كريم القاسم

 

 

 

 

كنتُ عازماً على تقديم مقالاً نقدياً حول (بريد السماء الافتراضي) والشاعر الكبير محمود البريكان ـ رحمه الله ـ لكني فوجئت بالمعلومات ، كمّاً ونوعاً ،التي سطّرها المؤلف اسعد الجبوري والتي أفصَحَتْ عن حقائق كثيرة تخص البريكان وكأنه يتحدث بلسانه . ولأني كنتُ قريبا من البريكان فترة صمته ، فإني استطيع تمييز المعلومة الحقة عن المعلومة الباطلة . فوجدتُ هذا العمل ليس بالهَيّن أو اليسير ، مما حدا بي الى إستطلاع جميع نصوص البريد الافتراضي للوقوف على ماهيّة هذا اللون الادبي ، والتعرف على محطات

المشقة والعناء التي رافقت هكذا عمل ابداعي كبير . لذا رأيتُ من المفيد أن أقدّم مقالا نقدياً شمولياً لـ (بريد السماء الافتراضي )

بعد ان تناوشهُ الاخوة النقّاد من زوايا محددة ، لم تكشف خبايا العمل او تتبع آثار هذه الرحلة الاثيرية.

ــ هذا البريد ، عبارة عن عمل ادبي ابتكره الروائي الشاعر اسعد الجبوري.

الفكرة تستند الى مجموعة اسئلة يقدمها المؤلف ، ويجيب عليها شخصٌ يمثل احد اعلام الادب العربي او العالمي ، قد تم اختياره من قبل المؤلف ،والإجابة هي من بنات افكار المؤلف ذاته . حيث يتمكن القاريء من خلال هذا العمل بالإلمام بكل جزئيات الشخصية ، بأسلوب ادبي مشرق مُسَلّي ومُستَساغ ، بعيد عن العمل الاخباري المُمِل . يعيش القاريء خلاله في حيز ادبي وكأن المتكلم هو ذات الشخص الذي اختاره الاستاذ الجبوري ، وهذا هو الابداع الذي طبعَ المؤلف بصمتهُ عليه،وجَعَلَهُ سِمَة واضحة لشخصيته الادبية في هذا العمل.

ــ في دراسة هذا البريد ، سنوجه الاضواء الكاشفة نحو فناَ ادبياً يحمل سمات الرصانة والجمال والابداع.

ــ العنوان (بريد السماء الافتراضي) جاء موافقا للعمل الابداعي للمؤلف اسعد الجبوري . حيث افلحَ في اختيار العنوان كونه يعطي حرية كبيرة لصاحب العمل في التحرك والتشعب .

ــ ان هكذا نوع من الادب ، يسمى في الادب الصحفي بـ (المقابلة) ، فمنه مايكون مشافهة ، ومنه مايكون تحريرياً ، يأخذ شكل السؤال والجواب متوخياً الدقة والامانة في النقل ، ويتطلب مهارات عالية ، يجب ان يتسلح بها صاحب الشأن.وهذا النوع من الفن الادبي يحتاج الى استطلاع الشخصية بكافة جزئياتها ، كالذي يريد ان يرسم صورة لشخصٍ ما ، فلابد من اختيار احداثيات فنية تخص وجه صاحب الصورة،كي تميزه عن غيره من الوجوه. وفي السابق كان هذا العمل من اختصاص العاملين في الصحافة فقط .

لكن رجال الادب بعد الحرب العالمية الثانية استطاعوا دخول هذا العالم الاستطلاعي، كونه يحتاج الى لغة وصفيه حوارية مفعمة بالبديع من الالفاظ وجماليات اللغة . وهذه الصفات هي التي يمتلكها الاديب ، حيث يستطيع ان يتناولها بكل يُسرٍ وسهولة .

إن فن (المقابلة) يأخذ شكلا محدد الفكرة والهدف ، مستكشفاً عن السبب الذي من اجله ستجرى المقابلة مع الشخصية المختارة . حيث تأخذ شكلاً حوارياً للاجابة على اسئلة يقوم باعدادها القائم بالمقابله ، مستخدماً صيغاً تعبيرية استكشافية بالفاظ واضحة جَليّة سهلة الورود الى الفهم والادراك.

والعملية برمتها لاتخلو من التحليل والتقويم .

ــ بعد هذه الفائدة المقتضبة ، نبدأ بالكشف عن ركائز الابداع في عمل الاستاذ اسعد الجبوري (بريد السماء الافتراضي) .

ــ العمل هو عبارة عن (ابداع) من النوع المتين الواضح . وعندما نستعرض

لفضة (ابداع) فإننا نعني مانقول ، حيث إن كتابته في هذا الفن لم تكن بالكتابة الوظيفية الصحفية (الخبرية) انما هي كتابة ادبية (ابداعية) لاتقبل الشك والارتياب.

والفرق بين الكتابتين واضحٌ بَيِّن ، فكلتا الكتابتين تشتركان في الموضوع الذي سيتم مناقشته ، لكنهما يختلفان في الميزة والسِمَة . فالكتابة (الخبرية) ، تعمل من اجل ايصال المعلومة للقاريء بشتى الوسائل الاعلامية المتوفرة ، كونها كتابة آنية فورية ، تنتهي بإنتهاء الحدث . اما الكتابة (الابداعية) فهي هدف منشود لدى الكاتب ، فهو يكتب لاجل (الابداع) والجمال الادبي ،مُستَعرِضاً كل مايمتلك من قوة التعبير والبلاغة والذوق الرفيع ، حيث يمتطي

صهوة خياله الخصب لينطلق الى فضاءات ادبية يستطيع من خلالها توليف علاقات بين العناصر التي لايمكن لغير المبدعين الإتيان بها . حيث ان الشاعر او الروائي له القدرة على نقل الحدث وصفيا وخبريا بكل موضوعية ، وهذا مايجعل الكتابة (الابداعية) تتصف بصفة البقاء والدوام . فهي جهد شخصي (غير تراكمي) على المستوى العالمي ، كما في حالة النتاجات والاختراعات الاخرى .

ــ الكتابة (الابداعية) ترتكز على اصول ثلاث :

(التكامل ـ الإحكام ـ الإحساس بالموضوع) .

فلو فرشنا (بريد السماء الافتراضي) على هذه الاصول لمعرفة المساحات المتطابقة مع هذه الركائز لوجدنا مايلي :

1- التكامل /

ونعني به ، هو ان تكون كل عناصر واجزاء الكتابة الابداعية متوافقة ومنسجمة ومتناغمة مع بعضها (عنواناً ومضموناً ) وهذا مايجده القاريء واضحاً جلياً في (بريد) اسعد الجبوري، فـ (العنوان) جاء مُعبِّراً منسجماً مع جسم النص من حيث التقديم والحجم ، ثم (المقدمة) التي تسبق الاسئلة ، حيث تعتبر في عالم الصحافة من العتبات التمهيدية

للحوار ، وتجعل المتلقي يحيط بفكرة شمولية سريعه عن اسم الشخصية وطبيعة عملها وعنوانها الاجتماعي . حيث يصف المحاور بعض الامكنة او توضيح الاسباب التي دعت للمقابلة ، وكشف بعض الصفات التي تنطوي عليها الشخصية المختارة للمقابلة والمحاورة . كل ذلك لربط ذهن المتلقي بما يأتي من استعراض حواري .

ــ ثم تأتي مرحلة استعراض الاسئلة ، والتنقل بها من السهل ، اي اسئلة (المجاملة) ، ثم الانتقال تدريجياً الى عوالم وفضاءات الشخصية.

كالحوار الذي اجراه مع الشاعر السوريالي (اندرية بريتون) :

” س/ يبدو أنك تحلم بالعودة لباريس .هل سبق وأن تعرفتَ على كلبٍ برفقةِ سيدة تحت برج أيفل ؟

ج/ نعم. وكان ذلك الكلبُ سؤالاً ضاّلاً مثل هذه اللحظة التي تجري عقاربُها ما بيني وبينك في هذا المكان .

س/ وهل يظنُ بريتون بأن في السؤال نباحاً ملّوناً يؤثر على السمع أو على الرؤية؟

ج/ أبداً.فالنباحُ من عائلة، والكلبُ من أخرى.ولكنهما ينحدران من نّسْل واحد كما أعتقد،هو نّسْلُ الصرخات المُضْمَرة داخل اللغة..”

ــ وجدنا إن طريقة استعراض الاسئلة مع اجاباتها في هذا العمل ، قد عَكَسَتْ متانة الاسلوب وترابط الفقرات بعضها برقاب بعض ، وغير متنافره او متشظية . قد ابتعد المؤلف عن الإفراط والاسراف في الاستعراض للمعلومات ، حتى يصل الى مآل وخاتمة تتخللها اسئلة مسبوكة بأحتراف خلّاق ، ليجسد (وحدة الموضوع) ، والتي هي السمة

البارزة في هذا النوع من الكتابة ، كخاتمة حواره مع الشاعر العراقي

محمود البريكان :

 

” س/ هل اصطحبك أحدٌ لترى جهنم يا محمود البريكان؟؟

ج/ بعضهم عرض عليّ الفكرة ورفضت .وبعضهم أراد ترويعي ،لأنه لا يرى مكاناً لائقاً بي،سوى النار.أما أنا ،فقد تذكرتُ كيف كان الشعراء يشوون جثامين بعضهم في مناقل الأرض وأفرانها.

س/ هل الشعراء الأقوياء هم من يفعلون ذلك بضعاف الشعر ؟

ج/ لا أعتقد بذلك. ما رأيته واقعاً،اثبت عكس ذلك التصور.فالشعراء الذين وقعوا في دائرة التهميش،هم من كانوا يقومون بحرق نجوم الشعر

س/لأي سبب كما تعتقد؟!!

ج/ بسبب ما كانوا يُسمرون أجسامهم بمثل تلك المسامير الضخمة على كراسي الريادة.أنها مسألة ثأر جهنمي يقوم به شعراء الأطراف ضد نجوم المركز.

س/ هل تفكر بمنصب زعامة شعرية هنا؟

ج/ لا فكرة تأخذني نحو ما ذكرته أنت.والشعر السماوي هنا ،عادةً ما يشبه البنك العَقارِيّ.أنه من أملاك الربّ وحده. ”

 

2- الإحكام /

ونقصد بهذه الركيزة ، هو اتقان العمل والصنعة ، حيث ان كل جانب او جزء من هذا العمل ، قد عالجه الجبوري بما يستحق من افكار ومعطيات . اي ان الكاتب استطاع ان يستعرض الافكار الرئيسية التي هيأها ، والتي تصب في الرافد التعريفي (للشخصية) والتي تخدم الهدف العام ، مبتعداً عن الافكار الثانوية ، والتي تعتبر حشواً لايسند النص ،

أو زَبَداً لاخير فيه ولافائدة . حيث لافائدة من الاسهاب فيها على حساب جوهر النص .

3- الإحساس بالموضوع /

هذه الركيزة تعتبر جوهر (الكتابة الابداعية) ، فإن لم يتوفر الاحساس والشعور والمعايشة الصادقة لفكرة الموضوع ، لايمكن ان يظهر العمل بكامل حلّته الادبية المشرقة الزاهية. واننا حين نقرأ (البريد الافتراضي) نجد ان المؤلف استطاع ان يتعايش مع (الشخصيه) متقمصاً ذاتها ، حتى يحس القاريء بانه امام شخصيتين منفصلتين جسدياً ، لكنهما

يلتقيان في (مقابلة) تم الاعداد لها بحرفية ورصانة واضحة .

ــ وبعد هذا الكشف النقدي ، نجد إن العمل جاء بشكل مدروس ذو رؤية واضحة بعيدة عن التشويش والزيغان ، وهنا يكمن سر قوة هذا العمل الادبي الابداعي ، وعندما نصفه بـ (الابداعي) ، فإننا نجرده من عوامل التقليد والتصنيع المشابهة ، اذا هو ذو (ماركة) اصلية غير قابلة للتقليد .

ــ لماذ غير قابل للتقليد ؟

ــ البريد الذي نحن بصدده ، لم يكن نقاشاً لنصٍ أدبي ، او استعراضاً لمعادلة نقدية لمقطع شعري ، أو اشارةً لتاريخ انسان عاش او رحل .

انما هو دراسة مستفيضة لسيرة ذاتية تخص مسيرة قلم ، سيتم الاتصال به عن طريق فكرة بريدية اثيرية سريعة ، وكأنها مقابلة تلفازية ، يعيش المتلقي احداثها مستمتعاً بشريط المعلومات الذي يمر أمام ناظرية .

المتمعن في هذه البطاقات او الرسائل البريدية سيجد ان اسعد الجبوري قد ارتكز في عمله الادبي هذا ، على اسس ذات قوام متين :

1- دراسة نصوص ومؤلفات الشخصية /

هكذا عمل ادبي ليس سهل التناول ، بل يحتاج الى بحث مرهق وشاق ، والمتطلع الى النصوص المنشورة نجد في ثناياها وفرة علمية ومعلوماتية ، تنم عن تمكن المؤلف من الاحاطة بجزئيات عملية الرصد والدراسة لمؤلفات (الشخصية) التي ستتتفاعل مع (البريد الافتراضي) .

2- دراسة الشخصية /

من خلال المرحلة الاولى وجمع المعلومات ، يبدأ الاستاذ أسعد بدراستة للشخصية التي سيرسل اليها البريد ، كي يستطيع من خلالها التعامل مع النص الادبي وجعل المتلقي يتعايش ذهنيا وبواقع ملموس مع الحدث .

3- استخلاص المعلومات التي يرتكز عليها النص /

حين تأملنا نصوص (البريد الافتراضي) ومن خلال تحليل وتدقيق المعلومة التي يعرضها المؤلف ، وجدنا هنالك ذكاء حاد في طريقة استخلاص المعلومة التي سَيُبنى على اساسها النص ، والتي تمثل كامل حياة الشخصية وبكافة حيثياتها .

4- صياغة الاسئلة /

من السهل صياغة السؤال ، لكن ليس من السهل اختيار مفردات المضمون الابداعي . وصياغة الاسئلة تأخذ معظم جسم البريد الافتراضي . ومن المعلوم ان الكيفية التي تطرح بها الاسئلة واسلوب صياغتها ، لهما تأثير شمولي واسع على لغة الحديث الصحفي . ومن خلال استكشافنا للأسئلة التي صاغها اسعد الجبوري نجدها قد ابتعدت ـ

الا فيما يستوجب ذلك ـ عن الاجابة بـ (نعم) او (لا) او (بين بين) وهذا من الاجوبة البسيطة التي يبتعد عنها من أراد الابداع . فالمؤلف قد شكّلَ لغةً صحفية موظفة بقوة ، مما اعطت النص رونقاً ادبياً ممزوجاً بخيال صحفي بارع .

ــ في ادب (المقابلة) ، تستند صياغة الاسئلة على الادوات الرئيسية الستة (كيف ـ لماذا ـ هل ـ متى ـ أين ـ مَن ) مع تجنب التكرار لمضمون

السؤال.

والصحفي المبدع البارع ، هو الذي يستخدم هذه الادوات الستة ، ثم الانطلاق الى اسئلة متشعبة ومتنوعة تقوده الى الهدف المطلوب . وهذا ما نجده في استعراض الاسئلة في بريد اسعد الجبوري ، مثلا في حواره مع الشاعر اليمني عبد الله البردوني :

 

” س/ كيف تدرّبت على إدخال النور إلى قصائدك ،وبذلك الإشراق الحادّ ؟

ج/ اللغة هي من يفعل ذلك.فعندما استمع لأصوات الرعد،سرعان ما تبني اللغةُ مبنى ذلك الشئ بداخلي،فيكرس المعنى بحدوده الصوتية واللونية.

س/ هل تعني بأن اللغة تقدم للبردوني تعويضاً ما عما خسرته عيناهُ مثلاً؟

ج/ ليس تماماً،ولكنها تُسهل المأساة على الشاعر الذي بداخلي .لا يمكن تعويض البصر بشئ ،مهما عظمت أهميته. ”

.

ــ خبراء الصحافة يرون بأن السؤال الذهبي هو الذي يقدح في المتحدث الرغبة في الاجابة بكمية وافرة من المعلومات ، والتي تملأ سلة صاحب السؤال دون تعب او جهد .

ــ ابتعد المؤلف عن الاسئلة السلبية التي تكون اجاباتها عقيمة ، بل أتى بالاسئلة الايجابية التي تكون اجاباتها ممتلئة بوجهات النظر وسرد المعلومات ، وهذا مايحتاج له صحب المقابلة لكي يجذب القاريء.

ــ اللغة السؤالية التي استخدمها اسعد الجبوري هي لغة حديث صحفي حواري ناجح . لانها اُستُنبِطَتْ من دراسة للتفكير الإنساني ، كون المؤلف هو المسؤول عن السؤال وإجابته . والكثير ممن يجهل لغة الحديث الصحفي ، يتصور الامر سلساً وفي متناول اليد ، كونه طرح أسئلة ، وتدوين اجابات وردود فقط . لكن الامر عكس ذلك تماماً .

فلو تفحصنا نصوص البريد الافتراضي لوجدنا ان المؤلف قد تنقل بمهارة واضحة من مرحلة السؤال البسيط الى مرحلة السؤال الذي يتغلغل في التفكير الانساني للشخصية (الفضاء العام) ، وكشف خباياها وخفاياها وافكارها ومعتقداتها ومزاجها ، وهكذا يتنقل في الاسئلة للوصول الى هدف واحد هو (الحقيقة). مثلاً في حوار مع الشاعرة

الإيرانية (فروغ فرخزاد) :

 

” س/ هل تكمنُ بطولةُ الشاعر في صناديق ذكرياتهِ ؟

ج/ أجل.وطالما الذكرياتُ، لا تتركُ الشاعرَ سَيّدَ نَفْسِه.

س/ في أحايين كثيرة،يَشمُ القارئ الذكي والمتصفحُ العميقٌ ،بأن رائحةً للحمٍ مشوي قادمة من قصائد فروغ فرخزاد.أي رعب يكمن فيما وراء تلك الصورة المُقلقة التي يخرج بها القارئ الحاذقُ ؟

ج/ أنا فيما أكتبهُ ، لا أجد ملاذ للاستمرار مع مكونات النصّ، إلا من خلال الانخراط بتلك الأوبرا الحمراء للدم المشتعل في مناطق جسدي.فالأغلبية الساحقة للغة،لا تتعلق بمشاعر الكلمات وأحاسيس الأفعال وحروف الجر والمجازات والتوريات والبلاغة،إنما الفعل الأعظم للشعر،يكمن بقدرتك على الابتعاد عن جنازة الأسلاف ،أو رميها للأسفل ،دون النظر لعمق الهاوية .إما عن رائحة الشواء ،فربما هو ناجم عن قوة احتكاك عجلات الشعر بسكة اللغة.وهكذا تتم عملية الاحتراق المشتركة ما بيننا نحن الثلاثة:أنا والقارئ والنص .ثلاثتنا نتساوى بالرماد . ”

.

ــ نجد المؤلف في هذا العمل الابداعي ، قد ابتعد عن السؤال المكون من جزئين متقاطعين بالفكرة ، فيصبح المجيب في دائرة الحيرة والارباك والذي يعتبر من الاسئله السيئة فى الحديث الحواري . بل ارتكز في حواراته على الاسئلة التي تبدأ بـالادوات التي يعتمدها كل اصحاب الحوارات ، لانها تشكل منفذاً الى ابواب كثيرة ، ويستطيع

الكاتب من خلالها أن يحصد اجابات تكشف عن عناصر الشخصية ليتشعب الصحفي بعدها في اسئلته الاخرى ، ووضع الاستنتاجات وتقييم وجهات النظر.

5- إستنتاج الاجابات /

يضع المؤلف الاجابات الاستنتاجية، بما يتناسب والمدركات والسلوكيات الفسيولوجية لشخصية المرسَل اليه . وهذه المرحلة تُعَد من اهم المراحل واكثرها وعورة ومشقة . كونها تخص معلومات شاملة تنتمي الى الشخصية التي تحضر المقابلة في البريد الافتراضي ، وهذه المعلومات لايمكن ان تأتي وهي حاملة لأهواء ورغبات واستنتاجات المؤلف، وانما لابد ان تتحدث بلسان حال الشخصية وحال الحقيقة كماهي ، ودون أية اضافات او تأطيرات ، وهنا تكمن الصعوبة والحمل الثقيل ، الذي يثقل

كاهل اسعد الجبوري .

ــ لكي يتحرك المؤلف حركة ثابتة الاتجاه للحصول على الاجابات المحصنة من الخطأ والزلل ، كان عليه أن يتحرك ضمن محطات متسلسلة ثلاث (القراءة ـ المعرفة ـ التحليل) وهي من اسس الكتابة الرصينة .

وهذا ما إستقرأناه في سِفْرِ المعلومات التي تضمنتها الاجابات الاثيرية على الاسئلة .حيث ان معظم الاجابات التي وضعها المؤلف جاءتوكأنها لسان حال الشخصية المختارة ، وقد استندت الى القواعد الاساسية للكتابة الصحفية .

ــ وتعتبر الاجابات هي العصير لكل الفضاء المعرفي والاستطلاعي للشخصية التي يستحضرها اسعد الجبوري . فيسكب المؤلف هذه المعارف والمعلومات بشكل انسيابي متدفق لايخلو من السرد الواقعي الجميل المطرز بمفردات الادب الرشيق ، الرصين ، الصادق ، والالفاظ الجاذبة للقاريء .

ــ هذه الاجابات قد وضعت بشكل ممنهج سابقاً ، حيث غاص المؤلف في الفضاء المعلوماتي للشخصية وجمع من قاعها كل ما غلا ثمنه ونَدرَ وجوده ، ثم عرض بضاعته بسبكٍ لايخلو من اللذة الحسية والمهارة التأليفية وباسلوبه المعهود . حيث استعرضها بمفردات تناسب ذوق الشخصية المختارة ، لامايناسب ذوق المؤلف ، وهنا تكمن مسؤولية وصعوبة أخرى. فنحن نعلم بأن لكل شخصية ــ وخاصة من الذين استضافهم الجبوري في برنامجه الافتراضي ــ تمتلك الاسلوب والبصمة الادبية الخاصة بها ، وتنتمي الى مدرسة اسلوبية وفلسفية معينة ، تميزها عن غيرها من الذوات المستضافة .

6- الدقة والامانة في الطرح ، والابتعاد عن الشوائب /

المسؤولية الحقيقية في هذا النوع من الادب ، هو الدقة في اقتناص المعلومة، إن كانت تاريخية ، اجتماعية أو بارغماتية وغيرها من الدواخل والسِمات التي تتصف بها الشخصية . فالمؤلف يكون قد افترش كل المعلومات صغيرها وكبيرها ، شاردها وواردها ، منذ ولادة الشخصية ، حتى مفارقتها الحياة ، فينخلها ويغربلها بتروٍ وعناية ، ليستخلص اللباب والجوهر الصميم ، ويترك القشور والمعلومات الدَخْن. وهذا من الامور العسيرة ، التي تحتاج الى نَفَسٍ تحليلي ذو خلفية معرفية شاملة ، وهذا مانجده منتشراً على مائدة هذا البريد الافتراضي ، ويستطيع ان يكتشفه من كان مطّلعاً على الشخصية التي يحاورها اسعد الجبوري ، ليعرف ضخامة المهمة وعظمة الامانة في الطرح . وهذا ما نكتشفه مثلاً في حواره مع الشاعرابو الطيب المتنبي :

” س/ هل أدركَ المتنبي يوماً،بأنه كان يؤسس لمدرسة سينمائية في الشعر العربي ؟

ج/ قبل أن تأخذني بهذا السؤال إلى تكنولوجيا المجاز،فقد كنتُ أقوم بتطعيم شعري باللقاحات اللازمة المضادة للتصحر وأمراض الراحة.فالشعر،يجب أن يستمرَ مُقلِقاً ،لا مصاباً بعاهة القلق.

س/ يا أبا الطيب :أيصحُ القول أن الشعرَ عند العرب ،ليس أقل من تَرويض الخيل ،ولا أعظم من تربية الماء بقلب صحراء ؟

ج/ لا يمكن ضبط سُّلوك الشعر في أثناء عمليات الترويض أبداً،أولاً،لأن الشعر ليس بالحيوان المتروك لعمليات الترويض وحدها.وثانياً ،ما كلّ مُرَوضٍ يقدرُ على كسر جبروت الشعر ،ويجعل منه كائناً مُطيعاً .

س/ وأنت .كيف كانت صنعةُ الشعر لديك؟

ج/ صنعةُ من فَجَرّ في اللغة نبعاً،وصعدّ به طلوعاً إلى أعالي الجبال.

س/ ولكن الشعر الذي أردتهُ عموداً فقرياً من الصلصال، ماذا تريدهُ أن يفعل بين أكوام الحجر وشدّة السكون هناك؟

ج/ أردت له أن يتعرف أكثر فأكثر على قوة إيقاعهِ بالارتفاع فوق عروش الأمراء والسلاطين.أن يجلس وجهاً لوجه السلطة،ولا يحترف الخوف بحضرة أحد،كأن يقفُ الشاعرُ بينما الممدوح جالس على كرسي . ”

.

7- الحرفية في صناعة هكذا نوع من الادب /

الخوض في عالم الحواريات يحتاج الى حرفية ومهارة لانتاج نص أدبي يدخل عالم الابداع . والحوار وفن المحاورة هو علم قائم بذاته وضعت له الاسس والقواعد ، واصبح يدرس في كل اروقة الجامعات العالمية . وصاحب هذه الصنعة عليه ان يكون واسع الالمام بعلمية واسرار هذا النوع من أدب (المقابلة) . بحيث يستطيع ان يُهيمن ويتحكم باللغة

الخاصة بمثل هذا الفن . وعبارات الادب الحواري تخضع لضوابط الحوار الذي يجب ان يستطعمه القاريء ، وكما نقرأه في حواره مع الشاعر عبدالوهاب البياتي :

 

” س/ ثمة نقاد يقولون: إن شعر عبد الوهاب البياتي غنيمة حرب الشتائم والمعارك المتبادلة ما بينه وبين خصومه في العالم العربي. ما مدى صحة ذلك؟

ج/ لم يسبق لي أن خضت حرباً مع فئران. وكل شتائمي لتلك الجماعات والقبائل الشعرية الغارقة بالتخلف والبداوة والاستعراض، لا تخرج عن قواعد العروض.

س/ ماذا تسمي معاركك مع أدونيس ونزار قباني والسياب والغالبية العظمى من الشعراء العرب. أكانت تلك مناوشات في الأوزان مثلاً؟!

ج/ هل شهدْتَ موت أحدهم؟ ”

 

ــ القاريء لنصوص البريد الافتراضي ، سيجد نفسه امام عالم ضخم من الجمل القصيرة والبسيطة السلسة ، ولانقصد بالجملة القصيرة ، هي الاجابة الواحدة القليلة الكلمات فقط ، بل ان الاجابة على السؤال تحمل بين طياتها جُمَلاً أُعِدَّتْ بامعان ، ذات قصر مناسب ، وبلغة مفهومةمُسندة بالحقائق والمعلومات الدقيقة مكتنزة بالمعلومة المطلوبة . واحيانا تتطلب الاجابة جملاً وعبارات طويلة ، تتبعها جملاً قصيرة . وكل جملة تعالج عنصراً أو جزءاً مستقلا من السؤال كي لايحدث الخلط والتكرار في الجمل والمفردات ، فيبدو الاستعراض ضعيفاً ركيكاً مشوشاً .

ــ نلاحظ في هذا النوع من الادب ، التركيز على الجمل القصيرة المكتنزة المعنى ، كون الدراسات الحديثة اثبتت بأن المعلومة المعروضة في العبارة القصيرة تكون اكثر رسوخاً في ذهن المتلقي .

وفي دراسات اخرى اُجرِيَتْ حول المدة الزمنية المطلوبة لاستعراض الجمل التي تترك اثراً في ذاكرة المتلقي سمعاً او مشاهدة او قراءة ، وجد العلماء بأن العبارات التي لا تتجاوز مدتها السبع ثواني ، تكون هي الاكثر ثباتا ورسوخا في الذهن .

ــ إذاً في هذه الصنعة ، نجد الاسلوب الابتكاري الملخص والابداعي لسيرة ذاتية تخص شخصية ادبية ما ، وجملاً ابداعية ، يصنعها المؤلف بتوليفة مفردات لغوية رصينة ، مبتعداً عن السطحية في العرض ، مُشَذِّباً الجملة من كل الانتهاكات النحوية والالفاظ التي تؤدي الى معاني غير مناسبة للنص او الفكرة والهدف . لان لغة الحوار بجوهرها ، هي لغة الاجابة عن الاستفهامات المطروحة . حيث لايمكن ان نخضع هذا الفن الادبي الى فن السرد او الحكاية فقط بل هو خليط لفنون ادبية كثيرة

 

8- الشمولية الثقافية التي يمتلكها المؤلف/

بريد السماء الافتراض ، يستدعي ثقافة تاريخيه ومعرفية شاملة للشخوص الذين يضمهم هذا البرنامج الادبي الحواري الضخم ، وذلك بسبب تنوع المدارس الثقافية والفلسفية التي ينتمي اليها اصحاب الشأن .

ــ اسعد الجبوري تميز في هذه السمة المعرفية ، بل ارهق نفسه بها ، للوصول الى ينابيع الحقيقة الصافية ، لذا جاءت المعرفة من النوع (الاستطلاعي) الحِرَفي . ويعتبر الاستطلاع من اهم اسس أدب الحوار، لمعرفة اللغة التي يتطلبها كل حوار ، حتى يأتي النص وكأنه مشهد مسرحي او تمثيلي متحرك.

ـــ استطاع اسعد الجبوري الروائي ، الشاعر ، ان يضيف فناً ادبياً جديداً الى تاريخه الادبي . يمثل خلاصة سيرة ذاتية لشخصيةٍ ما ، يتناولها المتلقي بيسر وسهوله ، متوافقة ومتطلبات الحياة المجتمعية الحديثة ، وقفزات التطور في السرعة ، وزحمة الحياة بمفردات وحيثيات ، قد لا تمكن الانسان من النزوع الى المطولات .

ــ هذا الفن التحقيقي الذي يأخذ شكل الحوار الصحفي الابداعي ، هو عبارة عن عمل متكامل ومتميز ، استوعب جسداً أدبياً مكللاً بلغةٍ عذبةٍ مناسبة لمضمون هذا النوع من الفن الادبي ، حيث استطاع المؤلف من تحليل وجهات النظر وتقديمها بترتيب منطقي ، مُسنداً بالادلة والحجج والحقائق. محافظاً على الجاذبية ، من خلال اسلوب متنوع العرض (الاسلوب الوصفي ـ الاسلوب القصصي ـ اسلوب الحديث) كل هذه العوامل ، جعلت من عمل (بريد السماء الافتراضي) عملاً صلباً متيناً ذو بنية متماسكة بعيدة عن الترهل وعدم الانسجام .

 

 

*

كريم القاسم

ناقد عراقي