كيس مليء بالعظام

                                                               مازن المعموري

 

بلا أسلحة… بأطراف معدنية

لن تصدقوا أن أكوامَ الجثثِ لنْ تفرحَ
لأنَّ كلَّ المعاقينَ لنْ يتزوجوا كالآخرين
هناكَ شرخٌ كبيرٌ لنْ يندمل
قالَ لي جاري: أن زوجتهُ تشمئزُّ من فداحةِ ساقهِ وبطنه
لطالما كانَ يفعلُها في الحمامِ ويبكي

■ ■ ■
سنقفُ طوابيرَ طويلةً أمامَ دوائرِ الفحصِ لنؤكدَ إننا معاقون
سنقفُ طويلاً أمامَ أبوابِ اللهِ طالبينَ عودتَها، ولكن بلا أسلحةٍ هذه المرةِ، بلْ بأطرافٍ معدنيةٍ لتهشيمِ آخرِ ما تبقّى منَ الحرب

■ ■ ■
ستنتهي الحرب
ولنْ يعودَ المشرّدونَ إلى ديارِهم لتنظيفِ المدنِ من الأمراض
السبايا ندبةٌ لنْ تندمل
كبرْنَ الآنَ ولمْ يعدْ فيهنَّ عطرُ الصبايا

■ ■ ■
ستنتهي الحرب… وفي صدري ورمٌ قديمٌ يستحمُّ بهِ الألمُ كل ليلة
وتصرُّ الشظايا أيامَ البردِ وتقرقرُ كما لو أنها تشربُ الأركيلةَ في مقهى خضر (القهوجي)
لنْ تنتهي الحربُ أيها الناس. بل تغيرُ ملابسَها فقط

■ ■ ■
لا بارَ في المدينةِ.. ماذا نفعلُ بعدَ الحرب؟
أستيقظُ صباحاً وأرنو نحوَ باحةِ الدار
لعلّي أرى الجنودَ مصطفينَ للتعداد
أخي الذي عادَ من الموصلِ متدينٌ ولا يعرفُ لماذا أجلسُ في رأسِ الشارعِ وأشربُ معَ الكلب

■ ■ ■
لي صديقٌ يعيشُ في مدينةِ الناصرية
قيلَ لي أنه انتحرَ مؤخراً
لأنه لم ينسَ صورةَ المرأةِ وهي تحملُ رأسَ ابنها وتدورُ في شوارعِ الموصلِ باحثةً عن جثةِ ابنها.

نوم

تحملُ الأمّ في ساحةِ المقبرةِ كيساً مليئاً بالعظام
يحملُ الأب الكثيرَ من الدموعِ ليمسحَ بها وجهَ العالم
عندما رسمتُ صورةَ أخي على الترابِ، خرجَ غاضباً ونهرني لأنني لمْ أكنْ موجوداً في البيتِ ذلك الصباح، وكانتْ أمي تصرخُ «جيب أخوك» حاولتُ أنْ أقولَ لهُ أنني كنتُ في أعلى شجرةِ السدرِ لأمسكَ عصفوراً لكننّي خفتُ من النزولِ ونمتُ طيلةَ الظهيرة.
هلْ يكفي أنْ أهتزَّ طيلةَ عمري أمامَ ارتجافِ صورتِكَ في المقابر؟

أقزام

بيتي ضيقٌ مثل جحرِ فأرٍ، لكنّ غرفتي تتسعُ يوماً بعدَ يوم
ابنتي في الغرفةِ المجاورةِ تصرخُ من شدةِ انطباقِ الجدرانِ على سريرِها،
غرفتي تتسعُ وعائلتي تضيق
خلعتُ الأبوابَ وحشرتهنَّ بين الجدرانِ، لكنّها تكسرتْ، فجمعتُ الصناديقَ وعلبَ البيبسي والمطارقَ والمساميرَ وحشرتُها، لكن رأسَ ابنتي بدأَ يستطيلُ وأنا أسحبهُ من آخرِ فتحةٍ في الغرفةِ
انفصلَ فجأةً، وسقطَ فتهشمَ الى أقزامٍ تتراكضُ نحوَ الشارع

منديل

نهضتُ من السريرِ، وكانتِ الأرضيةُ مليئةً بماءٍ أسود
لا أدري من أينَ جاءَ، ولا أذكرُ أنّ السماءَ أمطرتْ ليلاً
تقافزتْ بعضُ الضفادعِ هنا وهناك، أحدُها متشبثٌ بعشبةٍ صغيرةٍ، كان يمسكُ منديلاً أبيضَ
حينَ تنزلُ دمعتهُ يحملُها فتضيءُ، ثمَّ يمسحُ بها وجهي فتسودُّ فتسيلُ معها كلُّ آلامي القديمة

مسخ

ولدتُ بسببِ خنزيرٍ نكحَ أمّي تحتَ جذعِ شجرةٍ قديمة
أذناي كبيران وأنفي ممطوطٌ إلى الأمامِ وفي ظهري الكثيرُ من البقعِ المرقّطةِ لملابسِ العساكر
أتذكرُ آبائي الذين رحلوا، كلما ازدادَ بطنُ أمي تكوّراً
وازدادَ عددُ أخوتي معَ كلِّ حرب

 
* شاعر عراقي