عينك ليست زينة للظلام

سهراب سبهري

خبر
جئتُ ثانية من ينبوع الحلم؛ وكوزٌ مبلّل في يدي. تغرّد طيور؛ تتفتح زهرة اللوتس؛ كسرتُ الكوز المبلّل. أغلقتُ الباب وجلستُ في الشرفة أشاهدك.

عندما

الظلام، مثل لبلابةٍ، يلتفّ على الجدار الطين، على الحنّاء، على أشجار القيقب. نحن بقينا حتى تحلّلت عقد الليل من حول الجدران الطين وجاء يوم غد.
جاء النهار وذهب.
الظلام مثل لبلابةٍ يلتفّ على الجدران الطين، على الحنّاء، على أشجار القيقب. وما زال العنقود لا يصلح للقطف،
غير يانع
وآلاف الأيام وآلاف المرات.
الظلام مثل لبلابة يلتفّ على الجدران الطين، على الحنّاء، على أشجار القيقب؛
وفي آخر ليلٍ كنا نياماً.
جاء عنقود وطائر قطف.
صوتُ ريشه يقظتنا: ساقَ الخبر المرتجف.

ناي

جاءت الريح؛ افتحْ الباب؛ جاء بحزن الرب
اكنس الدار؛ انثر الورد؛ جاء الساعي، جاء الساعي
جاء بخبر من الناي.
جاء الماء، جاء الماء. جاء بالورود السوداء من سهول الآلهة.
نحن نُوَّمٌ. هو جاء؛ جاء بضحكة الشيطان إلى شفاهنا.
جاء الموت
عصفت بنا الحيرة
وجاء بخوفكم
جاء الصباح إلى التراب
وجاء بتفاحة الذهب من حديقة الذهب.

ليل الوحدة الجميل

اسمعْ؛
أبعدُ طائر في العالم يغنّي
الليلُ سلسٌ وصافٍ وواسع.
أزهار إبرة الراعي
وأغصان الفصل ذات الصوت العالي
تستمع إلى القمر.

السلالم المقابلة للبناية
وبابٌ في يد قنديل
وباب إسراف النسيم

اسمعِ الطريق ينادي أقدامك من بعيد
عينك ليست زينة للظلام
انفض أهدابك والبسْ حذاءك وتعال.
تعال إلى حيث ريش القمر ينبّه أصابعك
والزمن يجلس معك على حجر صغير
ومزامير الليل تجذب جسدك إليها
مثل قطعة غناء.
هناك متصوّف سوف يقول لك:
أجمل شيء هو الوصول إلى عيون
مبللة من حدث الحب.

نداء البدء

أين أحذيتي؟
من ذا نادى: سهراب
كان الصوت مألوفاً مثل الهواء في جسد الأوراق
أمي نائمة
منوجهر وبروانة نائمان،
وربما جميع أهل المدينة نائمون أيضاً
ليل نيسان يمرّ مثل هدوء مرثية على الثواني
ونسيمٌ باردٌ يكنس نومي
عن حواشي الغطاء الخضراء.
تأتي رائحة الهجرة:
ووسادتي مليئة بأناشيد ريش الخطاطيف.

سوف يأتي الصباح
وتهاجر السماء
إلى هذا إناء
يجب أن أذهب الليلة.
وأنا تكلّمت مع أهل هذه الأطراف
ولم أسمعْ كلاماً من نوع الزمان
لم تنظر عينٌ إلى الأرض بحُبّ
ولم ينجذبْ أحدٌ إلى مشاهدة الجنينة
ولم يهتمّ أحدٌ إلى زاغٍ في حقل.

أحزنُ بحجم سحابة
عندما أرى ابنة جارنا حوري
تقرأ الفقه
تحت شجرة الدردار النادرة في الأرض.

توجد أشياء هناك، لحظات مليئة بالذروة
مثلاً (شاعرة حدّقت مليّاً في الفضاء
حتى باضت السماء في عينيها
وفي ليلة سألني رجلٌ
كم ساعة تبقّت للوصل إلى شروق الكرم؟)

يجب أن أذهب الليلة
يجب أن أحمل حقيبة
بمقياس قميص وحدتي
وأذهب إلى وجهة
حيث الأشجار الحماسية.
إلى تلك الوسعة الخالية من الكلمات
التي تدعوني إليها.
أحدهم نادى ثانية: سهراب أين أحذيتي؟

سطرٌ وبياض

هوذا الصباح.
يغرّد العصفور صافياً.
يتحوّل الخريف أوراقاً على وحدة الجدار
مشية الشمس المفرحة
تستنهض حجم الفساد من النوم
تفاحة تفسد
في الفرصة المشبكة للسلّة
شعورٌ يشبه غربة الأشياء
يمر من الأهداب
بين الشجر والثواني الخضراء
يتكرّر اللازورد بويلات الكلام.
لكن يا حريم الورق الأبيض
نبضُ حروفنا يضرب
في غيبة حبر الخطاط.
في ذهن الزمان الحاضر
تنفد جاذبية الشكل.
يجب أن نغلق الكتاب
يجب أن ننهض
ونمشي في مدى الوقت
يجب أن نشاهد الوردة
ونسمع الغموض
يجب أن نركض إلى نهاية الوجود
يجب أن نذهب إلى رائحة فناء التراب
يجب أن نصل إلى ملتقى الشجر والله
يجب أن نجلس
قريباً من الانبساط
في مكان بين الغياب والكشف.

و

أجل، نحن برعمُ حلمٍ واحد
ــ برعمُ حلم؟ هل نخضرّ؟
ــ يوماً ما، بدون أن تهتز ورقة
ــ هنا؟
ــ لا، في هاوية الموت
ــ الظلام، الوحدة
ــ لا، في خلاء أجمل
ــ من يأتي ليشاهد، من يشمّنا؟
ــ …
ــ ومن ينثرنا في الريح؟
ــ …
ــ وكيف نعود؟
ــ …

bodhi

آن أوانٌ، وتفتّحت أبواب.
لا ورقٌ، لا غصنٌ. حديقة الفناء ظهرت.
طيور المكان صامتة
هذا صامت، ذلك صامت والصمت هو الناطق
ما أجمل ذلك المدى: شاة ترافق ذئباً
نقش الصوت قليل اللون، نقش النداء قليل اللون
هل لوحة الرسم مطوية؟
أنا ذاهب، هو ذاهب، ونحن بقينا بلا نحن
بقي الجمال وحيداً
كل نهر صار بحراً
وكل كائن صار بوذا.

على ضفة الماء

ليلة أمس، على ضفة ماء، كان يغنّي الشيطان
كان الليل وكان المصباح
وكان الشيطان وحيداً أوحد.
جاءت ريحٌ، هطلت أمطارٌ: الليل مبلّل والأزهار متناثرة
ولا رائحة في الدرب.
بغتة
مرآة النهر، أظهرت نقش الحزن: الشيطان على ضفة ماء
والتراب أسود في الأحلام.
أغنية نفدت وريحٌ ذهبت بالأسرار.

فيدا

تأتي همهمة حقل القصب
تأتي أغاني الطير
الباب مفتوحٌ والنظر ضئيل
ونبأ يذهب في لا وجهة سهلٍ
بقرةٌ تحت شجرة الحور
والأبد على السياج
وعلى كل ورقة
وهمٌ معلق
لا كلام
لا إسم
طريق بلا لون، تحت
وفوق، شمس الاتساق.

جيل سهراب

ينتمي الشاعر الإيراني سهراب سبهري (1928-1980) إلى جيل من الشعراء المجدّدين أمثال فروغ فرخزاد ومهدي إخوان ثالث وأحمد شاملو، وقد تأثر في بداياته بأسلوب الشاعر نيما يوشيج. كما كان أحد أبرز رسّامي ذلك الجيل (الصورة من أعماله). أصدر عدة مجموعات بدأت بـ “موت اللون” عام 1951، ثم أتبعها بـ “حياة الأحلام” و”نحن لا شيء نحن نظرة”، أما آخر أعماله – قبل أن يرحل بعد صراع مع اللوكيميا – فكان “ثمانية كتب” (1976).

*ترجمة عن الفارسية حمزة كوتي

– : https://www.alaraby.co5