في ظاهرة تقتيل النّساء

جسد المرأة بوابة الرجل العربي إلى “الثورة المضادة”!

مرزوق الحلبي

في البداية قُلنا إنّ التحديث الذي يمرّ فيه مجتمعنا يضعضع البنية البطركية، يهدد سلطة الأب ويسير بها نحو اضمحلالها نهائيا أو جزئيا. لكن التحولات الاجتماعية واصلت هدم البنية في مبانيها وسلطاتها الثانوية أيضا، مثل منظومة التكافل والتعاضد، مؤسسة الأخوة والخؤولة والعمومة، ومؤسسة الأمومة. تداعت هذه “المؤسسات” جزئيا أو كليا بسبب تحولات البُنية الاقتصادية وجريان الأفكار وتغيّر مراكز القوة وتبدّل السلطات. رافق هذا التداعي تعزيز في مكانة الأفراد وبضمنهم المرأة كجزء من خطاب حقوق الإنسان والأنسنة لا سيما بعد الحرب العالمية الثانية. الأمر الذي أفضى مع الوقت إلى تغيير جوهري في النوع الاجتماعي والوظائف التي شغلها الرجل والمرأة عبر التاريخ في المجتمعات العربية. وقد حصل هذا في أساس الظاهرة بسبب من تحولات في البنية الاقتصادية والانتقال من المجتمع الزراعي إلى شبه الصناعي أو المديني أو التجاري أو الريعي، ومع اتساع وتمدد الفئات الوسطى بين تمكّن واقتدار وتحصيل ثقافي عالٍ واتساع استعمال منجزات ثورة الاتصالات والتكنولوجيا العالية.

كل هذا حدث في مجتمعنا العربي بتفاوت من قُطر لقُطر، ضمن سياق من القهر والتحديث القسري المبتور ـ “نهضة مُعاقة”. تحديث في مجتمع خاضع للرقابة والضبط والاضطهاد في مستويات كثيرة، وإن شهد ارتفاعا في مستوى معيشته في العقود الأخيرة ونشوء طبقة وسطى ذات دور هام في محاولة إنتاج ذاته من جديد. الضغط الواقع على سلطة الرجل في مجتمعنا يأتي من خارجه بهيئة اضطهاد/استعلاء المركز الغربي أو سلطة الدولة في الوطن العربي. ويأتي من الداخل جرّاء تحولات في هرمية السلطات الداخلية بفعل الحداثة الوافدة وتغيرات في النوع الاجتماعي وتغيرات في المبنى الاقتصادي للمجتمع والدولة.

من هنا فالرجل العربي يعاني من التهديد في مستوى سلطته/مكانته الداخلية في بيئته، وفي مستوى القهر الوجودي. تطوران ينعكسان بشكل كبير على موقعه الذكوري والجنسي تحديدا، الذي يحدّده القانون ويحدّه. فهو لا يستطيع في أقطار عدّة الزواج من أربع نساء مثلا، وإن انتشر مثل هذا الزواج في بعض المواقع. وقد يكون هذا الرجل منتميا لفئات مُستضْعَفة ويعاني مصاعب اقتصادية اجتماعية أو من تهميش وقهر متعدد المستويات. في مثل هذه الحالة ستتحوّل المرأة إلى قُنبلة موقوتة بالنسبة له. وكأي سلطة مهددة سيُسارع إلى تصنيفها كـ”عدوة” أو “صديقة”! سيراها من خلال أزمته أنها سببها أو أنها التهديد المباشر الذي يُمكن أن يؤدي إلى تفاقمها أو “الحليفة” أو “المعينة” أو “الأداة” في سعيه إلى الإمساك بزمام أموره/ا. فيصير سباقه مع الزمن لاستعادة السيطرة متضمنا دائما تعاطيا مع المرأة كقضية وجودية بالنسبة له.

ولأن معركته خاسرة على جبهة السلطة السياسية وسيادة الآخر والقهر الذي يُمارسه ـ فإنه ينشغل كأي مقهور بذلّه محاولا أن يحسّن من الخلل الوجودي في أعماقه. فتصير المواجهة داخلية ضد المرأة لاستعادة السيطرة عليها بالكامل كتعويض عن فقدان السيطرة في الحيز العام ومقابل مؤسسات الدولة. ويسعى إلى إخضاعها بالكامل إلى مقتضيات صراعه ومعركته. ويزيد الأمر احتداما في حال كانت المرأة قويّة مستقلة فاعلة طاردة عن المركز الذكوري نحو شخصية متفتّحة ومُدركة مستقلّة اقتصاديا وفكريا وجسديا. وهو احتدام قد ينتهي بالقتل الفعلي والنفسي للمرأة.

أما منظومة القوانين الوضعية الخاصة بكرامة الإنسان وحريته وبمساواة المرأة في كتاب القوانين الرسمي في بعض الدول، تُفهم على أنها أدوات تزيد من قمع الذكورة والسلطة الأبوية ومشتقاتها وتقيّد نفوذها تجاه المرأة. وقد حصل هذا في بعض الدول العربية لا سيما تونس التي تبنت نظاما متقدما للأحوال الشخصية يمنع تعدد الزوجات وينزع إلى مساواة المرأة مع الرجل وحماية حقوقها كمواطن متساو في المجتمع وأمام القانون. هكذا، ينشأ وضع تبدو فيه الدولة مُناصرة للمرأة كمواطنة متساوية وكشخصية ذات صفة قانونية متساوية في الحياة العامة والأحوال الشخصية. مناصرة، تتحوّل في نظر الرجل إلى عدوانية بحقّه وحقّ سلطته هو. وهي عدوانية مزدوجة، مرة لأنها تُقصيه وتهمّشه، ومرة بسبب اهتمامها برفع مكانة المرأة قانونيا وفي المعاملات ومسائل الحقوق وفرص العمل. يفسّر الرجل كل هذا على أنه مواصلة لعدوان السلطة الخارجية في عقر داره أو ما يعتبره هو حيزه الخاص.

من هنا، فإن الرجل العربي في صراعه مع السلطة الخارجية ـ الاستعمارية ـ يحاول استعادة ما فقد من حقوق وأملاك وموارد ومن بينها المرأة ـ زوجته وابنته وما طالت يداه من نساء العائلة. إنها حرب حقيقية على “السيادة” وبسطها على الحيز والموجودات وعلى الأفراد، أيضا، لا سيما المرأة. ومن حيث قصد الرجل أو لم يقصد، تصير ممانعته ضد السلطة الخارجية متضمّنة لمعاني تتصل بالمرأة في حيزه. فهو يسعى إلى استعادة سيطرته عليه، على وقتها وحرياتها ـ في التنقّل والاختيار مثلا ـ وعلى نتاجها ومدخولها مهما يكن محدودا. وعلى جسدها الذي يتحرّك طاردا عن مركز الرجل. وإذا عُدنا إلى فرويد وتحليلاته سندرك أن هذه المسألة في صُلب وجود الرجل بشكل عام. وهنا، الرجل العربي المتمتع قبل الدولة بامتيازات ذكورية وجنسية وبسلطة تكاد تكون مُطلقة في حيّزه الخاص ـ يجد نفسه في صراع مكشوف للاستحواذ على المرأة. يدخل في مسار بناء وجوده من جديد ليكون له فيه سيطرة بالمدى الذي يُريده.

في هذه المرحلة تنتج مسلكيات وآليات للسيطرة من جديد. وغالبا ما يكون الانكفاء عن الحداثة أوّلها. من الحداثة إلى التديّن والتشدّد. من الحداثة إلى المُحافظة الشديدة. إلى إنتاج الأسرة من جديد بروح بناء سلطته المفقودة. والدين في هذه الحالة حليف “طبيعي” لإعادة البنية البطركية على أساس نص غير قابل للنقاش، من ناحيته على الأقل. وهو النص الديني الذي عادة ما يكون الأكثر تشددا في قهر المرأة وضبطها. فهو نصّ متضمن لمنظومة جنسانية متكاملة صاغها الرجل المُشرّع في خدمة مصالحه، وما على العربي العادي سوى تبنيها بزيادة أو نُقصان تبعا للحالة. فمن ناحية، يشعر الرجل بسيطرته لأنه هو المفسّر للنص والمشتق منه أحكاما وسلوكيات ومعاملات تبدأ ولا تنتهي. من ناحية ثانية، ينشأ خطاب متكامل يتصل بالمرأة وسلوكياتها ولباسها وظهورها وحركة تنقلها يدفها دفعا إلى الصفوف الخلفية والاختفاء. فيكون الجلباب مثلا شكلا من أشكال الضبط والسيطرة. ويكون الحجاب كذلك سترا لـ”العورة” التي في وجه المرأة. يكون في استعمار المرأة وجسدها ووقتها ومصيرها وحقوقها نوعا من نسخ منظومة القهر إلى داخل الأسرة التي يتمّ بناؤها من جديد ليس على الأساس الطبقي أو نوعية الاقتصاد الذي ينشأ، بل على أساس الصراع مع الآخر القاهر لاستعادة السيطرة. نكوص يأتي أيضا في إطار الممانعة ضد السلطة الغريبة وانعكاسها في أفكار وسلوكيات وأنماط الحداثة المدينية أو في السلطة الوطنية، بما تعنيه من إقصاء وتهميش وقوانين تسرق منه امتيازاته كرجل يتربع في رأس هرم مملكة الذكورة. وقد يكون في هذا ما يوفّر لنا تفسيرا ولو جزئيا لسيرورة تريّف المدينة العربية في كثير من ألأقطار. فالسلوك الاحتجاجي للرجل العربي ضد المركز الغربي الغازي فكريا واقتصاديا وثقافيا وضد السلطة في بلده تلتقي يذهب باتجاه استثماره في تأسيس سلطته المُستعادة التي لا تُبنى إلا بالعنف المبطّن والمُعلن، الرمزي ـ تحجيب المرأة وجلببتها ـ والفعلي ـ بقتلها أو قمعها خلف باب وباب.

إنها ثورة مُضادة للتحولات في النوع الاجتماعي يقوم بها الرجل العربي مستعينا بحليف هو الدين ونصوصه في أشدّها تزمتا وقهرا وسلفيّة. “ثورة”، قد لا تصل حدّ التديّن أو التشدّد بالضرورة، بل قد تبقى نزعة محافظة تتبنى أحكام التدين الشعبي بخصوص المرأة ومصادرة حقوقها دون الالتزام بفرائض التدين كلها. أي، بتلك التي تؤسس لسلطة مُستعادة للرجل، فقط. وهو ما يُمكن تفسيره على أنه تكريس لامتيازات قائمة ـ تاريخية ـ وترسيخها أو/و إعادة ترييف الحاضرة العربية وتصحيرها من خلال فرض منظومة جنسانية مبكّرة عليها كفعل دفاعي أمام الآخر وكجزء من عقلية مأزومة في عزّتها القومية والحضارية. عقلية، تلجأ إلى التعويض في حيزها الخاص على شكل ذكورية فحولية مُحكمة للسيطرة.

وهذه دلالة أخرى على أن العودة إلى مرجعية دينية فيما يتصل بالمرأة لهو فعل نكوص بامتياز يختاره الرجل سعيا إلى استعادة للسيطرة على مصيره أو حيزه الخاص المتمثّل بالمرأة. لكنها تحصل في ظروف مغايرة عن تلك التي رافقت المجتمع البطريركي العربي في طوره الزراعي. ففي المجتمع الزراعي الاقطاعي يبدو استحواذ الرجل على المرأة وما يُمثّله “طبيعيا” أو مفهوما ويتناسب مع الطبيعة الزراعية للبُنية الاقتصادية. لكن ما يحصل الآن من سعي ذكوري إلى استعادة السيطرة والسؤدد، يحصل في ظروف شهدت تغيرات في البُنية التحتية ـ الاقتصادية ـ والمنظومة القانونية بخصوص مكانة المرأة وحقوقها ـ وهو ما يدفع التوتّر الوجودي عند الرجل العربي هنا إلى منتهاه. فهو أحيانا إما قاتل أو مقتول. وهذا ليس تعبيرا مجازيا وإنما حقيقي تماما. فقد تدفعه المواجهة الوجودية إلى مواجهة مدمّرة مع منظومة القاهرين تتخذ أشكالا متطرّفة تنتهي بالسجن أو عدمية، تتخذ شكل الانتماء إلى حركات متشددة أو إرهابية في الحالة العربية العامة. لكنه في الوجه الآخر لهذه المعادلة سنجد هذا الرجل قاتلا بالاحتمال أو بالفعل لزوجته أو ابنته أو أخته. وهي ظاهرة منتشرة على طول وعرض الوطن العربي والمجتمعات المتعرّضة لمستويات مختلفة من القهر تحت مسمى “شرف العائلة”.

ظاهرة القتل ليست الترجمة الوحيدة لسعي الرجل المُستعين بالنص الديني لاستعادة سيطرته. فقد تكون هناك جرائم أخرى يمرّ هذا السعي عبرَها. فكلّ عملية بناء لهوية واستعادة سيطرة ورسم حدود لكيان جديد يترافق مع عمليات عنف غير متناهية. تبدأ بالكلام وتنتهي بسقوط ضحايا. بل يصير الكيان الاجتماعي كلّه مؤسّسًا على العنف الظاهر والمبطن، الفعلي والرمزي. لأن الوجود مصاب بخلل وجودي تام تفرضه سلطة الدولة وتحوّلات النوع الاجتماعي فإن العنف يصير وسيلة للتداول بوصفها رفضا للسلطة الخارجية وقوانينها ورغبة في توكيد سلطة الرجل من جديد، على الأقل في الحيز الذي يعتبره خاصا ـ وهو حيز العلاقة بالمرأة وما ترمز إليه هنا من مورد يجري الصراع حوله.

تبدأ السيطرة بالحجاب والجلباب كإشارتين ظاهرتين يريدهما الرجل العربي راية يلوح بها في وجه السلطة الخارجية أنه انتصر عليها في جبهة المرأة على الأقلّ! لكنها لا تنتهي هنا. ففي كثير من المواقع التي مُنع فيها تعدد الزوجات، عاد الرجال إلى تجاوز هذا المنع وإلى امتيازاته الجنسية كاملة. بل عاد الهجاس الجنسي ليشكّل تِيمةً مركزية في الخطاب العربي عموما يسرح فيه الشيوخ ويمرحون مستعملين كل وسائط الميديا الحديثة لترسيخ أفكارهم ومفاهيمهم الجنسانية التي تقوم على تفرّد الرجل في فرض أحكام الجنس والجنسانية بالنسبة للمرأة التي يبدو أنه رمى عليها عباءته وحررها من “سطوة” قوانين الدولة ومفاهيم الحداثة الغربية المعادية. وهو في سعيه إلى بسط هذه العباءة قد يذهب بعيدا في إيذاء المرأة وتقويض كيانها الإنساني ومسحه بالأرض كما يمسح لحيته بعد كل قذف أو جماع مع إحدى نسائه.

أقترح أن نرى إلى مشهد الأصولية العدمية وأداء “داعش” في حقل المرأة وسبيهن واسترقاقهن والمتاجرة بهن ـ ذروة من ذُرى الثورة المضادة وتشكلات الهوية الإسلامية في وجه الهوية الغربية وما اقترحته من أفكار ونماذج تحررية بخصوص المرأة ودورها وضرورة التغيير في الجندر والوظائف الاجتماعية. بل يبدو لي أن استظهار الإسلاميين العرب على اختلاف تياراتهم بما فيها المعتدلة لمواقفهم المناهضة للمرأة وحقوقها ـ يُقصد به الردّ على الغرب بما يُشبه الثورة المضادة فيما يتصل بالسيادة الذكورية بمفهومها العربي. وقد يكون قمع المرأة العربية جزء من منظومة الاحتجاج ضد هذا الغرب ونكاية به. أو هو في رمزيته، على الأقلّ، نصرٌ بالنسبة للرجل العربي على جبهة الهوية وبنائها من جديد بروح مُضادة للغرب. وأكثر، فالغرب المستعمِر والقاهر والمستغلّ الذي جرّد المجتمعات العربية من سيادتها ومن سيطرة الرجل فيها على زمام أموره ومن كرامته، يخسر المعركة مع العرب والمسلمين على جبهة المرأة. فقد أعاد الرجل العربي وخلال ثورته المضادة ـ على الحداثة والدولة وسلطة القانون والعقل والمركزية الغربية ـ “تحرير” المرأة وإدخالها تحت كنفه، منقوصة الحريات والوجود والكيان. وهذا التقليل من مكانتها وحقوقها، وهذا التشييء الجاري بحقها في خطاب جنساني متكامل يبدأ بالنقاش حول الحجاب والسفور وينتهي إلى قهر للمرأة كأول إنجاز للرجل العربي في صراعه مع الغرب. جسد المرأة هي ساحة الصراع ـ وقد كسبها الرجل العربي ولو مؤقتا لتخسر المرأة كل شيء حتى حياتها!

 

(الآوان))