«أقراص المُسكِّن»

ثقل القصيدة وخفة «الكوميكس»

طارق إمام

للوهلة الأولى، يحيل غلاف كتاب «أقراص المسكن» (دار ملامح، القاهرة)، لكتاب «بوب آرت» خفيف من قطع الجيب، وليس لمجموعة شعرية. يدعم ذلك وجود اسمين على غلافه: «هاني سامي»، صاحب القصائد، و«شريف سامي» ــ صاحب الرسوم الداخلية. الأدهى أنك بتصفح الكتاب نفسه سيتأكد حدسك، حيث ستشعر أنك أمام كتاب مصور للبالغين وليس ديواناً شعرياً مدعوماً بالرسوم. الرسوم نفسها لن تكون تجريدية كتلك التي تصاحب بعض الدواوين، بل رسوم قائمة على التشخيص، وقريبة من روح الكوميكس والقصص المصورة الجماهيرية. رسوم أقرب للـ simi life، يجيء تنظيمها مع صف الكلمات في ثناياها وعلى حوافها ليشعرك أنك أمام كتاب مصور، ما يجعل النص أشبه بـ graphic poems على غرار الـ «جرافيك نوفيل» نظيره السردي. كل هذا يشكل كتاباً هو في واقع الأمر مجموعة شعرية نثرية، ذهب إهداؤها لاثنين من شعراء قصيدة النثر في جيل التسعينيات المصري هما «فارس خضر» و«جرجس شكري».

أحالني التصفح الأوَّلي ــ المندهش تماماً لطزاجة التجربة ــ لسؤال تردد كثيراً طيلة الفترة الماضية حول مستقبل الشعر وطرق الفكاك من ركوده المزمن. الكتاب يجيب مبدئياً على ذلك بمنطق « الجاذبية» .. نعم هو كتاب جذاب ، لا يحمل تعالي أغلفة الشعر وعناوينها وجفائها الداخلي ــ أتحدث هنا بمنطق القاريء العادي ــ فالكتاب يدفعك للتقليب فيه و«الفرجة» عليه، من قبل أن تبدأ قراءته.

هنا، ثمة تلاعب بصري بفضاء الصفحة، يجذب إلى عالم يشي بقابلية التداول، والتواصل، وبالخفة إجمالاً. هذا الاتكاء على طرح واحد مع اختلاف تناول هذا الطرح ــ بتحويل المقروء إلى مرئي، وبالمزج بين الدلالة الذهنية للفظ والصورية لما هو مرئي ــ يبدو معارضة تشي بالهوة السحيقة بين الشاعر الآن والشاعر الذي كان، حتى لو لم يكن ذلك مقصوداً في التجربة التي بين أيدينا، أو مخططاً له.

***

اللافت أن العالم الشعري للمجموعة ليس امتداداً لقصيدة النثر التسعينية كما هو متوقع، وكما قد يوحي الإهداء . نحن لسنا أمام عالم الأشياء اليومية ولا التفاصيل العابرة، ولسنا أمام قراءة حسية تقتصر على الوجود التجريبي المدرك، وإجمالاً: لسنا أمام فلسفة هذه القصيدة في قراءة العالم.

القصائد تمتح من عالم المجازات والصور الشعرية الجزئية بسيولة، وتنطلق في تداعيات بلاغية تخلق جذراً عبثياً يشد إليه العالم الشعري، بعلاقات مفارقة، تؤكد خصام العالم القائم مع العالم الذي تبغيه الذات، بدءاً من أولى قصائد المجموعة، والمعنونة «العالم الجديد»: «مع أنها اصطدمت/‏‏‏ بخارطة العالم المشدود/‏‏‏ على الحائط الذي يشبهني، أبت زجاجة الحبر المكتبي/‏‏‏ أن تفجر غضبي الأسود،/‏‏‏ حين أرسلتها في رحلة استكشافية/‏‏‏ في فضاء الانتقام».

اللغة ليست هنا تداولية، فهي لغة كثيفة، محملة بالمجاز، والعالم الذي تؤسسه عالم استعاري، مجرد.هي رغم ذلك ليست لغة القصيدة السبعينية، المولعة باختبار الدوال، ولكنها أقرب للغة القصيدة «الرومانسية » بموروثاتها الأساسية: هيمنة الذات الغنائية، الاعتداد بالوجود في طبيعيته ووحدة موجوداته، إقامة المفارقات الدائبة بين الأفق اللامحدود والوجود الانساني الممنطق الفقير، الاعتداد بحلم مفارقة الجسد الضيق المؤطر للروح نحو العالم الشاسع. كل هذه الأداءات حاضرة هنا بقوة، بدوالها الرئيسية التي تحيل إلى العالم الدلالي: البحر، السماء، الأرض، والتي تتولد عبرها عشرات الدوال الأخرى المعبرة عن هذه العوالم: الفراشات، الأشجار، الطيور، الشموس والأقمار، إلخ. والذات تولد مفارقاتها بين هذا العالم ــ المراد ــ وعالمها القائم.

«حزين أنت/‏‏‏ في وسط ناس/‏‏‏ يشبهون حافظات نقودهم/‏‏‏ وعدادات التاكسي/‏‏‏ وحافلات النقل العام../‏‏‏ حزين في وسط ظهيرة/‏‏‏ الطوابق السفلية /‏‏‏ لمكعبات رمادية /‏‏‏معتمة /‏‏‏ في ظل كوبري../‏‏‏ تركب فراشتك نسيمك /‏‏‏ وتذهب في اتجاه البحر/‏‏‏ والأحلام /‏‏‏ تثقل عوادمهم هواءك/‏‏‏ وتمزق ضوضاءهم/‏‏‏ ألوان أجنحتك». هذه مفارقة جوهرية تنتهي إلى خلق عالم استعاري مفارق في النهاية للمرجعية الواقعية.

هناك أيضاً اتكاء على المنحى التأملي، التجريدي، ويتحقق ذلك في مواضع شتى، حتى تعتقد أن بعض القصائد هي ألعاب غارقة في ذهنيتها: «الآن صمت يجادلني/‏‏‏ والأشياء تكمل طريقها للأشياء، عبري/‏‏‏ وأنا اثنان/‏‏‏ وأكثر/‏‏‏ موجة وبحر/‏‏‏ وقمر متوحد في صورة السماء/‏‏‏ يكمل كماله/‏‏‏ ويزهو/‏‏‏ ويبكي في صورة البحر تكسره». لاحظ هنا سيولة الصور الشعرية التي تصنع توازياتها وتعارضاتها بالمنطق الذهني.

أيضاً، تستدعي القصائد عدداً من الإشارات الثقافية التي تعمق إيديولوجيتها العامة ، وهي حيلة شعرية معروفة يعمل فيها القناع عمل الذات المختفية خلفه. هناك «ايكاروس» الإغريقي كإحالة بديهية لفكرة التحليق ومفارقة الواقع الأرضي، هناك تفاحة نيوتن ومن قبلها تفاحة الخطيئة، وكلتاهما تؤكدان منطق الجاذبية الذي يشد الانسان للأرض ويجعل تحليقه، أو استمراره في السماء، مستحيلاً .. وهي علاقة التقطها الشاعر بذكاء ليقيم توازياً بين الإشارتين في قصيدة «تمهل قليلاً يا نيوتن». دائماً وجود الذات الآني محض «معادلات» رياضية، تحضر فيها الأرقام والعلامات الهندسية بينما ما يصبو له غامض ورحب.

***

على جانب آخر، يحضر الاتكاء على المفارقات الجزئية والكلية التي تتخلق بنيوياً بتشييد الفضاء الدلالي للنص في اتجاه وانهائه في اتجاه غير متوقع، وهي سمة ممتدة عبر القصائد: «أحياناً يحدث هكذا /‏‏‏ أن يجد الإنسان نفسه/‏‏‏ فجأة/‏‏‏ لا يعرف الطيران». المفارقة أيضاً قد تقع بين طبيعة النص والرسم المتقاطع معه، مثل صورة الأنثى التي يخلقها نص «قصيدة لك» والتي لا تخاصم قاموس الشعر العاطفي: «كأنني أكتب قصيدتي على ضوء نار/‏‏‏ كلما اقتربت منها /‏‏‏ كي أرى وجهك فيما كتبت /‏‏‏ خفت أن تحترق الكلمات». إن هذا الأداء الشعري المُحمَّل بسنتمنتالية واضحة، يقطعه رسم لفتاة عصرية لا ترتدي سوى قطعتين من الملابس. بالقطع تأويلي هذا مصدره أن القصائد والرسوم متكاملة تماماً في النص. هنا تكمن المفارقة في الفراغ الدلالي بين النص المكتوب ونظيره المرئي على القاريء أن يفكر فيه ، بارتباك حقيقي، حيث ان هذا المتلقى أسس قراءته في الغالب على مفهوم يقضي بانسجام المكتوب مع المرئي، وبشكل أشمل فهناك مفارقة بين المكتوب والمرسوم، هي مفارقة قانوني الثقل والخفة. المفارقة أيضاً حاضرة على مستوى الحضور التعاقبي للنصوص، يجلوها اقتحام نص هو «قصائد السفاح» والمتحقق طباعياً على خلفية سوداء بين صفحتي 38 و45، والذي يبدو «نيجاتيف» كثيف لعالم المجموعة الشعرية ككل، يفصل ماقبله عما بعده من صفحات بيضاء، متساوقاً مع صورة الذات الشاعرة فيه، التي تتخذ قناع السفاح وعالمه النفسي العائش على هامش كل القيم، مداراً لها.

«هل أحيتك بعدما أماتتك شبيهتها /‏‏‏ وأعطتك أقراص المسكن وكوب ماء فارغا؟» لعل الموت نفس، وفق منطق القصائد، ووفق حضور عنوان المجموعة الذي يخفي في ثناياه حضوراً أكبر للألم، وسيلة للحلول في جسد الوجود الرحب، بعيداً عن جسد الذات الذي لم يسعها أبداً.

http://omandaily.om