تغادره أبداً، وكراهية تجاه هذه الأمّ العنيفة التي دفع سلوكها الهستيري والده إلى الانتحار، وتجاه المجتمع البورجوازي الذي كانت تنتمي إليه وأخلاقيته الضيّقة.

ولا عجب إذاً في رؤيتنا المراهق كروفيل بعد ذلك الصباح المشؤوم هشّاً ومكتئباً، يفضّل القراءة في باحة مدرسته على الاختلاط مع تلامذة صفّه، ويتأتئ في كل مرة يفتح فمه للكلام. ومع أن وضعه النفسي يتحسّن قليلاً خلال دراسته في جامعة السوربون، على رغم تعليمها الكلاسيكي في نظره، لكن يجب انتظار خدمته العسكرية وتعرّفه خلالها إلى الشعراء مارسيل أرلان وجاك بارون وجورج ليمبور وماكس موريز وروجيه فيتراك، كي يجد متنفّساً للثورة الكامنة داخله، فينطلق مع رفاقه في هجومٍ شامل، وبجميع الوسائل، على كل ما يدجّن ويرتهن إرادة الفرد داخل مجتمعه: العائلة، الوطن، الأخلاق، السياسة، الإتّباعية، السلطة، المال… تجربة يفرز تريغانو لها فصلاً في روايته نظراً إلى دورها في تهيئة كروفيل للانخراط بتناغمٍ تام داخل الحركة الدادائية، ثم الحركة السوريالية، حيث سيفرد كلّياً جناحيه ويجد في رفاقه الجدد إخوةً في الروح والنضال، وفي أندريه بروتون شخصياً “مُرشِداً إلى واقعٍ علوي قادراً على العثور على المعجزة حيث لا يرى الآخرون سوى التافه”.

دور رئيسي

وفعلاً، بعد مشاركة حيوية في نشاطات الدادائية التحريضية، يعبرها تريغانو بسرعة، لا يلبث كروفيل أن يؤدّي دوراً مركزياً في انبثاق الحركة السورّيالية وبلورة نظرياتها، بمساهمته القيّمة في كشف الطاقات الشعرية المجهولة للغة واللاوعي خلال جلسات “التنويم المغناطيسي” الأولى التي كان بروتون ينظّمها في منزله لهذه الغاية، وبتعريته رهانات الفرويدية والتحليل النفسي واستثمرها أفضل من غيره في نصوصه الإبداعية والنظرية، من دون أن ننسى نصوصه في ميدان النقد الفني التي تضارع في قيمتها وغزارتها تلك التي وضعها بروتون.

وبموازاة ذلك، ونظراً إلى اقتناعه بأن لا حياة لِمَن يرفض الاقرار بواقع القوى المعتمة داخله، عمد كروفيل بطريقة منهجية، سواء في أفعاله أو في كتاباته، إلى تفجير الحواجز التي تحدّ الإنسان ولا تشكّل نقاط ارتكاز لحرّيته المطلقة. ومن هذا المنطلق، كانت حياته الليلية الصاخبة ومغامراته العاطفية والجنسية الغزيرة التي يسرد تريغانو فصولها بإسهاب، ملاحظاً أن جميع الذين عرفوه وعاشروه افتُتنوا بشخصيته وأناقته وجماله الأسوَد، بعمق الروابط التي كان ينسجها معهم، وبقدرته الفريدة على مصالحة طموحاته الطلائعية، التزامه السياسي الصريح وحياته الدنيوية.

وفي الواقع، كان لانغماس الشاعر في “كرنفال المظاهر” سلطة أخرى غير تحرير القوى المعتمة داخله أو الترفيه عن نفسه، ونقصد سلطة إبعاد الصور القاتمة المسلّطة عليه وتسكين آلامه الناتجة من مصدَرين: مشاكله الشخصية، كمعاناته من حساسيته المفرطة وعدم تقبّله ازدواجيته الجنسية وكراهيته لأمّه وهجسه بالانتحار وتألّمه من فشل علاقاته العاطفية، الواحدة تلو الأخرى، وقرفه من جسده المريض بداء السل واضطراره بسبب ذلك إلى الإقامة مراراً في مصحّ دافوس للمعالجة، حيث اختبر الأمرّين؛ ومشاكل عصره، كالأزمة الاقتصادية الدولية وصعود الفاشيات في أوروبا وتنامي البيروقراطية داخل الأحزاب الثورية.

الشعور بالذنب

في الأيام الأخيرة من حياته، سعى كروفيل جاهداً إلى مصالحة السورّياليين والشيوعيين، مدفوعاً بشعور بالذنب تجاه الشخص الأهم في حياته ــ بروتون ــ بسبب مغادرته مجموعة هذا الأخير للالتحاق بالحزب الشيوعي، مثل أراغون وإيلوار. وحين فشلت هذه المصالحة التي كان من المفترض أن تتم في 17 حزيران 1935، وأبلغه طبيبه في اليوم نفسه بأن عليه العودة فوراً إلى مصحّ دافوس للعلاج، وضع حدّاً لحياته في اليوم التالي، تاركاً خلفه ورقة صغيرة دوّن عليها ثلاث كلمات: “الرجاء حَرْقي. قرف”.

كثيرون حاولوا تحميل رائد السورّيالية مسؤولية إقدام كروفيل على هذا الفعل المأساوي، وفي مقدّمهم الكاتب العنصري مارسيل جوهاندو الذي برّر اتّهامه بروتون بما قاله كروفيل له: “بروتون هو إلهي (…) حتى وإن لم أعد أؤمن بأي شيء، لا بنفسي ولا بأحد آخر، سأؤمن دائماً ببروتون (…). إن خيّب بروتون أملي سأقتل نفسي”. ولحسن الحظ، لا يتبنّى تريغانو هذه الفرضية الهزيلة في روايته لسهولة استنتاج أن لانتحار الشاعر أسباباً أخرى كامنة داخله منذ فترة طويلة، أبرزها: يأسه المزمن وفقدانه أي أمل بمستقبله، معرفته قبل انتحاره أنه لم يعد أمامه وقتاً طويلاً بسبب تفشّي مرض السل بشكل قاتل داخل رئتيه، وخصوصاً تسلّط فكرة الانتحار عليه منذ مشهد شنق والده نفسه الذي صدمه باكراً ولم يغادر ذهنه أبداً.

وفعلاً، مَن يقرأ أعمال كروفيل يستخلص فوراً هذه الحقيقة، لتشكيلها جميعاً غوصاً رهيباً في عمق ميوله الانتحارية، وخصوصاً روايته الأولى “التفافات” (1924) التي ينصح الراوي فيها والده بأفضل طريقة للانتحار، تلك التي سيلجأ الشاعر لاحقاً إليها، و”أنا وجسدي” التي يحتفي فيها بـ “روعة جسدٍ تخلّص من الحياة”، و”الموت الصعب” التي ينتحر فيها والد ديانا، شخصية الرواية المركزية، ويسمح خطاب أمّها بإعادة ابتكار هذا الفعل ومساءلته إلى ما لا نهاية.

أعمال يتوقّف تريغانو مليّاً عندها في روايته ويعزو سبب بقائها في الظلّ إلى حد اليوم إلى تراوُح كلٍّ منها الغاضب بين شعرٍ ورواية ورسالة هجاء، وبالتالي إلى البلبلة الأدبية، ولكن أيضاً السياسية والجنسية، التي تضع فيها كل مَن يحاول قراءتها. أعمال هي عبارة عن تحف أدبية مشعّة وهشّة يتعذّر تصنيفها لبقائها في حالة ذبذبة وتحوّلٍ دائمين، وتكمن قيمتها خصوصاً في الشحنة الثورية النادرة العنف التي تعبر خطابها، وفي إبقائها سؤال ذلك الافتتان مفتوحاً، وهو الذي يمارسه علينا الجنون والموت.

يبقى أن نشير إلى أن أهمية رواية “الحب مذبوحاً” لا تعود فقط إلى نجاح تريغانو داخلها من إعادة خطّ مسيرة كروفيل العامودية الخاطفة بمعرفة وحساسية لافتتين، بل أيضاً إلى تشييده كخلفية ضرورية لها جدارية مدهشة حول المحيط الشعري الطلائعي في باريس خلال عشرينات القرن الماضي ومطلع ثلاثيناته. جدارية تتضمن بورتريهات دقيقة لجميع أصدقاء الشاعر، مثل نانسي كونار، بروتون، إيلوار، أراغون، تزارا، كوكتو، دالي، جياكوميتي، ديسنوس، بيريه… كما تتضمن تأمّلات صائبة في طبيعة علاقاتهم وفي أسباب الصراعات الداخلية التي عانت منها حركتهم المجيدة.

https://www.independentarabia.com/node/