كتب عهد فاضل:

هذا الشاعر، أسعد الجبوري، لا يرتكب أخطاء المعنى. لا يفارق في الكلام في آن.. لكنه لا يتوقف عن الكتابة. شعريته مرتبطة بمدى اتساع المسافة بين اللفظ والداخل.. وإنه إذ يضع العربة أمام الحصان، تبدأ رحلته بالانطلاق، حيث تتمحور الحركة الدلالية عنده عمودياً في العمق العميق من البدايات الأولى، والتي لأسعد الجبوري حكايته المستمرة معها.

الجملة قصيرة أحياناً، لأن اللحظة في هذا الانكسار المجيد لجسر التواصل. والجملة طويلة في حين آخر، لأن التعب فلسفي في هذه الغرفة من قصر الشاعر بين طول وقصر الشاعر. بين طول وقصر يتبدى الإمبراطور ملفوفاً بكرتون الكلام، وقادراً على فتح مدن أعظم من هشاشة من القرن العشرين.. إنها مدن هشة إلى درجة أنها تطلب الشفقة من كل أبنائها. إنها مدينة الكلام، وهي مدينة الشاعر، مدينة الشعراء، مأوى كل أصالة عظيمة، وهنا نصدق إمبراطورية الشاعر الذي صار هو سيدها وزعيمها.

[[أنت أرض الأيام]]

الحركة شيء آخر، وبالتالي، كذلك الشعور بالزمن. أما هو فثابت ساكن يؤدي إلى حركة، لكنه لا يستخدمها. وعندما يمجد الآخرون هذا القشر المقدس فإنه يبقى أرضاً لحركة الوقت، لكنه غير مستفيد أو معجب بتمهراته. فمن الطبيعي، بعد هذا الانتظام أن لا يكون ((صدفة)) ((النشيد سكران بين الحقول)) وكيف يكون. كذلك فهو:أرض الأيام؟‍

ولأن الضمير – هو – يعود إلى ذات الشاعر، فمن العادي أن يكون النشيد سكراناً بين الحقول ‍. وكي يعرفنا بنفسه أكثر،فإنه يقدم لنا حزنه تاجاً لإمبراطورية. وهو كذلك فعلاً – إنها إمبراطورية من التفلسف والسريالية والهرطقة والتصوف والشاعرية – ما يجعلها تندب ذاتها، لأنها تتشكل دائماً، في الحياة المعرفية لظاهرة الشاعر، فإن الحال تقوده إلى الكتابة نفسها، متسائلاً عن الكمين في النص خارج النزهة.

إنه إمبراطور مأساوي لا يقف على كرسيّ عالٍ، بل على قمة روحه، يحدد ثنائيته التي أدت به إلى تشوه نقله (ميلتون غلاسر) على الغلاف، فبدا الرأس على شكل حشري، أما الجسد فهو إنساني أنيق وينتمي تقريباً إلى موضة الستينات. وفي هذا الغلاف الذكي، يحدد لنا ميلتون غلاسر، والشاعر أيضاً، تلك المنطقة التي قذفت الشاعر إلى لجة سريالية تقدم لنا الكائن البشري ببعديه السامي والمنحط. فالرأس لذبابة.أما الجسم، الآن، وفي الغلاف، إنساني. فيقول الجبوري:

(نصفك رمادٌ ونصفك الآخر لإقامة الحروب).

إما أن الشاعر، إذاً قد فاز بـ ((بوكر)) انتقاء اللوحة لكتابه. وإما ميلتون غلاسر الفنان، قد تعرف إلى وعي الشاعر بالأساس.

لكن لا يكتفي الشاعر بطرح دوافعه حول التشوه. فهناك سبب آخر عندما عفن المنطق شراشف الغيمة التي كانها.. في زمن مضى.. ولهذا سيدخل الطبر في الحرائق.

والإمبراطور الشعري الرومانطيقي يندب زمناً سهلاً بريئاً حيث كان بوسعه الإمطار ومشاركة الآلهة. أما الآن فهو كالآخرين الذين هم: غرقى المرآة. فعندما تموت الغيمة في قبضة المنطق، وتتحول الحركة إلى أنساق آلية تنتج البيض الذهبي المتشابه، لذلك صار الجميع غرقى في مياه المرآة. ولأن انتقالات هذا الإمبراطور لا تتوقف من نسق إلى آخر، فإنه يدخل نسقاً جديداً ينسف ما قبله:

الصفر صوفي الأرقام.

مخلصٌ ولعزلته فقط..

إنه هنا، يعود إلى سكونيته المشرقية معبراً عن لا جدوى الحركة والعمل. وبهذا يصبح إمبراطوراً كوزموبوليتياً لا هوية خاصة له، ينتقي من كل انهيار أزمة تخصه وحده، فنرى أملاكه وإقطاعياته وما عليها كما يلي:

(العين أرض الزلازل).

(الحب جندي احتياط).

ولكي يؤكد لنا أن إمبراطوريته لا تستهدف استعلاء ما على المشهد، فإنه يقلب الطاولة على دلالته، فينفي أو يعدل كلياً:

(الحب اكتمال الجسد)

ولأننا قبضنا عليه في خلوة مع التعريفات، فإنه ينزلق كسمكة دلالية ويخربط السيناريو:

(أيتها الراقصة، لا تدعي النهر يسقط من تلك المحفظة).

وهنا بالضبط، نكون أطرناه وسمينا ما لا يسميه. فحماية لكل هذا العبث القرائي من قبل الآخر، فإنه يطرح لنا استفهاماته التجاربية العميقة:

(كيف يتخلص القلبي من سياجه الوثني ولا يكون في خدمة الغابات المتعجرفة)

يعيدنا أيضاً، إلى نواسية ما، نتلمس الحنين الأولي لهندسته الشعرية الوراثية حيث يقول:

(عيني تائهة بين الأزياء، تستوضح المنابع البعيدة في الجمال).

وكي لا تقسو عليه بحكم يحيله إلى تجربة أسبق جمعت بين الكل والجزء، فإنه يتوسل:

(قلبي شقيق شقائق النعمان).

وإذا ارتأى أرسطو أن أفضل الصيغ السياسية للحكم تتمثل بالحكم ((المدعو سياسة)) (الجمع بين أنظمة سياسية) فإن سياسة الإمبراطور الشعري هنا، تتمثل باعتراف فعلي لنظارة الشعر وقائليه وكاتبيه، فيستعير عيونهم ويلمح بها، لكنه لا يخزن نفس الصور.

وهذا ما يسهل على أحد الدخول إلى أراضي الإمبراطورية دون عائق، لأن أصدقاء الكتابة جميعاً سيلمحون في أراضي الإمبراطورية رابطاً ما يربطهم بها، فيدخلون دون ((تصريح رسمي)) أو إذن لأن إمبراطورها يرى بعيونهم أيضاً.

إنه حاكم ذكي يجلس على العرش ويبحث عن الختم في فم السكرتيرة – من كتاب الشاعر: (طيران فوق النهار). ومرة ازدرى الناس الذين له: أية نقيصة. شعب يبني الجسور ويمشي من تحتها. (نسخة الذهب الأولى).

ولذلك.. وبعد اتفاق ما بين ميلتون غلاسر، فإن سياسة هذا الإمبراطور قامت على مبدأين أساسيين:

الرأس، مصدر التشوه. الكمال، الذي يحدث بالمصادفة دائماً هو: الجسد.

– مجلة الأوج – 1999