أسعد الجبوري في روايته “ديسكولاند”:

ريادة في تشريح العنصرية الغربية

حسين سرمك حسن

( 3-2)

أخبرنا الكاتب على الصفحة 85 ، بأن اثنين من الأجانب، قتلا خمسة شباب وفتاتين من سكان البلاد في لحظة ثمل شديد .. ثم أكد ذلك على الصفحة 87 بأن عقوبة الإعدام أعيدت وأن محكمة ميدانية شكلت لمقاضاة مرتكبي الحادث الإجرامي الذي أودى بحياة سبعة من السكان الأصليين (وهما رجلان أجنبيان كما قال).. ولكن على الصفحة 88، قال بأن طوروس أطلق النار على أحد المتهمين وأمر زوجته الملكة بإطلاق النار على شخص آخر. فيما تمت حفلة عقاب الآخرين بأيدي الرماة الآخرين !!) .
سياسة التأثيم العام :
——————-
… إن توريط الملكة والآخرين بتنفيذ عمليات الإعدام، ومشاهدتها بأنفسهم، له وجه آخر، فهو جزء من عملية “التأثيم” العام الذي يجعل الجميع مذنبين، تأثيم يحيل الأبناء – المشارك كمنفذ للعدوان، والمتفرج، بل حتى الصامت احتجاجا – كلهم في حالة دائمة وقلقة من الشعور بالذنب الذي يتطلب التكفير والتخفف الذي يدفع – ويا لعجب آليات النفس البشرية – إن لم تتوفر منافذه المناسبة، إلى المزيد من الإيغال في العدوان، الذي يتبعه تضاعف الإحساس بالإثم، الذي يتطلب بدوره التكفير .. وهكذا تدخل شعوب كاملة في حلقة مفرغة لا نهاية لها، قد تستمر عقودا طويلة ، تشهد مسيرة لا تنتهي من العذابات والخسائر والتصفيات. إن نزوع الطاغية إلى إشاعة روح الوجدان الآثم، وتلويث ضمائر الجميع، عبّر عنه طوروس في ردّه على الملكة، بعد أن أمرها بقتل المتهم الثاني، فاعترضت بأن هذا مخطط لتوريطها وزجّها داخل الشرك، حيث قال:
(بالضبط . كي لا تكون هناك يد نظيفة مقابل يد قذرة – ص 88 ).
الطاغية والقدرة الكلية الطفلية :
—————————–
وفي كل فعل يجد عقل الطاغية – وهذه من مميزات العقل البشري المتأصلة – مبررا “منطقيا” لما يقوم به من أفعال وحشية. كان طوروس يتكيء على مخزون عميق لا ينضب من المبررات والأمثلة التي قدمتها له التجربة الديسكولاندية نفسها. فالتحيّز والتمييز والقهر، الذي عامل به مجتمع الديسكولاند، المهاجرين الغرباء، صار دليلا لتمرير الثأر والشعور بالحيف الذي قُمع طويلا في النفوس. لقد كان الغرب – وبـ “عمى نفسي- psychological blindness” سببته القوة المنفلتة والشعور بـ “القدرة الكلّية أو المطلقة – omnipotence”، وهي في حقيقتها من ميزات التفكير الطفلي، والتي في ديمومتها في الحياة الراشدة، تعكس اضطرابا عقليا ذهانيا – راجع تحليلنا لشخصية الرئيس الأميركي جورج بوش الإبن- سنتوقف عنده لاحقا استنادا إلى أطروحات الروائي الدقيقة ومفهومه الفريد عن “الجنون”–
السور العظيم :
—————
وضمن آليات تعويض الشعور بالنقص الضاربة جذوره في الأعماق الطفلية الهشّة، يعمد الطاغية إلى “البناء” .. بناء يأتي في العادة في هيأة شواهد “ضخمة” و “طويلة” و”مدببة” و”مركبة”. ومن المؤكد أن واحدا من أهداف حملات البناء هذه، هو إشغال الجمهور الواسع إلى الحد الذي لا تتوفر لديه أي فرصة لالتقاط أنفاسه. ومثل ذلك يُقال أيضا عن المناسبات والأعياد الوطنية التي تتضاعف في عهود الطغيان. ولم يترك طوروس حدثا شخصيا إلا وخصص له يوما احتفاليا في حياة شعب الديسكولاند. حتى العملية الانتحارية الفاشلة، التي نفذها ضده مصلّح العجلات “فرانك جون” الذي كان زملاؤه من الراقدين في مشفى المجانين يشكون في كونه يعمل لصالح مخابرات الدولة، جعل لها يوما وطنيا، هو “يوم العملية الانتحارية” الذي جاء ضمن ضمن سلسلة أيام وأعياد وطنية لا تنتهي. وقد يكون إصرار الطغاة على تكثير الأعياد والمناسبات، والإحتفاء بها بضجيج الأبواق والطبول هو للتأكد من أنهم “أحياء”، فالطغاة هم كائنات الموت، كائنات “نيكروفيلية – necrophilic” تهتم بالحديد والأسمنت والحجر أكثر من الإنسان بكثير. ولهذا كانت أعظم الشواهد المعمارية عبر التاريخ مرتبطة بأسماء الطغاة ومن منجزاتهم الفريدة. وهذا ما تمثل أيضا في إصرار طوروس على بناء السور العظيم، الذي يعزل الديسكولاند عن البلدان المحيطة بها. ليمنع عنها الأوبئة والضوضاء، ويحميها من تسلل الغرباء واللصوص، كما كانت دعاية الدولة تشيع عن أهداف بنائه. لكن بناء هذا السور العظيم الذي يشبه سور الصين قد جُنّد له الشعب بأكمله في عمل مرهق ومتواصل جعل بعضهم يفقد عقله ويُصاب بالجنون كما هو حال المواطن “هاري” الذي لم يكن يمارس الجنس مع زوجته “تاستا” ليلة الأحد كي يدّخر قواه من أجل بناء الوطن. لقد جُنّد الجميع بلا استثناء في حملات “سخرة” دائمة، ولم يستثن من ذلك حتى المعاقين الذين بدأت أرواحهم تزهق وأخذت أعدادهم بالزوال (ص 167)، الأمر الذي يذكرنا بالإجراءات التي اتبعها النازيون للقضاء على المعاقين في ألمانيا (تمّ قتل سبعين ألف معاق) لأنهم يأكلون ولا ينتجون. ولم يذكر لنا التاريخ السياسي نظاما طغيانيا واحدا لم يقم بعزل شعبه عن الحياة وعن الشعوب الأخرى، ويضرب ستارا حديديا حوله، ويحجزه في قفص حديدي أو في “علبة حديدية” آمنة لا تستطيع الجراثيم الخارجية النفاذ إليها، و”ربّ حضارة تصنعها الكلاب خير من أجانب لا يصلحون حتى للعواء” كما يقول أسعد. إن الشعوب التي تخضع لقبضة الطغاة الديكتاتوريين المتطاولة، تُصاب بوباء “هذائي” من الناحية النفسية؛ وباء يجعل الجميع يشك في الجميع. ويسري سرطان التشكيك ليس بين الناس الذين لا تجمعهم سوى الروابط المهنية أو الجغرافية ولكن حتى بين أبناء العائلة الواحدة. فقد (أصدر الملك أوامر سرّية لتشديد هيمنة قبضة الأجهزة المخابراتية على البلاد. فمنع انتقال المواطنين بين المدن بدون إذن حكومي مسبق. كما حرّم على المواطن أن يستضيف مواطنا آخر دون إبلاغ دوائر البوليس. هذا بالإضافة إلى قيام الحكومة بتوزيع استمارات خاصة على السكان، لتسجيل أسماء أبنائهم أوأقاربهم من الفارين والهاربين إلى الخارج. بل وأصبح على المواطن أن يقدم تقريرا اسبوعيا عن ظروف وتحركات ونشاطات جاره الآخر. وكذلك فرض تطبيق تلك الإجراءات لتشمل طلاب المدارس والجامعات تحت شعار صريح وواضح: “إذا لم تكن شرطيا للدولة، فأنت جندي في صفوف الأعداء”- ص 185 ).
.. ويمتد هذا الإنهواس الهذائي الشكوكي ليشمل الطاغية نفسه. وفي الحقيقة هو يبدأ منه أولا، بفعل تركيبته النفسية وسلوكه الخياني. ولا يوفّر الطاغية أقرب الناس إليه. كان طوروس يشك في زوجاته، وهن كثيرات قتل ثماني عشر منهن، وفي مقدمتهن “شيرين” أرملة الملك السابق. لقد اتهمها فورا بالتآمر عليه وأنها قتلت طفلها (ولي عهده). كما قام بقتل ولديه من زوجته “سورين كلار” الأميرين “تراكس” و “بلاتو”. ودائما يطيح الطاغية بأقرب مساعديه بصورة متكررة بسبب شعوره بالتهديد الدائم .. وتشيع مصطلحات التآمر والإنقلاب والطابور الخامس والخيانة .. إلخ في خطابات وأحاديث الطاغية .. ثم تمتد العدوى لتشمل هواجس وأحاديث أفراد قيادته وحتى زوجاته.

كلّما صار الغرب أكثر حداثة صار أكثر عنفاً :
——————————————-
أقول كان الغرب بسياساته الإذلالية للشعوب، يقوم من حيث يدري أو لا يدري بعملية “تدريب” لقطاعات واسعة من هذه الشعوب، على سياسات القهر والعدوان والثارات بصورة مباشرة وغير مباشرة. إن “الحداثة” التي رافقت عملية الإستعمار ومرحلة الإمبريالية، دشّنت مرحلة القهر في العلاقات البشرية معتمدة على التأويلات “العقلية” العنصرية حول مركزية الرجل الأبيض، التي حلّت محل مركزية الإله، الذي أعلنت الفلسفة الغربية موته، كان ضحيتها إنسان الهامش : إنسان الجنوب أو الشرق. أما “ما بعد الحداثة” التي رافقت النظام العالمي الجديد والتي أعلنت مركزية المادة/ الطبيعة، التي حلت محل الإنسان، الذي أعلنت الفسفة الغربية موته أيضا، فقد كان ضحيتها الآن، ومن جديد، إنسان هذا الهامش : جنوبيا أو شرقيا أو مهاجرا. والفرق هو أن الاساليب صارت أكثر علمية وتطورا، وبالتالي اكثر تدميرا وإشاعة للخراب. فالظاهرة الملفتة لانتباه الفلاسفة والباحثين هي أن الغرب يصبح اكثر وحشية وعنفا كلما صار أكثر حداثة وتطورا. تصوّر أن الدولة الأعظم والأكثر رقيا ماديا في التاريخ، وهي الولايات المتحدة، هي الدولة الأولى في التاريخ التي أدينت كدولة إرهابية – بهذا المصطلح المحدّد – في التاريخ السياسي، وبقرار من الأمم المتحدة. لنستمع إلى شاهد من أهلها كما يُقال ؛ شاهد ثقة شهادته غير مجرّحة هو المؤرخ والمفكر الأميركي “نعوم تشومسكي”. يقول تشومسكي :
( وبما أن الولايات المتحدة في هذه الحالة، كانت تهاجم بلدا [= نيكاراغوا]، وليس شعب ذلك البلد فحسب [ كما كان في السلفادور، وغواتيمالا، وهندوراس]، كان ذلك البلد قادرا على إتباع وسائل الاستعانة المتاحة للدول. فكان رد فعلها بالطريقة التي من المفروض أن تتبعها أية دولة ملتزمة بالقانون في الرد على الإرهاب الدولي الجماعي: أي اللجوء إلى المؤسسات الدولية. فأول ما فعلته نيكارغوا، هو الذهاب إلى المحكمة الدولية التي أدانت الولايات المتحدة بالإرهاب الدولي (بسبب استخدامها اللاشرعي للقوة)، ولانتهاكها المعاهدات. فأمرت الولايات المتحدة أن تنهي الجرائم وتدفع تعويضات كبيرة – ص 63 ) (5) . فماذا كان ردّ فعل الولايات المتحدة، أم الديمقراطية في العالم، والمدافعة عن حقوق الإنسان؟ هل انصاعت لقرار المحكمة الدولية كما يُفترض بأي دولة متحضرة؟ الجواب هو: كلا . والأنكى من ذلك هو أنها اندفعت بطريقة حيوانية هوجاء إلى تصعيد الحرب، ولكن على من؟ على الأهداف المدنية .. الموت .. الموت .. القتل .. القتل .. الدم .. الدم .. الدم .. هذا هو شعار الولايات المتحدة الدائم وعبر تاريخها المشؤوم، فانظر ماذا قامت به هذه الدولة الشيطانية كما فعلت لاحقا مع العراق عام 1991، وحسب تشومسكي أيضا: ( وكان ردّ فعل الولايات المتحدة تصعيد الحرب ( بتأييد من الحزبين !! ) فأعطت لأول مرة أوامر رسمية بمهاجمة ما يُسمى بـ “الأهداف اللينة” – مثل المستوصفات الصحية ، والتعاونيات الزراعية ، وما إلى ذلك . وتابعت الهجوم إلى أن صوّت الشعب في النهاية لمرشح الولايات المتحدة الأمريكية رئيسا للبلاد، فتوقف الرعب في العام 1990 – ص 63 ) (6).
طوروس العنصري نتاج عنصرية الديسكولاند :
———————————————
لقد وفّرت تجربة طوروس المريرة في الديسكولاند، والمعاناة التي عاشها الأنموذج العنصري والطغياني، الذي يقيس عليه، ويمدّه بالقرائن التي لا توفّر له التخريجات المنطقية في وجه منتقديه حسب، بل تحقق غاية أكبر، تتمثل في تخفيف الشعور بالذنب الذي تخلقه سلوكياته الدموية عادة، من خلال كونها سلوكيات سابقة ومقتفاة الآن. إن كون فعلا مدانا ما، قد قام به فرد أو مجموعة سابقة لك، يخفف كثيرا من إحساسك بأن زمام المبادرة جاء منك بلا سابقة، لأن كل فعل جديد يثير قدرا من القلق يتناسب مع طبيعته، فكيف إذا كان فعلا دمويا مميتا؟!. لقد اعترضت الملكة بعد عودتها من “حفل” إعدام المتهمين على تصرّف طوروس بكونه يشكل خرقا للقانون وأنه سيلحق اذى بامبراطورية الغرب الديمقراطي، فكان ردّ طوروس حاضرا:
(وهل ترغبين أن نتحوّل إلى هنود حمر في أوروبا؟ – ص 89)
فلو استمرت هجمة مواطني الديسكولاند الأصليين على الغرباء، لأعاد التأريخ الذي هو عبارة عن ذيل طويل لأي خدعة في الزمان، رسم صورة تلك المجزرة التي صارت فتحا وتحضّرا.. وأقصد بها ذكرى إبادة الهنود الحمر في أميركا الشمالية. وحسب تشومسكي أيضا فإن الروّاد “الأميركان” الأوائل قد أبادوا أكثر من (100) مليون هندي أحمر (وأكرّر ليس آلافاً بل – وحسب تشومسكي أيضا – مئة مليون هندي أحمر) من مواطني أميركا الأصليين. أمّا عندما تقول الملكة شيريهان لطوروس، في ختام حديثها معه في العربة الملكية إنه لعنة عظيمة؛ لعنة لا تريد أن تكون صدى لأنينها، فإن الأخير يستل الجواب المفحم من مخزون ذاكرته التاريخية الجريحة قائلا :
(وهل ثمة أنين أبلغ مما تزخر به أساطير القراصنة يا جلالة الملكة؟ – ص 89)
وقفة :
——-
لقد كان الفعل الاستعماري هو شكل من اشكال القرصنة الفعلية .. قرصنة مدججة بأسلحة حديثة وبمبررات عنصرية وشعارات تطهيرية “متحضرة” عن الأراضي العذراء والأراضي التي بلا شعب والشعب الذي بلا أرض، وأرض صهيون الجديدة. الفارق الوحيد هو شدة الشراسة، وعلمية المكر والإبادة ، وكون سفينة القرصان لم تعد تعترض سفينة أخرى، وتسلبها، بل تحتل أوطانا كاملة وتسلب ثرواتها وتبيد شعوبها. فتلك الشعارات كانت تعني في واقع الأمر (إبادة السكان الأصليين حتى يمكن للمستوطنين البيض الإستقرار في الأرض الخالية الجديدة. وقد تم إنجاز هذا من خلال القتل المباشر، أو نقل الأمراض المختلفة، كأن تُترك أغطية مصابة بالجدري كي يأخذها الهنود الحمر فينتشر الوباء بينهم ويتم إبادتهم تماما. وكانت الحكومة البريطانية في عصر الملك جورج الثالث تعطي مكافأة مالية لكل من يحضر فروة رأس هندي قرينة على قتله. واستمرت هذه التقاليد الغربية الإبادية بعد استقلال أمريكا، بل تصاعدت بعد عام 1830 م حين أصدر الرئيس جاكسون قانون ترحيل الهنود، والذي تم بمقتضاه تجميع خمسين ألفا من هنود الشيروكي من جورجيا وترحيلهم (ترانسفير) في أثناء فصل الشتاء سيرا على الأقدام إلى معسكر اعتقال في أوكلاهوما. وقد مات أغلبهم في الطريق … وترتبط بالتجربة الاستيطانية في أميركا الشمالية عمليات نقل ملايين الأفارقة السود للأمريكيتين لتحويلهم إلى عمالة رخيصة؟ وقد تم نقل عشرة ملايين تقريبا، ومع هذا يجب أن نتذكر أن كل أسير كان يقابله بوجه عام عشرة أموات كانوا يلقون حتفهم إما من خلال أسباب “طبيعية” بسبب الإنهاك والإرهاق وسوء الأحوال الصحية أو من خلال إلقائهم في البحر لإصابتهم بالمرض.
وكانت أعمال السخرة الاستعمارية في أفريقية ذاتها لا تقل قسوة. ففي كتابه رحلة إلى الكونغو (1927 م) يبيّن “أندريه جيد” كيف أن بناء السكة الحديد بين البرازيل والبزانت السوداء (مسافة طولها 140 كيلومترا) احتاجت إلى سبع عشرة ألف جثة. ويمكن أن نتذكر أيضا حفر قناة السويس بالطريقة نفسها وتحت الظروف نفسها وبالتكلفة نفسها – ص 214-216 ) (7).
عنصرية الغرب لا تموت، وقفة على محاسن الإستعمار! :
————————————————————
(هذا ما كتبته قبل عدة أشهر)
ظاهرة غريبة هذه أن يتم الاحتجاج على فيلم عربي قبل عرضه. يدينه وزير الثقافة الفرنسي (فلادريك ميتران) وتسير المظاهرات الاحتجاجية ضده قبل أن يعرض على شاشات السينما ويراه المحتجون. هذا الموقف يعبر عن التعبئة المسبقة والتعصب الاستباقي ضد المواقف التي تمس القضايا العربية. هذا ما حصل مع فيلم “خارج القانون” الجزائري للمخرج “رشيد بوشارب” الذي تقرر أن يعرض في مهرجان كان تحت حماية مشددة!! الفيلم يتحدث عن مجازر المستعمرين الفرنسيين في مدينة “سطيف” الجزائرية من خلال قصة ثلاثة أخوة جزائريين يعيشون في فرنسا وعندما تندلع الثورة الجزائرية يقررون عمل أي شيء لمساندة ودعم ثورة شعبهم المقهور. حتى وزير الخارجية الفرنسي (برنارد كوشنير)- والمؤسف أنه شاعر- أدلى بدلوه في إدانة الفيلم وهو لم يشاهده وقرأ نتفا من السيناريو نشرت في الصحف الفرنسية. علق أحد النقاد المغاربة على هذا الموقف بالقول إن فرنسا ما كانت ستعترض لو أن الفيلم يتناول المحرقة اليهودية أو مجازر الأرمن على أيدي الأتراك ولحصل على جائزة فكل شيء مسخر للسياسة ولا مكان لألعاب حرية الفكر والمعتقد. وأنا أريد توسيع الأمر وأقول إن الديمقراطية الغربية حقيقة بالنسبة للغربيين وخدعة وأكذوبة بالنسبة لنا.. مع الغربيين تحرص الديمقراطية الغربية على حقوق الكلب “إبن الكلب” الذي يتمتع بكل الحقوق في الولايات المتحدة عدا حق الانتخاب والترشيح.. ومعنا تكشر الديمقراطية الغربية عن أنيابها وتكسر عظامنا وتبارك الأسلحة النووية لاسرائيل وتحاصر العرب حتى الموت.
هل تريدون دليلا هائلا وعجيبا ويدوّخ العقل؟.. إذن خذوه.. هل تعلمون أن البرلمان الفرنسي أقر بالأغلبية في (23 / شباط / 2005) قانونا اسمه (محاسن الاستعمار أو حفظ الذاكرة) اعتبر فيه الاستعمار الفرنسي للجزائر وغيرها وما قام به من مجازر نعمة للشعوب المحتلة؟؟ كانوا يحرقون الجزائريين احياء.. يقتلون الأطفال ويغتصبون النساء.. وفي باريس مدينة الحرية وحقوق الإنسان تم إلقاء أكثر من ألف مواطن جزائري في نهر السين وهم أحياء مربوطي الأيدي ليموتوا غرقا وبطريقة ديمقراطية لأنهم احتجوا على الاستعمار الفرنسي في الثلاثينات؟؟!!.. وعلى الرغم من كل ذلك، يأتي البرلمان الفرنسي ليشرّع قانونا يقره بالأغلبية يشرح فيه محاسن الإستعمار !!
عودة : مكر الروائي الخلّاق :
—————————-
.. الآن – وهنا سيتضح جانب كبير من “مكر” أسعد المبيّت – سيكتوي شعب الديسكولاند، الذي كان يستخف بمعاناة الغرباء المهاجرين بل يضاعفها، بنيران محنة هؤلاء الغرباء نفسها التي أجبرتهم على الفرار من أوطانهم. الآن سيذوق شعب الديسكولاند – وهذا ما صمّمه الجبوري من خلال طوروس كما يبدو لي – علقم الهجرة حيث صار شعار الحياة في هذه البلاد (من يعبر البحر ، يعبر الموت فينجو).
تلك جملة ملحمية، التصقت بعقول العامة من شعب ديسكولاند. جملة نُحتت في أعماق الناس من شدّة الإرهاب على وجه الدقة. فالعبور من الظلام إلى النور، بات يمر عبر برزخ أزرق هو البحر. وهكذا تحوّلت الهجرة إلى ثورة شعبية عارمة، تحت تأثير فكرة الهجرة، لمغادرة البلاد وتركها بالسرعة القصوى. الهجرة التي أصبحت هاجسا يوميا يضغط على النفوس إلى حد الإختناق. فلول المخابرات السرية لطوروس، بدأت تنفذ مشروعها لتهجير السكان وترويعهم، بالإضافة إلى ما يحدث من مصادمات بين سكان البلاد الأصليين والأجانب. لذلك كلّه تكونت شبكات التهريب البشري في المدن والأرياف، وبخاصة في المدن الساحلية المطلة على دول الجوار – ص 91).

تراجيديا لعنة الهجرة تطول شعب الديسكولاند :
——————————————–
ومن الملاحظات الحاسمة على الفن السردي المحكم، هو أن الروائي ينبغي أن لا يطرح أفكار ورؤى وتجارب شخوصه بصورة كلامية وحوارية إلا في أضيق الحدود، لأن هذا السلوك السردي سوفي يصبح تعليميا وأحيانا وعظيا، ويصير فذلكات نظرية بالرغم من عمقها وأهميتها. لم ينج من هذه المصيدة أعظم كتاب الرواية وفي أكثر أعمالهم شهرة كما حصل – على سبيل المثال – لدستويفسكي في الجريمة والعقاب والأخوة كرامازوف، وستندال في الأحمر والأسود. مثلما لم ينج منها اسعد كذلك. ولكنه ، وبدءا من هذا القسم الثالث عشر (تراجيديا الهجرة)، صار لزاما عليه، أن (يشخصن) فكرة جديدة تمثل نقلة في مسار الرواية، حيث تحوّل مواطنو ديسكولاند الأصليين إلى “غرباء”، بدأ طوروس يذيقهم عذاب التقتيل والفتك بكل السبل، وصاروا “اجانب” في أوطان أخرى استغلتهم ابشع استغلال، حيث أصبحوا مادة لا تنضب لتجارة الرقيق (هل يريد الجبوري خلق أنموذج غربي متخيّل أو مستشرف لما عاناه غرباء الديسكولاند الحقيقيون من عذابات في الماضي ؟ هل يقوم بإعادة كتابة التاريخ ؟). كما استُغلوا أيضا من الناحية المالية في عمليات التهريب، خصوصا بعد أن غير طوروس العملة من الكرونه المعروفة إلى عملة جديدة اسمها “الشبح” فأسهم في إهارة اقتصاد البلاد.
لقد (قفزت أرقام الفارين من البلاد في زمن طوروس إلى أرقام مرعبة. فيما تراوحت الإحصاءات عن أعداد الموتى إلى مائة وخمسين ألف مواطن بسبب حوادث بناء السور العملاق. أما المحاكم العسكرية، فقد نفذت أحكام الإعدام بما يقارب الأربعين ألفا من السكان بعد أن شملتهم مختلف التهم.
هذا بالإضافة إلى أن أعداد المعتقلين قد بلغت أكثر من مائة وسبع وعشرين ألف مواطن من المحكومين بعقوبات تتراوح فتراتها من السنتين إلى العشرين سنة إلى الأشغال الشاقة المؤبدة. حيث يتم إرسال المحكومين للتنقيب والبحث تحت جبال الجليد عن مجموعات من سفن الفايكنغ الضائعة منذ قرون في تلك الجزر القطبية- ص 215).
وقد كانت موجة الهجرة عاتية وطوفانية. وصار مواطنوا ديسكولاند في فزع لا يصدّق، أججه طوروس بنفسه، وفي أول ظهور علني له على شاشات التلقاز الوطني، وهو يرتدي بزة عسكرية مزينة بالنجوم والأوسمة والسيوف، مع أنه لم يكن عسكريا من قبل أبدا.

الطاغية .. القويّ :
——————
ولاحظ أن كل الطغاة يتجهون نحو منافسة العسكريين المحترفين على اختصاصهم .. وإزاحتهم من مواقعهم بل التصدي لقيادتهم وتصفيتهم. والخطوة الأولى في ذلك هو ارتداء الطاغية الزي العسكري حتى لو لم يكن عسكريا. إنهم يحاولون مستميتين الإمساك بكل مصادر القوة في المجتمع. ولا نستغرب إذا قلنا إن الطاغية نفسه يعاني من قلق شديد وشعور بعدم الكفاية والنقص يقض مضجعه، ويجعله يحاول التعويض أو تشكيل ضعفه عكسيّا – reaction formation، في صورة قوة مطلقة في الظاهر، حتى في المناسبات التي لا تستدعي ذلك، أو تتطلب ممارسات مسالمة مناقضة تشيع الإطمئنان في نفوس الناس. لقد ألقى طوروس خطابا موجزا عن دوره في إسقاط الإنقلاب العسكري وإنقاذ البلاد من نيران الحرب الأهلية التي حاولت العصابات العنصرية إشعالها. وختم حديثه بالدعوة إلى التعايش بين السكان ، وضمان السلام الاجتماعي الذي سيدفع بالشعب نحو التقدم الإجتماعي الذي يريده له أولا. ولكن الحادثة التي أعقبت الخطاب قلبت التأثير النفسي لهذا الخطاب رأسا على عقب، فقد قلب طوروس الطاولة التي أمامه، ثم سحب مسدسه الشخصي، وأطلق الرصاص في الأستوديو ابتهاجا بالنصر، فأصابت بعض الطلقات المخرج في حين فرّ الآخرون فزعين. إن هذه السلوكيات مخططة وينتهجها الطغاة كافة، لإثارة نوع من “التضاد الوجداني – emotional ambivalence” في نفوس الناس، تضاد بين المشاعر السلبية والإيجابية تسببها سلوكيات الطاغية المتناقضة موقفيا وفي الآن نفسه. ففي الوقت الذي يتحدث فيه الطاغية عن قيم الخير يمزق كل قيمة خيرة ويشيع نقيضها، قيم الشر. وفي اللحظة التي يتحدث فيها عن الوفاء ينقلب على رفاقه . وفي الوقت الذي يرفع شعارات السلام نظريا، يشن الحروب ويروج للعنف عمليا. إن هذا السلوك الذي سيطبع سلوك الطاغية طوروس مدروس، وليس عفويا. فهو يضع المواطن في حالة صراع نفسي شديد بين السلب والإيجاب، ينتهي بلجم إرادته في أغلب الأحوال. وقد لا يصدّق القاريء الغير مسلّح بالثقافة النفسية العميقة، أن المآل النهائي لهذا الصراع هو أن المواطن المقهور يبدا بإقناع ذاته بقناعات القهر والطغيان. وقد تحدث “ونستون سمث” بطل رواية جورج أورويل “1984″ عن هذه الحالة والتمزقات النفسية التي تصاحبها والصراع العقلي الممض ومضاعفاته الخطيرة :
(أنزل ونستون ذراعيه إلى جانبيه، وأعاد ملء رئتيه، ببطء، بالهواء، فيما انزلق ذهنه بعيدا في العالم المتناهي لـ “الإيمان المتناقض” . فأن تعلم ولا تعلم في الوقت ذاته، وأن تكون مدركا للمصداقية التامة فيما تعلن أكاذيبا منظمة بدقة. أن تحتفظ، في آن واحد ، باعتقادين باطلين، وتؤمن بهما معا مع علمك بأنهما متناقضان. أن تستعمل المنطق ضد المنطق، وأن تتبرأ من الفضيلة فيما تدّعي لنفسك حق المطالبة بها، أن تعتقد أن الديمقراطية مستحيلة، وأن الحزب هو حامي الديمقراطية، أن تنسى كل ما يكون نسيانه ضروريا ثم تسترجعه ثانية إلى الذاكرة في اللحظة التي تحتاجه فيها لتنساه مرة أخرى من دون إبطاء. وقبل كل شيء أن تطبق نفس العملية على العملية نفسها.
إن ذلك هو حدّة الذهن القصوى: أن تُحدث عدم الإدراك بشكل واع، ثم تصبح غير مدرك، من جديد، لفعل التنويم المغناطيسي الذي قمت به منذ لحظات .. وهكذا ، فحتى إدراك كلمة “الإيمان المتناقض” يستلزم ، بحد ذاته، استعمالا للإيمان المتناقض – ص 41 و42) (8) .
رعب هجرة الديسكولانديين يتفاقم :
———————————–
وقد فاقمت هذه السياسات المتضادة من قلق المواطنين ورعبهم، ودفعتهم إلى المزيد من موجات الهجرة (وهي في الحقيقة فرار مذعور) عبر البحر. وكان من بين من فروا (سوني) وصديقتها (لونا) اللتين ارتبطتا بعلاقة مساحقة شاذة بالنسبة لقيمنا. لقد سرقت سوني ربع مليون دولار من البنك الذي كانت تعمل فيه وتركت رسالة لزوجها “لانكسن” بأن يأخذ طفلتهما “مونو” ويلحقها إلى بيت صديقتها لونا. لكنه تأخر عن الموعد المحدد ففرت الصديقتان وحدهما.
إن سيناريو الهجرة (أو الفرار)، العراقي أو المغربي أو المصري أو التركي، يعيد نفسه الآن بتفصيلات المعاناة التي كان الديسكولانديين يستخفون بها والتي صاروا هم [= الديسكولانديين] ضحيتها الآن. فالفرار عبر البحر في الليالي المدلهمة الباردة .. وما يتبعه من تمزّقات عائلية.. والإستغلال كرقيق أو مادة جنسية.. ومخاطر الرحلات.. ورفض بلدان اللجوء.. غرق السفن بمن فيها (إحدى سفن اللاجئين العراقيين غرقت وعلى متنها 800 عراقي قرب سواحل استراليا المتحضرة والتي أسهمت في غرق سفينة أخرى والفرجة على غرق الأطفال والنساء وفي انتحار مهاجر عراقي محتجز .. إلخ.. وفي عام 2006 قامت الشرطة اليونانية برمي مهاجرين عرب في البحر المتوسط مكتوفي الأيدي وتفرجت على موتهم غرقا!!).. والتشرد والنوم في العراء أو على المصاطب. وبذكاء جعل اسعد الصراع أوروبيا داخليا هذه المرّة حيث تعاني البلدان الأوروبية من هجرات وفرار مواطني دولة أوروبية أخرى :
(تدفّق اللاجئين أصبح قضية بالنسبة للألمان الذين يحاولون منع تدفق الأجانب إلى أراضيهم. وكانت أولى محاولات كبح جماح المتسللين عبر البحر، أن قامت قواتهم البحرية باعتراض ومطاردة عشرات من قوارب تهريب اللاجئين عبر البحر، مما تسبب في غرق قاربين ووفاة أكثر من ثمانين شخصا في المياه الأقليمية. كانت الأخبار عن الهجرة واللجوء هي العناوين الكبرى التي تتصدر الصفحات الأولى لصحف ومجلات أوروبا، بعدما انتشرت المخاوف من محاولات طوروس التدخل لدى دول الجوار بعدم فتح أبواب اللجوء أو السماح للديسكولانديين بالإقامة على أراضيها. وهو ما اعتبرته الكثير من الدول بمثابة إنذار لها، وإلا تصبح من الدول المعادية للحكم – ص 96).
العنصرية تلتهم نفسها :
———————–
يحيلنا الروائي بين وقت وآخر، إلى مواقف يعلن فيها صراحة أن البلدان المحيطة ببلاد الديسكولاند، والتي من المفترض أنها متحضرة وديموقراطية مثلها، قد بدأت باستغلال محنة سكان الديسكولاند الفارين أبشع استغلال، حتى أنها حوّلت قسما منهم إلى مادة لتجارة الرقيق. وأعتقد أن في هذه المواقف إحالة إلى حقيقة أن العنصرية يمكن أن تأكل نفسها بنفسها ايضا. فالنازية التي كانت لحظة أنموذجية قصوى لتجلي الخلاصة العملية الإبادية لجوهر الفلسفة المادية الغربية العنصرية، قامت بأكل الجسد الأوروبي الذي أنتجها. يتجلى ذلك في الموقف الثأري المميت للدول الغربية في علاقتها ليس مع النظام النازي الألماني بل مع الإنسان الألماني عسكريا كان أو مدنيا. فقد كانت كل جهود الحلفاء خلال وبعد الحرب العالمية الثانية تهدف ليس إلى تدمير الإنسان الألماني واجتثاثه حسب بل القضاء على الأمة الألمانية ومسحها من الوجود!!. والسبب الأساسي في هذا الموقف التدميري المتقابل هو أن الحلفاء يشربون من معين الفلسفة المادية نفسه الذي شرب منه النازيون وكان النازيون (يدركون تمام الإدراك أن نظامهم النازي وممارساته الإبادية إنما هي ثمرة طبيعية للتشكيل الحضاري الغربي الحديث. ولعل أكبر دليل على أن الإبادة إمكانية كامنة، تضرب بجذورها في الحضارة الغربية الحديثة، أنها لم تكن مقصورة على النازيين وإنما تشكل مرجعية فكر وسلوك الحلفاء، أعداء النازيين الذين قاموا بمحاكمتهم بعد الحرب. فإرنست همنجواي ، الكاتب الأميركي ، كان يطالب بتعقيم الألمان بشكل جماعي للقضاء على العنصر الألماني. وفي عام 1940م قال تشرشل إنه ينوي تجويع ألمانيا وتدمير المدن الألمانية وحرقها وحرق الغابات الألمانية. وقد عبر “كليفتون فاديمان” محرر مجلة النيويوركر، وهي من أهم المجلات الأميركية إبان الحرب، عن حملة كراهية ضارية ضد الألمان، تشبه في كثير من الوجوه الحملة التي شنها الغرب ضد العرب في الستينيات والتي يشنها ضد المسلمين والإسلام في الوقت الحاضر: (إضرام الكراهية لا ضد القيادة النازية وحسب، وإنما ضد الألمان ككل، فالطريقة الوحيدة لأن يفهم الألمان ما نقول هو قتلهم.. فالعدوان النازي لا تقوم به عصابة صغيرة.. وإنما هو التعبير النهائي عن أعمق غرائز الشعب الألماني. فهتلر هو تجسّد لقوى أكبر منه، والهرطقة التي ينادي بها هتلر عمرها 2000 عام – ص 216 و217) (9).
(لقد قضى 793239 جندي ألماني نحبهم في معسكرات الإعتقال الأميركية عام 1945 م ، كما قضى 167 ألف منهم في معسكرات الاعتقال الفرنسية نتيجة للجوع والمرض والأحوال الصحية السيئة، وفي الوقت نفسه كان يوجد 5و13 مليون طرد طعام في مخازن الصليب الأحمر ، تعمّدت سلطات الحلفاء عدم توزيعها عليهم لغرض إبادتهم.
وفي اليابان ، وقبل اختراع القنبلة الذرية ، كان الجنرال الأميركي كورتس لي ماي يقوم بتحطيم مدن اليابان الواحدة تلو الأخرى بشكل منهجي لم يسبق له مثيل في التاريخ . فخلال عشرة أيام في مارس 1945 م ، قامت الطائرات الأميركية بطلعات جوية بلغ عددها 11600، تم خلالها إغراق 32 ميلا مربعا من أكبر أربع مدن يابانية بالقنابل، وهو ما أدى إلى محو هذه المساحات وكل ما عليها من الوجود وتسببت في مقتل 000و150 ألأف إنسان. أما الغارات على طوكيو يوم 25 مايو 1945 م ، فتسببت في إندلاع عاصفة نارية ضخمة حتى أن قائدي الطائرات المقاتلة كانوا يشمون رائحة لحم البشر المحروق وهم على ارتقاع آلاف الأقدام. أدّت هذه الغارات إلى مقتل الآلاف وتشريد مليون شخص على الاقل- ص 219 و220) (10) .
العنصريات المختلفة تتظافر :
—————————–
.. ولكن هناك حالة مقابلة مضادة وتتمثل في أن الجسد العنصري تغذي أعضاؤه بعضها بعضا، حيث نلاحظ تظافرا مستترا بين الأنظمة والفلسفات العنصرية الغربية والشرقية، على الرغم من أنها قد تظهر خلافات أيديولوجية شكلية؛ تظافر يجري بصورة غير معلنة، لأنه يتحقق من خلال السلوك “الصامت”، والذي يوصل في النهاية إلى مسخ إنسانية الإنسان الشرقي، وتحويله إلى عبد “منضبط” إلى الأبد. فالإنسان الشرقي المقهور يعاني من اشكال شتى من التمييز العنصري، ليس شرطا أن تقوم على اللون، على الرغم من أن هذا الشكل من التمييز موجود حيث – مثلا – يسمّي المواطنون العرب إخوانهم السودانيين بـ “العبيد”، اشتقاقا من العبودية بطبيعة الحال. لكن التمييزات الأخطر والأوسع تقوم على المستويات القومية والإثنية والاقتصادية والسياسية والدينية. وهي عنصرية فجّة إذا جاز الوصف. لكنه حينما يفر من جحيمها، ويلجأ إلى بلاد الديسكولاند، معتقدا أنه سيجد الملاذ الآمن، الذي يستطيع أن يتنفس هواء الحرية في فضاءاته، ويستعيد فيه شيئا من كرامته المهدورة، تواجهه عنصرية متحضّرة إذا جاز الوصف أيضا، عنصرية مفلسفة ومؤدلجة ومعلمنة. وهي لا تفح في وجهه ولا تنفث سمومها بصورة مباشرة، ولكنها تتمظهر في السلوك الصامت الماكر الذي يزرع في أعماق اللاجيء قناعة بوجود مخالب باشطة تحت القفازين الناعمين. (فعادة ما تأتي المخلوقات الغريبة القادمة من الأصقاع المختلفة، بنصف عقل مرهق تسبب فيه القمع على أراضيها، لتفقد النصف الثاني من عقلها بعدما تستوطن المنافي الجديدة – ص 339).
وقد يكون هذا واحدا من عوامل الحنين المستديم، الذي يشعر به اللاجيء نحو مسقط رأسه الأم الجحيمي، بالرغم من استقراره في الفردوس الجديد لعقود. لقد فرّ الإنسان الشرقي من أرضه القديمة بسبب النبذ الفاضح القاسي، واستقبله النبذ المستتر والمتشفي، ليعيده راضيا مذعنا بالعبودية القديمة، في ظل أنظمة هي نفسها عبدة للأنظمة الغربية. هذا ما كشفه بوضوح وزير الحواس لآدم السومري في جلسة التمهيد لكتابة رواية طوروس:
(أجل يا آدم. فالعنصرية تراث من طراز معقّد. وهي ضربة قاضية لماهية الإنسان.
الشرق الذي هربت من عبودياته المختلفة، لتلتجيء للغرب الديموقراطي المفتوح، سيستعيدك ذات يوم، مادمت ترفض عبودية الغرب لك. لذلك ترى الإثنين – الغرب والشرق أقصد – يدفعان بك إلى الحفرة. فحيث ترفض استعبادية الغرب، يضغط عليك الفرنجة، لتعود إلى مواقعك الأولى عبداً لأنظمة ما تزال مُستعبدة من قبلهم. وتاليا لتكون منضبطا داخل السرب. إنها ينابيع الاستبداد القديمة. ولكن تذكر أن من يبتسم لك في هذه البلاد، إنما يشتم سلالتك في أفضل تقدير أو احتمال – ص 315).
وهذا التناغم المربك في عمل أواليات البنيتين العنصريتين تحيلنا إلى ظاهرة أخرى في غاية الخطورة وتتعلق بسلوك المهاجرين واللاجئين إلى أرض الديسكولاند عندما يعودون ليحتلوا مواقع قيادية في بلدانهم السابقة بعد إسقاط أنظمتها الديكتاتورية بطريقة أو بأخرى. فهو سلوك ينضح بالمرارة الفائضة ضد جريمة النبذ السابقة التي لا يستطيع المنفي غفرانها. تظهر في صورة استعادة دائمة ومتكررة لتلك الجريمة التي اقترفتها البلاد (الأم) أولا، تصفية للرموز الأبوية – كبنى مادية ومعنوية – (معاقبة الأب وحتى قتله) ثانيا، الإذلال المقابل للأخوة (الابناء) الذين ظلوا مستئثرين و”متنعمين” بالحضن الأمومي ثالثا، والسعي المحموم لبناء الفردوس المتخيّل والمنتظر طويلا والذي يأتي “هجينا” مشوّها ويهدر إمكانات البلاد وثرواتها رابعا. والمنفي العائد إنما يحاول أن يرسم مسارات “رواية عائلية” جديدة على المستوى النفسي الأوديبي. فلو لم يكن ابنا لعائلة أخرى ما نبذه الأبوان “الأصليان”، وهو في عودته إنما يأتي “منقذا” ليسهم في إيقاظ الأخوة/ الأبناء “الضالّين” على حقيقة المسارات الخفية الفعلية لروايتهم العائلية. واحد من القيادين المنفيين العائدين إلى بغداد “مدينته الأم” بعد احتلالها يتحدث عن “العراقيين” بصيغة الغائب دائما.. ويذكّرهم بـ “عار” المرحلة السابقة بصورة مستمرة، ووقف –ثالثا – ضد واحدة من أهم الإجراءات التنموية والرفاهية في الحياة العراقية بالرغم من أنه أشرف على صرف أكثر من عشرين مليارا من الدولارات على هذا الحقل التنموي، وهو مبلغ يعادل ميزانية ثلاث دول معروفة في الشرق الأوسط. وأعتقد أن العامل الحاسم في هذا السلوك هو مضاعفة مرارات النبذ الشرقي بمرارات النبذ الديسكولاندي المستتر.
الطاغية … العارف :
——————–
وفي الكثير من الأحيان، يحاول الطاغية أن يعوّض بإفراط القلق النابع من كونه إبنا مارقا خرج من صفوف الابناء، وذلك بلعب دور الأب بصورة شديدة الإنتفاخ تترتب عليها تبعات مضنية ترهق مفاصل الحياة بأعبائها. فالطاغية – والكثير من الطغاة يرزحون تحت سياط التهديد بالإنخصاء المتاصل منذ الطفولة المبكرة كما أشرنا – سيسعى لإثبات قدرته الكلية “الأبوية” – وهي موروث طفلي في الجوهر كما قلنا أيضا – فتراه يتدخل في أنشطة الحياة كافة، من شؤون سياسية واقتصادية واجتماعية ونفسية وثقافية ودينية وإبداعية وغيرها الكثير. كان ستالين مثلا يتدخل حتى في تقييم الأفلام السينمائية الروسية في قاعة قريبة من الكرملين مخصصة لهذا الغرض، ناهيك عن تدخلاته في الاقتصاد وشؤون المجتمع والجيش والتعليم والصحة والرسم والصناعة والموسيقى والأوبرا ,..و..و .. وجميع قطاعات الحياة. إنه الأب الذي وسع كل شيء علما، والذي يفهم مصالح إبنائه أكثر منهم، ومن المختصين من بينهم في تلك المجالات. وها هو طوروس يحضر حفلا لدار الأوبرا، ينتهي بقيامه بقتل المايسترو بطلقة من مسدسه الشخصي، وتعليق العازفين من أرجلهم. فهل هذه كوميديا سوداء؟
إنها واقع.. ليست كوميديا سوداء :
———————————
فقد زار خروتشوف معرضا تشكيليا لفنان روسي، يشتغل ضمن إطار المدرسة التجريدية فقال قولته الشهيرة : هذه اللوحات رُسمت بذيل حمار !! ومثل هذا التصريح، هو بمثابة طلقة، اصاب بها قلب ذاك الفنان التشكيلي المسكين وقتله.
عودة :
———
لكن الأهم هو دور الإعلام عموما، والصحافة خصوصا، في تزيين صورة الطاغية، وهو دور في غاية الخطورة. فقد خرجت صحف اليوم التالي لتحيّي في مانشيتاتها هذا السلوك الفريد لطوروس (قتل المايسترو وتعليق العازفين)، وتعدّه سلوكا “إنقاذيا” في مجال تنمية الذائقة الموسيقية وهبة لإعادة الكرامة الموسيقية المهدورة !!.
# رئيس صحيفة “اكس كيو” :
ولعل من الأمثلة المهمة على دور الصحافة خصوصا في “أسطرة” أنموذج الطاغية هو ما كتبه رئيس تحرير صحيفة “X . Q ” :
(لقد بدأنا نتنفس الحرية منذ اللحظة التي تخطت بها قدما الملك المعظّم طوروس الحدود المترهلة القديمة. فجاءنا الملاك حاملا بشارة الفتح وشعاعا نقمع به ظلامنا الذي استبد بأرواحنا طوال قرون…. فالملك طوروس ليس إلا هدية عظيمة ، خصّ بها الربّ هذه البلاد وحدها دون سائر العالم – ص 123).
# وهذه ليست كوميديا سوداء ايضا :
فـ (قد حكم ستالين بنظرية الحاكم الإله نفسها، وليس أدل على ذلك مما جاء في “البرافدا” عام 1936م:
“آه يا ستالين العظيم، آه يا زعيم الشعب، أنت الذي خلقت الإنسان، أنت الذي وزعت وخلقت البشر في الأرض، أنت الذي أعدت للقرون شبابها، أنت يا من جعل الربيع يزهر- ص 153) (11) .
ومن المهم القول إن هذه القطعة المدحية لو قُطعت شعريا فسنجدها مطابقة شكلا ومضمونا – والغريب إلى حدّ التفاصيل – القصائد السومرية القديمة التي تتغنى بمديح الآلهة (أنليل ، مردوخ … وغيرهما) (راجع مثلا ديوان الأساطير لقاسم الشواف).
(وتتجاوز الأدبيات الشيوعية ذلك فتصف حضور ستالين في الكرملين عام 1946م بالقول : “ها هو ستالين معنا هنا في الكرملين. إن حضوره يلامسنا في كل خطوة يخطوها. إننا نمشي فوق حجارة ربما يكون قد وطئها أخيرا. فلنركع على ركبنا ونقبّل هذه الآثار المقدسة- ص 153) (12) .
في الشرق ملاذ آمن للديسكولانديين المهاجرين :
———————————————–
ولأن الروائي قد صمم وقائع روايته ومساراتها بقصدية عالية، فقد جعل أبواب الدول الأوروبية المجاورة تُقفل أبوابها الحدودية في وجوه الديسكولانديين الهاربين من طغيان طوروس، فلم يجدوا من ملاذ آمن غير الشرق . وصلت سوني ولونا إلى مدينة شرقية هي “مراكش”. وهناك استوعبهم المجتمع القائم ببساطة وبلا تعقيدات أو تحاملات مثل تلك التي كان مجتمعهما الديسكولاندي يصبها على المهاجرين الذين يلجأون إليه. لقد اندفعت سوني ولونا في حياة صاخبة في مخيم الغجر الذين يخافون من أوبئة الأمكنة الثابتة، ولا يريدون الإنتماء إلا إلى تاريخ الرحيل الأبدي فهي فلسفتهم كما يبدو (ص 127) كما كان يقول المغربي (سلامة العارف) صاحب الفندق الذي سكنت فيه الإمرأتان الديسكولانديتان في ردّه على سوني، وهو يكشف لها تعلقه بالغجرية “هديلو”، التي سترتبط بها لونا لاحقا في علاقة جنسية مثلية، بعد أن تنتقل سوني إلى بيروت للعيش هناك.
.. ولم يكن هناك شيء يكدر ساعات سوني المترعة بالرقص والغناء والجنس في مخيم الغجر سوى تفكيرها بمصير صغيرتها “مونو”. كان الحزن يقطع قلبها برغم أنها لا تعلم بالمصير الأسود الذي واجهته ابنتها التي فقدها أبوها بعد فرار زوجته، وسط هيجان جموع الديسكولانديين الفارين من بطش طوروس. لقد طردها مسؤول المركب فلجأت إلى عائلة ديسكولاندية هي عائلة “هولم”، التي فرّت ايضا بها مع طفلها “سكوت”. لكن غيرة الأم “ميتا” من عناية الأب بمونو جعلها تتركها في إحدى الأسواق المزدحمة. وعبر سلسلة من التنقلات والاختطافات تستقر مونو أخيرا في احضان قبيلة غجرية !! ماذا يفعل الروائي إذا كان يجد لزاما عليه أن يوصل البنت المسكينة إلى أمها، غير أن يجعلها تُختطف من قبل امرأة غجرية تعتني بها وتنشئها في كنف الغجر؟؟!!. لكن الأم سوني انتقلت إلى بيروت الآن، فما هو الحل؟ لا يوجد من منفذ للروائي سوى أن يجعل الغجر الذين اختطفوا الإبنة مونو يصلون المغرب ومراكش تحديدا، ليشاركوا هناك في “أسبوع كرنفال الزهور” السنوي الخاص بالغجر عند منابع الواحات – لم أجد ما يشير إلى مثل هذا الأسبوع في طقوس الغجر لكن الواقع السردي يختلف عن الواقع الموضوعي كما قلت- حيث تجتمع الفرق الغجرية من مختلف البلدان المجاورة والبعيدة. ولأن لونا بقيت مرافقة لحبيبتها الغجرية “هديلو” كظلها، فقد رافقتها إلى الكرنفال، وهناك ستلتقي بمونو .. والله يحب الروائيين الذين يجمعون شمل العوائل المهاجرة المفككة.
نسيان (2) :
—————
على الصفحة 91 أشار الروائي الى أن عمر الطفلة مونو، يوم هربت أمها سوني، هو سبع سنوات. وعلى الصفحة 192 وصف نشأتها بين الغجر بالقول : (بدأت اللغة الثانية بالتشكل والنمو السريع . فدماغ مونو أرض بيضاء .. فعلت ذلك بإرادتها خلال عامين من المنفى مما سهل عليها، بعد بلوغ التاسعة من العمر، أن تنظر إلى حياتها الجديدة بشيء من المتعة) . ولكن على الصفحة 210 يعلق الروائي على لقاء لونا بمونو فيقول: (أدركت لونا إن الأبوين [= أبوي مونو] لا يعرفان شيئا عن قصّة غيابها منذ أكثر من عام) . وفي هذا مغالطة.
و.. ثغرة فنية :
—————–
كانت آخر مرة ورد فيها ذكر اسم (المثنى) من قبل الكاتب هي على الصفحة 72 وهو يتحدث إلى العم هنترسين في بيت الأخير، الذي وصله بعد أن تم إنقاذه من محرقة المطحنة. ولكن على الصفحة 203 يصور لنا الكاتب فيبيكا، عشيقة المثنى السابقة، وهي تلبد مع صديقها الكاتب الصيني “شاي لين” تحت أطنان من شباك الصيد القنبية، كي يهربا خارج البلاد، يقول الأخير لفيبيكا : (لم أر وجهك هكذا من قبل. حتى موت “المثنى” لم يترك عليه شيئا مما أراه من الحزن العميق) .. فنفاجأ بموت المثنى من دون أي مقدمات. كما أن موته يأتي بعد غياب عن مسرح الرواية دام (31) صفحة !!.
وفي وصفه لاختباء فيبيكا ولين، يقول إنهما لبدا تحت أطنان من شباك الصيد. وهذه مبالغة كبيرة، لأن هذا الثقل سيقتلهما. والأكثر طرافة هو أنه يجعلهما يمارسان الجنس بمتعة وحيوية تحت هذه الأطنان!. تحصل مشكلات فنية كثيرة حين يتحمس المبدع لعمله وينفعل بشخوصه، وتنسرب حفزاته الغريزية خلف استار تلك الحماسة. طبعا هذا الإعتراض يجب أن لا يمنعنا من التذكير بان اشتعال الرغبة الجنسية والمواقعة في ظل ظروف القلق والتوتر هي مسألة مقرة علميا.
و.. مشهد مستهلك :
——————–
وفي محاولة تخلّص الملكة من طغيان زوجها “الملك” طوروس، ذهبت إلى المستشفى لرؤية طفلها الميت، وهناك و (ما إن وصلت المستشفى حتى أمرت مرافقيها بالإنتظار في الممر الداخلي، لتستقل المصعد بنفسها وحيدة. وهي فكرة أرادت منها مناورة المرافقين، لتغيير مسار المصعد، كي يفضي بها إلى باب الحديقة من الجانب الآخر من المبنى. ذلك ما حصل فعلا. فقد عبثت الملكة بشكلها، بعد أن غطّت شعرها بشال أسود، وعينيها بنظارة سوداء، لتهبط من طرفه الآخر المطل على الحديقة. وتكون امرأة أخرى خارج المستشفى- ص 214 و215)
.. وهذه من المشاهد الشائعة في الأفلام المصرية، وبشكل نمطي، وكان من الممكن أن تصمم لنا قريحة أسعد مشهدا أكثر جدة وفرادة.

– يتبع

الأربعاء, 4 يناير, 2012

http://alnaked-aliraqi.net/article/9881.php –