الشاعر المستوحد مع نصّه

عن مجموعة ناجي رحيم

 «لست ممتعضا من دفق السرد»

الشاعر المستوحد مع نصّه

عبدالكريم كاظم

 

 

يتكىء النص الشعري الذي يكتبه الشاعر العراقي ناجي رحيم على الهم الجمالي والعوالم الداخلية للذات ولأن هذا الهم بات صفة تميز النص المغاير .. أعود وأقول بان الكتابة الشعرية هي فعلٌ سيروريُ مرتبط بحركة المخيلة المتجددة وبطبيعة التجربة، وان أي نص شعري ، على المستوى المتصل بالمخيلة والتجربة، لا يمكن ان ينشأ من اللغة والمخيلة والتجربة وحسب بل من فضاء اللغة الشعرية المفتوحة وبالتالي فهو مرتبط بالمعنى الجمالي الذي يستند إلى الدلالة، بكل أشكالها المتعددة، والتي تعني في نفس الوقت إعطاء حرية القول الشعري، أو بمعنى الكشف عن تاريخية التجربة الذاتية للشاعر .

أن الذي يتبدى من مجمل نصوص الشاعر في مجموعته الجديدة (لست ممتعضا من دفق السرد/دار مخطوطات – 2016) هو أن المعنى الشعري يتحرك في فسحة تذهب تخومها نحو ما هو أبعد من فضاء المخيلة وهذا ما يجعل اسئلة القارئ موازية للمعنى: هل المعنى أفق لا يتحقق إلا على مستوى المفردة او الجملة الشعرية؟ أم أفق لا يتحقق إلا على مستوى الدلالة المتماهية مع النص، أسئلة مطروحة برمتها للمسائلة الجمالية الضرورية، والذي يظهر لي، كقارئ، أن الكتابة الشعرية تتنزل في سياق مطابق ومختلف، في نفس الوقت، عن وارد هذه الأسئلة، فناجي رحيم بنصوصه الشعرية يتماهى مع اللغة ويمضي معها إلى أقصى نقطة ، وأعني إلى درجة الاستغراق الجمالي الذي يتصل بدوره مع المعنى الجمالي .. لنتأمل هذه الالتقاطات الشعرية: (بنوع من عصف أهوي إلى الداخل إليّ) (مثل رنين تسقط الذكرى أو مثل حجر لا كلمات تكتب رنينها هي الرنين) (رأسي الأحمق يأخذني إلى خيام متناثرة وكانت تلتحف سماوات على جبل) .

أصبح الشعر – بالنسبة لناجي رحيم – كشفا عن الحقيقة المتصلة بالومضة .. عن شكل المعنى الأجمل أو سحرا قادرا على تجسير الفجوة بين الذات والواقع التجريبي الموازي لتجربته الفردية في الحياة .كما يشير في هذه الشذرة: (سأنام ليومين من سهو العالم) . إضافة إلى إن الجملة الشعرية أشبه بصوت يحمل الكثير من معاني التجربة كما يوضح في الكثير من إشاراته والتقاطاته .. لنقرأ: (في العالم أقف/يداي على كتف الريح/العاصفة تفهم ما أقول/في هذي اللحظة الفحيح هو أصدقائي الموتى) (أية خمور في العالم يمكن أن تكفي لحظة ندم) .

ثمة نصوص شعرية تنتمي إلى أشكال تعبير مختلفة وأعني أنه يفترض – اثناء الكتابة – التطابق اللغوي الجمالي دلاليا بين إدراكات مختلفة أيضا متصلة بالتجربة وهذه الأخيرة تتضمن تعادلا لفظيا في الإيحاء الرمزي والمعنى وهي إحدى أدوات الشاعر الصارمة المجردة وثمة صور بلاغية تتماثل مع مفهوم الكشف عن عالم الحواس أو عن عالم الرموز المتصلة بمفهومه أو رؤيته للعالم وبهذا أجدني متفقا مع عبارة الناقد ميرسكي لمفهوم العالم: (كغابة رموز) ومن هنا أيضا ستأخذ علاقة الشاعر مع نصوصه صفة رمزية واضحة .. لنطلع على هذه العلاقة الرمزية من خلال هذه الجمل الشعرية: (فؤوس هي الكلمات بها نحيا أو نستفيق) (بأثر رجعي تتقيأ روحي على نفسها) (أحمل رأسي في السوق أدور به على الباعة) (أكدس أحلاما بوسع العالم) (الحرب رعشة أصابعي) .

المعنى الجمالي الذي يقوم جوهره على تركيب لغوي حدسي لكل الالفاظ والجمل والعبارات الشعرية .. والمعنى الجمالي توليف لكل أشكال الكتابة الشعرية المغايرة وأنه جمالية الكشف عن الذات والتجربة والكون وانه إسباغ الشكل اللفظي على الجملة الشعرية التي تلخص بدورها التجربة المتشظية مع الذات والمقاربة لتفاصيل نظرته الشعرية للعالم أو الكون .

في نصوصه الشعرية يستوحد الشاعر مع نصه مثلما يقوم بتحرير الكلمات من جمودها وأعني هنا أنه يأمل – جماليا- بكلمات متحررة في ظل كتابة شعرية سائدة غير متحررة .. كلمات جديدة قادرة على تجاوز كل أشكال التعبير الشعري التقليدي الساكن وبهذا ترى القراءة مثلما يرى الشاعر النص بشكل مختلف وبمخيلة بلا قيود وهنا ستكتسب عبارة اندريه بريتون مصداقية تطابقية أو تنبؤية مع ما أشرنا إليه: (أن هناك وجودا حرا ومستقلا للكلمات) .

شكل الكتابة الشعرية – لدى ناجي رحيم – قنص لكل التفاصيل المتعلقة بالمعنى وهذا الأخير يحتشد في نصه بأسلوب مختلف – أقرب إلى الكوميديا السوداء مع الاحتفاظ بصرامة اللغة الشعرية- قد يصيب القارىء بنوبات من الدهشة المتصلة بأرق الكتابة الشعرية نفسها .. ومهما توغلت القراءة النقدية في الوصول إلى منابع الدلالات تستفزك لغته – أحيانا – بسبب إعلانها عن عبثية الكتابة نفسها التي يكون الشاعر فيها كحمال للإشارات والرموز والوقائع المتصلة بتجربته الفردية والحياتية … ومع ذلك سنبقى من نصوص الشاعر وهي تعبث بطبائع القراءة وتجعلها تواجه حيرة الشاعر في اقتناص المعاني المتناثرة قبل كتابة النص وبعد الانتهاء من كتابته .. لنقرا هذه المقاطع: (لا تستح من إطلاق كلاب أفكارك) (لا تبحث عن ذريعة كي تبكي/كأن ذريعة تبحث عنك) (الحرب رجل وضيع) (بك اكتمل ضياعي/ضياعي الأكيد) .

في اغلب نصوصه يخاطب الشاعر نفسه بافتراض أنه شخص آخر فيتحول الخطاب هنا من ذات الشاعر إلى ذات أخرى مجاورة تعي وتكتب وتختزل المسافة الفاصلة بينه وبين ذاته وبمعنى آخر أنه يتنكر لذاته لتصير «شيئا» آخر يفترضها الشاعر في نصوصه خصوصا وهو يكتب: (يا إله الصفنة/أيها الوجود) والصفنة كما هو معروف حاجة روحية قديمة قدم الإنسان ووجودها لصيق بعزلة الشاعر التي يمجدها في كتاباته المتصلة بذاته . في نصوصه أيضا ينطلق الشاعر من نقطتين متداخلتين: نقطة الاحتيال على الذات للوصول للمعنى ونقطة الاحتيال على المعنى لبلوغ الذات .. لنقرأ ما يقوله في هذه العبارات: (لا أكف عن نبش هذي العين/عين العالم القذرة) (أنت صفنة العالم فيك/أنت العالم أيضا) ولا شك حين ينتهي القارىء من قراءة هذه المجموعة الشعرية سيكتشف قدرة كاتبها على بعثرة المعاني والعبث بالدلالات بوعي جمالي فني عال حتى إذا تيقنت القراءة من نفسها من بلوغ حيرتها مبلغ الشك في كل الأشياء المتصلة بالنصوص ولغتها وأسلوبها .

ناجي رحيم

ولـد ناجي رحيم في مدينة الناصرية على الأرجح عام 1965.. * بـدأ الكتابة في بداية عقد الثمانينات ولم ينشر في العراق سوى نصّين في منتصف ذلك العقد في مجلتي الطلبة والطليعة الأدبية * غادر العراق عام 1991 بعد ذبح الانتفاضة والتي شارك فيها في أسبوعها الأوّل فقط.. * بعد تصـحّر قميء على أرض ( المملكة السعودية ) في مخيمي الارطاوية ورفحاء البغيضين…دام قرابة الثلاث سنوات،* قدم إلى هولندا بداية 1994. * أكمل دراسة عليا في علم الاجتماع الهولندي *نشر العديد من القصائد في دوريات عربية وهولندية مختلفة * ساهم في إصدار مجاميع شعرية مشتركة مع شعراء آخرين باللغة الهولندية * ترجم إلى الهولندية نصوص مختارة لشعراء عرب * مثل الشاعر العراقي فاضل العزاوي والمغربي طه عدنان و الليبي عمر الكدي * كما أنجز ترجمة مسرحية للكاتب المسرحي العراقي قاسم مطرود إلى الهولندية ويعكف الآن على ترجمة مجموعة شعرية للشاعر والفنان ناصر مؤنس إلى الهولندية * سيصدر له قريبا ديوانا شعر* الأوّل باللغة العربية والآخر باللغة الهولندية *حازت قصيدته ( الوقت ) على جائزة الهجرة الهولندية للشعر لهذا العام 2003 وهي جائزة تمنح سنويا للشعراء والكتّاب الأجانب المقيمين في هولندا.

 

http://www.newsabah.com