ملف الخيال

مجموعة من الكتّاب

الخيال في الفلسفة العربية
الإسلامية

مصطفى كاك

عندما يتفحص الباحث تاريخ الفلسفة الإسلامية –كما صاغته الكتابات المتداولة- يلاحظ أن ثمة أمرا أساسيا كان محور السؤال والإجابة، ونقطة الانطلاق والوصول في نفس الوقت، ويتعلق هذا الأمر بالخلاف بين الوحي الديني والحكمة الفلسفية أو بعبارة أوضح بالاختلاف بين النقل والعقل.

وقد اتخذ تاريخ الفلسفة الإسلامية صورة إجابة عن هذا الخلاف الأساسي، وهي إجابة تنطوي على المطابقة بين العقل والنقل، وإثبات وحدة الحقيقة وهوية الفكر. ومعنى ذلك أن تاريخ الفلسفة يظهر كما لو أنه لم يوجد إلا ليتحقق من خلاله التطابق ويرتفع في الأخير كل اختلاف، بحيث لا مكان للخلاف والاختلاف في تاريخ الفلسفة.

هذه الصورة التي يعكسها تاريخ الفلسفة “الرسمي”، ليست هي الصورة النهائية، أو الوحيدة، ذلك أننا نجد وجوها عديدة للاختلاف حفلت بها كتب الفلاسفة أنفسهم، مثلما نجد إشكالات ضمنية قد حجبتها إشكالية العقل والنقل. ومن الملاحظ هنا أن أغلب المؤرخين العرب للفلسفة الإسلامية قد سقطوا في ذات المنطق الذي وجه نظرة المستشرقين إلى الفكر الإسلامي، حيث أن إشكالية العقل والنقل قد تم دائما تناولها من وجهة نظر النزعة الأوروبية المتمركزة حول العقل. وكانت نتيجة ذلك، البحث باستمرار في الفلسفة الإسلامية عن العناصر التي تؤيد تطابق النص الديني مع العقل.. وحتى لو كان هذا النص يستند في أغلب أجزائه على الإشارة والصورة والرمز أو الحكاية والمثل فينبغي “تأويله” كي ينسجم مع مقتضيات العقل المركزي. هذه النتيجة ستؤدي إلى اعتبار النقل نقيضا للعقل (وهي فكرة عمل أغلب المستشرقين على الترويج لها –انطلاقا من نظرة قدحية للخيال ولعناصر اللامعقول)، ومن ثمة وقعت التضحية بالكثير من عناصر الموروث القديم، وخصوصا العناصر التي كان لها الشأن الكبير في صيرورة الفكر العربي الإسلامي، وهي تلك التي يمكن إدراجها ضمن مفهوم الخيال والخيال الرمزي.

وقد لاحظ الأستاذ الجابري أن تاريخ الفلسفة “الرسمي” غالبا ما أهمل تلك الأمشاج من الآراء الفلسفة والدينية التي تميز بها الشرق، لأن “تاريخ الفلسفة “الرسمي” المعاصر تحكمه “المركزية الأوروبية” وبالتالي فهو لا يهتم إلا بالطريق الذي سلكته الفلسفة في بلاد اليونان موطنها الأصلي إلى روما وأوربا في العصور الوسطى ثم أوربا الحديثة. أما الطريق الذي سلكته الفلسفة من أثينا إلى الشرق خلال فتوحات الإسكندر وبعدها إلى أن استقرت في بغداد عاصمة العباسيين فهو لا يهتم بها”.

هناك كذلك نوع من التواطؤ بين التاريخ “الرسمي” للفلسفة القديمة مع ما يطلق عليه الأستاذ الجابري “التاريخ الركامي، والمقصود به التاريخ المشحون بالآراء المنحولة والمطبوع بتداخل الأزمنة الثقافية والذي تقدمه كتب “الملل والنحل” العربية انطلاقا من عصر التدوين”.

وقد حاول “العقل العربي” باستمرار إثبات معقوليته، بنفي اللامعقول (والنقل) انطلاقا من تصور ملتبس وغامض عن عقل خالص. ومسألة الحوار بين العقل والخيال لا تعدو بعض الحالات الاستثنائية المندرجة ضمن إطار التصوف أو الحكمة الإلهية، بعبارة كوربان. ولقد أدى نفي الخيال إلى عودة اللامعقول والمنقول (أو “المكبوت”) متظاهرا بكيفيات مختلفة ومتعددة. وبذلك فمسألة الهوية والاختلاف –كمسألة أساسية في الفكر الفلسفي الإسلامي- يتوقف تحليلها على المعالجة الفعلية لإشكالية العقل والخيال، انطلاقا من الخيال نفسه ككيان أنطولوجي له قوته، وبعيدا عن التمركز العقلي.

تثبت الدراسات التي قام بها مرسيا إلياد كيف أننا “بصدد فهم شيء لم يكن بمقدور القرن التاسع عشر حتى الإحساس به، وهو كون الرمز والأسطورة والصورة تنتمي إلى جوهر الحياة الروحية. وأنه بالرغم من قدرتنا على كبتها وإعطابها والحط منها لا نستطيع اجتثاتها بصفة نهائية”. إن الأساطير والرموز –رغم ما تعرضت له من اختزال وقهر- ما تزال تقاوم وتلعب دورا في حياة البشر من خلال الشعر والأدب.. بل إن الأدب لدليل على استمرار التعبير الأسطوري عن الحياة الروحية من خلال الأشكال الرمزية.

فمنذ الفترات القديمة والإنسان يبحث عن فجوات وانزياحات خارج نطاقه التاريخي وخارج الأنماط الفكرية الجاهزة. وهذا لا يعني ضياعه ككائن بشري، كما لا يعني بأية حال التبدد النهائي لـ”ماهيته” أو “هويته” –بل إن الخروج عن الشروط التاريخية لا يعني ضرورة التوحش، كما أعتقد الفكر المتمركز حول العقل أو التاريخ الأوربيين، ذلك أن “من أبرز مظاهر التمحور على الذات والتركيز عليها، انتقاء التواريخ والأحداث “الهامة” استنادا إلى مركزية، غالبا ما تكون هي المركزية الأوربية. فقد جرت العادة على تبني التحقيبات التاريخية الشائعة والقائلة بأن ثمة “عصرا قديما” وآخر “وسيطا” و”أزمنة” حديثة و”معاصرة”. وانطلاقا من ذلك يتم تحقيب التواريخ الأخرى تحقيبا مطابقا لا يحترم خصوصية هاته الأخيرة وزمانها الفعلي. وبهاته الكيفية يتم كبت تلك التواريخ الأخرى وتدمج في تاريخ واحد هو التاريخ كما يراه الغرب”.

وقد دفع “التمركز الأوربي”، حول التاريخ وبالتالي حول العقل بفيلسوف “أسطوري” مثل نيتشه إلى مهاجمة التاريخ (التقدمي والمتصل) وكذا الحس التاريخي، باعتبارهما كانا دوما مصدر حصار لقوى الحياة، ذلك “أن الإفراط في التاريخ –كما يقول نيتشه- كان يبدو خلال جميع الفترات معاديا وخطيرا على الحياة”، مثلما “أن هناك درجة من السهاد والاجترار والحس التاريخي تضر بالكائن الحي، وتنتهي بالقضاء عليه سواء تعلق الأمر بإنسان معين أو بأمة أو بحضارة”.

من المؤكد أن الإنسان عندما يكسر الزمن يستعيد بذلك لغة “البداية” و”الأصل” “الأول” وتجربة “الفردوس المفقود” فالأحلام وأحلام اليقظة ومختلف صور الحنين والرغبات اللامعقولة، والقوى الغريبة والخارقة التي لا حصر لها، تدفع بالوجود الإنساني، المقيد بالشروط التاريخية –داخل عالم روحي لا حد لغناه بالقياس إلى العالم المنغلق في “لحظته التاريخية”. فهي تلهمه صورا ورموزا تفوق في قوتها الأنطلوجية قوة المفهوم أو التصور العقلي.

من هنا فاللاشعور –كما أثبتت ذلك تجارب وخبرات عديدة- يعتبر أكثر شاعرية، ويمكن القول كذلك إنه أكثر حكمة وفلسفة، وذلك بقدر ما هو أسطوري. فليس من الضروري دائما معرفة الأساطير لكي نعيش الموضوعات الأسطورية الكبرى، فاللاشعور ليس مسكونا فقط بالمسوخ، بل إن للآلهة والملائكة والأبطال والحوريات مكان فسيح فيه، هذا بالإضافة إلى أن مسوخ اللاشعور هي بدورها أسطورية، إذ تشغل نفس الوظيفة التي كانت تقوم بها داخل الأساطير، وهي مساعدة الإنسان على الانعتاق بنفسه والسمو نحو الكمال.

كثيرا ما قيل إن الفلاسفة أكثر الناس أحلاما، أي أكثرهم صورا ورموزا، من غير أن يؤخذ هذا الكلام على محمل الجد. وبالفعل، فمنذ أفلاطون إلى اليوم والمدن الفاضلة تشيد ويعاد في كل مرة بناؤها. فالجمهورية والمدينة الفاضلة وجزيرة حي بن يقظان واليوتوبيا، ليست سوى أحلام غنية بالصور مكثفة الرموز.

لقد اتخذ عمل الخيال في الفلسفة منحى غير الذي رسخه تاريخ الفلسفة التقليدي. فالنص الفلسفي يزخر بالاستعارات والمجازات والصور الرمزية. وليست المفاهيم سوى استعارات مغلفة باستعارات أخرى شدت إليها الانتباه حتى نسينا أنها استعارات للاستعارة.

ليس العقل إذن هو مركز الفكر كما أوهمت بذلك الميتافيزيقا الغربية. ودراسة الخيال الرمزي في الفلسفة تساعد على تبديد هذا الوهم، كما أنها تفتح الأفق لتجاوز التعارض التقليدي بين الخيال والعقل. وقد بين هايدغر إلى أي حد يصعب المقابلة بين الميثوس واللوغوس. فهما في الأصل لا يتعارضان، بل إن “الأسطورة تريد أن تقول: قولا مبينا. والبيان بالنسبة للإغريق هو إبراز وإظهار المظهر وما يدخل في تجليه. إن الأسطورة هي ذاتها من خلال ما تقوله أي ما يظهر عبر انكشاف مطلبها. ميثوس (Mythos) ولوغوس (Logos)، لا يدخلان بأي حال –كما اعتقد هذا الخليط من تاريخ الفلسفة- في تعارض سببه الفلسفة ذاتها. وبالضبط فالمفكرون الأوائل من الإغريق (بارمنيدس ش.8) يستعملون ميثوس ولوغوس بنفس المعنى. إن ميثوس ولوغوس لا يتباعدان الواحد عن الآخر، إلا عندما يعجز كل منهما عن الاحتفاظ بوجوده الأولي”.

إن ما يغيب فعلا في التاريخ “الرسمي” للفلسفة هو الدور الذي لعبه الخيال في تشكل الآراء الدينية والأفكار الفلسفية. ويهمنا هنا أن نفحص نزعة التمركز العقلي انطلاقا من الخيال كإشكالية فلسفية طبعت العصر الوسيط وبالخصوص في الفلسفة الإسلامية.

ـ I ـ

من الممكن أن نتساءل أولا: كيف ولماذا تمت إثارة الصراع الموجود سابقا لدى اليونان بين اللوغوس والميثوس، بين العقل واللاعقل بكيفية مجددة ومخالفة نسبيا، داخل الثقافة العربية الإسلامية، من خلال التوتر بين العقل والنقل؟

لقد كانت مسألة الحقيقة –كقضية ميتافيزيقية تتعلق بمصادر المعرفة وأسسها- توجب –برأي البعض- “تحديد القيمة المقارنة للعقل والوحي، باعتبارهما ينبوع المعرفة والضامن لها(…) وبهذا الاعتبار يمكن تحديد سلم أوضاع على محور مزدوج الاتجاه، شطر موقف نقلي من جهة، وتطلع عقلي من جهة أخرى”.

إلا أن الأمر لم يكن ليقف عند هذا الحد. فموضوع الإشكال الذي هو النص القرآني كان مصدر خلاف واختلاف، لا بين المتكلمين وخصومهم فحسب، بل كان الأمر كذلك بالنسبة للفلاسفة والمتصوفة. ذلك أن “كلام كل كتاب وأخبار كل نبي لا يخلو من احتمال تأويلات مختلفة لأن ذلك موجود في الكلام بنفس طباعه – ومعلوم أن الكلام كلما كان أفصح وأغرب وأحسن نظما وأبعد مخرجا كان أشد احتمالا لفنون التأويلات وضروب التفاسير”. فالقرآن إذن، وهو “أفصح الكلام وأوجزه وأكثره رموزا وأجمعه للمعاني الكثيرة”، موضوع خصب لتعدد التأويلات وبالتالي للاختلاف.

وعلاوة على ذلك، عرف تاريخ الفكر الإسلامي توترات أساسية على مستوى الصراع الديني والفكري بين الاتجاهات والفرق بحيث اختلفت المذاهب وتعددت الاجتهادات وكثرت التأويلات. لكن لا ينبغي رد هذه الاختلافات دائما إلى المستوى المعرفي؛ فالأمر سيتعلق –أحيانا كثيرة- بمستويات مغايرة. فالخلاف –المرتبط بالتأويل- يتخذ لدى بعض الفلاسفة بعدا أنطولوجيا بالدرجة الأولى. وبذلك سيكون من باب التعسف الوقوف عند تحليل الإشكال الأساسي على المستوى المعرفي فقط.

ومما يدل على تنوع مستويات الإشكالية هذا التوالد في معضلات الفكر الإسلامي، حيث يجد الباحث أمامه إشكالية العقل عديمة القيمة – إذا أخذناها في مظهرها المعرفي ولم نعتبر المعضلات التالية: الظاهر والباطن، الحقيقة والمجاز، الوحدة والكثرة، الهوية والاختلاف، المعقول والمتخيل.

صحيح أن أغلب هذه القضايا ترتد إلى اصطدام الأثر الإغريقي بالمعتقد الإسلامي وبالتالي إلى اصطدام العقل البرهاني بالخيال الرمزي. إلا أن الأمر ليس دائما بهذا الوضوح. فثمة قضايا ولدتها طبيعة الفكر الإسلامي ذاته.

إذا حصرنا الأمر في الفلاسفة فسنجد أن قضيتهم كانت تتوقف على تقديم حل يرضي الفلسفة والدين معا. وهذا يعني تقديم تفسير لمسألة النبوة والوحي والإلهامات. وهي أمور ورد بها السمع ولم يثبتها العقل. هذا بالإضافة إلى كون النبوة والوحي يحدثان التوتر على المستويين الأنطولوجي والمعرفي.

سنرى أن هذا التوتر قد ارتبط عند الفلاسفة من جهة بالمفاهيم والنظريات التي صاغها هؤلاء كإجابة على الأسئلة المتعلقة بالوحي عموما: كيف يمكن تمثل الوحي؟ بأي ملكة يتم ذلك؟ ما الفرق بين المعرفة الحاصلة عن طريق الوحي والإلهامات والمعرفة الحاصلة عن طريق النظر العقلي والاستدلال؟

ومن جهة ثانية، يرتبط توتر العقل والنقل بتمييزين أساسيين: الأول يتعلق بالتمييز بين المخيلة والنظر العقلي، أما الثاني فيتعلق بالتمييز بين النبوة والحكمة، وهما تمييزان على مستوى الأنطولوجيا. إذ ما هي العلاقة بين القوة المتخيلة والقوة الناطقة أو العقل؟ وما الصلة بين النبوة والفلسفة؟ هل ثمة اتصال أم انفصال أم تقابل؟

ستتأرجح مواقف الفلاسفة بين هذه التمييزات. وسيقوم الخلاف أساسا حول الكيفية التي عولجت بها هذه المسائل. ونجد هناك ثلاثة مواقف: أحدها أنكر كل ما يأتي من جهة الخيال من وحي ونبوة وإلهامات ورؤى، واعتبر ذلك أمرا معقولا واعتد بالعقل وحده، وقد تزعم هذا الاتجاه الفلاسفة “الطبيعيون” وعلى رأسهم أبو بكر الرازي الطبيب. والموقف الثاني حاول الجمع والتوفيق بين المعقول والمنقول، إما بجعل المعقول فوق المنقول وإخضاع كل ما يأتي من جهة الخيال للعقل. وهذا موقف الفارابي، وإما بجعل المعقول تابعا للمنقول لكن بالإعلاء من شأن الخيال واعتبار الأمور اللامعقولة هي أساس وجود المعقول ذاته، وبذلك يكون النقل مجالا لفعل الخيال، وهذا موقف ابن سينا. وأما الموقف الثالث، فإنه يتميز بالفصل بين العقل والنقل، برفع التعارض بين الدين والفلسفة من خلال وضع الحدود-بالخصوص الحدود المعرفية- بين العقل والخيال، بين الخطابة والبرهان، وبين العامة والخاصة ويتمثل هذا الموقف في استبعاد التصديق الجدلي للمتكلمين لكونه يخلط بين الخيال والعقل، وهذا موقف ابن رشد.

من الغريب أن تفرز الثقافة العربية الإسلامية اتجاها فلسفيا طبيعيا. وقد حصل هذا خلال القرن الثالث للهجرة مع فيلسوفين على الحقيقة هما ابن الراوندي والرازي الطبيب. ومن الممكن أن يجد الباحث لدى بعض مفكري المعتزلة بداية للتطرف العقلاني، والتنكر للنقل بصفة مطلقة. ولا أدل على ذلك من الآراء التي عبر عنها تلميذ للكندي هو أحمد بن الطيب السرخسي.

يبدو أن السرخسي من أوائل الذين شككوا في قيمة النقل واعتدوا بالعقل. فهذا المفكر سمح لنفسه في مجتمع إسلامي أن يتطرق في أحاديثه مع الخليفة إلى مباحث تنطوي على لون من المروق بالنسبة لما جاء به الوحي. وثمة رواية للبيروني تقول إن السرخسي لم يقتصر في التصريح بشكوكه على أحاديثه الخاصة مع الخليفة، بل دونها في رسائل عديدة اتهم فيها الأنبياء بالتدجيل.

ومن المؤكد أن ميولات السرخسي نحو الاعتزال تبدو مماثلة لميول أستاذه الكندي، كما أن الاهتمامات العقلية المنبثقة عن هذه الميول، مقرونة بخوضه في شؤون الفلسفة، كانت على ما يبدو من العوامل الأساسية في شكوكه الدينية، وبصورة خاصة في قدحه في النبوة.

أما ابن الراوندي، فقد أنكر مجمل القضايا الغيبية المتصلة بالوحي والمعجزات. ويمكن تلخيص موقفه في عبارات وردت في مطلع كتابه الزمردة تقول: “إنه قد ثبت عندنا وعند خصومنا أن العقل أعظم نعم الله سبحانه على خلقه، وأنه هو الذي يعرف به الرب ونعمه، ومن أجله صح الأمر والنهي أو الترغيب والترهيب. فإذا كان الرسول يأتي مؤكدا لما فيه من التحسين والتقبيح والإيجاب والحظر، فساقط عنا النظر في حجته وإجابة دعوته، إذ قد غنينا بما في العقل عنه، والإرسال (أي بعثة الرسل) على هذا الوجه خطأ. وإن كان (ما يأتي به الرسول) بخلاف ما في العقل من التحسين والتقبيح والإطلاق والحظر فحينئذ يسقط منا الإقرار بنبوته”.

هذا التعصب للعقل الخالص دون غيره من القوى وبالضبط الخيال دفع بالرازي إلى إنكار الوحي والمعجزات بل وإلى مهاجمة النبوة. وقد كان الرازي من أكبر أطباء الإسلام والعصور الوسطى على الإطلاق. إلا أن حرصه العقلي، مع ذلك، يتجلى في حيازة لقب الفيلسوف، والتسمي باسم “الفيلسوف”. فهو لما أحس أن البعض من معاصريه ينكرون عليه ذلك اللقب سارع بالرد عليهم. وبين في رسالة خاصة مميزات الفيلسوف العلمية والعملية، ذاكرا – على سبيل إثبات قوة التأليف في العلم، جملة من الكتب التي ألفها. إلى حد أن يقول: “فإن لم يكن مبلغي من العلم المبلغ الذي أستحق أن أسمى فيلسوفا فمن هو ليت شعري ذلك في دهرنا كله”.

هذا الاعتداد بالعقل الخالص دفع الرازي إلى اعتبار الفلسفة هي السبيل الوحيد لإصلاح الفرد والمجتمع. وأما الأديان فهي مدعاة التنافس والتطاحن والحروب. وقد كتب في هذا الصدد كتابين اعتبرهما البيروني بين الكفريات، وهما: مخاريق الأنبياء أو حيل المتنبئين ونقض الأديان أو في النبؤات.

وفي الفصل الثامن العشر من كتاب الطب الروحاني، ينكر الرازي كل عمل الخيال من خلال إنكار الرغبة الإنسانية؛ حيث يتحدث عن الرتب والمنازل “الدنيائية”، مؤكدا أن “أصلح الحالات حالة الكفاف والتناول لذلك من أسهل ما يمكن من الوجوه وأسلمها عاقبة…”، وهذا غير صحيح إذا استفتينا أحلامنا ورغباتنا. ولذلك انتقد عليه حميد الدين الكرماني في الأقوال الذهبية هذا الموقف مبينا أن النفس: “ترى أن الغالب أحسن حالا من المغلوب، والآمر أعلى درجة من المأمور، والقاهر أعز من المقهور، وعلى ذلك فلا تطلب إلا الغلبة والقهر والأمر والسلب والتطاول من دون الخضوع، والتذلل والخشوع وطلب الكفاف”.

يشيد الرازي بالعقل إشادة قاطعة. فالعقل عنده هو المرجع الأول والأخير في كل شيء: أمور الدين والألوهية وأمور الدنيا والحياة. يقول الرازي في بيان فضل العقل: “إن البارئ (عز اسمه) إنما أعطانا العقل وحبانا به لننال ونبلغ به من المنافع العاجلة والأجلة غاية ما في جوهر مثلنا نيله وبلوغه.. فبالعقل فضلنا على الحيوان غير الناطق حتى ملكناها وسسناها وذللناها وصرفناها في الوجوه العائدة منافعها علينا وعليها، وبالعقل أدركنا جميع ما يرفعنا ويحسن به عيشنا ونصل إلى بغيتنا ومرادنا.. وبالجملة فإنه الشيء الذي لولاه كانت حالتنا حالة البهائم والأطفال والمجانين”.

على هذا الاعتبار فالرازي لا ينتقص من الحيوانات والأطفال والمجانين لكونهم فاقدي عقل، بل لأنهم أكثر انجذابا للهوى والطباع، يتبعون اللذات ويشبعون الرغبات الخيالية. ولذلك فسلطة العقل هي السلطة العليا – لا ينبغي أن يخرج عنها أحد، وبالتالي فلا مكان للدين أو للنبوة.

ـ II ـ

لقد بينت الدراسات المعاصرة في تاريخ الأديان مدى الروابط التي تشد الإنسان إلى المقدس والغيب واللامعقول. ومعنى ذلك أن هذا الهوى والنزوع ليس مرحلة عابرة في حياة البشر ووعيهم، بقدر ما أنها تشكل أساسا للوعي. فلا توجد ثقافة من دون مقدسات ومدنسات – كما لا يوجد وعي بدون أساطير ورموز. فالعقل يحمل دوما في طيه لا معقوليته. بل إن كل عقل منبن على نقل سابق. وهو ميل عميق للنفس إزاء الأصل والبدايات الأولى. والإشكالية الأساسية كانت دوما هي: كيف يمكن للمعقول أن يسير إلى جنب اللامعقول؟ كيف يمكن للعقل أن يتجاور مع الخيال؟ والحكمة مع الدين؟ من غير أن ينفي أحدهما الآخر؟

أدرك فلاسفة الإسلام هذا الإشكال وعملوا على حل المعضلات المترتبة عنه. وسوف يكون للخيال دور أساسي في هذه الحلول، سواء تعلق الأمر بالنبوة أو الوحي أو النقل جملة. وعند الفارابي نجد نظرية متكاملة في الخيال من حيث الموضوع والمفهوم والوظيفة. اعتقد أبو نصر الفارابي أن الغيبيات كلها موضوع للخيال. وبذلك وجد الطريق لتفسير الوحي والمنامات والإلهامات وكذا النبوة. فميز من جهة المعرفة –مقتديا بأرسطو- بين معرفة حسية ومعرفة عقلية. ويهمنا هنا ما يقوله عن “الحس المشترك” باعتباره أول الحواس الباطنة – وهو يدعوه أحيانا الحاس المشترك، والحاسة المشتركة. وسمي كذلك لكونه يقبل صور المحسوسات المنطبعة في الحواس الخمس، فهو بذلك قابل مشترك لما انطبع في هذه الحواس.

يقرر الفارابي للحس المشترك ثلاث وظائف، الأولى هي قبول الصور التي انطبعت في الحواس الخمس، وكأن هذه الحواس، رواضع للحس المشترك، والثانية الإحساس بهذه الصور – وهذا الإحساس لا يتم في الحس الظاهر، بل في الحس المشترك، والثالثة هي الجمع بين صور المحسوسات والمقارنة بينها، وتمييز بعضها عن بعض. فإذا كان النظر يميز لونا من لون والسمع يميز صوتا من صوت، فالحس المشترك يميز لونا من صوت من طعم.

وأما القوة المتخيلة، وهي التي تلي الحس المشترك، فيحدد الفارابي منزلتها قياسا إلى قوتين، واحدة تحت والأخرى فوق، وهما الحاسة والناطقة: “والقوة المتخيلة متوسطة بين الحاسة والناطقة، وعندما تكون رواضع الحاسة كلها تحس بالفعل وتفعل أفعالها، تكون القوة المتخيلة منفعلة عنها، مشغولة بما تورده الحواس عليها من المحسوسات وترسمه فيها. وتكون هي أيضا مشغولة بخدمة القوة الناطقة، وبإرفاد القوة النزوعية”.

من المعلوم أن الإنسان يحس بالقوة الحاسة ما هو ملموس، مثل الحرارة والبرودة والطعوم والروائح والأصوات والألوان وجميع المبصرات. فيحدث من ذلك نزوع إلى ما يحسه، فيشتاقه أو يكرهه. ثم يحدث فيه بعد ذلك قوة أخرى، يحفظ بها ما ارتسم في نفسه من المحسوسات بعد غيبتها عن مشاهدة الحواس لها، وهذه القوة هي المتخيلة. ووظيفة هذه القوة أن تركب وتفصل، فهي من جهة تركب المحسوسات بعضها إلى بعض، ومن جهة ثانية تفصل بعضها عن بعض. وهذه التركيبات والتفصيلات مختلفة، بعضها كاذبة وبعضها صادقة. ثم يحدث من بعد ذلك فيه القوة الناطقة التي بها يمكن أن يعقل المعقولات ويميز بين الجميل والقبيح، وبها يحوز الصناعات والعلوم. ومن المؤكد لدى الفارابي أنه يقترن بكل قوة نزوع، إما إلى ما تحسه أو ما تتخيله أو ما تعقله.

ومن ثمة يكون العلم والإرادة على ثلاث مدرجات. فالإرادة تكون بالنزوع إما إلى الحس وإما إلى التخيل وإما إلى التعقل: “فإذا كان النزوع إلى علم شيء شأنه أن يدرك بالقوة الناطقة، فإن الفعل الذي ينال به ما تشوق من ذلك يكون بقوة ما أخرى في الناطقة وهي القوة الفكرية(…) وإذا كان النزوع إلى علم شيء ما يدرك بإحساس كان الذي ينال به فعلا مركبا من فعل نفساني(…) وإذا تشوق تخيل الشيء الذي يرجى ويتوقع، أو تخيل شيء مضى، أو تمني شيء ما تركبه القوة المتخيلة، والثاني ما يرد على القوة المتخيلة من إحساس بشيء ما، فتخيل إليه من ذلك أمر ما أنه مخوف أو مأمول”.

يثبت الفارابي للقوة الفكرية –وهي قوة النطق- أربعة مستويات تجريدية هي: الفكرة والرؤية والتأمل والاستنباط. في حين يرد الإدراك الحسي إلى عملية تركيب بين الفعل البدني والفعل النفساني. أما التخيل، فواضح أنه يكون بالوصل والفصل اللذان يتمان عن طريق الشوق الذي هو فعل نفساني. ويضفي الفارابي على التخيل أبعادا زمانية، فهو إما متعلق بالحاضر مثل “تخيل الشيء الذي يرجى ويتوقع”، أو متعلق بالماضي مثل “تخيل شيء مضى”، أو متعلق بالمستقبل “تمني شيء ما تركبه القوة المتخيلة”. كما أن التخيل قد يتصل بالإحساس المباشر، كأن يرد على المتخيلة إحساس من شيء ما فيتخيل المرء من ذلك الشيء أمرا مخوفا أو مأمولا.

وللقوة المتخيلة بدورها ثلاث وظائف. أولها قبول الصور وحفظها، حيث أن الحس المشترك يقبل صور المحسوسات ولكنه لا يحفظها. فالمتخيلة هي التي تحفظ هذه الصور بعد غيبتها عن الحواس. وثاني هذه الوظائف، فصل الصور وتركيبها – فالمخيلة لا تكتفي بمجرد حفظ الصور، فهي إذا ما خلت إلى ذاتها، حين لا تقدم لها الحواس صورا جديدة، ولا هي تقدم صورا للعقل، عادت إلى الصور المحفوظة لديها تتصرف فيها وتركب منها، أو من أجزائها، تركيبات مختلفة، موافقة للمحسوس أو مخالفة. وهذا العمل الخلاق تقوم به المتخيلة في اليقظة أو في المنام. أما الوظيفة الثالثة، فهي المحاكاة، حيث أن المتخيلة تستعمل الصور المحفوظة لديها في عمل آخر، هو التشبيه، فتحاكي ما يعرض لها من أشياء بهذه الصورة.

وقد نسب الفارابي للمتخيلة ما ذكره لها أرسطو من وظائف، وزاد أشياء لم ترد عند أرسطو. ففصل في المحاكاة، واعتبر أن من خصائص المتخيلة الإطلالة على عالم الغيب، في الكهانة والنبوة والأحلام الصادقة. ويهمنا هنا رأيه في النبوة ودور الخيال في حصولها.

يرى الفارابي أن الاتصال بالعقل الفعال أو “الفيض الإلهي” يكون عن طريقين: طريق العقل وطريق المخيلة، أو طريق النظر وطريق الإلهام. فعن طريق النظر يتمكن الإنسان أن يصعد إلى منزلة العقول العشرة كما ترقى نفسه إلى مستوى العقل المستفاد حيث تتقبل الفيض الإلهي. والفيلسوف هو الذي يستطيع الاتصال بالعقل الفعال بفضل البحث والدراسة النظرية. إلا أن لهذا الاتصال طريقا آخر غير العقل، فهو ممكن عن طريق المتخيلة، وتلك حالة الأنبياء، فكل إلهاماتهم وما يتلقون من وحي أثر من أثار المخيلة. وعلى ذلك فالنبوة ليست أمرا خارقا للعادة بل هي ظاهرة طبيعية، والنبي إنما هو إنسان بلغت قوته المتخيلة غاية الكمال.

وهذه القوة المتخيلة إذا كانت في إنسان ما “قوية كاملة”، وكانت المحسوسات الواردة عليها من الخارج لا تستولي عليها استيلاء يستغرقها بأسرها، ولم تكن خادمة للقوة الناطقة بل كان فيها مع اشتغالها بهذين –أي المحسوسات الواردة من خارج والقوة الناطقة- فضل كثير تفعل به أيضا أفعالها التي تخصها، وكانت حالها عند اشتغالها بهذين في وقت اليقظة مثل حالها عند تحللها منهما وقت النوم… إذا كان الأمر كذلك اتصلت المتخيلة بالعقل الفعال وانعكست عليها الصور. فتأخذ هذه الصور وتتخيلها بما يحاكيها من المحسوسات المرئية التي تحتفظ بها، فإذا حصلت رسومها في هذه الحاسة انفعلت القوة الباصرة عن تلك الرسوم، فارتسمت فيها تلك الصور وحصل عما في القوة الباصرة منها رسوم في الهواء المضيء الواصل للبصر. “فإذا حصلت تلك الرسوم في الهواء عاد ما في الهواء، فيرتسم من رأس في القوة الباصرة التي في العين، وينعكس ذلك إلى الحاس المشترك وإلى القوة المتخيلة”. وما دامت هذه القوى كلها متصلة بعضها ببعض، فإن ما أعطاه العقل الفعال يصير مرئيا للإنسان.

وقدرة المتخيلة لا تقف عند هذا الحد، بل بمقدورها إذا ما بلغت الكمال، أن تجعل صاحبها يتلقى في يقظته من العقل الفعال “ولا يمتنع أن يكون الإنسان، إذا بلغت قوته المتخيلة نهاية الكمال، فيقبل في يقظته، عن العقل الفعال الجزئيات الحاضرة والمستقبلة أو محاكياتها من المحسوسات، ويقبل محاكيات المعقولات المفارقة وسائر الموجودات الشريفة ويراها. فيكون له بما قبله من المعقولات، نبوة بالأشياء الإلهية. فهذا أكمل المراتب التي تنتهي إليها القوة المتخيلة، وأكمل المراتب التي يبلغها الإنسان بقوته المتخيلة”.

ويضيف الفارابي، أنه يوجد دون ذلك، من يرى بعض تلك الموجودات في يقظته وبعضها الآخر في نومه. وهناك من يتخيل في نفسه هذه الأشياء كلها ولا يراها ببصره. ودونه من يرى جميع هذه الأمور في نومه فقط. وهؤلاء تكون أقاويلهم التي يعبرون بها أقاويل محاكية ورموزا وألغازا وإبدالات وتشبيهات. وهم يختلفون أيضا في أن بعضهم “يقبل الجزئيات ويراها في اليقظة فقط، ولا يقبل المعقولات، ومنهم من يقبل المعقولات ويراها في اليقظة، ولا يقبل الجزئيات، ومنهم من يقبل بعضها ويراها بدون بعض، ومنهم من يرى شيئا في يقظته ولا يقبل بعض هذه في نومه، ومنهم من لا يقبل شيئا في يقظته، بل إنما يقبل في نومه فقط، فيقبل في نومه الجزئيات ولا يقبل المعقولات، ومنهم من يقبل شيئا من هذه، ومنهم من يقبل شيئا من الجزئيات فقط وعلى هذا يوجد الأكثر”.

إذن باستثناء النبوة، التي هي أخذ بالمحاكات عن العقل الفعال، يعتبر الفارابي أشكال الخيال الأخرى في درجة دنيا، بل إنه يرسم تراتبا في الخيال قياسا إلى العقل. هذا إلى أن الناس يتفاضلون: فقد تعرض عوارض يتغير بها مزاج الإنسان وقد يفسد وتفسد تخاييله، فيرى أشياء مما تركبه القوة المتخيلة على تلك الوجوه مما ليس لها وجود ولا هي محاكاة لموجود. هؤلاء هم الممرورون والمجانين وأشباههم.

يؤكد الفارابي على وحدة الحقيقة، إلا أن الطرق الموصلة إليها –فيما يبدو- ليست واحدة- فهناك طريقان: طريق العقل والبرهان وتسير عليه الفلسفة، وطريق الخيال والرموز وهو طريق الدين وهو مقصور على الأنبياء.. إلا أنه لا ينبغي أن نفهم من ذلك تعددا فعليا في طرق الحقيقة، وإقرارا بالاختلاف أو اعترافا بالقوة المتخيلة كقوة مستقلة بذاتها. فالفارابي هنا إنما يلجأ إلى الخيال لإعطاء تفسير معقول للنبوة. لأنه إذا كان الجميع يستطيع، إذا تمكن من استعمال العقل –حسب الصناعة- إدراك الحقيقة، فإنه بالمقابل لا أحد يستطيع إدراكها بخياله، باستثناء النبي. وهذا يعني ضمنيا أن الخيال متهافت دائما إلا في حالة واحدة هي النبوة. وحتى النبوة فهي في نظر الفارابي لا تعبر عن الحق بذاته بل بمثاله.

هذا الموقف السلبي من الخيال دفع بالفارابي إلى جعل الحقيقة الدينية تابعة للحقيقة الفلسفية. بل أكثر من ذلك، لم يكن جمعه بين رأيي الحكيمين أفلاطون وأرسطو سوى محاولة أخيرة لتخليص الفلسفة من رواسب الخيال التي ظلت عالقة بفلسفة أفلاطون. لكن هل تمكن الفارابي فعلا من القضاء على الخيال بفضل استراتيجية التوفيق بين الدين والفلسفة أو الجمع بين آراء الفلاسفة؟ أما هذا فأمر آخر؛ ليس جوابه هنا.

ـ III ـ

وأما ابن سينا فإنه، على عكس الفارابي، يذهب بعيدا في تغليب الخيال. ويتضح ذلك من خلال نظريته في النبوة والإلهامات. فإذا كان الفارابي قد التزم الطريق العقلي بحيث جعل قمة الإنسانية تتمثل في العقل المستفاد، فإن ابن سينا قد سن طريقا مخالفا لكل التراث الأرسطي، وهو طريق الحدس والإلهام الذي خص به الأنبياء والعارفين و”الفلاسفة الحقيقيين” أو المشرقيين.

ومن الملاحظ هنا أن نظرية النبوة عند ابن سينا مرتبطة بنظريته في النفس، فهو يذكر في رسالة في إثبات النبوات أن “الحيوان إما ناطق أو غير ناطق والأول أفضل؛ والناطق إما بملكة أو إما بغير ملكة والأول أفضل، وذو الملكة إما خارج إلى العقل التام أو غير خارج والأول أفضل، والخارج إما بغير واسطة أو بواسطة والأول أفضل وهو المسمى النبي”. وهذا يعني أن الوحي والإلهامات إنما تحصل بالحدس مباشرة للنبي وللعارف وللفيلسوف.

والنبوة بهذا المعنى ليست أمرا طبيعيا كما اعتقد الفارابي، بل هي، على العكس من ذلك، متوقفة على شروط جسدية ونفسية نادرة. ولا تتوفر إلا في قلة من الأشخاص، إنها بعبارة أخرى مسألة أنطولوجية بالدرجة الأولى.

للوصول إلى الحقائق، يقرر ابن سينا وجود طريقين: طريق مباشر وهو طريق الحركة والخيال وطريق يتوسط المقدمات المنطقية. وإذا كان الطريق الثاني يسلك سبيل الاستدلالات والبراهين العقلية، فإن الطريق الأول يتجه رأسا إلى المطلوب من غير استعانة بالمقدمات المنطقية، وذلك بالاتصال مباشرة بالفيض الإلهي حيث تصبح الغيبيات مشاهدة في صورة ورموز لصاحب الحدس.

ويعتبر الحدس عند ابن سينا استعدادا للاتصال بالعقل الفعال. وكلما اشتدت درجته في بعض الناس استغنوا عن كل تخريج أو تعليم، بل تصبح العلوم كأنها حاضرة في أذهانهم، وهذا هو عين الخيال الذي به تتم الإلهامات للأولياء والمتصوفة والوحي للأنبياء. وقد يسميه ابن سينا أحيانا قوة قدسية. فبالخيال يشارك الإنسان العقول المفارقة بحيث تخرج معارفه عن حدود التقليد، ويتجاوز بكثير ما نصل إليه بطريق الاستنتاجات العقلية العادية، وتكون له إحاطة بالحاضر والماضي والمستقبل.

وأما بخصوص كيفية تلقي النبي للوحي، فإن ابن سينا يشير إلى أن قوة التخيل تتلقى ذلك الفيض الإلهي وتتصوره بصورة الحروف والأشكال المختلفة وتجد لوح النفس فارغا فتنتقش تلك العبارات والصور فيه. فيسمع كلاما منظوما ويرى شخصا بشريا، ولكن لا بالعبارات الصريحة أو بأحاديث النفس، وإنما بالتخيل فذلك هو الوحي. لأن الوحي هو إلقاء الشيء إلى النبي بلا زمان، فيتصور في نفسه الصافية صورة الملقى كما تتصور في المرآة المصقولة صورة المقابل.

ويقول ابن سينا في الإشارات أن “التجربة والقياس متطابقان على أن للنفس الإنسانية أن تنال من الغيب نيلا في حال المنام، فلا مانع من أن يقع مثل ذلك النيل في حال اليقظة إلا ما كان إلى زواله سبيل ولارتفاعه إمكان. أما التجربة فالتسامع والتعارف يشهدان به، وليس أحد من الناس إلا وقد جرب ذلك في نفسه تجارب ألهمته التصديق، اللهم إلا أن يكون أحدهم فاسد المزاج نائم قوى التخيل والتذكر”.

وينبه قائلا: “قد علمت فيما سلف أن الجزئيات منقوشة في العالم نقشا على وجه كلي، ثم نبهت لأن الأجرام السماوية لها نفوس ذوات إدراكات جزئية وإرادات جزئية تصدر عن رأي جزئي. ولا مانع لها عن تصور اللوازم الجزئية لحركاتها الجزئية من الكائنات عنها في العالم العنصري”.

كما يقول في إشارة أخرى: “ولنفسك أن تنتقش بنقش ذلك العالم بحسب الاستعداد وزوال الحائل وقد علمت ذلك فلا تستنكر أن يكون بعض الغيب ينتقش فيها من عالمه”.

تستطيع النفس إذن الاطلاع على الغيب أثناء النوم كما في حال اليقظة. ومصدر ذلك أن قوى النفس المختلفة وعلى رأسها المخيلة تخلق صورا متعددة. إلا أن النفس قد يحول دون عملها شواغل حسية وأخرى باطنية. فإذا انقطعت هذه الشواغل أو قلت أثناء النوم “لم يبعد أن تكون للنفس فلتات تخلص عن شغل التخيل إلى جانب القدس. فانتقش فيها نقش من الغيب”. وإذا كانت النفس قوية الجوهر تستطيع الاستيلاء على الشواغل المختلفة، و”تسع الجوانب المتجاذبة، لم يبعد أن يقع لها هذا الخلس والانتهاز في حال اليقظة. فربما نزل الأثر إلى الذكر فوقف هناك، وربما استولى الأثر فأشرق في الخيال إشراقا واضحا واغتصب الخيال لوح الحس المشترك إلى جهته فرسم ما انتقش فيه”.

للنفس إذن فلتات أثناء النوم تخلص بها إلى جانب القدس فينتقش فيها نقش الغيب، كما لا يبعد أن يقع لها ذلك أثناء اليقظة إن هي تجردت من المادة وشواغلها. فترى بعين الخيال صورا من الغيب، وتكون بذلك للنفس أمور خارقة للعادة كالمعجزات والكرامات. وهذه الأمور وإن غاب عن الناس سرها فيمكن تفسيرها عن هذا الطريق النفسي الذي هو الخيال.

وينبغي هنا أن نميز عند ابن سينا نوعين من الخيال: الأول خيال طبيعي، يرتبط بالجزء الطبيعي من النفس، والثاني خيال ميتافيزيقي وهو الذي يرتبط بالجزء الإلهي من النفس. وقد درس ابن سينا النوع الأول في مبحث الطبيعيات، سواء في النجاة أو الشفاء أو الرسائل، في حين درس النوع الثاني ضمن الإلهيات وخصوصا في الإشارات والتنبيهات.

على منوال ابن سينا حاول الغزالي أن يفسر مسألة النبوة والإلهامات. وهو وإن أنكر قوة الخيال، إلا أنه يعود إليه مرارا لتفسير علاقة العقل بالنقل. فقد ناقش الغزالي في كتاب تهافت الفلاسفة نظرية النبوة الفارابية ملاحظا أن النبي يستطيع الاتصال بالله مباشرة أو بواسطة ملك من الملائكة دون حاجة إلى العقل الفعال أو قوة متخيلة. إلا أنه في كتاب المنقذ من الضلال، يعود فيقرر أن النبوة أمر مسلم به نقلا مقبول عقلا، لأن “بعض العقلاء أبوا مدركات النبوة واستعبدوها”. ومن ثمة يقرن حالة النبوة بحالة النوم. فالنائم يدرك ما سيكون من الغيب إما صريحا وإما في كسوة مثال يكشف عنه التعبير. لذلك فإنه إذا كان “العقل طورا من أطوار الآدمي، يحصل فيه عين يبصر بها أنواعا من المعقولات والحواس معزولة عنها، فإن النبوة أيضا عبارة عن طور يحصل فيه عين لها نور يظهر في نورها الغيب وأمور لا يدركها العقل”.

ويؤكد الغزال أن دليل النبوة لا ينال بالعقل وإنما يدرك بالإلهام، كما أن سلوك طريق التصوف يكون بالذوق. وهذه كلها من خواص الخيال الذي يعبر عنه الغزالي بأنموذج النوم: “أما ما عدا هذا من خواص النبوة، فإنما يدرك بالذوق، من سلوك طريق التصوف، لأن هذا إنما فهمته بأنموذج رزقته وهو النوم،ولولاه لما صدقت به. فإن كان للنبي، خاصة ليس لك منها أنموذج، ولا تفهمها أصلا، فكيف تصدق بها؟ وإنما التصديق بعد الفهم: وذلك الأنموذج يحصل في أوائل طريق التصوف. فيحصل به نوع من الذوق بالقدر الحاصل ونوع من التصديق بما لم يحصل بالقياس”.

وفي كتاب آخر هو إحياء علوم الدين، يميز الغزالي بين نوعين من العلم: الإلهام الذي يلقى في القلب والاستبصار الحاصل بالاكتساب وحيلة الدليل. ثم هو يفضل الإلهام على الاستبصار.. هذا الإلهام الذي يفترض سلوك الطريقة والتمرس بالذكر ويشرق نورا في القلب ولوامع الحق. ويقارن الغزالي بين الإلهام والاستبصار، فيشبه العلم الحاصل عن طريق الحواس والعقل بجداول ماء تملأ الحوض، والعلم الحاصل عن الإلهام بماء يتفجر بالحفر من أعماق الحوض. ويرى أن الماء المتفجر أصفى وأدوم وقد يكون أغزر؛ ويشبه أيضا العالم عن طريق الإلهام بمن يرى الشمس، والعالم عن طريق الدليل بمن يرى صورة الشمس في الماء.

لكن كيف يتفجر العلم من القلب؟ يجيب الغزالي: “إن حقائق الأشياء مسطورة في اللوح المحفوظ، بل في قلوب الملائكة المقربين. فكما أن المهندس يصور أبنية الدار في بياض، ثم يخرجها إلى الوجود على وفق تلك النسخة، فكذلك فاطر السموات والأرض كتب نسخة العالم من أوله إلى آخره في اللوح المحفوظ، ثم أخرجه إلى الوجود على وفق تلك النسخة.. فكان للعالم أربع درجات في الوجود: وجود في اللوح المحفوظ وهو سابق على وجوده الجسماني، ويتبعه وجوده الحقيقي، ويتبع وجوده الحقيقي وجوده الخيالي، أعني وجود صورته في القلب”.

واضح إذن أن الغزالي يعتبر الوجود الخيالي أسبق من الوجود العقلي، وهو في هذا لا يبتعد عن ابن سينا في فلسفته المشرقية. وفي هذا الصدد يمكن أن نلاحظ أن المتصوفة كذلك لا يقرون بالوجود العقلي – لا يثبتون إدراك الموجودات من خلال التصورات أو المفاهيم أو المقولات. فالمقولة تسلب من الموجود مقوماته الأساسية، وتقضي على أخص ما يميزه، أي فرادته. في حين أن الإشراق العرفاني –حيث المعرفة حدس وكشف ذوقي ومشاهدة، فأساس المعرفة هناك هو “الرؤيا”. والرؤيا تخيل، أو هي خيال خلاق كما يقول كوربان. وهذه الرؤيا أو الخيال هي ما يميز الشعر والإلهامات والنبوءة.

وفي التصوف يرتفع التعارض بين العقل والنقل، بين الاستدلال والخيال حيث تتوحد الذات والموضوع، المتخيل والمتصور، الجزئي والكلي، كما يتوحد الخالق والمخلوق والحقيقة والشريعة. وفي هذا المستوى يصبح الخيال أساسا لا للمعرفة فحسب، بل، وبالدرجة الأولى، أساسا للوجود. وهذا هو الخيال الميتافيزيقي الذي نجده عند ابن عربي.

فالخيال عند المتصوف يرتكز على ثلاثة مبادئ: مبدأ الوساطة، ومبدأ التغير ومبدأ الجمع. فالخيال هو برزخ أي “وسيط”. والمقصود بذلك أن الخيال كيان متوسط بين الوجود والعدم، أي أن محتواه ليس موجودا ولا معدوما. أو هو بتعبير ابن عربي “حس باطن بين المعقول والمحسوس”. والخيال ثانيا حقيقته التغير والتحول وهذا مبدأ محوري في التصوف. ذلك أن النفس تسعى دوما إلى التبدل لكونها تسير دوما صوب الحق. ولما كان أبرز سمات الخيال التغير فإن نتائجه شديدة التنوع والتباين – أو هكذا ينبغي أن تكون ما دام الخيال حيا. وثالثا، الخيال “حضرة جامعة” و”مرتبة شاملة” فهو أوسع الكائنات وأكمل الموجودات. وحسب هذا المبدأ الثالث يصبح الخيال مرادفا للاتناهي. فالخيال ليس له قيد، بل هو مجال الحرية والإمكانات اللامتناهية، وهو بذلك يهيمن على “وحدة الوجود”.

الجمع بين المتعارضات هو من عمل الخيال، من حيث إنه لا يتصف بوجود أو عدم وبالتالي لا يصح عليه النفي والإثبات، فهو “لا موجود ولا معدوم، ولا معلوم ولا مجهول، ولا منفي ولا مثبت”. فالخيال إذن يفصل ويصل، يفرق ويوحد، وبذلك يكون دائما بين وجهين: المنقول والمعقول، الوجود والموجود. وبهذا المعنى يقول ابن عربي إن الخيال برزخ، وعنده أن “حقيقة البرزخ أن لا يكون فيه برزخ. وهو الذي يلتقي ما بينهما بذاته، فإن التقى الواحد منهما بوجه غير الوجه الذي يلقى به الآخر، فلا بد أن يكون بين الوجهين في نفسه برزخ يفرق بين الوجهين حتى لا يلتقيان، فإذا ليس ببرزخ. فإذا كان عين الوجه الذي يلتقي به أحد الأمرين الذي هو بينهما عين وجه الذي يلتقي به الآخر، فذلك هو البرزخ الحقيقي. فيكون بذاته عين كل ما يلتقي به، فيظهر الفصل بين الأشياء والفاصل واحد العين”. وعلى ذلك “فإن قلت وما عالم البرزخ قلنا عالم الخيال”.

ـ IV ـ

وأما موقف ابن رشد من العقل والنقل فيرتد بدوره إلى إشكال الخيال والعقل. ورغم كونه لم يهتم كثيرا بفكرة الاتصال التي قال بها أغلب فلاسفة الشرق، فإنه عمل على حل الإشكال من جهة الصلة بين الحكمة والشريعة. ذلك أن الخلط بين الدين والفلسفة الذي نجم عن عملية التوفيق قد أسقط الناس في الاختلاف. “فقال قوم “أول الواجبات النظر” وقال قوم “الإيمان”. أعني من قبل أنهم لم يعرفوا أي الطرق هي الطرق المشتركة للجميع التي دعا الشرع من أبوابها جميع الناس، وظنوا أن ذلك طريق واحد. فأخطؤوا مقصد الشارع وضلوا وأضلوا”.

وفي نظر ابن رشد ليس هناك طريق واحد إلى الحقيقة، بل يوجد طريقان. طريق يتبعه الجمهور وطريق الخاصة أي الفلاسفة. لذلك فهو يميز بين التصور النطقي والتصور الخيالي، الأول مدرك عقلي والثاني مدرك خيالي. فالمتخيلات “إنما نتصورها من حيث هي شخصية وهيولانية، ولذلك لا يمكن أن نتخيل ألوانا إلا مع عظم، وإن كان سيظهر من أمرها أنها أرفع مراتب المعاني الشخصية. أما التصورالعقلي فهو تجريد المعنى الكلي من الهيولى”.

والفرق بين الإدراك العقلي والإدراك الخيالي هو الفرق بين الكلي والشخصي وهما متباينان، وعلة ذلك: “إن الكلي هو إدراك المعنى العام مجردا من الهيولى. وإدراك المعنى في الهيولى. وإذا كان كذلك، فالقوة التي تدرك هذين المعنيين هي ضرورة متباينة. وقد تبين فيما تقدم أن الحس والتخيل إنما يدركان المعاني في الهيولى وإن لم يقبلاها قبولا هيولانيا على ما تقدم. ولذلك لسنا نقدر أن نتخيل اللون مجردا عن العظم والشكل فضلا عن أن نحسه. وبالجملة لسنا نقدر أن نتخيل المحسوسات مجردة من الهيولى، وإنما ندركها في الهيولى، وهي الجهة التي بها تشخصت. وإدراك المعنى الكلي والماهية بخلاف ذلك، فإنا نجرده بالهيولى تجريدا. وأكثر ما تبين ذلك في الأمور البعيدة من الهيولى كالخط والنقطة، فهذه القوة إذن التي من شأنها أن تدرك المعنى مجردا عن الهيولى هي ضرورة قوة أخرى غير القوى التي تقدمت”.

هذا الفرق الذي يضعه ابن رشد بين العقل والخيال لا يدرك إلا على ضوء التقسيمات التي وضعها بصدد مراتب الناس واختلاف طرق التعليم. وهي تقسيمات راعى فيها وضع الحدود الفاصلة بين الدين والفلسفة من جهة وبين العقل والخيال من جهة ثانية.

ينبغي أن نشير هنا إلى أن موقف ابن رشد هذا يختلف اختلافا جذريا عن موقف الفارابي الذي حاول من جهته عقلنة الدين ودمج اللامعقول في إطار المعقول. فلدواع توفيقية اعتبر الفارابي الدين تخيلات وصورا أو مثالات. أما الفلسفة فهي تصورات وبراهين لما احتوته الشريعة من مثالات. أما ابن رشد فيقرر أن الشريعة بما هي نص، يمكن أن تؤخذ بكيفيتين مختلفتين لهما معا ما يكفي من المصداقية في حالة ما إذا لم يقع الخلط بينهما. الكيفية الأولى هي التمثل الخيالي أو الشعري-الخطابي. وأصحاب هذا الطريق هم الجمهور. وأما الكيفية الثانية فهي التأويل اليقيني أو البرهان العقلي. وأصحاب هذا الطريق هم العلماء والفلاسفة. أما الطريق التي ينعته بالتأويل الجدلي فهو يخلط الخيال بالعقل –وهذا ما فعله علماء الكلام- وابن رشد لا يعترف بهذا المنهج.

ويوافق تقسيم البشر تقسيم طرق التعليم التي هي التصديقات والتصورات. فالتصديقات تكون إما بالبرهان أو الخطابة، والبرهان يوافق صناعة الحكمة في حين أن الخطابة توافق خيال الجمهور. أما الجدل فوضعه تابع لوضعية المتكلمين. أما التصورات فيذكر ابن رشد نمطين لا غير: “طرق التصديق اثنين: إما الشيء نفسه وإما مثاله”. فأما إدراك الشيء نفسه فيكون بالبرهان العقلي، في حين إن إدراك مثال الشيء يكون بالقوة المتخيلة.

يتميز موقف ابن رشد بالحرص على فصل الخيال عن البرهان، لكون الخيال يؤدي إلى تفاضل المقدمات اليقينية مع أنها في مرتبة واحدة وهو بذلك يشوش على قضايا البرهان: “والمقدمات اليقينية تتفاضل على ما تبين في كتاب البرهان والسبب في ذلك أن المقدمات اليقينية إذا ساعدها الخيال، قوى التصديق فيها. وإذا لم يساعدها الخيال ضعف. والخيال غير معتبر إلا عند الجمهور. ولذلك من ارتاض بالمعقولات واطرح التخيلات، فالمقدمتان في المرتبة واحدة عنده من التصديق”.

الكلام عن ابن رشد وتجاوز ابن باجة وابن طفيل –ضمن هذا السياق- لا يعني عدم أهميتهما في توضيح الإشكال. بل سبب ذلك منهجي – ويعود إلى كون موقف ابن رشد يتسم بالوضوح والتميز وهو ما لا نصادفه لد سلفيه ابن باجة وابن طفيل، كما أنه يستحسن النظر إلى هذين الأخيرين قياسا إلى ابن رشد، نظرا لاشتراكهما في البنية الفكرية.

ويلاحظ هنا أنه إذا كان ابن سينا في المشرق –ومعه في ذلك الغزالي- قد أثبت للخيال قيمة أنطولوجية ومعرفية استنادا على نظريته في النفس، فإن ابن رشد قد مثل في المغرب اتجاها مضادا – حيث خصص كتاب التهافت على ما يبدو لا للرد على الغزالي فقط بل وعلى ابن سينا كذلك. وموقف ابن رشد من المسألة واضح، وهو الفصل بين العقل والخيال بوضع حدود صارمة بين البرهان والشعر أو الخطابة، حتى لا تختلط المقدمات وتتفاضل. ونجد عند ابن باجة وابن طفيل نفس الهاجس البرهاني الذي بلوره ابن رشد في ما بعد بوضوح تام. وكلاهما كان محاورا لفلاسفة المشرق خصوصا الفارابي وابن سينا. فبقدر ما نلمس لدى ابن باجة حوارا مع الفارابي يقدم لنا ابن طفيل قراءة لفلسفة ابن سينا المشرقية، علاوة على ملاحظاته العامة حول الفلاسفة السابقين عليه بمن فيهم ابن باجة.

هناك بعض الغموض في موقف ابن باجة من مسألة الخيال والعقل. وربما كان هذا يعود إلى مراحل تطوره الفكري، كما قد يعود إلى مدى صحة النصوص المنسوبة إليه. فقد اهتم ابن باجة بمسألة “الاتصال” كما يخبرنا بذلك ابن طفيل. إلا أن هذا الاهتمام لم يكن بأية حال على طريقة المتقدمين عليه في هذا الجانب. فابن باجة عالج مسألة الاتصال عن طريق العلم النظري والبحث الفكري. أي على طريقة أهل النظر وهم الفلاسفة –وليس على طريقة أهل الولاية- التي عابها أبو بكر وذكر أنها للقوة الخيالية.

والمعرفة عند ابن باجة تحصل بالحواس وبالقياس. والمعقولات لا يمكن أن توجد في الذهن إذا لم تمر بالحس. فهي تتألف من صور قد مرت عبر الحس. إلا أن ابن باجة لا يثق في الحواس فهي تخدع كما أن العقل بدوره يمكن أن يخطئ. لذلك سنجد أن البحث في المعرفة العقلية يقود إلى النظر في طبيعة الصورة الروحانية التي هي موضوع الإدراك العقلي.

ويدعو ابن باجة المعقولات بصفة عامة “الصور الروحانية”. ويبدو أن هذه التسمية مستمدة من كتاب الحاس والمحسوس لأرسطو في ترجمته العربية. فابن رشد –في تلخيصه لهذا الكتاب- يقول أن المحسوسات “ليست تحل فيها (أي في النفس) حلولا جسمانيا بل حلولا روحانيا”. ولذلك يقال: “لمن أنكر أن يكون إدراك المحسوس بمتوسط: إن المعاني التي تدركها النفس إدراكا روحانيا منها جزئي وهي المحسوسات ومنها كلي وهي المعقولات”.

ويقسم ابن باجة الصور الروحانية إلى أربعة أقسام: أولا – صور الأجسام المستديرة وهي الأجرام السماوية التي تتحرك حركة دورية دائمة. ثانيا – العقل الفعال، وهو جوهر أو صورة عقلية مفارقة للمادة تحرك عالم ما تحت القمر والعقل المستفاد وهو المرتبة القصوى من الإدراك التي يبلغها الإنسان إذا تم له الاتصال بالعقل الفعال. ثالثا – الصور الهيولانية التي تنتزع من الموجودات الجزئية. رابعا – المعاني الموجودة في قوة النفس الحسية الثلاث، وهي الحس المشترك والتخيل والذكر.

يهمنا القسم الرابع من هذه الصور، حيث يظهر أن أحط درجات الروحانية إنما تتمثل في وجود الصور في الحس المشترك ثم وجودها في المتخيلة ثم وجودها في الذاكرة. وهذا الموقف فيما يبدو يؤكد ما قاله ابن طفيل من أن ابن باجة قد سلك طريق أهل النظر.

وعلى خلاف ذلك نجد لابن باجة رسالة خاصة فيما بين “العقل والقوة المتخيلة” يقرر فيها أن العقل يأخذ من القوة المتخيلة معلومات هي المعقولات. وأنه كذلك يقدم للقوة المتخيلة معلومات يبسطها فيها. وتلك المعلومات إما استنبطها العقل وإما من الحوادث التي جرت في العالم – يوجدها العقل في المتخيلة قبل حدوثها. وتلك المعلومات “لم تحصل في القوة المتخيلة عن حاسة، بل عن العقل الذي يخدمها”.

إن كون العقل خادما للمتخيلة يبدو غريبا على ابن باجة بالقياس إلى الموقف السابق ذكره. إلا أن هذا الأخير يذكر مع ذلك من أشكال الخيال الرؤيا الصادقة والوحي والكهانة. ويقرر أن حصول ذلك يكون عن طريق الفيض “وهذا ظاهر في الأكثر، في الصالحين من عباده الذين هداهم الله وأخلصوا به وبملائكته وكتبه ورسله، وعملوا بما يرضيه، فإنه يفيض عليهم بتوسط ملائكته في الرؤيا وغير ذلك عجائب من الحوادث في العالم”.

إن ما يلاحظ على هذه الرسالة استخدامها لمصطلحات الأفلاطونية المحدثة وابتعادها عن المفاهيم المألوفة عن المشائين. وعلى الرغم من أن ابن باجة يذكر القوة المتخيلة ويفصل في أمرها، فإن ذلك لا يخرج عن نطاق المعرفة الحسية وتفسير عمل العقل في الصور قبل أن يتعقلها. وعنده أن “القوة المتخيلة الموجودة في الإنسان بالفعل، هي القوة التي يجدها الإنسان في نفسه، يرسم فيها رسوم المحسوسات، ويتصور بها ويحضر الإنسان فيها رسوما من وصفة داره ودابته وغير ذلك من المحسوسات المشار إليها. ويكون هذا الفعل من القوة المتخيلة في اليقظة والنوم”.

ويذكر ابن باجة أن للعقل فعل ما في المتخيلات. ذلك أنه “بعد حصول المتخيلات في القوة المتخيلة على (هذا) النحو تكون القوة الناطقة تنظر ببصيرتها فترى المعاني الكلية التي تحمل على ما في القوة المتخيلة، وبها تخيل وتميز ما هي كل واحد منها”.

يبقى موقف ابن باجة من الخيال سلبيا على الطريقة المشائية التي رأيناها عند الفارابي. وهو وإن كان في غير حاجة إلى عملية التوفيق بين العقل والنقل فيما يبدو – إلا أنه قد حاول تفسير عملية الاتصال بالعقل الفعال، الأمر الذي قاده إلى مفاهيم الأفلاطونية المحدثة وإلى الكلام أحيانا بلغة المتصوفة.

وهذا الموقف المتناقض من الخيال ليس غريبا على الفلاسفة المسلمين. فموقف ابن طفيل بدوره يتميز بالكثير من اللبس والغموض بصدد الخيال. ذلك أنه في الوقت الذي يعيب على الفارابي ربط النبوة بالمتخيلة لا يفصح عن موقفه الشخصي، بل يقدم نفسه كشارح للفلسفة المشرقية كما وضعها ابن سينا. وبالفعل فابن طفيل كلما تحدث عن رتبة الاتصال والمشاهدة -حيث يلجأ مباشرة إلى التمثل بالخيال ويستعمل ألفاظا تحيل إلى المتخيلة- نسب الكلام أو الرأي إلى ابن سينا. فهو يذكر أن هذه الرتبة “لا نجد في الألفاظ الجمهورية ولا في الاصطلاحات الخاصة، أسماء تدل على الشيء الذي يشاهد به ذلك النوع من المشاهدة”. ومعنى ذلك أن المشاهدة لا توصف إلا رمزا أي بالخيال. وكلام ابن طفيل واضح في نسبة القول بهذه المرتبة إلى ابن سينا: “وهذه الحال التي ذكرناها وحركنا سؤالك إلى ذوق منها، هي من جملة الأحوال التي نبه عليها الشيخ أبو علي”.

إلا أنه يبقى السؤال حول علاقة السارد، في قصة حي بن يقظان بشخصياته مبهما. إذ ما هي درجة الحياد في مستوى السرد؟ هناك صعوبتان: فابن طفيل عندما يتحدث عن الفلسفة المشرقية –القائمة على الخيال- ينتقد فلاسفة من المشرق والمغرب، وهو غالبا ما يندد بهم من حيث نسبتهم إلى الخيال. فالفارابي أخطأ لأنه نسب النبوة إلى “القوة الخيالية خاصة” وابن باجة أخطأ بدوره لأنه وقف عند حدود النظر واعتبر مرتبة الكشف والالتذاذ الذوقي للقوة الخيالية.

وفي مقابل كل ذلك لا نجد تعبيرا واضحا يبرز موقف ابن طفيل من ابن سينا نفسه، اللهم إلا بعض العبارات الإيجابية والتي تحتمل تأويلات متعددة. وعلى الرغم من التقارب الذي يمكن إقامته بين ابن باجة وابن طفيل وابن رشد فيما يخص إشكال الخيال، فيبقى موقف ابن رشد أكثر دقة ووضوحا. فهو يعلن في أغلب مؤلفاته ضرورة الفصل والتمييز بين الخيال والعقل، وذلك بعبارات صريحة بعيدة عن الألغاز والرموز.

استخلاص:

من التحليلات السابقة، يتضح أن الفلسفة الإسلامية قد تراوحت بين العقل والخيال في أغلب المواقف. فأحيانا يتم تغليب العقل وأحيانا يتم تغليب الخيال دون التخلي النهائي عن الطرفين معا. فإذا كان الفارابي قد أثبت أساسا أنطولوجيا للعقل، فإنه مع ذلك حاول أن يدخل الخيال في صلب هذا الأساس. وهذا ما كان يهدف إليه من وراء عملية التوفيق التي أنجزها بين أرسطو وأفلاطون، وبين الفلسفة والدين. وعلى العكس من ذلك قام ابن سينا بعملية قلب لكل ما سبقه حيث أقام أساسا جديدا للفلسفة غير العقل. فالفلسفة المشرقية لابن سينا في أغلبها –إن لم تكن كلها- فلسفة خيالية أو حدسية أساسها الأنطولوجي هو النفس. ولعل الغزالي تبع ابن سينا في هذا الموقف ولذلك أقر ضرورة الخيال والحدس. في حين يبقى موقف ابن رشد الموقف الذي يثبت الانفصال بين العقل والخيال – مثلما أثبت ضرورة الفصل بين اليقين والظن، وبين الحكمة والشريعة. ومما لا شك فيه أن ابن باجة وابن طفيل يستبعدان الخيال من دائرة الفلسفة، في الوقت الذي يتم وضعه في تقابل مع العقل.

هناك ثلاث خلاصات ينبغي التوقف عندها هنا:

أولا – إن إشكالية الخيال ترتبط بالصيرورة التي عرفها مفهوم العقل و”مفهوم” الخيال معا، داخل تاريخ الفلسفة.

ثانيا – تتحدد إشكالية الخيال انطلاقا من العلاقات التي نشأت بين أربعة أنماط فكرية هي: الفلسفة والأسطورة والدين والأدب.

ثالثا – هناك موقف متناقض داخل الفلسفة بصدد الخيال. ذلك أنه بالرغم من تبخيس الخيال والحط منه أنطولوجيا يتم اللجوء إليه كحل لبعض القضايا المعقدة أو التي يصعب التعبير عنها –لسبب من الأسباب- كما هو الأمر مع ابن سينا وابن طفيل. وهذا اللجوء إلى الخيال غالبا ما يتم بكيفية ملتوية عبر الأساليب والفنون الأدبية المشهورة كالحكاية والقصة والشعر.

ويتضح مما سبق أن تاريخ الفلسفة “الرسمي” قد جعل من مفهوم الخيال قيمة سلبية، فهو مصدر الشر لكونه يرتبط بالرغبة والنزوع. كما أنه على مستوى المعرفة لا يعدو الظن وفي أغلب الأحوال الظن الكاذب. وبذلك اعتبر الخيال دوما مصدرا للأخطاء. وأما أنطولوجيا فلا يعتد بالخيال لكونه لا يسمو إلى درجة الوجود، فمجاله الظاهر فقط.

وفي المقابل اعتبر العقل هو الموضوع الأثير للفلسفة لكونه يمتلك أساسا أنطولوجيا ثابتا ودقة يقينية، وبذلك لا يمكن أن يصدر عنه الشر. وقد تبع رجال الدين الفلاسفة في هذا الاعتبار، فقالوا أن العقل صادر عن الله أو هو فيض من الله أو مبدأ إلهي ينظم الوجود n

Annonces Google
Sims 2 Nightlife
Køb Sims2 Nightlife og mange
andre spil billigere med Kelkoo.
www.kelkoo.dk Download RoboForm Today
World’s Most Downloaded Password
Manager. Easy to Use. Very Secure.
www.RoboForm.com Beads & Findings Resource
Pearl, shell, coral, turquoise bead
Silver clasp. Guaranteed Low price!
www.ayliss.com Beadmaking Books
Better Beadmaking in your Hands!
Deanna Griffin Dove, publisher
www.BeadmakingBooks.com
1 Go d’espace gratuit tout de suite. Votre propre site internet pour 0€ + un domaine GRATUIT. Pas de publicit. ! Gagnez de l’argent avec votre page Multimania Web: Tripod:

Revoir la pub
Trucs, astuces, ateliers pour créer son site

كانط ومنزلة الخيال

محمد طواع

في عصر سيطرة التقنية، التي تتجلى إحدى مظاهرها في الحضور المكثف للأشياء الإلكترونية في حياتنا اليومية، وفي الميل إلى التعامل التدبيري، والوظيفي المحض مع الوجود، كما تتجلى في انشغالات علماء الفلك اليوم بإمكانية الحياة في فضاء الكون الواسع وربما بكيفية لا تشبه حياتنا على كوكب الأرض؛ في هذا العصر أضحى الالتباس واضحا في تقدير المسافة الممكنة بين الواقعي والمتخيل إلى درجة بات ممكنا اليوم الحديث عن متخيل واقعي أو عن ميتولوجيا الواقع.

في ظل هذا العصر وقوته التقنية الجارفة التي تتجلى في لغة الحساب الرياضي وفي النزعة نحو التحكم عن بعد في الموجود، كيف يمكن الحديث عن منزلة للخيال؟ وبأي معنى لا زال ممكنا اعتبار الخيال مصدرا للتوهم؟ ومتى كانت الحياة تستقيم بدون وهم؟ الحقيقة هي أن التوهم واحد البشر والعصور. وبما أن حقيقته هي كذلك، فإن التوهم كالضلال أو الخطأ ليس مسألة منهج بقدرما هو مسألة قدر، قدر الحيوان العاقل ومصيره. نقول ذلك لأنه الكائن الوحيد الذي يقيم داخل العالم. أما الأنعام فهي كائنات حية تشترك معنا في أمور، غير أنها لا تكابد مسألة السكن في العالم ولا مسألة التوهم والضلال أو المجاز. والفاصل بيننا وبينها هو اللغة. لكن اللغة هنا ليس كما هو متداول مفهومها لدى اللسانين أو لدى المشتغلين بعلم الدلالة، وإنما اللغة هنا في بعدها الأنطولوجي، اللغة باعتبارها مقطن الوجود. والعالم بالنسبة للإنسان كالماء بالنسبة للسمك.

بناء على ما تقدم نتساءل بأي معنى يتعين التفكير في مسألة الخيال في ارتباط بالعالم وبالإقامة والسكن والعصر عصر التقنية، العصر الذي أضحى فيه “المجاز الهندسي أعقد وأعمق وأدق من المجاز الشعري أو المجاز العلمي أو المجاز الأسطوري”(*)؟

I –

التفكير في الخيال، مثله في ذلك مثل التفكير في الحواس والانفعال أو في الجسد وجنونه، يفرض حوارا ما مع الأفلاطونية، خاصة وأن نموذجها الأول -أفلاطون- قد اهتم بشكل كبير بهذه الأمور في الوقت الذي تحدث فيه عن تأثير المرايا والانعكاس، أو عن الحس المشترك، أو عن الأصل والنسخة، أو عن الحق والظاهر. وكان لذلك ارتباط بحديثه عن أنماط الصور، الصورة الأيقونة والصورة المحرفة وصورة الصور. في إطار هذا الحديث تم التشريع مع أفلاطون لما اعتدنا عليه من تمييز مانوي بين الحقيقي والواهم أو بين الموجود الحق والخيالي.

لقد شكل الخيال، دائما، بالنسبة للفلسفة، منذ نشأتها كميتافيزيقا إلى اليوم أمرا محيرا. وما تميز به في خطابها هو أنه “شيء” يتمنع عن كل تحديد صارم، مثله في ذلك مثل المسائل الجوهرية أو القضايا التي اعتبرت من قبيل العويص في الفلسفة. ذلك أن الحديث عن الخيال، كان يأتي مرتبطا بالحديث عن الحواس والانفعال والشعر والفن وقضية المحاكاة. وقد صنف الحديث عن هذه الأمور ضمن الحديث عما هو مظنون وواهم. وكان معيار تقييم الأقاويل هو المنطق وشرائطه وموجهاته. وبهذا اعتبر الخيال مصدرا للتوهم مثله في ذلك مثل الأساس الذي قامت عليه “علوم الصور” جميعها.

غير أن مفارقة الفلسفة تكمن في كونها عملت على نبذ الخيال واعتبرته أساسا للتوهم، هذا في الوقت الذي نجدها قد شغلت الرمز ووظفت الأليغوري. وهو المؤشر الذي يدل على أن الخيال ولغته، ظلا يفعلان بشكل متوار في لغة الفلسفة وخطابها.

نعرف أن الفلسفة، على الرغم من حرصها على رصانة العقل وحصافة القول، قد شيدت مدنا قريبة إلى اليوتوبيا منها إلى الواقع الفعلي للبشر، كما تحدثت عن جزر لا يمكن إدراك أشيائها والأحداث التي عرفتها إلا على مستوى ما هو متخيل، كما شغلت الميثي في كلامها من أجل إغناء فقر المفهوم أمام الحقيقة. وكلنا يعرف رمز الكهف ورمز حي بن يقظان أو المدن الفاضلة. هذه في مجملها انزياحات صوب الشعري، إلا أن حضورها ظل يشكل الوجه الخجول للفلسفة. وبالجملة نقول لقد تم نبذ الخيال كما تم نبذ “السوفسطائي” و”علوم الصور”، هذا في الوقت الذي ظلت لغة الخيال والمجاز والرمز تاوية خلف لغة الفلسفة، إذ لا يخلو عمل فلسفي من “كلام الصورة” حين كانت تتحقق نقلة الفكر من الواقعي إلى المتخيل.

وجدير بالإشارة إلى أنه سيكون للتقليد الأفلاطوني مفعول طويل الأمد، ليس بالنسبة لمجال الفلسفة وحسب بل كذلك بالنسبة لما عرف بنظرية الأدب. ونشير هنا فقط إلى ما للصنافة التي وضعها أفلاطون لمراتب الحقيقة من مفعول على “نظرية الأجناس” كما تحددت في العصر الحديث، لذلك وجب مجاوزته.

II –

غير أنه بالنسبة لتاريخ الفلسفة يعتبر كانط محطة بارزة في ما يتعلق بالمنزلة التي حظي بها الخيال من طرف عباقرة تاريخ الفلسفة الغربية. وذلك لأن كانط حاول البحث عن إمكانية إقامة الفكر على ذلك “الموقع” الذي تم نبذه من طرف الميتافيزيقا وأعني الخيال.

لقد حاول كانط اتخاذ الخيال أرضا تقيم عليها الذات نشاطها الفكري. وهو بهذه المحاولة، ومن منظور التأويل الهيدجري لتاريخ الفلسفة، قد تجرأ على مجاوزة بعد الفكر المنطقي الذي اتخذته الفلسفة، منذ نشأتها على مقولة الثيوريا، أساسا لقول الحق والحقيقة. وهذه المحاولة الجريئة هي ما جعلت من كانط قمة في تاريخ الميتافيزيقا بشكل عام، ولحظة حاسمة في التفلسف الحديث والمعاصر. واسم كانط معروف بالثورة الكوبرنيكية. وما منح كانط هذه المنزلة هو كونه انشغل “بالشيء” الذي ظلت الميتافيزيقا تتحدث عنه بشكل خجول، بمعنى أنه اهتم بالخيال باعتباره الأساس الذي يجعل مختلف أشكال التمثل ممكنة. وقد كان ذلك في الطبعة الأولى لكتابه نقد العقل الخالص الصادرة سنة 1781.

يعتبر الخيال مع هذه الطبعة قوة مؤسسة للتركيب، ونحن نعرف مع كانط أن فعل التفكير هو في عمقه فعل تركيبي. وبهذا يغدو الخيال ملكة مؤسسة وبشكل قبلي لفعل التركيب بشكل عام. بل إن الخيال هو الشكل التركيبي الخالص بامتياز. ويتحقق مفعول الخيال في مد الفكر بمجموعة من “التخطيطات الأولية المتعالية” التي تمكن من تمثل الصورة الخالصة، كما تشكل أساس الرؤية وكل علاقة ممكنة بأشياء المحيط المشتتة. ومن بين ما تمدنا به ملكة الخيال نذكر البعد الزماني للتفكير. وهكذا، فمع التخطيطات الأولية التي يعتبر الخيال منبعها، يتجلى الزمان كصورة خالصة فاعلة بامتياز بالنسبة لفعل المعرفة عامة. وبهذا، ولأول مرة في تاريخ الفلسفة الغربية، يصبح ما كان يعتبر أساسا للتوهم هو عينه ما يؤسس للأفق الذي تقوم عليه العلاقة بالموجود. ومن تم يصبح ذلك التمييز المانوي الذي كان معتادا بين الواقعي والخيالي لاغيا. وذلك لأنه بدلا من أن يظل الخيال هو المقابل الضدي للواقع، يغدو، مع كانط، هو ما يؤسس الواقعي والموضوعي. وبهذه المحاولة نقول مع هيدجر أن كانط قد عمل على مجاوزة الميتافيزيقا بصفتها فكرا أراد أن يقيم الحقيقي والواقعي والعلمي على أساس الراسيو. وقد اتخذ هذا الفكر من أجل ذلك المنطق معيارا للعلم وموجبا له.

III – الخيال والتمثل:

يقول كانط: “(…) الربط هو المتمثل الوحيد، من بين جميع التمثلات، الذي لا يمكن أن تحققه لنا الأشياء، بل يمكن للذات وحدها أن تقوم به باعتباره من أفعالها التلقائية(…) والربط تمثل لوحدة المتنوع التركيبية”.

يرى كانط أن التمثل فعل ذهني يقوم على ملكتين رئيسيتين هما ملكة الحدس وملكة الفهم، وأن كلاهما يقوم على أساس واحد، إنه الرؤية La synopsis التي قد تكون مباشرة، وقد تبدو من خلال وظيفة قدرتنا على الربط والتركيب ورد المشتت إلى وحدة. أو نقول، يقوم التمثل بإبداع صورة منظمة تستحضرها الذات على شكل رؤية ماثلة في الأمام. أو قل التمثل مقطن إنارة الوجود حضورا ينكشف ليضحى مبصرا. ومن تم يتحدد الأفق الذي يمكن، في الآن ذاته، من إبصار الذات لنفسها، ومن استحضار الشيء موضوعا وتوليده في موضوعيته.

يذهب كانط إذن، وتبعا لقراءة هيدغر لعمله النقدي، إلى أن كلا من الحدس والفهم يرتد إلى جذر مشترك يمكن من الرؤية كما يمكن من القدرة على الربط وخلق النظام والتطابق والتركيب، إنه الخيال. وبهذا تصبح المخيلة، باعتبار ماهيتها الزمانية، هي الموقع الذي ينفتح معه الأفق لفعل التمثل قصد توليد الموضوعات. وبناء على ذلك، نقول مع هيدغر، إن الخيال، وليس المنطق هو الذي يمهد لذلك الانفتاح على الموجود من أجل جعله موضوعا يتراءى نورا أمام الذات. ويكون التمهيد لهذا الفعل عن طريق مد الفكر برسوم تخطيطية أولية خالصة des schèmes وبفعل الوحدة الأساسية للحدس الخالص، تلك التي تتجلى في الزمان بوصفه صورة خالصة للحدس الحسي، وحدة تساعد الفكر (Entendement التي تترجم أيضا بلفظ الفهم) على إبداع الصور الذهنية الخالصة. أو تمكن هذه الوحدة من قيام جميع التمثلات وتؤسسها بصفة عامة.

يقول هيدغر: “الخيال السامي هو إذن الأساس المكون لإمكان المعرفة الأنطولوجية وللميتافيزيقا في معناها العام(…) بهذا القول يكون كانط قد أدخل الخيال الخالص كوظيفة ضرورية للروح(…) إن الخيال ملكة أو قدرة تمكن من الحدس الخالص”. وهو القول الذي يجعلنا نفهم ما ذهب إليه كانط، من أن الميتافيزيقا امتداد لطبيعة الحيوان العاقل الروحية. وعلى أساس هذا التأويل يبدو أن أهمية الخيال تكمن في القدرة على تشكيل الصور الذهنية وإبداعها بشكل تلقائي قبلي. أو نقول، الخيال قدرة على إنتاج رؤية الوجود، بمعنى موضعته. ويتحقق هذا التشكيل الأولي القبلي للرؤية الكاشفة لأفق الموضعة عبر شكل الزمان الخالص. وهو ما يعنيه كانط بالتشكيل التخطيطي الأولي الذي يتم بكيفية قبلية ليؤسس الرؤية الكاشفة لكل موضوعية.

وهكذا، فإن ماهية الخيال قبلية، وهي ما يؤسس ماهية التمثل، إذ بدون هذا الأساس القبلي الشارط لكل رؤية تكون المعرفة من المحال. ونوضح بنية الذات المتعالية، وأساس فعلها الخيالي في التصميم الوصفي الآتي:

الفكر (=ملكة الفهم) قدرتان أو ملكتان (الفكر/الحدس)

تقومان بفعل التمثل. وإذا كان

الحدس الحدس مجرد اتصال مباشر بالأشياء فإن الفكر قدرة تمكن من تركيب المشتت وإضفاء صورة

القاعدة أو الجذر المشترك الزمان منظمة عليه.

الذي يمنح الحدس والفكر

القدرة على فعل التمثل. المخيلة

أو هما القاعدة التي تمنح

إمكانية الرؤية synopsis

أو تشكيلا الصور.

وتجدر الإشارة إلى أن كانط يمنح الزمان، الذي من خلاله يتجلى مفعول المخيلة، قيمة متميزة إذا ما قورن بالمدن، إذ يعتبر الشرط القبلي الضروري لإمكان وجود مختلف الحدوس باطنية كانت أو خارجية أو لمختلف التمثلات. ومن خلال هذا التصميم يتبين كيف يتدخل الخيال من خلال ما يشكله من صور خالصة للحدس. والزمان بصفة خاصة هو من بين أهم هذه الصور الفاعلة. وهو بهذا التدخل يمد الفكر برسوم تخطيطية أولية تمكن من مجاوزة ما يبدو مشتتا، وتركيب الوحدة على شكل صورة ذهنية تصبح مرئية لدى الذات داخل “آن” من الآنات الممكنة. وقد يكون هذا الآن ويمضي أو ينتظر في المستقبل. هذا ما يجعل مفهوم الآن متداخلا مع مفهوم الحاضر، ومن تم يغدو الحاضر ديمومة الآن باعتبار حضوره الدائم. هذا الآن يمكن أن يمضي ويفقد خاصية الآنية، وهو الآن الذي يكون منتظرا فيأتي ويحضر كآن حاضر فيخرج، بموجب ذلك، من غيابه كآن منتظر.

بهذا تكون الزمانية، منذ أرسطو إلى كانط محكومة بمفهوم “الآن”، أو هي عبارة عن “آنات”، مرة تمثل الحاضر ومرة تمضي أو يكون أنا منتظرا. وعليه الآن دائما هارب.

نلاحظ إذن كيف أن هذا التدخل يجعل من الخيال السلطة القطبية داخل بنية الذات المتعالية أو داخل بنية التعالي التي ترتبط بما هو قبلي في الذات. كما نلاحظ كيف أنه يمكن من إبداع صورة موضوع ممكن بتلقائية وحرية.

أما ما يمكن من الكشف عن هذه البنية المنظمة للتعالي باعتباره ماهية للذات، وبوصفها البنية التي تقيم داخل الخيال، هو ما يصطلح عليه كانط “أنطولوجيا” أو “النقد”. وتبرز معالم البحث عن هذه البنية من خلال البحث في “الحساسية السامية” بوصفها تمكنا من معرفة طبيعة ما يجعل مختلف أشكال التمثلات ممكنة. من هنا فالتمييز الذي كان معتادا بين الواقعي والخيالي يصبح لاغيا، وبدل من أن يكون الخيال هو المقابل الضدي للواقع، أصبح، مع كانط، هو ما يؤسس الأفق الذي تقوم عليه العلاقة بالموجود أو الانفتاح عليه أو هو ما يؤسس الواقع.

غير أنه مع إصدار الطبعة الثانية “لنقده” سنة 1887، ومع إصداره كتابه الشارح لما يعتزم القيام به لمجاوزة الميتافيزيقا في شكلها الدوغمائي، سيتراجع كانط عن محاولته التي رامت تأسيس الفكر أو الذاتية على بعد الخيال. وقد كان التراجع لصالح الراسيو أو للتطور الذي ينظر إلى الفكر بوصفه لوجيا Logie وإلى المعنى باعتباره مسألة ماهوية. وبهذا التراجع، فعوض الخيال، سيصبح المنطق هو الأساس الذي تقوم عليه بنية الذات المقولية، في توليد الموضوعات أو تمثل جميع المعارف الممكنة. وهو المنعطف الذي عاشته الميتافيزيقا في كلام كانط، المنعطف الذي سيجعل التمثل يقوم من جديد على المنطق، وهو الموضوع الذي يمكن أن نعود إليه لاحقا من أجل إكمال الصورة عن الفكر الكانطي n

1 Go d’espace gratuit tout de suite. Votre propre site internet pour 0€ + un domaine GRATUIT. Pas de publicit. ! Gagnez de l’argent avec votre page Multimania Web: Tripod:

Revoir la pub
Trucs, astuces, ateliers pour créer son site

عن حدود الواقعي والمتخيل

عبد اللطيف محفوظ

تقديم عام:

من البديهي أن مقاربة مفهوم المتخيل الذي لا يعود شيوعه وانتشاره إلا إلى وقت وجيز(*)، تفرض العودة إلى التعريفات المختلفة التي خصت بها مجموع المفاهيم القريبة منه، والتي شكلت دون شك ما قبل تاريخه الخاص، مثل الخيال والمصورة والمخيلة والمفكرة.. والوهم والوهمية والتوهم.. ولما كانت العودة الجادة إلى كل تلك المفاهيم، التي تشكل سياقا مناسبا لتحديده، ضرورية من أجل إدراكه بشكل عميق، فإن ذلك يقود إلى مساءلة تاريخية عميقة وعسيرة تلامس الخلفيات الإبيستيمولوجية الكامنة خلف الاختلافات سواء منها تلك التي تبدو ظاهرة بدءا من مستوى الدال، أو تلك التي تكمن في مستوى المدلول، سواء على المستوى التزامني أو التعاقبي. كما يقود ذلك إلى تجلية الفوارق والحدود الفاصلة بينه وبين تلك المفاهيم… ولما كان ذلك من جهة يجعل الموضوع شاسعا يتطلب حيزا أكبر مما يتطلبه المقال، ومن جهة ثانية يفرض على من يزمع معالجته أن يكون ذا معرفة موسوعية؛ فإن مدار حديث هذا المقال سيقتصر على مساءلة الفوارق الممكنة بين الواقعي والمتخيل، مع التركيز على الشكل المهمين الذي فهم به /ووظف وفقه/ المتخيل في مقاربات النقد الأدبي عامة والنقد المغربي خاصة:

من الملاحظ أن العديد من الدراسات الأدبية المغربية قد بدأت –خاصة منذ الثمانيات- على استعمال مفهوم المتخيل، والملاحظ أيضا أن هذا المفهوم غالبا ما عبر في هذه الدراسات عن العالم الممكن الذي تقترحه النصوص الأدبية[*]، وهو عالم لا يختلف كثيرا عن العالم الذي يعتقد أنه عالم فعلي، الشيء الذي يفيد أن مفهوم المتخيل قد استعمل بوصفه تصورا ذهنيا يحدد شبكة من العلاقات التي لا تتناقض مع ما يتصور كونه قابلا لأن يحدث فعلا في الواقع[**].

المتخيل والواقعي والحقيقي:

بما أن المتخيل غالبا ما يدرك بوصفه نقيضا للواقعي، وبما أن الاقتراب الهادئ من مفهوم الواقعي يفيد أنه من المفاهيم الأكثر غموضا، فإنه يبدو من الأجدى محاولة مقاربة المتخيل انطلاقا من تحديد مفهوم الواقع، كما يبدو أن خير طريق لتحديد مفهوم الواقع، هو إظهار اختلافه عن المفاهيم القريبة وأهمها مفهوم الحقيقة:

يعتبر مفهوم (الواقع) من بين المفاهيم الغامضة جدا، والمستعصية على الفهم والتفسير. ويعود ذلك إلى كون معناه المتداول لا يقوم إلا على فرضية حدسية. ذلك أن تلقينا له غالبا ما يحدده تواطؤنا مع منتجه. والحقيقة أن (الواقع) كلمة تحمل تصورا ملتبسا، يفتقد إلى حد ضابط. ويتمظهر ذلك بجلاء خلال سيرورات التواصل المباشرة، التي تسمح لنا بأن نجرب بعضنا البعض مباشرة، بفضل إمكانية السؤال عن المعنى الذي يقصده من يخاطبنا: فإذا حدث، وتلفظ من يجادلنا بكلمة (الواقع) وبدت حاملة لمعنى إمكاني يحتمل عدة دلالات..، ودفعنا ذلك إلى التساؤل عما يعنيه بها، فإن مخاطبنا وهو يحاول مرتبكا توضيح المعنى، غالبا ما يكون توضيحه مصدرا لخيبتنا.. لأنه جراء غياب تحديد اتفاقي (ضروري) لن يشكل إلا فهما خاصا وجزئيا.

أما في المجال الأدبي فإن الأسباب التي تجعل كلمة (الواقع) أكثر التباسا، ترتبط أساسا باستعمالها وفق المعنيين اللذين رسختهما سياقات الخطابات السطحية والعادية والإيديولوجية النفعية. وهما معنيان لا يتجاوزان حدود التوظيف الشائع. أما المعنى الأول فيرتبط بالسياقات العامة، ولذلك يتماثل مع شكل حياة ما، في إطار مجتمع ما. أما المعنى الثاني، فيؤشر على موافقة الفعل اللغوي للفعل الواقعي مثل قولنا “في الواقع لن أذهب” حيث يعني (الواقع) وفق هذا السياق، مطابقة الفعل لإنجازه.

من الواضح أن المعنى المرتبط بالسياق الثاني، يجعل الواقع حالا محل حقيقة جزئية ومحدودة؛ أما المعنى المرتبط بالسياق الأول، فهو مجرد وصف لما يبدو للوعي.

ولما كان المعنى المرتبط بالسياق الأول يلائم بصفة عامة طبيعة النصوص، فمن الأفضل منهجيا أن يشكل بداية لمحاولة تحديد معنى الواقع:

ولا يعني رفض اعتبار شكل تعيينه للموضوع الذي يعبر عنه بأنه لا يعبر عن حقيقة أنه يعبر عن زيف أو تخييل حر، بل يعني فقط أنه يعبر عما هو متمثل في ذهن ما، بوصفه مظهرا للحقيقة: أي أنه مجرد تمثيل(*)1. وإذن فبما أن ما هو متمثل في الذهن، هو ما سبق معرفته حول العالم، سواء عن طريق تجريبه ذهنيا أو عمليا.. أي بما أن ما هو متمثل في الذهن هو حصيلة المدركات المترسبة حول العالم في الذهن نفسه [و لا يهم إن كانت تلك المدركات السابقة حاضرة في الذهن بوصفها من البديهيات، أو بفعل قوة الأشياء الحاضرة (أي أنها مستدعاة بمجرد بروز مظاهر تؤشر على استدعائها)، أو بفعل قوة تأشير الأشياء على نظائرها أو ما يتعالق معها مكانيا أو زمنيا..] فلا يمكن أن يرقى إلى التعبير عن الحقيقة. ومن ثمة، يمكن القول إن هذه الأشكال المركزية والأساسية لتشكل الوعي الذهني –الذي يتحول إلى دليل ذهني، قبل أن يحول، بفعل الترابط الضروري بين العالم واللغة عن طريق وساطة الفكر، إلى دليل تواصلي- ليست إلا أفعالا موسطة لتماس مختلف أنواع الوعي بنفس الشيء الظاهر. وإذن فهي أشكال غير مجسدة في/أو مجسدة ل/واقع ما، بل هي مجرد استنتاجات ذهنية حول ما يعتقد أنه واقع وحسب. ويمكن، من أجل توضيح ذلك، أن نسوق المثال البسيط التالي:

لنفترض أنني أدرك الآن شيئا موجودا وحادثا، ولنفترض أن هذا الشيء هو “وردة”، ولنفترض أيضا أنه علي أن أنقل تجربتي البصرية هذه إلى ذات أخرى: إن إدراكي الذهني للوردة ثم تمثيلي لذلك الإدراك، يخضع بالضرورة لكل تلك الإجراءات التي تشرط تشكله وتحققه. ومن البديهي أن أول شرط هو وجودها المسبق في وعيي الخاص، أي وجودها ضمن معارفي المسبقة عن العالم، ويتم ذلك بفضل كونها مؤشرة على إحدى تجاربي البصرية السابقة، أو باعتبارها نسخة متفردة لمسمى اسم جنس في لغتي الأم (وردة). وحالما يتحقق هذا الشرط، تنضاف في نفس الوقت بقية الشروط المتصلة بكل تصوراتي المسبقة حولها، لتتراكب مع كل تصوراتي المزامنة للحظة الإدراك –هذه اللحظة التي تعطيها تميزها بوصفها نسخة متحققة في الوجود داخل إدراكي المتحقق أيضا في مستوى الوجود- وبما أن حضورها المتميز في الوعي يفرض بالضرورة تجاوز معناها القاموسي المجرد إلى معنى مخصوص مبطن بكل إرغامات التجربة المحايثة للحظة الإدراك، فإن تمثيلي لها لا بد أن يضيف إليها حدودا مميزة. فلو فكرت ذهنا أو تلفظت لغويا: (إنها وردة حمراء..) مثلا، فإن اللون الذي أسنده لها، ليس إلا اللون الذي يبدو لي –لحظة إدراكها- معتمدا في وجوده على وجودها! لأنه قد يكون بالنسبة لمدرك آخر، وإن زامن إدراكه إدراكي، ليس بالضرورة هو اللون الأحمر. وقد يتحقق ذلك إما نتيجة عطب طبيعي في نظامي البصري، أو نتيجة جهلي بمكونات الطيف الفرعي للألوان (الحمراء)… ويصدق نفس الشيء على كل الصفات التي يمكن أن تميز إدراكي الوجودي لها (الطول، الشكل، الجمال…). ثم إنني عندما أنقل تجربتي إلى المتلقي الذي لم يدرك ذلك الشيء مباشرة، أفرض عليه أن يتصور ما تصورته. وقد يحدث في كثير من الأحيان أن يشعر –رغم اعتقاده أنني جاد- بعدم تطابق معارفه المسبقة حول الشيء مع تحديداتي له. ومع ذلك فإنه لا يملك في هذه الحالات إلا الاستعداد للتعاون. ولن يتحقق ذلك إلا بتحويله للأدلة التي أشرت بها على تجربتي الوجودية إلى أدلة إمكانية محضة، لكي يقوم انطلاقا منها بصياغة أدلة مؤشرة على تجربة وجودية مضاعفة، تنسجم مع معارفه المسبقة حول الشيء. الشيء الذي يعني أنه انطلاقا من أدلته الناسخة لأدلتي يمثل من جديد –لنفسه أو لغيره- ما سبق أن مثلته له.. وهكذا، يصبح ما نقلته له مجرد عالم ممكن مؤسس على حالة أشياء فعلية، بينما يصبح إدراك من نقلت إليه ذلك، عالما ممكنا منضدا على عالمي. وقد يحدث أن ينقل بدوره تجربتي لغيره، فتصير التجربة في وعي تلك الذات الثالثة عالما ممكنا ثالثا..

يجد الالتباس، الذي تجلبه سيرورة فعل التوسط تلك، مرجعيته إما (أ) في العالم الذي لا يعرض كل الأشياء وفق نفس الصورة، سواء كانت موجودات مثل الأشجار..، أو كليات تجريبية ملموسة مثل الحمرة..، أو (ب) في الفكر، الذي من جهة، ينجز فعله بناء على مقولات كلية هي في الواقع كليات غير موضوعية، بل تصورات ذاتية للعقل البشري؛ ومن جهة ثانية، لأن حضور المعرفة الخاصة بشيء محدد لدى مدركه، يكون مشروطا بمعرفة مسبقة وعامة به، ثم بمعرفة خاصة فقط بهذا المدرك، وهي المعرفة التي تتصل بتجاربه السابقة والمزامنة لإدراك الشيء، وتعتبر هذه المعرفة مصدرا لوسم الشيء المدرك بملابسات إدراكه أثناء تحويله إلى دليل تواصلي؛ أو قد يجد ذلك الالتباس مرجعيته (ج) في التعبير اللغوي فقط، وذلك نتيجة إما لقصور المنتج في انتقاء أدلة إظهارية معبرة عن الشيء، وإما لقصور المتلقي في إدراك أدلة المنتج(*).

يوضح المثال السابق من بين ما يوضحه، أن إدراك الشيء أو تمثيله لغويا لمن لم يدركه مباشرة، هو في الواقع إبعاد له عن حال وجوده الفعلي. الشيء الذي يسمح بالقول إن الواقع يقترب، من حيث استعصاء الإمساك به، من مفهوم الحقيقة التي سبق لديكارت أن حسم في عدم إمكانية إدراكها، حين أكد أن حقيقة الشيء لا تكون أبدا معروفة3. لكن الاقتراب لا يعني التماثل الكلي، بل التناظر في بعض العناصر. فإذا كانت الحقيقة غير قابلة لأن تدرك بإطلاق، فإن الواقع بفعل كونه يتعالق مع دلالة ممثلة لتصور ما، وأن هذا التصور بدوره ممثل بواسطة حد لغوي ما، يمكن أن يكون –على خلاف الحقيقة- قابلا لأن يتعرف عليه في مستويات ما، وخاصة في مستوى إدراك المعنى الموضوعي لذلك الحد اللغوي4 الذي يمثل التصور الذي يمثل الشيء الواقعي. ومعنى ذلك أن الواقعية هي درجة في سلمية إدراك الحقيقة التي تظل أبدا مطلقة ومتعالية و-عبثا- مبحوثا عنها…

وباختصار ووضوح، إن واقعية الشيء أو غيره (الدليل بصفة عامة)، هي أكبر فسحة متاحة لمعرفته. ولعل هذه الخاصية هي التي جعلت بورس نفسه يربط الواقعية بسيرورة المعرفة، خاصة وأن تلك السيرورة لا تتحقق في الأشياء في ذاتها، بل تتحقق خارجها، بحيث تكون عبارة عن متتالية من المعارف الموجودة في الذهن، والمدعمة بافتراضات واستنتاجات مناسبة ومتطورة. أي أنها بالنسبة لأي دليل، هي تاريخ سيرورته الاستمرارية الموسعة.

وبهذا المعنى تصبح واقعية الشيء هي تاريخ أشكال إدراكه المتعاقبة إلى حدود لحظة إدراكه الفعلي من قبل ذات ما. وإذن تصبح آلية تدلالية تساعد على إنتاج الموضوعات الدينامية. كما تصبح الواقعية مرادفة لسيرورة الاستنتاجات التي تعطى انطلاقا من كل التجارب المعرفية والحسية بخصوص الأشياء المدركة…

العالم الداخلي والعالم الخارجي:

إذا صدق التحديد السابق لواقعية الأشياء بوصفها الشكل الذي تحضر به في أشكال الوعي وحسب، وصدق تحديد الوعي بوصفه فعالية مكونة من (أ) معارف سابقة حول العالم (الحس المشترك)، و(ب) من معارف خاصة بعلاقة المدرك بالشيء المدرك (تجارب خاصة)، و(ج) من معارف عامة تستخدم لحظة الإدراك بوصفها آليات لاستنتاج خصوصيات الشيء المزامنة للحظة إدراكه؛ فإن واقعية الشيء نفسها تصبح نسبية ومتعددة بتعدد أنواع الوعي وتعدد درجات قدرات الذوات على تمثل الخلفيات المعرفية للأشياء؛ خاصة وأن تلك الخلفيات –التي قد تكون كونية أو ثقافية، تجريبية أو شائعة..- هي التي تشكل، بشكل أو بآخر، محمولات الفكر.

إذا صدق ذلك، ستصبح الواقعية إذن قريبة من تخييل معقلن، ويتضح ذلك في الحالات التي تنتفي فيها إمكانات التجريب، أي في الحالات التي نكون فيها إزاء الأشياء أو الظواهر التي لا ندرك إلا مظاهرها أو مفعولاتها (أي مؤشراتها)، كما هو الحال مع دليل [نظام الكون ] الذي تبدو واقعيته الأكثر ثباتا مرتبطة لحد الآن بنظرية كوبرنيك. وذلك على الرغم من كونها ليست سوى “تخييل ممارسي”، لوضعية أكثر انسجاما مع ظهورات النظام5.

ومهما يكن نوع /أو تكن طبيعة/ الشيء المدرك من قبل الأفراد، فإن التباس واقعياته، العائدة إلى أنواع الوعي الموجهة لإدراكه، تجد مبررها في وجود العالمين اللذين يسكنهما الإنسان كما وضح بورس: “إن كل إنسان يسكن عالمين. وهذان العالمان يتميزان مباشرة بفضل مظهريهما المختلفين” وهما العالم الداخلي والعالم الخارجي:

يرتبط العالم الخارجي بكل المعطى المدرك بواسطة المعرفة المسبقة به، وبفضل المعارف المترتبة عن إدراك جزئياته(*). ويتميز هذا العالم بكون شكل إدراكه لا يتغير إلا بفعل جماعي. أما العالم الداخلي فهو مجموع الأحاسيس والمشاعر والتصورات الخاصة بكل ذات حول العالم، وتكمن ميزته من جهة، في ممارسته لضغط خفيف علينا؛ ومن جهة ثانية، في استطاعتنا تغييره بفضل إمكانية تقويض أو خلق موضوعاته6.

والواقع أن تعدد وتفرد الواقعيات المسندة لنفس الشيء، تعود إلى العالم الداخلي، الذي يسقط معارفه على العالم الخارجي. ويشمل ذلك حتى المدركات التي تصدر –بخصوص الشيء المدرك- عن نفس الخلفية المعرفية[*].

وباختصار فإن العالم الداخلي، هو عالم الحياة الذهنية المخصوصة، التي تعطي المعنى وترسم شكل واقعية العالم، الذي ليس في مستوى حضوره في الذهن، إلا نسقا فيزيائيا محضا7، تتفاعل عناصره داخليا. ولا مانع من كون حضوره في الوعي مؤطرا بفضل المعرفة المسبقة به وبتفاعلاته البينية[**].

ومع ذلك يبدو هذا التمييز، لكي يصير دقيقا، في حاجة إلى تحديد مستواه، وإلى علاقة طرفيه:

ـ أما بالنسبة للمستوى، فواضح أنه لا يتجاوز العلاقة (عالم/فكر) إلى الارتباط بالحد الثالث (اللغة)، وستتم محاولة توضيح ذلك في الفقرة اللاحقة الخاصة بالموسوعة والقاموس.

ـ أما بالنسبة لعلاقة الطرفين فهي متنوعة، إذ تارة يتقاطعان وتارة يتضمن الواحد منهما الآخر. لكن نظرا لصعوبة تفسير كل مظاهر علاقتها التي تقتضي أن يفرد لها بحث خاص، سيتم الاكتفاء بالإشارة إلى إحدى مظاهر تقاطعهما. وتتصل بتفاعلهما من أجل إنتاج فعل الإدراك:

من البديهي أن العالم الخارجي ليس مشكلا فقط من الأنساق الفيزيائية المحرومة من الوعي، كما وضح سورل، ولكنه مشكل أيضا من عناصر “رمزية” مجردة (مثل اللغة والأسطورة والفن والدين والإيديولوجيا النفعية..) والتي تشكل بدورها –بوصفها عناصر العالم الخارجي- نسيج تجربة الإنسان عبر الزمن8.

وتشكل هذه العناصر موضوعا هاما من موضوعات العالم، مثلما تشكل آليات لإدراكه. وبما أنها آليات لإدراكه (بمكونيه الفيزيائي والرمزي)، فإنها في نفس الوقت آليات تتحكم في اشتغالية العالم الداخلي. ولا تأخذ ذلك الوضع لأنها تشكل مكونات الخلفية المعرفية فقط، ولكن لأنها تشكل أيضا مصدرا للمشاعر والأحاسيس والقيم المؤطرة للأشياء المدركة.. إلا أنها في الوقت الذي تساهم فيه في تشكيل فضاء العالم الداخلي وتنظيمه بمساعدته على مفصلة موضوعاته وموضوعات العالم الخارجي المنطبعة عليه، تساهم في تغريب الإنسان عن الوقائع الفعلية التي يعيش فيها وبينها(*)..

وهكذا، بإرجاع واقعية كل شيء مدرك –فعليا كان أو غير فعلي، محسوسا كان أو غير محسوس- إلى الشكل الذي أدرك به من قبل الذات، ثم بإرجاع شكل هذا الوعي، الذي هو نتيجة تفاعل العالمين اللذين يسكنهما الإنسان، إلى معارف مسبقة عامة (معطيات الموسوعة) وخاصة (الإبيستيمي الفردي) وأخرى مزامنة للحظة الإدراك (الشروط خارج السيميائية للإدراك)؛ يمكن استنتاج أن الواقعية، هي مجرد تأثير ناتج عن شكل وعي ما، وأن الشيء (أو الظاهرة) الذي ندعوه عادة (واقعا) ليس سوى رابط لإدراكه، أو مؤشر ظاهر لسيرورة غير ظاهرة، هي موضوعه. ومن الأدلة الواضحة على ذلك كون نظامنا الفكري نفسه، لا يدرك الأشياء كما هي، بل يميل دائما إلى إدراكها من خلال علاقتها بأشياء أخرى: (بأسبابها، بمسبباتها، بأصولها، بامتدادتها، بوظيفتها، بنظائرها، بأضدادها..) أو من خلال علاقاتها بانفعال ما[*]9: كالرغبة فيها، أو النفور منها.. ولذلك نقترح تسمية كل ذلك بتأثير المتبدي، ومن ثمة نقترح تعويض مصطلح الواقع والواقعية بالمتبدي.

وإذا كان من الواضح أن كل التحليلات السابقة، ترتبط بالظاهراتية البورسية، فهي منسجمة –سواء نظر إليها في مستوى إنتاج الخطابات أو في مستوى تلقيها- مع سيرورات التدلال (sémiosis) ذات الطابع الاستمراري المشروط بأنواع الوعي. ومن أجل تأكيد ذلك الارتباط، سيتم التمثيل بمثال قدمه بورس لكي يبرهن من خلاله على أهمية الإدراك الأولي السابق على كل تأويل، مفترضا إمكانية تحققه في السيرورة الإدراكية لمدرك ذي ملكة فنان: إن ملكة الرؤية الجيدة، أمام ما يبدو، كما يعرض ذاته، بدون تعويضه بأي تأويل، [ أي ] بدون خيانته، [وذلك حتى يتسنى لنا أن ] نهتم بهذه الحالة المغيرة أو تلك(…) [لنفترض ] ملكة الفنان الذي يرى ألوان الطبيعة المتقاربة كما تبدو. [ فإذا حدث ] وغطيت الأرض بالثلوج التي تلمع الشمس بقوة فوقها، باستثناء أمكنة الظل، وطلبنا من رجل عادي تحديد اللون الذي يبدو له [ هناك]. فسيقول إنه أبيض محض، [ إنه ] أكثر بياضا في الشمس، ورماديا شيئا ما تحت الظل. [والواقع ] أن ما هو منشغل بوصفه، ليس هو ما أمام عينيه [ فعلا] ولكنه ما يعتقد أنه من الواجب رؤيته. أما الفنان فسيقول له، إن الظلال ليست رمادية، بل زرقاء غامقة وأن الثلج تحت الشمس هو بلون أصفر غني10.

إن هذا المثال الذي قدمه بورس، وإن كان يرتبط فقط بالمستوى الأولي للإدراك المحايد لكل أشكال المقصدية، فإنه مع ذلك يوضح اختلاف حضور الشيء الفعلي نفسه في أنواع الوعي المختلفة، وذلك نتيجة الإحساس الأولي المحايد بالشيء الفعلي، ذلك الإحساس الذي تتحكم فيه الخلفية المعرفية للذات المدركة.

إضافة إلى الانسجام الذي تأكد بشكل ملموس من خلال المثال السابق بين التصور الذي يحاول هذا المقال إرساءه وتصور بورس، يمكن تدعيمه بفضل استحضار التعريف المجرد الذي أسنده بورس إلى مفهوم الواقع:

يرى بورس أن الواقع، قد انبجس عندما اكتشفنا لأول مرة وجود اللاواقعي (الوهم)، أي أننا قد اكتشفناه مع أول مرة قمنا فيها بمراجعة أنفسنا. فالواقع إذن، محدد من قبله، داخل فعل الزمن؛ لأنه ختام ما يصل إليه –الآن أو فيما بعد- الإخبار والتحليل [والختام (أو النهاية) لا يقطن طبعا في لحظة ما..]. ومعنى ذلك أن الواقع كما يراه، مستقل بالنتيجة عن استيهاماتنا11. من الواضح أن تصور بورس هذا، يتضمن مفهوم الجماعة، بكل ما تحمله وتنتجه من معارف في زمن ما. ومعنى ذلك الربط، في نهاية التحليل، أنه يسند إلى مفهوم الواقع خاصيات الانفتاح وعدم الإنجازية والنسبية.. ومن الواضح أيضا، أن الإخبار والتحليل الذي يقصي الوهم ويكشف اللاواقعي، يقر بوجود الواقعي واللاواقعي في أساس معارف المجموعة الاجتماعية قبل فصلهما في لحظة ما من تطور الفكر الاجتماعي، لكن تلك اللحظة التي ينتفي فيها اللاواقعي ويستمر بمفرده في الزمن، يبدأ فيها ذلك الواقعي في إفراز أو إنتاج لا واقعي خاص. وهذا اللاواقعي الخاص ينتظر بدوره نهاية مرحلة أخرى يستطيع فيها التحليل أن يميزه –بوصفه وهما- عن الواقعي وهكذا دواليك(*)12.. ويدل كل ذلك على تطابق معناه عند بورس مع المعنى الذي أعطي له في هذا المقال ومع دلالة المصطلح المقترح (المتبدي) لتمييزه عن اللفظة اللغوية (واقع).

وهكذا يمكن الانتهاء إلى القول، إن الواقعية هي مطابقة الوحدة اللغوية للوحدة الثقافية (شرط تضمن مفهوم الثقافة مفهوم المواضعات الاجتماعية)، أو هي مطابقة الوصف اللغوي للمتبدي سواء كان هذا المتبدي شيئا معطى في الوعي المباشر، أو ظاهرة، أوشيئا مجردا (رمزيا)، أو ظاهرة بينية (أي تفاعلا علائقيا بين الموجودات وأنظمتها)..

ويعني كل ذلك أن الواقعية ليست حقيقة –وإن كانت درجة في سلمها- إذ ليست الواقعية إمساكا مباشرا بجواهر أو مصادر الأشياء الفعلية، ولكنها فقط أشكال لتصور شكل الوجود الأنطولوجي والوظيفي لتلك الأشياء. وهو تصور موسط بأشكال الوعي المحكومة بكليات متنوعة: كونية وثقافية وأفرادية، وهي أيضا خاضعة لفعل الزمن، ولعالم الإنسان الموزع بين عالمين.. ومن ثمة فإنها لا يمكن أن تكون موضوعية ونهائية إلا في حدود. ومع ذلك فإن هذا القول لا يعني أن تحديد واقعية الأشياء أمر سائب أو اعتباطي أو رهين بالأهواء، بل يعني أن التحديد الموضوعي لها يفرض هو نفسه الاختلاف، نتيجة اختلاف آليات الإدراك الموسطة (وذلك واضح في المستوى التزامني، من خلال اختلاف الأديان والأساطير والعادات.. وفي المستوى التعاقبي، من خلال نسخ النظريات لبعضها البعض..) ونظرا لاختلاف شكل إدراك الذوات لتلك الآليات (وذلك واضح من خلال اختلاف فهم الأفراد لثوابت أديانهم ولدلالات أساطيرهم..).

استخلاصات عامة:

يتأكد من خلال التحليل السابق أن المعنى العام للمتخيل ينحو بقوة نحو التناظر مع معنى الواقعية سواء تعلق الأمر بالشيء أو الظاهرة. كما يتأكد أن معناه في مجال النقد الأدبي يرتبط بوجود بناء متماسك ونهائي، يماثل المتبديات الفعلية التي تؤطر حياة المجموعات الاجتماعية المختلفة..

ويترتب عن هذه النتائج ضرورة إعادة التفكير في تحديد مفهوم المتخيل سواء تعلق الأمر بالاستعمالات التي يوظف وفقها في الكتابات الصحافية والتي بفضل شيوعها أصبحت مهيمنة على الفهم المهيمن في سيرورات التواصل العادية، والتي انطلاقا منها أصبح دالا على الاعتقاد الخاص بفئة اجتماعية ما (ومن ذلك المتخيل الشعبي، المتخيل الشيوعي، المتخيل الديني، المتخيل الروائي..)؛ أو تعلق الأمر بما يحدده المفهوم في النقد الأدبي.

إن الالتباس الذي تولده هذه الاستعمالات تفرض علينا إعادة النظر في معاني مفهوم المتخيل عامة، وفي معناه في مجال النقد الأدبي خاصة، وذلك لكي لا يلتبس بمفهوم الخيال ولكي لا يكون ضدا لمفهوم الواقع..

أما بالنسبة لمفهوم المتخيل الأدبي فمن اللازم أن ينطلق تحديده من تمييز معناه عن بقية معاني المتخيل الناتجة عن استعماله لتوصيف أشكال خطابية أخرى. ولا يمكن أن يتحقق ذلك التمييز إلا انطلاقا من إدراك أن المتخيل الأدبي هو نتاج واقعية مخصوصة منتجة بشكل واع من قبل ذات مخصوصة لكي تؤشر على واقعية عامة ليست بالضرورة واعية، بينما تتماثل أغلب الاستعمالات الأخرى مع المعنى للواقعية، أولا لأنها توصيف مباشر للمتبدي المتشارك بين المجموعة الاجتماعية، وثانيا لأنها ذات صبغة عامة وجماعية، وغير واعية في عدد من عناصرها التكوينيةn

1 Go d’espace gratuit tout de suite. Votre propre site internet pour 0€ + un domaine GRATUIT. Pas de publicit. ! Gagnez de l’argent avec votre page Multimania Web: Tripod:

Revoir la pub
Trucs, astuces, ateliers pour créer son site

الفضاء المتخيَّل

يوري إيزنزويك

ترجمة: عبد الرحيم حُزل

1 – مدخل:

من الحدود ما وضع كأنما ليخرق. كالفاصل المعروف الذي يفصل، في خوارزمية صوسير، الدال عن المدلول، والذي سيستأثر بمعظم اهتمامنا، هو الذي أصبح، في هذه الأيام، ينطوي عليه من التباسات، ويعرف من خلخلة. وليس مفهوم الفضاء، يقينا، هو آخر مفهوم تنعكس عليه آثار هذا الاضطراب الدائم، الذي يطال المعجم والفكر على حد سواء.

لذلك نرى من اللازم، قبل الشروع في تحليل ملموس لـ”فضاء” أثر أدبي، أن نحدد، بوضوح، مستوى الدال في النص الذي نروم دراسته. ويطيب لنا أن نؤكد أننا نسعى، بغاية نريدها تدميرية، أن نعود بمفهوم “الفضاء” إلى دلالته الأولى: سيكون فضاء النص، عندنا، هو البيت، والمزرعة، والعمق، والدائرية-الموصوفة والمسرودة والمشخصة لفظيا. كما نؤكد، فضلا عن ذلك، أن هذا المستوى من المعنى، المعتبر بمثابة كنه منطقي، ملتحم ودال، يبدو لنا ذا أولوية، ولو في نطاق شكل أدبي بعينه على الأقل.

وهذا أمر لا يبدو أن الجميع قد استوعبه. فنحن نرى أن غالبية الأعمال المكرسة لدراسة “الفضاء الأدبي” يمكن تصنيفها إلى فئتين: تجهد الفئة الأولى في إعطاء مفهوم الفضاء ألف دلالة ودلالة، ما عدا دلالته البدهية. ويغيب عن الفئة الثانية أننا لا ندرك الفضاء إلا من خلال نص، من جمل وكلمات، مع كل ما يكون لهذا الأمر من استتباعات على صعيد بنية هذا الفضاء وفهمه.

وعليه، فإن مقاربة الفضاء الأدبي تشكو من نقص يلزم تداركه. وسوف نسعى إلى تدارك بعض من ذلك النقص، من خلال دراسة ما نسميه فضاء المحكي. وكما لاحظنا توا، فإن هذا الأمر يستدعي تفسيرا تمهيديا: إلى أي عالم ينتمي هذا “المنزل في المزرعة”؟ وكيف نفهم دلالته، من دون أن يغيب عن بالنا أن الأمر لا يتعلق بغير كلمات ثلاث، مكتوبة على صفحة؟ ثم كيف نبرز خصوصية هذه الكلمات داخل الخطاب؛ من حيث هو شكل تشخيصي خاص، بالمقارنة إلى خصوصية الصورة التشكيلية، على سبيل التمثيل؟

1.1-الخطاب ومرجعه:

يبدو أن خير ما نفتتح به بحثنا هذا هو مؤلف جون فرونسوا ليوطار الخطاب والصورة. فالمؤلف يطمح إلى التدليل على اشتمال الخطاب على العنصر الصوري؛ أي تلك التجربة التي تعيشها الذات وتتعذر عن التعبير. ولقد شرع، على نحو منطقي تماما، في تحديد علاقات الخطاب بما هو بصري.

ويرى ليوطار أن هذه العلاقات تكون إرجاعية بالأساس. فهو يقول في ذلك: “يفسح الخطاب مسافة يصطنع له منها مرجعا، يدخلنا تجربة الرؤية”. والحال أن هذه المسافة هي، في أساسها، مسافة نافية. فبينما تحتاج الرؤية إلى هذه المسافة للإمساك بما هو مختلف عنها، يكرس الخطاب، في تناميه، موت الشيء. ومعنى ذلك أن الخطاب؛ ذلك النظام الذي يتبدى تاما وكليانيا، يشكو من فراغ ويعاني من نقص. وهذا النقص يتمثل في التجسيد الذي لا يتأتى للغة: تجسيد الشيء المحسوس. فالمؤكد أن هذا الشيء لا يوجد داخل فضاء “موضوعي”، أو “واقعي”، بل في عالم مختلف عن عالم اللغة.

ولذلك يعارض فرونسوا ليوطار بين فضاء الدلالة، الذي هو فضاء اللغة، وفضاء الإشارة، الذي هو فضاء الرؤية. ففضاء الرؤية هو “التجسيد العميق الذي يقوم على هامش الخطاب”، وينتمي “إلى تجربة لا مكان لها داخل النظام، بل هي تجربة المخاطب”. إن هذا الفضاء “ينشأ عن شق، أو عن فصل، هو الشرط لكي يصير نظام اللغة قابلا للاستعمال”. وهو الأمر الذي اصطلح عليه جاك لاكان، في موضع آخر، بـ”مأساة الذات”، وقال فيه: “تكمن مأساة الذات في اللفظ في كونه يمثل اختبارا لعدم وجودها”.

وأما فضاء الدلالة فهو، على العكس، ذلك الفضاء؛ حيث يجري “الجدل السطحي والثابت، إذا صح التعبير، للفكر، في اختراقه للمفاهيم وتنظيمه للحقول الدلالية”. إنه فضاء مغلق، ومفهومي، ومحروم، على هذا الصعيد، من العمق الذي يميز المحسوس: “يمكن أن نقول إن الشجرة خضراء، من دون أن نجعل لعبارتنا لونا”. وفي هذا مكمن الصعوبة في الإمساك بالشيء المرجعي، المحسوس، الذي لا مناص للخطاب، في تجسيده، من اللجوء إلى مبدإ المطابقة. ومؤدى هذا المبدإ “أن الممكن التعبير عنه يعني بالنسبة للمخاطب اكتشافا للمدلول (الذي) يمكنه أن يبعث لديه على الشعور بالغيرية. لكنها غيرية تبقى مغلقة داخل العنصر الخطابي”.

2.1-الصُّوَري داخل الخطاب:

لهذه الأفكار صلة، إذن، بانشغالاتنا. ومن الأهمية الكبيرة أن يطرح فيلسوف مثل جون فرونسوا ليوطار المشكلة بهذه الكيفية البسيطة والواضحة: كيف يمكن أن تقوم صلة بين الخطاب الذي يصدر، في المستوى الدلالي، عن فضاء مفهومي دلالي، وموضوع هذا الخطاب نفسه؛ موضوع التجربة الحسية، الذي يدخل ضمن فضاء الإشارة؟. وبتعبير آخر: ما السبيل إلى الحقيقة؟ من البديهي أننا أثناء الكلام، نقول شيئا، لكن هل ندركه؟ هل يشتمل ما نقول على شيء مما نعيش؟

نعم، يجيب ج.ف.ليوطار: “لفضاء الإشارة بالطبع، مكانه في الخطاب، لكن في عبارته، وليس في دلالته”. وبتعبير آخر: “لا تشترك اللغة مع المحسوس(…) بـ”مادتها”، بل بصورتها، التي تؤهلها لأن تضاهيه”. وسيعرف ليوطار هذه الصورة بكونها خرقا، أو نقضا، أو هدما، أو غموضا – وسيفسرها باعتبارها ظهور الرغبة داخل الخطاب.

وعليه، فالعنصر “الصوري” المخترق للخطاب هو الذي سيسمح لهذا الخطاب بتشخيص ما هو مرئي، ومحسوس، ويتعذر التعبير عنه. ولذا سيكون في الإمكان دائما إدراك هذا التشخيص إدراكا غير مباشر، في ثنايا جملة، أو قلب فجائي للمعنى؛ حين يطالعنا، فجأة، ذلك الغموض الذي يجهد الخطاب العقلي كثيرا لإزاحته، ولذلك يكون الخطاب الشعري أفضل محقق لهذا الخروج الحيوي عن قوانين النظام. ففي الخطاب الشعري يكون صعيد العبارة، عادة، مجالا لتجلي المتعذر التعبير عنه.

3.1-وضع المدلول: العبارة

قلنا: صعيد العبارة. والحال أن هذه الموضع من استدلال جون فرونسوا ليوطار هو مكمن المعضلة الجوهرية التي ستوجه عملنا كله. فهل يكون صعيد العبارة هذا، متماثلا في جميع أشكال الأدب؟ هنا مكمن الخطورة : إن ذلك يعني اختزال مجال العبارة في الدليل اللغوي وحده، مما سيقود إلى قصر اصطلاح “الخطاب الشعري” على القصيدة… وحدها! وذلك بالفعل، ما يحدث في كتاب الخطاب والصورة.

ومن المؤكد أن أمر ذلك ليس بالبسيط، وجون فرونسوا ليوطار أول من يدركه. فهو في طرحه لعلاقة الدال بالمدلول، يتصدى للتصور الوضعي السائد، والذي جعله تفنيده للوهم التشييئي للغة ينكر وجود المدلول في ذاته: لن يكون هذا المدلول، في نظر الوضعيين، سوى “العمليات الكامنة التي تغلف الدال عند ظهوره في السلسلة الكلامية”. وبتسليم المؤلف، من وجه من الوجوه، بوجود “خداع” في الممارسة اللغوية، يؤكد على كون هذا الخداع خاصية أصلية حقا، في هذه الممارسة، وهو، لذلك، ظاهرة لا ينبغي إغفالها تحت ذريعة الوضوح، بل يتحتم، على العكس من ذلك، تجليتها وتعليلها: “إن هذه المباشرة (التي تربط الدال بالمدلول–يـ إ) تعود، حتما، إلى ممارستنا الكلامية: والنزوع إلى “نقضها” يماثل في لا منطقيته إهمال المحلل النفسي للوعي بدعوى أن اللاوعي يضلله”. ونحن نرى هذا الإقرار كافيا لإثبات قيمة وأصالة حقل كامل للبحث والتحليل: حقل العالم المتخيل (للنص) المعتبر بمثابة كيان أصلي، ومتماسك ودال. وعليه، يخيب ظن المرء حين يرى أن جـ.ف.ليوطار قد كرس الصفحات الأربعمائة –المكونة لهذا المؤلف الهام- لدراسة اختراق العنصر الصوري للعنصر الخطابي في كل أشكاله الممكنة: الصعيد اللغوي، وصعيد التشخيص في فن الرسم وحتى المجال الخطي الخالص – ما عدا شكل واحد: إنه المتخيل داخل النص. ورغم إقرار المرء بأهمية هذا المؤلف، إلا أنه، بموجب هذه الأهمية نفسها، يأسف لكونه لا يجد فيه إشارة إلى ما يغيب عنه.

ذلك أن لهذا النقص خطورة بالغة؛ سواء في ما يجره على تعريف الخطاب الشعري، أو للأساس النظري الذي ينطوي عليه.

اختزال جون فرونسوا ليوطار دور العنصر الصوري داخل اللغة، أو –بالأحرى- داخل الخطاب، إلى تقويض للدال وحده يسقطه في الفخ الذي يروم فضحه: إنه يغيب المدلول من ثلاثية الدال –المدلول- المشير. لكن بينما كان التيار الوضعي –الذي يتصدى له- يلحق هذا المدلول بالدال، ويطابقه معه، يبدو أن مؤلف الخطاب والصورة يغفله باستمرار، في لهاثه وراء الشيء المحسوس. إلا أن الأمر يؤول، للغرابة، إلى النتيجة نفسها في الحالين: الانتقال مباشرة، من الدال إلى المشير فالمتعذر التعبير عنه.

وبتعبير آخر: فباختزال ليوطار للعبارة كلها في الدال اللغوي وحده، فإنه يختزل المدلول كله في الوظيفة الإرجاعية، وذلك يعني العودة إلى المعارضة ما بين الشكل والمحتوى، وإلى كل ما يترتب عن تلك المعارضة. ولا جدوى من التذكير بعبثية هذا النحو في النظر – ولنكرر، فوق ذلك، بأن ج.ف.ليوطار هو أول من تحول عنه.. لكن نظريا فحسب: ذلك أن المرء يبحث عن تحليل، أو مؤشر عن هذا التحليل، للمدلول –ذلك “الأفق الرؤيوي للفكر”، بتعبير ليوطار نفسه- داخل النص، في كتاب الخطاب والصورة، لكن دون جدوى.

فمما سلف يتضح أن مؤلف هذا الكتاب، بقصره لاختراق العنصر الصوري للخطاب على صعيد العبارة –أو، بالأدق، على صعيد الدال؛ مما لا يجعل للعبارة، في نظره، وجودا إلا على صعيد هذا الأخير- فإنه يؤول، من ذلك، إلى إقصاء كل ما ليس “شعرا”، بالمعنى الأكثر كلاسية للكلمة، من مجال تحليله. “القصيدة هي الخطابي المتشبع صوريا”، كما يؤكد جون فرونسوا ليوطار. فهل معنى ذلك، على النقيض، أن النص الأدبي الذي ليس “قصيدة”، والذي تكون سلسلته الدالة أقل التباسا، وقوانينه أقل انخراقا، محروم كليا من العنصر الصوري؟ ألن يكون هذا النص، في حالته تلك، من قبيل “النثر البارد” الذي أصاب المؤلف بقوله أنه “يكاد يكون منعدما”؟

وعليه فإن تحليل ج.ف.ليوطار يعاني من نقص خطير، يقتضينا منظورنا أن نتداركه. إن النص الأدبي عبارة برمته. وكيفما كان الباعث على إنكار المدلول –أو فصله فصلا كليا، عن الدال (وذلك يؤول، كما رأينا، إلى النتيجة نفسها)- فيلزم أن يشمله التحليل عند مقاربة النص الأدبي؛ لا باعتباره نتيجة للدال، حتمية ومؤسفة، أو معنى يحد من الإتقان الشكلي للأسلوب، بل على العكس، باعتباره مكونا لصعيد العبارة نفسه، لامتلاكه منطقه الخاص، وقواعده اللعبية المميزة، والتي لا تماثل، بالضرورة، قواعد الدال.

ويمكننا التأكيد، منذ الآن، ومن دون أن نستبق الأمور كثيرا، أنه إذا كان الصوري يلحق القصيدة على صعيد الدال، أساسا، فإنما يلحق المحكي على صعيد المدلول.

4.1-وضع المدلول: مجموع متماسك

لقد رأينا أن كل خطاب يتضمن رؤية معينة، أو بتعبير أدق: يدل عن غياب رؤية معينة. والحال أن تلك هي نقطة الضعف، ففي استدلال جون فرونسوا ليوطار لا يمكن رفض هذه الرؤية أو إقصاؤها و”قتل” ذلك “الشيء” إلا بشرط تشخيصه، أو الدلالة عنه، بتعبير فلسفي. لكن ليوطار يمر على هذه الضرورة المنطقية مرور الكرام. أو يفوته، بالأحرى، -في سعيه إلى التدليل على أن كل خطاب يتضمن رؤية معينة، وأن كل خطابي متشبع صوريا بالضرورة- أن يستنتج من ذلك، ضرورة وجود الخطاب “المجرم” لكي يتسنى “قتل” الشيء المحسوس. فلا يمكن “تحييد” المنزل أو –بالأحرى- “الشيء” المدرك حقا، إلا إذا “قيل”؛ أي عندما يقع التلفظ بكلمة “منزل”. وليس مفارقة من جانب اللغة في شيء إذا كانت لا تقدم تجربة من التجارب في صورة المتعذر التعبير عنه إلا عند محاولة التعبير عنها.

تتضح لنا، بصورة جيدة، أهمية هذه العلاقة المنطقية. فمن خلالها يتجلى الدور الذي يضطلع به المدلول؛ في كل سعته.

فليس الدال، في حد ذاته، هو الذي يحيد و”يسطح” الشيء المحسوس، أو المشار إليه. إن مدلول الدليل “منزل” هو الذي يطمح إلى –ويخفق في- تعيين منزل “حقيقي”، مرئي وخارجي عن المخاطب. فمدلول الخطاب، في المقام الأول، هو الذي يطمح، بوجه من الوجوه، إلى تشخيص التجربة. والقول بعكس هذا معناه إنكار تلك المقصدية، وذلك البعد المرجعي المميزين للخطاب. إن المدلول هو الخالق، بالدرجة الأولى، للنفي الذي يعد أمرا أساسيا في الخطاب.

وليس هذا المدلول حقا، سوى الوجه الآخر للدال. ومن البدهي أن يعكس، على طريقته، وجود المتعذر التعبير عنه.

ومما لا جدال فيه أن تعارض الدال والمدلول داخل كل خطاب، يكون بدرجات متفاوتة. وهو ما يمكن، من جهة أخرى، لتمايز النثر عن الشعر. وتلك قضية سنعود إليها لاحقا. إلا أن ما نريد التصدي له، بالدرجة الأولى هنا، هو النزوع إلى الاقتصار في تحليل اختراق الصوري للخطابي على الدال وحده، فيما يكمن مبدأ الفصل نفسه بين الصوري والخطابي في المدلول.

وتماما كما يكون تجلي العنصر الصوري، أو الغموض الداخلي للخطاب، في الدال، يكون، بالتالي، في المدلول، الذي ليس الدال سوى بنيته، أو شكله الخاص (متوالية حدثية، أو منطق عاملي، أو فضاء متخيل، الخ). ومن المؤكد أن هذا الغموض لن يعود، في هذه الحالة، فاصلا للدال عن المدلول –بل غموضا فاعلا و”انحرافا” داخل نظام المدلول نفسه. ذلك أن للمدلول منطقه الخاص، بل وشكله التعبيري المميز إذا صح التعبير. وليست قوانينه ولا قواعده السياقية بمماثلة لقوانين الدال ولا لقواعده، وعليه فإن المقام يقتضي منحى في النظر إليه مختلفا، ومقاربة تحليلية أصيلة.

لا سبيل إلى إنكار التعالق الوثيق لمستويات المدلول مع البنية الخاصة للدال، داخل النص: يتعذر، بالضرورة، التعبير عن مدلول المحكي داخل القصيدة. بل على العكس: نرمي، من اعتبارنا للمتخيل بمثابة لغة ومحكيه بمثابة خطاب، إلى التدليل على وجود ترابط وثيق لشكل هذا الخطاب (سواء أكان محكيا أو رواية أو قصيدة) بالشكل الخاص الذي يتخذه العنصر الصوري لخرق بعض ثوابت المدلول. كما نعتقد أن لهذا الترابط دلالة تاريخية محددة. لكن يبقى التأكيد على أن هذه العلاقة، أعني “تقييم” الدال، لا يمكن تبينها إلا باعتماد تحليل ملموس ومتماسك، يتطرق، بالأساس، لمستوى بعينه من المدلول، معتبر بمثابة كيان دال.

5.1-مدلول متميز: الفضاء.

نريد التدليل على أن النص النثري يشتمل على مجال دلالي يحقق، بطبيعته، مفارقة العنصر الصوري وفرادته. ونعني بقولنا هذا الصورة، أو بتعبير أدق: الفضاء المتخيل.

والحال أنه إذا كانت تأليفية المحكي السردية، وبنيته العاملية، الخ، قد حظيت بالدراسة ضمن بحوث ومحاولات تحليلية قريبة إلى ما ندعو إليه –بداية من بروب ووصولا إلى كريماص- فليس الأمر كذلك فيما يتعلق ببنيات الفضاء المتخيل المشخص داخل النص.

فعلى الرغم من أن المنزل يستعمل ملجأ محتملا لبطل المحكي (فيندرج، من ثم، ضمن منطق عاملي أو وظيفي خالص، الخ)، فهو لا يكون دائما كذلك، في غير المحكي. فضلا عن أن المنزل لا يحتاج إلى أن يوصف لكي يتسنى استعماله ملجأ. وهذا الوصف “عديم الجدوى” هو ما يهمنا تحديدا. لذا تطرح ضرورة توفر منطق يحكم مجموع الـ”صور” التي يشتمل عليها النص. ينبغي للفضاء المتخيل للنص الأدبي أن يشكل، بالضرورة، نظاما دالا ومتماسكا يستدعي تحليلا مغايرا وخاصا.

ولذلك سنعتمد سلسلة الصور المشخصة داخل المحكي في استجلاء الشكل الذي يتخذه الصوري، أو تجربة تاريخية واقعية معينة. وسنبين فيما بعد، دافعنا إلى اعتبار الفضاء المتخيل المجال الأثير لمثل هذا البحث.

لكن يلزمنا، قبل ذلك، أن نجيب عن هذا السؤال: ألا يمكننا تفسير “الوصف” أو التشخيص الفضائي، الذي يرد ضمن النص بالتوسل برمزية خارجية أثبتت بحوث إناسية وسلالية صحتها؟

إنه سؤال مهم، ويقتضي الجواب عنه تصورا للصورة والنص ولمنهاج في التحليل.

6.1-ليست الصورة رمزا:

يؤكد ما سلف الطابع البنيوي للصورة داخل النص، فهي، من جهة، لا تدل إلا داخل شبكة أو سلسلة محددة جدا من الأحداث، والصور، الخ، وهي، من جهة أخرى، تختلف طبيعتها بحسب الشكل الخاص للسلسلة الدالة التي يكون فيها ورودها.

ذلك يعني، بالدرجة الأولى، أن مقاربة نص بعينه، من منظورنا، ينبغي أن تكون ملائمة لهذا النص ذاته، ومقصورة عليه.

لكن ما نثبته، أو ما نريد إثباته، ليس وضع الصورة التي ترد في النص وحدها، وإنما وضع جميع الصور الممكنة، متوسلين إلى ذلك بمنهاج جلبير دوران، كما يحدده في مؤلفه الهام بنيات المتخيل الإناسية، هذا الكتاب الذي طرح أسئلة محيرة على النقد الأدبي.

ومع أننا نأخذ بنمذجة دوران للصورة ونقده للنظرية “التشييئية” للمتخيل، فضلا عن معارضته للنظرية -السارترية في أساسها- المعتبرة للصورة بمثابة واقع مستنفذ، فإننا نرفض التضييق الذي يفرضه على الصورة، باعتباره إياها رمزا.

فجيلبير دوران في تناوله للصورة، يجعلها نقيضا للدليل اللغوي؛ آخذا، في ذلك، بالتمييز الهيكلي بين الدليل والرمز: “في الرمز المتكون كصورة، يتجانس الدال والمدلول داخل دينامية منظمة و(…) في ذلك تختلف الصورة اختلافا كليا عن الدليل”. أو كما يقول جون فرونسوا ليوطار، ملخصا فكرة هيغل: “في الدليل يكون الدال اعتباطيا في علاقته بالفكرة، وأما في الرمز فتكون الفكرة ملائمة للدال”.

بيد أن هذا التأكيد، الصائب في ذاته، يستتبع لبسا في ما يخص منهاج التحليل، و-أساسا- في ما يتعلق بموضوع هذا المنهاج. ذلك أن تعريف الرمز بكونه تلاؤم الفكرة مع الدال لا يزيد عن تحديد موضوع للتحليل: هو الرمز – الذي يلزم، بعدئذ، تمييزه ضمن صور أخرى. والحال أن هذا التعريف، من وجهة نظر جيلبير دوران، ينسحب على كل الصور الممكنة: ينبغي لكل صورة أن تكون رمزا بالضرورة.

وباعتبار ملاءمة المعنى للدال قاعدة كل الصور، فإن المنطق الناظم لاستدلال دوران يؤول إلى تأكيد “الأسبقية الزمنية، وكذلك الأنطولوجية، للدلالة الرمزية على كل دلالة سمعية بصرية”. وهي أسبقية تؤدي بنا، لزوما، إلى تصنيف مسبق للصور الماضية والحاضرة والمقبلة: إنها نمذجة جامعة.

إلا أن كل تدقيقات ج.دوران –التي تشرفه وتجعلنا، بالنتيجة، نثمن مؤلفه- لم تمنعه، برأينا، من السقوط في الخطإ عينه الذي يؤاخذ عليه الآخرين: أعني تركيز الصورة في معنى واحد، أو في دلالة خارجية عنها.

ذلك أن الأمر يتعلق بخطإ أصلي في المنهاج. وهو الأساسي برأينا. وإن كانت مؤخذاتنا لا تقف عند المنهاج الذي يعرضه جلبير دوران في المقدمة، بل تتعداه إلى نتائجه التي تشكل جسد هذا المؤلف.

يتمثل هذا الخطأ المنهاجي في اعتبار الصورة بمثابة لحظة معزولة، وخارجة عن كل سياق.

7.1-لا ترد الصورة إلا داخل سياق دال، ومن خلاله:

ذلك أننا لا نكاد نعرف صورا تظهر في لحظات معزولة ومفصولة، باعتبارها وحدة دالة في ذاتها. فلا وجود للصورة حقا، إلا داخل سياق: أكان أسطورة، أو محكيا، الخ. وهذا السياق يكون دائما، مركبا. ومن المنطقي اعتبار دلالة الصورة التي ترد ضمن هذا السياق متوقفة عليه.

وهكذا يقصي ج.دوران، بوضوح، خطية الدال من مجال المتخيل، معتمدا في هذا الإقصاء تمايز الدليل اللساني الاعتباطي عن الرمز المحفز في أصله. لكن، وعلى خلاف ج.ف.ليوطار، الذي كان يغفل المدلول لاتجاه اهتمامه بالأساس إلى البحث عن العنصر الصوري داخل الدال، يبدو كأنما يغيب عن بال مؤلف بنيات المتخيل الإناسية أن الصورة في ذاتها غير موجودة، وأن الصورة تحتاج، على الدوام، إلى سند، أو دال بصريح العبارة، وأن هذا الدال –سواء أكان نصا، أو حكاية، أو لوحة، أو حلما، الخ- يشكل إطار هذه الصورة الجامع الذي يحدد منطقه عناصرها ودلالتها.

ولذا، فحينما يؤكد جلبير دوران رغبته في استبدال “خطية الدال” بمفهوم “تضافر من الدلالات”، فهو لا يسوي شيئا، ولا يغير من معطيات المشكلة، لأن من الثابت –وهذا أمر تبرهن عليه الأبحاث التطبيقية لـ ج.دوران نفسه، من ضمن أبحاث لكتاب آخرين –أن عددا محدودا من الأساطير، والقصائد واللوحات، الخ، ينشأ عنه كثير من الموضوعات، والحوافز، والصور التي يكون لتواترها تأثير ودلالة يميزان حضارة بعينها، بل ويحتمل أن يكونا مميزين للبشرية جمعاء. بيد أن الظهور المتواتر لهذه الصورة أو تلك لا يكون كافيا لتحديد معناها: بل على العكس؛ فهذا الأخير –والذي ينشأ دائما، عن وظيفة للصورة مماثلة، داخل مجموعات مختلفة- يتملك الصورة، متيحا لها، في إطار حضارة بعينها، أن تغدو رمزا. حينئذ فقط، يكون في الإمكان الحديث عن “تضافر الدلالات”.

ونحن، بطبيعة الحال، لا نقصد، بما أسلفنا، إلى إقصاء تاريخ وثقافة وشكل في التفكير تؤثر فينا. فمن البديهي أنالمشكلة كامنة في القراءة؛ فلا وجود لقراءات خالصة. ومن الثابت، على الصعيد التطبيقي، أن كل قراءة، حتى ولو كانت أولية، تنطوي على رمزية موجودة وجودا قبليا. ولأننا لا نرغب في إقصاء ثقافة أخرى –افتراضية- وشكل آخر للتفكير ممكن، فإننا ندعو هذا الفيلسوف إلى أن تكون مقاربته للموضوع مقاربة ظاهراتية بمعنى الكلمة.

ونحن نعني بما قلنا ضرورة أن تطمح القراءة إلى أن تكون خالصة، ما لم يكن بمقدورها أن تكون كذلك: ينبغي أن ينكشف كل منعطف من منعطفات المحكي، وكل صورة من صوره عن جديد؛ بحيث ينبغي لهذه الصورة، حتى عندما تدرج ضمن صنف آخر، أن تأخذ دلالتها ضمن السياق حيث ترد. وبهذا المعنى، يمكننا أن نسلم بما قاله جون ريكاردو عن النص من أنه “يقنن أثناء القراءة، وبفعل الصرامة الدائمة لحرفيته، المواد التخيلية”.

واضح إذن، أننا لا نقبل، من وجهة نظر منهجية، حل شفرة نص ما باعتماد شفرة تتسع لحل شفرات كل النصوص، بما فيها هذا النص.

ليست الأسطورة امتدادا للصورة أو الرمز، كما يقول جلبير دوران، وإنما العكس تماما: ليست الصورة سوى عنصر من مجموع. وكما يقول رولان بارث: “تكمن دينامية الصورة في تنظيمها للأجزاء المتغيرة، أو الاستبدالية، التي ينشأ، عن تنظيمها، معنى، أو، بالأعم، شيء جديد”.

لن نعني، إذن، برموز، أو أنماط نموذجية نتوصل إلى دلالتها بالبحث خارج النص، بل سيتجه اهتمامنا إلى سلسلة صور، سندعوها “متخيلة”، نطمح إلى إبراز بنياتها الكامنة، منطقها وقوانينهاn

Annonces Google
Sims 2 Nightlife
Køb Sims2 Nightlife og mange
andre spil billigere med Kelkoo.
www.kelkoo.dk Download RoboForm Today
World’s Most Downloaded Password
Manager. Easy to Use. Very Secure.
www.RoboForm.com Beads & Findings Resource
Pearl, shell, coral, turquoise bead
Silver clasp. Guaranteed Low price!
www.ayliss.com Beadmaking Books
Better Beadmaking in your Hands!
Deanna Griffin Dove, publisher
www.BeadmakingBooks.com
1 Go d’espace gratuit tout de suite. Votre propre site internet pour 0€ + un domaine GRATUIT. Pas de publicit. ! Gagnez de l’argent avec votre page Multimania Web: Tripod:

Revoir la pub
Trucs, astuces, ateliers pour créer son site

جيلبير دوران والمتخيل الأنتروبولوجي

مصطفى النحال

قبل شروعه في بلورة تصور متماسك لدراسة المتخيل، يشير دوران إلى تجنبه لأونطولوجيتين اثنتين هما: الأونطولوجيا السيكولوجية التي ليست سوى نزعة روحانية متسترة، والأونطولوجيا الثقافوية التي ليست، بصفة عامة، سوى قناع للموقف السوسيولوجي. فكلتاهما تختزل المتخيل في تفسير أحادي الجانب، إما في بعده النفسي المرتبط بفلسفة الذات، أو في بعده الثقافي المغرق في نزعته الاجتماعية “الموضوعية”، وكلتاهما تنتهي إلى اختزال الصورة، ومن ثم المتخيل، في نزعة “تشييئية”. والملاحظ أن دوران يقف كثيرا عند جان بول سارتر باعتباره واحدا من أصحاب هذه النزعة. ولعل السبب في هذه الوقفة الطويلة، في مقدمة البنى الأنتروبولوجية للمتخيل، وداخل فصول الكتاب كذلك، يعود بالأساس إلى عاملين اثنين: العامل الأول يتجلى في كون سارتر كان قد وجه نقدا هاما للمذهب الكلاسيكي الذي يعتبر الصورة صنوا ذاكراتيا للإدراك، يؤثث الوعي والذهن بمنمنمات ذهنية ليست، في نهاية المطاف، سوى نسخ لأشياء موضوعية؛ كما وجه نقدا آخر للتصور البرغسوني الذي يقيم علائق بين الصورة والذاكرة، جاعلا من الصورة ذكرى. ومن ثم ينبه سارتر إلى عدم الخلط بين الشيء المتخيل والشيء المتذكر، وذلك، بالضبط، تجنبا للسقوط في نزعة “تشييئية” للصورة. لكن سارتر، في نظر دوران يتراجع في كتابة الثاني المتخيل عن انتقادات الكتاب الأول المخيلة، ويصل إلى موقف تبخيسي للصورة وللخيال، وبالتالي إلى “نظرية للمخيلة بدون صور”.

أما العامل الثاني، فهو اعتماد كل من سارتر ودوران على منهج ظاهراتي يروم إبراز خصوبة المتخيل وفعاليته وذلك رغم تباين خلفياتهما الإبستيمولوجية ومقاصدهما. ومن ثم يعتبر دوران أن مشروعه هو عبارة عن “وصف ظاهراتي فعلي لمحتويات الخيال”، وبالتالي، فإن سارتر، في تطبيقه للمنهج نفسه، ينتهي إلى نزعة سيكولوجية أحادية ومفقرة.

ومن ناحية ثانية، يتوقف دوران عند التصورات ذات النزعة الديكارتية، التي يمثلها علم النفس الفكري الألماني La denkpsychologie، والتي تفصل، عموما، بين الفكر والخيال، وتسقط، بالتالي، في حبال نزعة ثنائية ميتافيزيقية تضع الوعي والفكر في جهة، والصورة والخيال في جهة أخرى. وعلاوة على ذلك، تشترك هذه النزعة مع النزعات الثقافوية في انطلاقها من تصور غامض وملتبس للصورة وللخيال معا، فضلا عن التباس المفاهيم والصيغ المستعملة. إنها “تفترض [وجود] فكر بدون صور، فقط لكون الصورة ثم اختزالها من جديد إلى صنو متبق من الإحساس؛ ومن البديهي، والحالة هذه، ألا تضيف مثل هذه الصور شيئا إلى معنى المفاهيم المجردة”. وإذا كان الإشكال الذي يطرحه الارتباط بين الصورة والإدراك قديما، كما تشير إلى ذلك هيلين فيدرين، فإن الالتباس الأساسي يعود إلى خلط الظاهراتية السيكولوجية، المنحدرة من هوسرل وبرغسون، ما بين الصورة والكلمة، أي ما بين وظيفة الصورة الذهنية والعلامات اللغوية كما حددها دوسوسير. فالعلامة اللغوية، يوضح دوران، ليست اعتباطية في حقل المتخيل، بل هي حاملة لمعنى يستوجب البحث عن دلالته داخل هذا الحقل لا خارجه. ومن ثم ينتفي التمييز الكلاسيكي، البلاغي، بين المعنى الحقيقي والمعنى المجازي. فداخل حقل المتخيل، يغدو المعنى المجازي وحده المتوفر على دلالة، أما المعنى الحقيقي، فلا يبقى سوى حالة خاصة من التيار الدلالي الواسع. وذلك لكون العلامة اللغوية، في إطار نصوص المتخيل، هي دائما محفزة من الداخل، أي أنها دائما رمز. وهذا، بالضبط، هو جوهر إخفاق النظريات السابقة التي “بخرت فعالية المتخيل” لأنها لم تربط بين الخيال والرمز. وإذا كان سارتر قد انتبه إلى رمزية الصورة، فإنه سرعان ما يعتبر الرمز ضعيف القيمة، و”ناقصا” ينبغي تجاوزه بواسطة المفهوم. فداخل العلامة اللغوية، هناك انسجام بين الدال والمدلول، تابع لدينامية منظمة، ولخطاطة عامة تتحكم في الصورة وفي الفكر. ويرجع دوران هذا التصور إلى أستاذه باشلار الذي يعتبر الخيال مبدأ منظما وعاملا من عوامل الانسجام داخل التمثل. ومن ثم، فبدلا من أن تكون المخيلة ملكة لتشكيل الصور، تغدو ملكة لتعويجها، أي تعويج الصور الصادرة عن الإدراك، وتقوم، بالتالي، بتحريرنا من الصور الأولى بوصفها نسخا ذريعية قادمة من الإدراك. ويضيف باشلار، مدققا، أن اللفظة التي تصلح مرادفا للمخيلة، هي لفظة المتخيل، الذي يجعلها مفتوحة ومتمنعة.

وبناء على ما سبق، يخلص دوران إلى نتيجتين منهجيتين، وهما:

1 ـ أسبقية الترميز، الكرونولوجية والأنطولوجية، على أي دلالة سمعية بصرية، فالتركيب الرمزي هو أساس كل عملية تفكير، وهو، كذلك، مصدر غناه وانفتاحه. لذلك يعلن دوران أن دراسته للنماذج الأصلية الأساسية للخيال الإنساني، تتموقع ضمن المنظور الرمزي.

2 ـ هذه النتيجة تترتب عن النتيجة السابقة، ذلك أن الانطلاق من دلالة الرموز، يفرض قلب العادات السابقة لعلم النفس التقليدي الذي قام بتفصيل الخيال على مقاس الفكر والمنطق. فالرمز لا يتبع اتجاها خطيا، ولا يسير في بعد واحد، ولا يخضع لحتمية سببية. ليس العالم الرمزي، بمعنى من المعاني، زمنيا بقدر ما هو فضائي، لأنه ذو سمة متعددة الأبعاد. ومن ثم ظهور عدة تصنيفات تحاول البحث عن المحركات والمحفزات الرمزية المؤدية إلى فهم البنيات الرمزية. وتنقسم هذه المحاولات، بصفة عامة، إلى قسمين: أحدهما اجتماعي يمتح من تاريخ الأديان، ويسعى إلى تصنيف الرموز تبعا لقرابتها وتماثلها مع إحدى الظواهر الكونية الكبرى، كربطها بالمناخ والبراكين والنجوم والقمر والكوارث الطبيعية (دوميزيل، إيلياد، كراب، باشلار…). وثانيهما سيكولوجي يمتح من التحليل النفسي لتفسير المحفزات الرمزية بمصطلحات الرغبة الجنسية والكبت ومبدأ اللذة (فرويد خصوصا). “إن الخيال، في نظر المحللين النفسانيين، هو نتيجة صراع بين الدوافع الجنسية وكبتها الاجتماعي”، وهذا ما جعل دوران يتبنى موقفا مغايرا، معتبرا الخيال، لا كنتيجة للكبت، بل بالعكس كمصدر لتصريف الرغائب. ومن ثم، فقيمة الصور الخيالية لا تتمثل في جذورها العلمية (الليبيدية) التي تخفيها، بقدر ما تكمن في “الأزهار الشعرية والميثية التي تكشف عنها”.

إن التصنيفات الرمزية الصادرة، سواء عن الاتجاه الاجتماعي-الديني، أو عن الاتجاه النفساني، تقوم باختزال المتخيل إما في أنساق خارجة عن الوعي الإنساني وإدراكه، أو في إواليات غريزية وغلمية وكبتية. ولهذا السبب تمت الإشارة، في بداية الحديث عن منهج جيلبير دوران، إلى سعيه إلى تجنب كل من الأونطولوجيا السيكولوجية والأونطولوجيا الثقافوية. ولتحقيق ذلك، يعتمد دوران على المنظور الأنثروبولوجي لرأب الصدع بين المقاربة الخارجية والمقاربة الداخلية للمتخيل ولمحتوياته. إن المتخيل يستجيب لحاجات ورغائب غريزية داخلية تتفاعل وتتصادى مع محيطها الاجتماعي والإيديولوجي والديني… وهذا الجمع بين المقاربتين هو ما أطلق عليه دوران اسم المسار الأنتروبولوجي، الذي هو نتاج متطلبات عضوية ونفسية ضمن محيط اجتماعي.

توجد فكرة المسار الأنتربولوجي، بصورة ضمنية، لدى باشلار في كتابه الهواء والأحلام. فالمحاور الناتجة عن المقاصد الرئيسية للخيال هي، أساسا، مسارات الحركات الرئيسية للحيوان البشري تجاه محيطه الطبيعي، هذا المحيط الذي تواصله المؤسسات البدائية مباشرة، سواء كانت تكنولوجية أو اجتماعية للإنسان الصانع. وهكذا، فكل حركة تستدعي مادتها وتبحث عن أداة لها، لأن خيال الحركة، يضيف باشلار، مرتبط بخيال المادة. ومن ثم ذلك التفاعل بين الحركة والمحيط، فرغائب الفرد وغرائزه واستيهاماته ليست محض نتاج فردي، ليست “مثولوجيا شخصية” بقدر ما تسبح في محيط تاريخي واجتماعي. وهذا، بالضبط، ما يفسر تحليلات دوران ومدرسته، تلك التحليلات التي تزاوج بين الثقافي والطبيعي السيكولوجي دون إعطاء الأولوية لأحدهما على حساب الآخر، ذلك لكون “جوهر التمثل وجوهر الرمز يوجدان ما بين هذين القطبين المتعاكسين”. وعلاوة على ذلك، فإن الموقف الأنتروبولوجي، يقول دوران، ينفتح على المقاربات الاجتماعية والسيكولوجية، وعلى الرمزية الدينية والمثولوجيا والشعر، كما تنفتح على المؤسسات الطقوسية.

ولحصر الرموز المشكلة للمسارات الأنتروبولوجية، يتوسل دوران بمنهج ذريعي و”تنسيبي” يقوم على الجمع، أي على “رصد تكوكبات كبرى للصور، وهذه التكوكبات تكون تقريبا مستقرة، وتبدو مبنينة بواسطة تشاكل معين لرموز مترابطة فيما بينها”. فالرموز، بناء على ذلك، تتكوكب لأنها تكويرات لنفس الموضوعة الأصلية، وتنويعات على نماذج أصلية، فالتمثلات الناتجة عن الترسيمات الذهنية الأولية Les schèmes مثلا، والتي تتعلق بفكرة الارتقاء، تصاحبها دائما رموز النور والعين والهالة..

غير أن جمع الصور والرموز، يفترض، منهجيا، إعطاء الأولوية لعامل على آخر. هكذا يختار دوران الانطلاق من العامل النفسي ليتدرج نحو العامل الثقافي، إنه تدرج من البسيط نحو المركب، ومن النفسي الجنيني لدى الطفل، الذي تشكل سيكولوجيته “الأساس الكوني الأغنى من الأساس الذي يملكه كل مجتمع ما”، نحو الوسط الثقافي الذي يعمل على تعقيد وتخصيص المعطيات النفسية الأولى. ويضيف دوران، أن البحث عن التكوكبات الرمزية انطلاقا من العوامل النفسية، يطرح مشكلا أمام الباحث، ويتعلق الأمر بطبيعة هذه العوامل: هل ينبغي الاعتماد على الصور الحسية أم على الصور الحركية؟ ولحل هذا الإشكال يقوم، بعد أستاذه باشلار، باختيار البعد الحركي، مبررا ذلك بكون المتخيل حركة دينامية، وليس نقطة ثابتة. وهكذا يصبح الخيط الرابط لتحليلات محتوى المتخيل، هو الخيط السيكولوجي، المرتبط بردود فعل حركية مهيمنة وبارزة. ذلك أن رد الفعل الطبيعي يقوم بدور إنتاج رموز وتمثلات متعددة، لكن بالإمكان تصنيفها وترتيبها تبعا لطبيعة رد الفعل. فالطفل مثلا، منذ نعومة أظفاره، يأخذ في التعود على وضعيتي: العمودية والأفقية، اللتين توجهان التصور الرمزي نحو حركات وانفعالات لا شعورية، ونحو اختيار أدوات ومواد معينة، تستجيب لكل وضعية على حدة. وهكذا تتسع هذه التمثلات لتطول كل ما هو تقني وأداتي، ولتعكس، على مستوى المتخيل، تفاعلات الإنسان مع محيطه، ومع ما يؤثث هذا المحيط. هناك، إذن، امتدادات تكنولوجية ناتجة عن حركات وردود فعل حركية مهيمنة على باقي الحركات. ومن ثم، تستدعي كل حركة مادة وتقنية في الآن نفسه.

وهكذا يخلص دوران إلى أن عالم المتخيل تحكمه، بصفة عامة، ثلاث حركات طاغية، وهي:

الحركة الأولى ترتبط بالوضع العمودي، وهي حركة مهيمنة تقتضي وتستلزم وجود مواد مضيئة وبصرية تتصل بالرؤية، وكذا تقنيات العزل والتطهير اللذين تشكل الأسلحة والسيوف والسهام رموزا لها.

الحركة الثانية ترتبط بالنزول الهضمي وتستدعي مواد لها علاقة بالعمق كالماء والأرض والكهوف والمغارات. ثم إنها تتطلب أواني احتوائية كالأقداح والكؤوس والصناديق وتنحو نحو أحلام متصلة بالأكل والشراب.

الحركة الثالثة لها علاقة بالحركات الإيقاعية. وهنا نجد أن النموذج الطبيعي لهذه الحركة يتمثل في العلاقة الجنسية. وبالتالي فإن موضوعات إيقاعية متعددة تتطابق معها مثل إيقاع الفصول والنجوم والكواكب وتقنيات الدوران كالعجلة والبكرة والممخضة والولاعة.

وتندرج هذه الحركات الثلاث ضمن نسقين كبيرين يطلق عليهما: النظام النهاري والنظام الليلي. وهكذا، فإن النظام النهاري يشمل الوضع العمودي وتكنولوجيا الأسلحة وسوسيولوجيا الحروب وطقوس الارتفاع والتطهير. أما النظام الليلي، فيضم الحركتين الثانية والثالثة، ويبرر دوران هذا الجمع، بوجود قرابة بين المهيمنة الهضمية والمهيمنة الجنسية، ولا أدل على ذلك من أن هناك تقليدا يربط بين “ملذات البطن” ودلالات الظلمة والليل. وهكذا يضم النظام الليلي المهيمنات الهضمية والدائرية. فالأولى يندرج داخلها كل ما يتعلق بتقنيات الاحتواء والسكن والمأوى والأمومة، أما الثانية، فتشتمل على دورة الفصول والروزنامة الفلاحية وصناعة النسيج، وكذا رموز العودة وأساطير الكواكب والدورات البيولوجية.

ومن جهة أخرى، فإن النظام النهاري هو نظام الثنائيات الضدية، نظام التناقض الدلالي والوصفي (نور ¹ ظلمة، صفاء ¹ ظلال، وجود ¹ لا وجود)، إنه نظام يعكس بنية فصامية الشكل تتجلى في الاحتراس من إغراءات الزمن والرغبة في التمييز والعزل، أي تتجلى، بعبارة أخرى، في التفكير بواسطة النقيض. في حين أن النظام الليلي، تلطيفي وتكراري وحميمي. إنه نظام يقوم على رموز العمق والسكينة والحميمية والاختفاء، ويعكس بنيتين، إحداهما تركيبية تؤلف بين المتناقضات، والثانية صوفية تقوم أساسا على الإصرار الاحتوائي والارتباط بالمظاهر الحسية للأشياء واللزوجة…

وقبل الانتهاء من هذا العرض النظري حول المنهج الأنتروبولوجي كما بلوره جيلبير دوران، أقف عند خمسة مصطلحات أساسية تتردد كثيرا في أدبيات المتخيل، بصفة عامة وبشكل متفاوت، وفي كتابات دوران بصفة خاصة. وهذه المصطلحات الخمسة هي على التوالي: الترسيمات الذهنية الأولية Les schèmes، النماذج الأصلية Les archétypes، الرموز Les symboles، الأسطورة Le mythe، والبنيات Les structures.

الترسيمات الذهنية الأولية:

يستعمل كانط هذا المصطلح في سياق نظريته حول المعرفة كما تبين سابقا، ويعتبره “إجراء عاما للمخيلة لإسناد صورة لتصور”، فبدون هذه الترسيمات تظل المقولات عاجزة عن تجاوز دورها المنطقي. إن دورها، إذن، أساسي بين الصورة والتصور، بين المقولات الذهنية والأشياء التي تعطيها الحواس، لكن استعمال دوران لهذا المصطلح يختلف. صحيح أن دور الترسيمات الذهنية الأولية هو الربط والوصل، إلا أنه ربط بين الحركات الحسية-الحركية اللاشعورية، أي ردود الفعل المهيمنة المشار إليها سابقا، وبين التمثلات. وهذا الفهم، عموما، هو الذي نجده عند بياجي وباشلار من خلال مصطلحي “الرمز الوظيفي” و”الرمز المحرك” على التوالي. ومن ثم، فإن الترسيم الذهني الأولي Le schème هو تعميم دينامي وانفعالي للصورة” وبالتالي، تلعب هذه الترسيمات، المحركة للمتخيل، دورا تأطيريا، بحيث تقوم بدور العمود الفقري الدينامي للمخيلة وتصميمها الوظيفي. وعليه، فهي مسارات وأبعاد تتجسد في تشخيصات ملموسة ومحددة. وعلى سبيل المثال، فإن حركة الوضع العمودي يقابلها شكلان من أشكال الترسيمات الذهنية الأولية:

1 ـ ترسيم ذهني يتسم بالعمودية المتصاعدة.

2 ـ ترسيم ذهني يهم التوزيع البصري واليدوي. أما حركة الابتلاع، فيقابلها الترسيم الذهني المتجسد في النزول، وتخطيط الركون إلى الحميمية. إن الترسيم الذهني الأولي هو، حسب تعبير سارتر، “مستحضر” présentificateur للحركات والدوافع اللاشعورية.

النماذج الأصلية:

يعني هذا المصطلح في اليونانية النموذج البدئي (ARCHE: بداية – TYPOS: نموذج أو طراز)، وقد استعمله عالم النفس السويسري كارل غوستاف يونغ لتوصيف رموز الثقافات الكونية وأساطيرها. وهكذا، فإن النماذج الأصلية هي تلك الصور الموروثة، الرمزية والجمعية التي تخترق الأساطير والخرافات، وتشكل، انطلاقا من أساس بشري مشترك، اللاوعي الجمعي للفرد. وهكذا، فإذا كان يونغ يركز على السمة الجمعية والفطرية للصور الأولى، فإن دوران يسعى إلى تجنب السقوط في شرك نزعة ميتافيزيقية ترد كل شيء إلى الأصل، وتبحث عن ترسبات ذاكراتية متراكمة عبر العصور والثقافات. إن النماذج الأصلية، خلافا لذلك، ناتجة عن اتصال الحركات المجسدة في شكل تخطيطات ذهنية أولية بالمحيط الطبيعي والاجتماعي، كما تقوم بدور تأسيسات Substantifications للتخطيطات الذهنية. وهكذا تلعب النماذج الأصلية، في نظر دوران، دورا أساسيا حيث تربط بين المتخيل والسيرورات العقلانية. فالفكرة لا تسبق الصورة، بل إنها مشروطة بقالبها العاطفي والتمثيلي، “وهذا ما يفسر أيضا كون الفلسفات العقلانية والمناهج الذريعية للعلوم، لا تتخلص أبدا، وبصفة نهائية، من هالة المتخيل، وكون كل نزعة عقلانية(…) تحمل في ذاتها استيهاماتها الخاصة”. وهكذا، فإن النماذج الأصلية تتميز باستقرار كبير: مثلا، الترسيمات الذهنية الأولية المتعلقة بالارتقاء، تقابلها دائما ودون تغيير النماذج الأصلية للقمة والرأس والنور، وترسيمات الأسلحة تتجسد في نماذج أصلية ثابتة كالسيف والتعميد. أما ترسيمات النزول، فتأخذ كأسماء أصلية لها الليل والقعر، والترسيم الذهني المرتبط بالركون والتقوقع يؤدي إلى نماذج أصلية كالحميمية والحضن والأسرة. وهكذا يستنتج دوران أن “ما يميز بالضبط النموذج الأصلي عن الرمز، هو، عموما، عدم التباسه وكونيته المستقرة ومطابقته للترسيم الذهني الأولي”. وهكذا، فإن العجلة، مثلا، هي أكبر نموذج أصلي يعكس الذهني الأولي المعبر عن الدائرية، خلافا للحية التي ليست سوى رمز للدائرة، كما قد تصلح لأن تكون رمزا لشيء آخر.

الرموز:

تكتسي الرموز أهمية قصوى نظرا لغنى معانيها. وقد يكون الرمز اسما مشتركا أو اسما عاما، أي أنه دائما اسم، خلافا للنموذج الأصلي الذي “يوجد على طريق الفكرة والاسم معا”. وهكذا، فالرمز هش لأنه ذو سمة تحولية. ولهذا السبب، قد يفقد الرمز تعدديته، ويغدو مجرد علامة لغوية. ومن ثم، فإن الرمز سنن جماعي متعدد القيم ملتبس، أي أنه قابل للتأويل بحكم تعدديته ومعانيه الثانية. ولهذا السبب، فإن الرمز، كما سبقت الإشارة إلى ذلك، لا يرتبط بخطية الدال اللغوي. فالأسطورة، مثلا، باعتبارها خطابا، تعيد، عن طريق الكتابة، إدماج خطية الدال اللغوي هذه، غير أن الدال، في هذه الحالة، يستمر ويدوم بوصفه رمزا، لا بوصفه علامة لغوية “اعتباطية”. ولهذا، فالأسطورة، عند دوران، وخلافا لتصور ليفي ستروس، ليست مماثلة للغة، لكون الأهمية الأساسية للأسطورة، لا تكمن في خيطها السردي فقط، بل في المعنى الرمزي لكلماتها. الأسطورة كالطائرة، تتدحرج باللغة، لكن سرعان ما تبتعد عنها وتحلق في الفضاء بفضل الكثافة الرمزية.

ويمكن أن نربط بين هذا التصور، وبين تصور تودوروف، الذي يعتبر، في سياق دراسته لعلاقة الرمز بالتأويل، أن النص، أو الخطاب، لا يصبحان رمزيين، إلا انطلاقا من اللحظة التي نكتشف فيها، بفضل عملية التأويل، معنى غير مباشر، لذلك فإن “المتلقي يفهم الخطاب، لكنه يؤول الرموز”.

الأساطير:

يستعمل دوران مصطلح أسطورة بالمعنى الواسع، أي باعتبارها “نسقا ديناميا من الرموز والنماذج الأصلية والترسيمات الذهنية الأولية، أي نسقا ديناميا ينزع، بتأثير من ترسيم ذهني معين، نحو التشكل في حكاية”. فهو، إذن، يبتعد عن المفهوم الضيق لعلماء الأديان، ودارسي المعتقدات، الذين يرون فيه “الوجه الآخر التمثيلي لفعل طقوسي”. وإذا كانت الأساطير تأخذ شكل حكاية، فإنها توظف اللغة والخطاب اللذين يحولان الرموز إلى كلمات، كما يحولان النماذج الأصلية إلى أفكار، وهذا ما يجعلها تميل إلى العقلنة. بيد أن الأسطورة ليست مماثلة للغة وإن كانت تحتاج إلى توظيفها. وهكذا تشمل الأسطورة المحكي المبرر لعقيدة دينية معينة، أو سحرية، كما تشمل الخرافة والحكاية الشعبية والخطاب الروائي. لذلك، لا يمكن اختزال الأسطورة إلى لغة معينة، فهي صيغة خطاب لا مكان فيه للعبارة الإيطالية الشهيرة “الترجمة خيانة”، لأن الأسطورة، شأنها في ذلك شأن النموذج الأصلي، لا تخون أية لغة، لأنها لا تترجم. ولأنها تضم المكونات السابقة، فإنها تعتبر بمثابة تكوكبات للصور.

البنيات:

ينبه دوران إلى أن مصطلح البنية لا ينبغي أن يلتبس مع مصطلح الشكل. فإذا كان هذا الأخير يدل، في معناه الأنتروبولوجي، على نوع من التوقف والوفاء، أي على نوع من السكونية، فإن البنية، على العكس من ذلك، تستلزم نوعا من الدينامية المحولة. وهكذا، تدل البنية، عندما تضاف إلى نعوت كيفية وليست كمية، على شيئين أساسين:

1 ـ أن هذه الأشكال دينامية، أي خاضعة لتغييرات بواسطة تعديل أحد طرفيها، كما أنها تشكل “نماذج” تصنيفية وبيداغوجية، أي أنها تقوم بوظيفة التصنيف، وبإمكانها تغيير حقل المتخيل، ما دامت قابلة للتغيير والتحويل.

2 ـ أن هذه “النماذج” ليست كمية، بل هي أعراضية، ذلك أن “البنيات، مثلها مثل الأعراض الطبية، تعتبر نماذج تسمح بالتشخيص وبالفحص الطبي.

وخلاصة القول إن البنيات “الأنتروبولوجية” للمتخيل تتمثل في الخصائص النوعية التي تميز الطبيعة الإنسانية، التي هي (تشريحية وفيزيولوجية وسلوكية وذهنية).

اعتمدت، في عرض المنظور الأنتروبولوجي لدوران، بشكل أساسي على كتابه الأول البنيات الأنتروبولوجية للمتخيل، لأنه يشتمل على تقديم نظري يطرح فيه الأساس الفلسفي والمنهجي لمشروعه، خلافا للكتب اللاحقة التي أخذت طابعا تطبيقيا.

وتتجلى قيمة هذا التصور، في كونه يتسع ليشمل كلية الإنسان، في تفاعله مع العالم الخارجي. وهذه الكلية الأنتروبولوجية هي التي قادت دوران إلى البحث في/عن النماذج الأصلية والصيغ الرمزية والأسطورية ذات الصبغة الكونية.

ومن ثم فإن مشروع دوران يقوم على تجميع “الموارد الأنتروبولوجية” للبحث في الخيال الرمزي العام، الذي يسم المتخيل الإنساني. ولهذا توسل بعلم النفس التكويني (بياجي)، والخيال المادي (باشلار) لوصف النماذج الأصلية والأساطير والرموز التي تنتظم وفق بنيات محددة لها طابع الكونية. فالمتخيل، حسب دوران، ليس إلا نماذج أصلية، ورمزية وميثولوجية محددة للإنسان الرمزي في مواجهته لوجوه الزمن وهروبيته، ذلك أن “المخيلة تنظم الزمن، وتقيسه، وتؤثثه بالأساطير والخرافات التاريخية، وبهذه السمة التحقيقية، تأتي لتعزي من هروب الزمن”.

وهكذا، فالأسطورة عنده ليست مماثلة للغة، لأن أدلتها لا تخضع للنسق اللغوي الاعتباطي، بقدر ما هي رموز غير قابلة للترجمة. وبالمثل، فإن النموذج الأصلي لا يترجم، وبما أنه كذلك، فلا يمكن أن تخونه أية لغة.