ورمان باركنسن

عملاق في الفضاء الطلق

 فاضل عباس هادي

 

 

بعض الأشخاص من المبدعين يبدون خارج جراح الزمن تماما، العمر وجريان الزمن والتجاعيد والتعب، لا يصيبهم، وكأن في داخلهم طاقة روحية وعضوية تبعد عنهم عوادي الزمن.

المصور البريطاني  ورمان باركنسن هو واحد من هؤلاء المحظوظين. عندما التقيت به في مايو 1990 قبل شهور قليلة من موته بالسكتة القلبية، كنت مصرا على اقتناص هذه الفرصة التي لا تتكرر. طويل القامة)أكثر من مترين(نحيف حيويته وسيطرته على حديثه وحركات يديه وتسلسل أفكاره طبيعية وسيالة ومرنة. كان يومها يبلغ من العمر 77 سنة. وبعد شهور قليلة من اللقاء في «هاملتون » غاليري اللندنية المختصة بعرض أعمال العمالقة من المصورين فقط، اختفى المصور إلى الأبد وهو يصور في مكان مفتوح، مكان ما في ماليزيا.

كان نورمان باركنسن خارج أطر الزمن التقليدية سمعته يقول إن المصور هو أسعد إنسان في العالم. تحدث باركنسن عن فلسفة التصوير، والمناقشات المزمنة بين مؤيدي التصوير بالأبيض والأسود ومصوري الألوان. كان يقول «لا أفهم سبب معاداة بعض المصورين لاستعمال «الفلاش »  المصباح الخطاف وهل يعقل أن نمحي الضوء من حياتنا. إن «الفلاش » يعني الضوء، والضوء هو الشمس، ونحن بنور الشمس نفرح ونسعد.»

كان باركنسن من المصورين الذين تركوا بصماتهم الأبدية على فترة الستينات، بل إنه ساهم في ترسيخ معالمها. تخصص في البورتريت والأزياء وأبدع في الاثنين. وكان منذ السنوات الأولى لاحترافه للتصوير يتجنب 1039 عنصر الكارثة في الحياة ويفضل تصوير الناس بلغة جمالية ولمسة الذوق الرفيع. ولم تكن الكاميرا بيد باركنسن شهادة للإدانة أو وسيلة للانتقاص من الملامح الإيجابية والجمالية للشخصية الإنسانية.

يقول باركنسن: كل شخص يمكن أن يبدو جميلا ووسيما. ومن الأفضل للمصور أن يرسمهم على هذا الشكل ولا داعي لأن يحاول المصور بشطارته التقنية إبراز الجانب السلبي في تركيب الشخصية. واستعراض شامل لأعماله على مدى نصف قرن يؤكد لنا أن المصور السعيد هذا لم يحد عن مبدئه المفضل والأثير.

والآن بعد سنوات من رحيل باركنسن أقام «غاليري هاملتون » في قلب الحي اللندني الراقي «باركلين » معرضاً شاملاً لأعمال باركنسن من الفترة 1935 إلى 1990. والمعرض ينظم بإشراف مارتن هاريسون الذي أصدر عن المصور كتابا ليتزامن مع المعرض. ومن الطريف أن نعرف أن هاريسون عمل لفترة قصيرة مساعدا لباركنسن الذي فصله من العمل لأنه رفض أن يضع بدلة كاملة ورابطة عنق قبل الذهاب مع باركنسن لتصوير الأميرة u1570 آن ابنة الملكة البريطانية الحالية اليزابيث الثانية.

هذه الحادثة البسيطة التي رواها هاريسون أخيرا تعكس اهتمام باركنسن بالتفاصيل وإصراره على احترام التقاليد والجانب الجمالي والأدبي في العلاقات بين الناس بصرف النظر عن الموقف الاجتماعي والطبقي للشخص، واصراره على أن يلبس مساعده بدلة كاملة ليظهر بمظهر لائق، هو امتداد طبيعي لشخصيته التي تحتفي بالأشياء الجميلة. ومن الطريف أيضا أن نعرف أن مارتن هاريسون الذي رفض أن يلبس بدلة بالمناسبة هو مؤلف أحد الكتب الأساسية عن تصوير الأزياء.Fashion Photography

ويرى هاملتون أن باركنسن لم يلتقط صورة إلا إذا كان يعرف بأنها ستباع أو أنها ستدر عليه ربحا أو أنها ستقربه من طبقة النخبة والأثرياء، 1040 وأن عمله في المجلات النسائية المشهورة مثل «فوج » و «هاربر بازار » كانت وسيلته الناجحة للحصول على عقود دسمة من قبل الشركات التجارية الكبرى التي تريد لباركنسن أن يصور لها حملاتها الإعلانية التي تكلف مئات الآلاف من الجنيهات الإسترلينية.

وهذا الرأي يبدو لنا معيبا إلا أنه في المجتمع البريطاني البروتستانتي أمر طبيعي.

من ناحية أخرى نعرف بالتأكيد أن هذا الرجل الغريب الأطوار كان يكره الأماكن المغلقة وسرعان ما يضيق ذرعا بجدران الاستديو مهما كان مريحا وواسعا وان معظم أعماله المشهورة تمت في الفضاء الطلق في الغابات أو على الشواطئ أو في الجزر البعيدة التي كان يفضلها رسامون منشقون على تقاليد

المجتمع مثل بول كوكان. ولعل لطول قامته دورا في اندفاعه إلى الأماكن المفتوحة والفضاء الطلق أو ما يسمى بالإنكليزية.Location Work

في الستينات كان باركنسن يتربع على عرش تصوير الأزياء في بريطانيا وفي الفترة نفسها بدأت أسماء ديفيد بيلي ودونوفان ودوفي تبرز أيضا في المجال نفسه. في أول الأمر نظر لهم باركنسن بشيء من الاستعلاء وقال عنهم «إنهم لا يحترمون بيوت الناس وملابسهم » وأطلق عليهم لقب «الثالوث الأسود » و «الكاوبوي » إلا أنه في مرحلة قصيرة قرر أن يساير الموجة الستينية وعلى طريقته الخاصة أصبح يمثل المرحلة المذكورة وذوقياتها الجديدة.

كان المهم بالنسبة لباركنسن هو أن يستمر في ممارسة عشقه الأول للحياة الثرية والمتنوعة وكانت الكاميرا بالتأكيد واسطته المثلى لذلك.

عن كتاب

(السيدة لايكا تنتظرك في البيت)

 

 

http://www.tatoopaper