جبرائيل علاء السامر

 

 

 

أسعد الجبوري شاعر وروائي عراقي من مدينة الرفاعي، وان كان انتماؤه لمدن النص، التي فضلها بعيداً عن مدينته الأم وبلده الملبد بغيوم السياسة المرعدة العقيمة. أسعد الجبوري الذي ظل بعيداً -كذلك- عن مزاجية الاعلام العربي والعراقي المؤدلج أغلبه لمسح الغبار عن أحذية السلاطين والفئات الحزبية الضيقة.

شكَّل الجبوري ظاهرةً فريدةً في الشعر العربي والعراقي عبر لعبتهِ اللغوية التي أتقنها باحترافية عالية، داخلاً حيز التجريب بقوة، ومتجاوزاً لحالات الخوف والتردد التي حجَّمت الكثيرين من شعراء الحداثة. إن خلاصة اللعبة اللغوية التي أنتجتها مخيلتُهُ، ومنذ ديوانه الثالث “اولمبياد اللغة المؤجلة” الصادر عام 1980 ، قد عرَّت اللغةَ من ثوبها القديم، وحتى الحديث القريب، مقيمةً لعلاقات ومدلولات تذهب باللغة الى حدود الفرادة والغرابة، متجاوزاً كل المدارس الشعرية وشعراء قومه، بل حتى شعراء العالم من مجايليه، رافضاً كل المرجعيات والقواميس، ومؤسساً لمملكته الشعرية الخاصة، التي تزخر بـ “اللغة العذراء” الصاخبة.

من ديوانه “على وشك الأسبرين” الصادر عام 2011 يقول:

وكان يعتقد القاموس ربةً

لاترث غير الجمال.

آخرٌ يراه رباً فقط،

لتسقيف الرأس بعظام الخرافات

وقضبان الأسماء النكرة.

 

إن مايقوم به أسعد الجبوري الشاعر ،على حد تعبير الدكتور حسين سرمك حسن، من فعل حكيم، هو التخلص -كخطوة أولى- من قيود الضمير الشخصي والإبداعي، فلايوجد أي لجام يمنع فم روحه من الصراخ…. لكن لابد من وجود قيد معنوي يضعه أناه الأعلى ،الراصد المعاقب على الروغانات والانحرافات التي يبرع بها بهلوانات الثقافة الأشاوس، الذين امتلكوا سلاح اللغة.

وتأتي شهادة الشاعر الكبير سعدي يوسف تأكيداً لما ذهبنا إليه، إذ يقول: (أنا أقمت في نيويورك فترة ليست بالقصيرة. أقمت هناك متخفياً لأعرف المدينة: التفاحة الكبيرة كما تدعى. كتبت: قصائد نيويورك. لكن ماثرة أسعد الجبوري أهم: لقد صعد وهماً، منح الوهم لحماً وعظماً. وقال هكذت نيويورك. هكذا العالم. أعتقد ان العراق السوريالي حظي بشاعر سوريالي.

إن الرفض والتمرد عند أسعد الجبوري يذهب الى مديات بعيدة، تقترب من المقدس لكنها لاتمسه. إن تمرده تمرد خلّاق سرعان مايعيده الى الطمأنينة حول الكون و العالم الضاج بالمتناقضات. فهو كمن ينكر الإله ليثبت وجوده.

يقول أسعد متمرداً :

قل عن خلقك شيئاً ياإلهي.

هذه المرآة نفسي وقد بلغتْ اوج العدم

فارسل من يكنس صورنا من وجودك

أو يحطم الزجاج.

يتناول الشاعر والناقد غازي ابوطبيخ طبيعة التمرد الخلاق عند اسعد الجبوري، محللاً نصه من وجهة نظر وجودية : (التمرد أو حتى العصيان ليس إلحاداً بالبتة، على العكس أحياناً، إذ يكون هو عين الإقرار. حتى هذه الدعوة للإعدام الجزئي… باعتباره لايتجاوز حدود حرية الآخرين بالإختيار، إنما يتحدث عن نفسه ومن سلمه القيادة. فهذه الدعوة ليست عدمية، إنها نوع من الشعور المتراكم بالفجيعة، أو أسميها باسمها الحقيقي، إنها الشعور بخيبة الأمل القاهرة. هاهوذا يخاطب الإله بــ “ياإلهي” أو يا كلِّي، سواءً روحي الكلي أو عالمي الكلي. فالإشارة تريد أن تقول : أنا لستُ غريباً عن الإله. مع اعترافه بأن الخيار للإله، ولا خيرة له مع انه بعض او شيء ما منه، ولكنه لايملك الخيار ، فكل شيء بيد الكلي العظيم. هذا المنظور ينطلق أساساً من مبدأ وحدة الوجود لمحيي بن عربي اصلاً، او ربما من نظرية الجيشتالت وأعني الجمال الكلي، علماً بوجود مشتركاتٍ مابينهما. إن أصل هذه الدعوة لمحو الصورة تعبيرٌ عن الشعور بالفجيعة الشرقية، الاسلامية، العربية العراقية، حتى يصل باحساسه التغريبي الى حضن الام).

أسعد الجبوري بما امتلكه من تجريب وتلاعب عجيب بطينة اللغة، وماحمله من تمرد ورفض أفضى الى تجربة شعرية تكاد تكون مدرسةً تجاوزت المدارس والشعراء المعاصرين: قومياً وعالمياً، وهو ماجعله يترشح لجائزة نوبل عام 2013 . لكن مايفجع الفؤاد إن من رشحه للجائزة هي مؤسسات الأدب في البلد الذي احتضنه (الدنمارك) وليس من أنجبه شاعراً الى العالم.

 

 

*

(من أجل طرح أنموذج سوريالي متقدم، مداخلةً واستكمالاً لبحوث السوريالية للشاعر والناقد الفذ غازي أبو طبيخ).

البصرة