بالذكرى الثانية لرحيله

6 ديسمبر 2020
الشاعر المصري رفعت سلام

في بريد السماءالافتراضي

 

 

 

كتابة وحوار :أسعد الجبوري

عندما هبطنا على مقربة من الأعشاب الزجاجية في حديقة الزمان الآخر،سرعان ما هبت عليها ريح زرقاء وهي تدفع بآلاف من طيور البجع فوق رؤوسنا،الأمر الذي أنتزع ما كان في دواخلنا من هدوء وسكينة.
حاولنا الابتعاد عن المكان العاصف ذاك،فوجدنا الملاك الصوفي((أريلولا)) وهو يقف بوجهنا. وما هي إلا لحظات ،حتى رفع النظارة الشمسية عن عينيه وتقدم منا مُرحباً وهو يسأل إن كنا بحاجة إلى مساعدة أم إلى شيء آخر.
آنذاك أخبرناه عن رغبتنا بالتعرف على مكان إقامة الشاعر المصري رفعت سلام.فصمت الملاك الصوفي قليلاً،ثم أدخل كفه الأيسر بشقٍ في صدرهِ ،ليخرجَ منه سمكةً زرقاء ألقى بها على الأرض بين اقدامنا وقال: اتبعوا هذه السمكة لتدلكم على ما تبحثون عنه.
أصبنا بالذهول خائفين مما يحدث أمامنا.لكن الملاك الصوفي أعاد علينا القول،بأن السمكة ستأخذنا إلى السماء الثانية،لتجدوا الشاعر يسبح بمياه النسخة الأصلية من نهر النيل.
وما أن قمنا بتنفيذ ما أوصى به ذلك الملاك،حتى رأينا رفعت سلام وهو يخرج من تحت المياه ليستقبلنا على ظهر يخت صغير تُديرهُ امرأة خلاسية كانت بثياب البحر مع دلفين .فجلسنا نحتسي الكؤوس على صوت أم كلثوم.وما دبّ دبيبُها في الدم،حتى دخلنا في الحوار مع الشاعر:
س:منْ كان يسكنك يوم كنت على الأرض ؟
ج/ليس غير تلك الأفلام المرعبة من سينما التماسيح الآدمية .
س:هل كنت مشاركاً ببطولات أفلامها أم كنت مَخدُوعاً بنجومها أم كان ارتيابك منها على درجة عالية من الرعب؟
ج/كان الطغاةُ بالملاعق والسكاكين وربطات العنق الأنيقة ،وكانت الشعوب جثثاً على طاولة التاريخ،حيث موتى الفقراء وجباتُ الطعام،تُؤكل ويتم تفريغهم فضلاتٍ .
س:متى رأيت نفسكَ حيّاً في لوحة الغياب أو العدم؟
ج/أنا الآن،وإن كنت غير مرئي لأعين الناظرين،إلا أنني في أعلى مراتب القوة السماوية.
س:هل ينتقل الشعراءُ الموتى في عربات مُجنحة؟
ج/ أجل. فلكلّ شاعر أجنجةٌ مضاعفةٌ ،عادةً ما يتم تركيبها على ظهورهم للطيران فيما وراء الحقول المغناطيسية.
س:كيف ينمو الموتُ في الشاعر؟
ج/يحدث ذلك ،وقتما يتصحر جسدهُ، ولا يبقى منه إلا كثيب صغير من الرمال.
س:وهل عشتَ حالةَ الترمل بالرمل؟
ج/لم أظن يوماً بأنني سأخالفُ نظامي البيئي أو الجيولوجي ،فأتحوّل بقعةً من الريف المصري إلى قطعةِ سيراميك نائمة في خزنة متحفٍ من المتاحف.
س:أنت انشغلتَ طويلاً بحياة الورق. أليس كذلك يا رفعت ؟
ج/أجل.وكنت أشعرُ في تلك الحياة الأرضية،كما لو أنني حقل من حقول البردي لصناعة الورق وتحبيرهِ بالشِعر وبالأفكار وبالتراجم.
س:هل تعتبرُ نفسكَ أرجوانياً ؟
ج/لا. لم أتصالح نفسياً مع هذا اللون الحربي ،لا بالشعر لا بالحب.
س:أو ليس الحبُ نوعاً من الحرب؟
ج/ لم أعتقد بذلك يوماً على الرغم من معارك الحب الكثيرة. أنا ولدتُ بحويصلة ضيقة للأشواق.لذا ،فكلّ حربٍ في الحب لا تفصدّ دماً ،تجعلُ القلبَ حديقةً فارغةً حتى من الأعشاب الضارّة.
س:كيف يستبدلُ الشاعرُ القلب بحويصلة الدجاج ؟
ج/عندما تنامُ النارُ في الجملة العصبية،ولا يبق للغرام سوى ساعة اليد.
س:ومن منهما الأقوى :الزمنُ الغرامي أم ساعة اليد التي تعمل على البطارية ؟
ج/تَذكَرْ بأن ملايين القلوب تعيشُ على نبض البطاريات.وهذا ما يقود إلى شحن القلوب بالحب مجدداً ،وإن بظروف أكثر قسوة من الفراغ.
س:هل لأن رفعت سلام لم يستطع ملأ فراغات المرأة على سبيل المثال؟
ج/لم استعمل تلك البطارية لابالكتابة ولابالترجمة ولابالبريد الإليكتروني حتى .
س:ما الذي يمكنك قوله لـ (أبو الهول) وأنت تنظر إليه من السماء ؟
ج/ حافظ على سنّكَ صغيراً، ولا تتقدم خطوة أخرى في الحجارة.
س:هل تظن بأن المخلوقات تشيخُ أثناء النوم أم تحت الشمس ؟
ج/لا هذا ولا ذاك.المخلوقات تشيخ بغياب الموسيقى فقط.
س:أكان ما ينقص حياتكَ على الأرض القديمةهي الموسيقى والموسيقى فقط ؟!
ج/ذلك ما لم أعترف به جازماً.
س:أكنت تضع قلبك على سكة الحديد وتصرخ بقطار أم كلثوم أن لا يتأخر ولو لدقائق!
ج/ليست أم كلثوم مجرّد مدرسة غنائية،إنما هي الغرام والبؤس والخيانة والصبر والفراق والهجران والدموع والأرحام الوجدانية التي تمتلئ بالحنين المُوجع،ومن بعدهاتفتحُ للأرواح أبوابهالتنزلَ في قاع الجحيم.
س:هل تغرّبت حباً يا رفعت ؟
ج/وأعظم من ذلك بكثير.ثمة تراكم غرامي حصل في الأعماق، ومات بالسرّ مع مرور الزمن على دفعات.
س:هل كان حبكَ طيفاً ملّوناً، انتهى بالأسود والأبيض على سبيل المثال؟
ج/ أجل. ذلك ما حصل للغرام الوجل الذي كان مُكدّساً بأعماقي بالضبط.
س:هل كان الحبُ نوعاً من الخطر برأي رفعت سلام؟
ج/ لم اشكّ بذلك للحظة واحدة.
س:تعني إنكَ كنتَ غريق النيل .أليس كذلك ؟
ج/ ربما. فكل ما كان في مجرى النيل، ينتمي للغرام والغرق بتفاصيله وتفاعيله وطقوسه الأسطورية منذ بدء الخليقة وحتى لعنة سد النهضة .
س:متى يعتقد الشاعرُ بجسدهِ حديقةً ؟
ج/ عندما يتشبث بكاف التشبيه، ويجعل منها أداة وصل وتشابك ودمج خلّاق .
س:كإنكَ تُمجدُ العيش المشترك ما بين الدال والمدلول .أليس كذلك يا رفعت؟
ج/ولمَ لا. فالشعر محضُ ترويجٍ لكليّة التداخل العميق ما بين الباطن والظاهر.ما بين الوجود والعدم.
س:ما العلاقة التي تربط الشعر بفكرة الوداع ؟
ج/كلاهما من منشأ واحد .
س: ماذا تقصد. أو كيف يحدث ذلك ؟
ج/ أقصدُ أن الشعر وداعٌ والعكس صحيحٌ إلى حدّ بعيد.
س:هل يعتبر الشاعر رفعت سلام الشعرَ محطةً للانتظار؟
ج/ذلك ما لم أفكر به إلى أن هاجم جسدي السرطانُ،فتأكدتُ من أن الأجساد ليست سوى محطات للخيبة والأسى والفَتك .
س:تعني إنها كانت محطات انتظار على طريقة غودوت لصموئيل بيكت ؟
ج/لا .ليس ذلك ما قصدته بالضبط .فمحطة غودوت قابلة لأحلام المنتظرين ،فيما شيدّ المرضُ في جسدي محطةً للعدم ،وطردَ بقية الأفعال التي تمنح الفرص بنشوء الاحتمالات المقاومة للسفر المبكر تحت الأرض.
س:وكيف كان سفرك تحت التراب يا رفعت؟
ج/ أنا ما زلتُ راكّباً في باص الزمن.
س:أي الزمنين تقصدُ :السفليّ أم العلوي ؟
ج/العدمُ وحدةٌ زمنيةٌ تلتهمُ بقية الوحدات دون أسف أو تفسير.
س:وهل لشاعر مصري مثل رفعت سلام أن يصبح دولاباً مشتعلاً بالنار على طريق التيه؟
ج/لم يكن المرض هو النار الوحيدة التي أحرقت غابات رفعت سلام، هناك ديناصورات شبيهة بالأهرامات، تستلذّ بأطعمة الموتى من أمثالي.
س:والشعرُ.. ألا يُطفئ حريقاً أو يشفي مريضاً ؟
ج/لا أظن ذلك، الشعرُ مخلوق فاشلٌ بأعمال التمريض،مثما هو فاقد للخبرة بتفاصيل عمليات الاطفاء .
س:ألا يصح النبيذُ أن يصبح إطفائياً للحرائق التي تعتملُ بأجساد الشعراء على سبيل المثال؟
ج/يمكن طرح سؤال من هذا القبيل على الخمر نفسه ،ليأتيكَ السكرانُ بالخبر اليقين.
س:هل هذا هروبٌ من اللذّة الجسدية ،وتصالحٌ مع فكرة تعميق الأسى في البنيان اللغوي ؟
ج/ليس هروباً من حانة الكون،بلمن مضاعفات الثمالة ونحيبها على الأنفس النائمة تحت الحطام.
س:هل سبق لكَ وان مشيت على طريق الدموع ؟
ج/أجل. فما من شاعر أو فلاح مصري ولم تجرّب قدماه المشي على طريق الدموع.
س:هل تعتقدُ بأن أصلَ النيل دمعةٌ ؟
ج/يا للسؤال العظيم .إنك تفتحُ بهذا السؤال ترعة في جسد كل مصري،وأنا من أوائل المغرورقين بتلك المياه التي أعاد تكريرها السدُ العالي لتصبح أكثر عذبةً.
س:هل سقيتَ ((وردةُ الفوضى الجميلة)) من تلك المياه؟
ج/كان ذلك أول كتاب شعري لي صدر عام 1987. وقد احتفلت به مثلما تحتفلُ الصحراء بالمياه.
س:كيف يشرب الموتى المياه في قبورهم ؟
ج/أنا أشربُ الماء صوتياً .
س:ماذا تقصد بذلك يا رفعت ؟
ج/كلُّ صوت عابر لقبري أو يمر بالقرب من مقابر العائلة ((منية شبين القناطر)) في القليوبية،،يتحول إلى قطرات ندى سرعان ما ينزلُ بالتربة،متسللاً إلى فمي ويسقيني.إنها كيمياء الأصوات.
س:ثمة من يعتقد بأن الشعر ظاهرة صوتية.أتظنُ أنت ذلك ؟
ج/نعم. كان الشعرُ هو المجال الجوي لطيران الأصوات في المراحل الشفوية وما تبعها قبل اختراع الورق والمطابع.
س:أيهما المدرسة الأقوى للشعر قبل الموت وبعدهُ ؟
ج/يوم كنت على الأرض،لم أطمح إلا إلى مقاومة غربتي في القاهرة،عندما كنت أدرس الصحافة في جامعة القاهرة.ولم تكن تلك الغربةجغرافيةً،بقدر ما كانت روحية عَمقها الشعرُ في نفسي مع تكاثر الآمال .
س:تكاثر الآمال بنشوء مدرسة شعرية في مصر،أم ثمة شأن آخر؟
ج/كنت منخرطاً لجدولة الشعر المصري بعيداً عن ملابس شوقي وحجازي وصبور وآخرين ممن ترسخت أقدامهم بتربة الشعر المصري تحايلاً وقمعاً وسيطرةً مدعومة حكومياً.
س:وهل يُبرمجُ الشعر في مصر كما تظن يا رفعت ؟!
ج/لا يُبرمج وحسب،بل ويُدجن كما الفراخ في أقفاص حكومية ترعاها رجالاتٌ من شرطة الشعر السلفي والمُحدث المُزور وأفواه القوافي المُعَطرة بدخان الأراجيل.
س:هل كان الخواء الشعري سبباً بتعثر عجلات الحداثة المتقدمة الجريئة المغايرة التي تسمح بنشوء نصوص من ذوات العضلات الخيالية الضخمة القوية على سبيل المثال؟
ج/ حاولنا الانتشار مراتٍ، ولكن تم تفشيلنا من خلال تجويع مشاريعنا الشعرية،مما اضطررنا إلى التوقف عن اصدار أكثر من مجلة وجريدة أدبية.
س:هل تعني ضرورة أن يتعايش الشاعر مع الخيبة كطريق آمن؟
ج/التاريخ الثقافي يُثبت ذلك بالتأكيد،فيقدم لنا الشاعر رأساً مُصوراً تحت شفرة المقصلة.
س:هل بفعل ذلك التجاهل،أدرتَ ظهرك للشعر ، واتجهتَ صوب الترجمة؟
ج/ربما في ذلك شيء من الصحة.ولكن ذهابي إلى الترجمة ،حصل برغبة حرث تربتي الشعرية بمحاريث أراضي الشعراء الآخرين من العالم الغربي أمثال شعراء عالميين: بوشكين، ريتسوس، بودلير، كفافيس، رامبو، ويتمان….
س:هل اعتبرت الترجمةَ هي نوع من الاختلاط بشعراء أجانب لاستحصال الأسمدة منهم لدعم نصوصك الشعرية على سبيل الافتراض مثلاً؟
ج/نعم.فالترجمةُ تُحدثُ مثل ذلك الاختلاط.
س:بمعنى إنها تقوّي جهاز المناعة الشعري عندك قبل تعرض النصوص للانهيار أو التعب؟
ج/إذا كان الشاعرُ مُترجِماً ،فليس بالضرورة التفكير الانعزالي ،ورفض التمتع بروائح الآخرين وتسللها إلى تراب نصوصهالشعرية.فالشاعر المُتَرجِم سارقٌ فاضلٌ ولطيفٌ للنصوص،ولا تشمّلهُ اللعنةُ.
س:هل كنت كذلك؟
ج/أنا كنت أشمٌّ ولا أتعاطى.
س:تشمُّ ثيابَ شعراء المُتَرجَمين ولا تتعاطى مع لُحوم نصوصهم كما نفهمُ ؟
ج/ بالضبط.ولكن بعض السكاكين تغامرُ بالتحايل على اللُحوم أحياناً فتنهشُ،وتارةً أخرى تقطعُ من تلك الشحومتحت ذريعة التناص.
س:هل كان كل ذلك يحدث بشهادة النيل أو تحت نظره؟
ج/ لا أبداً.لقد كان ذلك النهر من سلك الكشافة ،أشبهُ بمتطوع نهمٍ من أجل قراءة لغة الأرض أكثرمن الشمس وقلقنا المضاعف بالخوف على مصر.