سيد الميقات التعبيري أسعد الجبوري

وكيف يتعامل مع الأداة التعبيرية

غازي أحمد أبو طبيخ

 

 

ghazi ahmad abo tbeikhالمحور الأول:
—————
.. قبل النفاذ إلى عالمه العجيب المدهش ..أود الإشارة إلى وجود نوع من التناص بين مقولة الإمام علي .ع.التي نوهت عنها ذات يوم سابق في دراستي لأحدى قصائد الشاعر المغترب الكبير ضياء الجنابي والتي يقول فيها جوابا على من سأله ،أي الشعراء اشعر..اقتطع منها الجزء المتعلق بمبحثنا هذا والذي يقول فيه ما يلي: (ليس للقوم قصب سبق يذهبون إليه.. ولكن إن كان ولا بد فالملك الضليل..) ،إلى هنا أعود إلى تعقيب كبير سمعته من الأستاذ اسعد الجبوري لمرتين ،هذا التعقيب يقول في جزء منه
1**..( العزيز الأستاذ غازي:.
**نحن في هذه الحياة ،نحاول أن نكون من جوهر اللغة وإن بالمراتب المتواضعة* *)..
2**..( نحن رهائن الشعر ،وهو يتقدم بأرواحنا إلى القمة التي لا ندرك لها أثراً في العين.مودتي صديقي غازي.**)
وقد لا يتمكن البعض من إمساك الخيط الخفي الرابط بين المقولتين،وهذا ما يجعلنا نسلط الضوء عليه فنقول ما يلي:
أن التأسيس الجبوري على هذا الشعور بالانتماء إلى جوهر اللغة ،يعني ان اللغة كائن حي هيولي متسع ومعمق أفقيا وعموديا بحيث لا يمكن أن تحده جغرافيا معينة بحدود أو محاصرة بسدود..إنها جوهر خارج عن الأبعاد المعتادة للزمكان العادي ،فزمانها كلي،ومكانها كلي،وعلى هذا الأساس يرسخ الأديب العظيم اسعد الجبوري مفهوم التواضع قياسا باللغة الكونية التي يسعى إليها بطريقته الخاصة التي قطع بها وقطعت به شوطا أهله للاختراق بقفزات نوعية هائلة افترع بها غربتيه الجغرافية والوجودية في آن واحد..
المحور الثاني:
—————-
(اسعد الجبوري وكسر الزجاجة المقدسة)

*في هذا المحور ندخل مباشرة إلى عالم الجبوري التعبيري الأخاذ،فنقول:
لكي تكون فكرة كسر الزجاجة واضحة نقترح على المتلقي الحصيف استرجاع نظرية زحزحة القارات الجغرافية ..
هذه الزحزحة جعلت العالم أكثر اتساعا وقدرة على الاستيعاب..
وهذا بالضبط ما فعله ويفعله اسعد الجبوري مع الأداة التعبيرية..
إن آفاق هذا الشاعر العظيم ،وثقافته الانسكلوبيدية واختراقاته الرؤيوية واحتراقاته الهاجسية وزخم احتجاجاته وتراكم إداناته،وولوجه بفراسة المستقرئ المعمق وتشوفاته الرؤيوية النبوءة ،وموقفه أصلا من الحياة والعالم والحاكميات والما وراء الثلاثي الأبعاد ،النفسي الشخصاني.. والواقعي المحيط ..والما وراء الميتافيزيقي.. كلها جعلته يشعر بالحصار والاختناق الرهيب،فتمدد بذاته العليا جغرافيا ،وامسك بالكرة الأرضية برمتها وقذف بها زجاجات اللغات جميعا ولكن.. يا لحرصه الشديد المتشدد ،على أن لا يفقد حتى ولو شظية واحده..?! وهذا هو العجيب.. asaad 10
وغاية الأستاذ الجبوري هو خلق (المعادل الموضوعي) الذي يمكن أن يرتقي باللغة الى مراتب التكافؤ مع العالم.. كل العالم..
هذا يعني من طرف خفي :
*١..كسر الجمود ..
*ب..تجاوز السائد والمألوف..
*ج..وتخصيب متسعة الأداة التعبيرية بما يجعلها قادرة على أن تكون عالما بديلا أو مقابلا..
وها هو ذا يقول ما يلي:
*وقالت:
أنا أم الحرب والرمل والثعابين
الظلام دشداشتي البيضاء
وعلى رأسي سيوف القتل والإرهاب
فارضعوا الحليب بالبارود والنفط
غدا نار مثل اليوم والأمس والقديم
انتم كتابي المصور ببلاغة الخراب
ومن طينتي
تنزل القنابل نحو الخلق والخليقة
وخالق الخرائط ووراق التاريخ
سأحفر المقابر،
مهما كلفني الموت من جثث وأجداث
ومعدومين..
قالت الحرب:
-حجر أساس الجنازة
هو ما سيتمخضُ عني فقط
*******************
المحور الثالث
الجبوري والسريالية الرشيدة:
——————————–
هذا التعبير الاصطلاحي بالغ الخصوصية فرضته خصوصية الشاعر الفارقة ..
وإلا ماذا يمكن أن نسمي أسلوبا عجبا يمتطي السريالية كأسلوب تأطيري في الغالب الأعم ،ولكنه لا يسمح بحال من الأحوال بغياب الوعي أبدا..
شاعرنا واقعي سريالي ،أو سريالي واقعي ،إشرافه العقلي.. واعني الوصف الجمالي لتحويل الحدث الشعري من منطقة القوة إلى بسيطة الحياة الإبداعية.. تشي بكل وضوح بهدفية إنسانية حضارية بعيدة المدى.. هي ..بأسلوبها وبسعة دائرتها، وبعمقها الحيوي العابر للزمكان ..أطروحة شاملة تكشف المستور وتفضح المخبوء في طيات وتلافيف المسخ الحضاري الذي وصلت اليه الدنيا بحالها..
يكشف عن هذا حتى اللوحات التشكيلية والصور والمنحوتات التي يرفقها مع النص وكأنها بعد مكمل أو وجه ثان للمرآة ..
إن الأستاذ الأديب اسعد الجبوري ،يوظف السريالية والمشهد الواقعي والتاريخي والثقافي كله بطريقة عميقة الخبرات هائلة المساحة لما يخدم هدفه الذي يشكل في النتائج سر عبقريته اللافتة..
لم أر على الإطلاق نصا أعمى..
لم اشهد حتى الآن مغامرة لغوية باحثة عن المعنى،بل أن المعاني الكبيرة هي التي تبحث فعلا عن شكلها المطلوب والمناسب..
ولان هذه المضامين راهجة بالتشعبات زاخرة بالأعماق الثرة ،صار لزاما البحث عن إطار قادر على استيعابها ..إطار حر وطليق بمتسعة دينامية قابلة للتمدد بمرونة عاليه..
***ولقد أثار انتباهي حقا أمر غاية في الصعوبة حد الإعجاز أحيانا..
إذ كيف يمكن لمبدع ما ان يخترق السائد اللغوي والتعبيري،بل يكسر زجاجته كما قدمنا ،من دون ان يمس جانبين مهمين جدا ..هما حبل القداسة الموصل إلى الحفاظ على المقدس القرآني العظيم..
أولا-*..السياق العربي السليم
ثانيا*.. المعنى المعجمي للمفردة العربية..
ومع انه لا يستبعد مفردة لغوية من القاموس الشعري مهما كان نوعها أو شريحتها أو انتماؤها المعرفي ،دون ان يتوهم ان النص الشعري مرتبط بمدى رفرفة ورقة المفردة اللغوية أبدا ،وإنما يرتبط عميقا بنوع الرؤيا وطبيعة التفكير الفني الأخاذ الذي يحيل المفردة ألف تفصيلية صغيرة في كيان صوري جمالي بحدود ما يحمل من مؤديات فكرية ورؤية أجماليه..
ويغلب على الظن ان السبب المحوري الذي جعله يحفظ هذين المقدسين بقصد أو من غير قصد ،هو ما يلي..
1..
*…… جهوزية الفكرة.. واعني انه لا يتحرك باتجاه تحقيق المعادلة الإبداعية إلا بعد اكتنازه بالموضوعة ..فكرة وأطروحة وخيارا منهجيا.. كل ذلك مدعوم بثقافة شاملة ومتابعة تفصيلية لآخر أحداث العالم..
2..
*…الخبرة الواسعة النطاق ،في كل ما يخص الشأن الأدبي العام ،والشأن الشعري الخاص..
3…
*… وجود نظرية عمل قادرة على التفعيل ،كفيلة بانجاز وتأطير النص المطلوب ،سواء أكان قصا أو شعرا..
إننا نحسه مفكرا وهو يكتب الشعر،
نحسه صاحب مدرسة فكرية في جانب،وإبداعية في جانب آخر،كان قد عقد بينهما صفقة من العناق الأبدي،ليخرج علينا بهذه السبيكة الذهبية المرصعة بكل جراح العالم..بغية خلق المعادل الموضوعي الذي اشرنا إليه آنفا،ولكنه معادل أوسع دائرة مما قصده الشاعر والناقد الانجليزي العظيم. ت.اس. اليوت..
دعونا نحدق مثلا في هذا المقطع..
الذي يؤكد بإيجاز ما ذهبنا إليه أعلاه..
……، *ويوم أخبرك ملاك اللغة
أن نظف ثياب الكلمات من الأنين
ومراهقة التفلسف بالرماد،
واذهب بالفكرة إلى أعلى الشجرة
لم تصخ مخلوقات باطنك سمعا
إلا لدوي انفجار غامض في طرف الكون..
،،،*
الدعوة واضحة جلية لكل ما نحن بصدد التأكيد عليه..
الرؤيا* * عند الجبوري في إطار الرؤية **الإجمالية للنص.. أسلوبا وأطروحة،
والشعر كما يظهر بوضوح ،رسالة وطريق من طرق المعرفة المهمة جدا.. ولربما الأكثر تعجيلا في إيصال الحقائق إلى مراماتها النبيلة..
ليس هناك تغميض عند الجبوري،وليس هناك تعمية في الصور التفصيلية أو الصورة الكلية للنص الشعري..
بل أن أروع ما في نصوصه هو بساطة التراكيب ودقة السياق مع أكثر الأعماق اتساعا وشمولية..
وقد نقرأ له رؤيا فيها شئ من التكثيف العميق الدلالات ،من منطلق مقولة الشيخ النفري. رح.
(كلما اتسعت الرؤيا ضاقت العبارة)
ولكنه يلملم أطراف هذه الرؤيا بحكم مواهبه وخبراته وقدراته بعيدا عن التسيبات والهلهلة والضياع والتبعثر والتوزع التي نراها في أكثر من مشهد شعري.. ولكي تكون الصورة جلية نقدم هذا المقطع لبيان هذا المنظور..
***يقول الجبوري:
،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،
…… *تخرج من فانوسها السحري
متعقبة أرانبها فيه…
يسمع تغريدها واصلا شغفه
فيمشي إليها تربة مكهربة بياقوت
ولم يكتمل بناره
ولن تكتمل برمادها
********
هذا المقطع يكشف لنا كيف انه
حتى في الرؤيا.. فانه لا يتنازل قيد أنملة عن جانبين تمت الإشارة إليهما سابقا.. واعني..
1… سلامة السياق..
2…ونضج الفكرة..
واليكم الأستاذ اسعد الجبوري وهو يتحدث إلينا ليكون هذا الحديث مسكا لختام هده الدراسة المتواضعة البالغة الاختصار لسعة مساحة هذا الإنسان العصامي الفذ تجربة وإبداعا،والذي اختزل في إبداعه الكثير من الأزمنة الإبداعية الباذخة الحداثة..
*****
يقول الأستاذ اسعد :
***
(…… أن يحرص الشاعر على إبقاء اللغة بطور المراهقة بشكل شبه دائم.. يعني أن يسجل انتصارا بعدم بلوغ النص مرحلة الحكمة أو الشيخوخة.. فالحكمة عادة ما تجعل الشعر نضرا بأسمدة العقل الكيماوية..أما الشيخوخة ..فهي الأعمال الكاملة للشعراء..)

* ناقد من العراق

No Comments Yet

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *