زامـــا كنـز ‬أمريكا اللاتينية المدفون‮!

بيجامين كنكل

ترجمة‮:‬ نصر عبد الرحمن

عاش الكاتب الأرجنتيني أنطونيو دي بينيديتو أغلب حياته في مدينة ميندوثا علي سفح جبال الأنديز،‮ ‬التي ولد بها عام‮ ‬1922‮ . ‬اكتفي بالعمل كصحفي ومُحرر في تلك المدينة النائية،‮ ‬رافضًا الإقامة في العاصمة الأرجنتينية بيونس آيرس،‮ ‬التي كانت مركز الثقافة،‮ ‬ما أضاع عليه فرصة الشهرة في الستينات والسبعينات،‮ ‬أثناء موجة الاحتفاء العالمي بروايات أمريكا اللاتينية.لم ينل دي بينيديتو حظه من الشهرة في حياته،‮ ‬إلا أن أعماله أصبحت من كلاسيكيات الأدب المكتوب بالأسبانية في الوقت الراهن‮.‬
في عام‮ ‬1976،‮ ‬وقع انقلاب عسكري أطاح بالحكومة الأرجنتينية،‮ ‬وتم إلقاء القبض علي دي بينيديتو بعد ساعات فقط،‮ ‬ودون سبب واضح‮. ‬لم يكن يساريًا مثل عشرات الآلاف الذين اختفوا في تلك الحقبة التي استمرت سبع سنوات‮. ‬يُرجح البعض أنهم اعتقلوه فقط لأنه يعمل صحفيًا،‮ ‬وهناك وجهة نظر تقول أن‮ ‬غريمًا له علي حب امرأة أراد التخلص منه،‮ ‬فوشي به‮. ‬ظل دي بينيديتو في السجن لمدة ثمانية عشر شهرًا تعرض فيها للتعذيب،‮ ‬والإيهام بالقتل‮. ‬وفي إحدي المرات،‮ ‬تم اقتياده إلي ساحة الإعدام وهو معصوب العينين،‮ ‬وبعد أن استعد للموت رفعوا العصابة عن عينيه‮. ‬وفي عام‮ ‬1977،‮ ‬تدخل بعض الأدباء من أجل الإفراج عنه‮. ‬غادر البلاد فور خروجه من السجن إلي أسبانيا،‮ ‬أقام في مدريد،‮ ‬ولم يعد إلي الأرجنتين إلا عام‮ ‬1984،‮ ‬بعد عام من سقوط النظام العسكري‮. ‬قرر حينها تجربة الحياة في بيونس آيرس،‮ ‬ولكنه توفي بعدها بعامين فقط‮.‬
اعتقد دي بينيديتو أن كتاباته بلا قيمة،‮ ‬وأن مصيرها العدم،‮ ‬لكن ثبت خطأ تصوراته عن نفسه وعن أعماله الأدبية بعد وفاته بسنوات‮. ‬في عام‮ ‬1997،‮ ‬نشر الكاتب الشيلي روبيرتو بولانيو قصة قصيرة؛ تربط فيها الراوي صداقة بكاتب يُدعي سينسيني،‮ ‬وسيرة هذا الكاتب تتطابق مع سيرة دي بينيديتو تمامًا،‮ ‬وأسهمت القصة في شهرته،‮ ‬ولفتت الانتباه إلي رواية‮ “‬زاما‮”.‬
تتمحور رواية‮ “‬زاما‮” ‬حول فكرة الانتظار،‮ ‬والتوقعات المُرهقة،‮ ‬والنهايات المُحبطة‮. ‬قصة رجل يسعي للفكاك من البركة الآسنة التي يعيش فيها،‮ ‬والتي تحولت إلي قدره‮. ‬ظلت الرواية طيّ‮ ‬النسيان لعدة عقود بعد نشرها عام‮ ‬1956،‮ ‬قبل أن يعتبرها قرّاء الأدب الأسباني عملاً‮ ‬كلاسيكياً‮.‬
تُرجمت الرواية،‮ ‬بعد نحو ستين عاما من نشرها،‮ ‬وثلاثين عاما من وفاة مؤلفها،‮ ‬إلي الإنجليزية‮. ‬واعتبرها الروائي الأرجنتيني الشهير خوان خوسيه ساير واحدة من أهم الروايات الأرجنتينية المكتوبة باللغة الأسبانية في القرن العشرين،‮ ‬كما وصف أسلوب دي بينيديتو بأنه‮ “‬أصيل بلا أدني شك‮”.‬
كان دي بينيديتو مُعجباً‮ ‬بأسلوب ديستوفيسكي،‮ ‬لذلك حرص علي تصوير الهواجس والضلالات والمشاعر العدوانية،‮ ‬ولكن دون مُبالغات القرن التاسع عشر‮. ‬كان مُهتمًا بالسينما وكتب عددًا من سيناريوهات الأفلام،‮ ‬وكان أبطال رواياته يتعاملون مع سقوطهم في الجحيم بهدوء،‮ ‬كما يحدث في المُعالجات السينمائية أحياناً‮. ‬
كُتب الرواية باعتبارها سيرة ذاتية وشهادة تاريخية للسيد دون دويجو دي زاما،‮ ‬الذي كان يعمل في بلاط ري ودي لا بلاتا التابع للتاج الأسباني في القرن الثامن عشر‮. ‬يبدأ زاما حكايته بعبارة‮: “‬غادرتُ‮ ‬المدينة واتجهت إلي ضفة النهر وحدي لمُلاقاة السفينة التي أنتظرها،‮ ‬ولا أعلم متي تصل‮”‬،‮ ‬ثم تبعت تلك العبارة صورة رمزية قوية‮: ‬يدفع التيار جثة قرد ميت حديثا،‮ ‬لكنها تعلق في أعمدة المرفأ،‮ ‬فيظل القرد مُتأهبا لرحلة نهرية لا تتم‮. ‬
هذا هو الموقف الذي تتناوله الرواية‮: ‬أنت ترغب في الحركة،‮ ‬ولكنك تظل عالقا‮.‬
كان زاما قائداً‮ ‬عسكرياً‮ ‬في السابق،‮ ‬واشتهر بأنه‮ “‬مُروض الهنود الحُمر‮”‬،‮ ‬وتم نقله للعمل في وظيفة بمنطقة أسانسيون النائية،‮ ‬البرية،‮ ‬شديدة الرطبة،‮ ‬بدولة باراجواي حاليا‮. ‬يراوده الأمل في سرعة الترقي والحصول علي وظيفة لها دخل كبير،‮ ‬والانتقال إلي مكان‮ ‬غير مُنعزل،‮ ‬حتي يتمكن من إحضار زوجته وأولاده للحياة معه‮. ‬قطع زاما مئات الأميال علي متن قارب من بيونس آيرس إلي أسانسيون علي أمل أن تكون وظيفة مؤقتة،‮ ‬لكنها دامت إلي الأبد‮.‬
لقد شهد القرن الثامن عشر عدة ثورات ضد التاج الأسباني،‮ ‬أدت إلي تمزق ممتلكاته في أمريكا الجنوبية وتحولها إلي جمهوريات مُستقلة،‮ ‬وتمني زاما أن تستمر السيطرة الأسبانية علي المنطقة التي يعمل بها حتي يموت‮.‬
بوصفه مستشارا لحاكم الإقليم،‮ ‬يستقبل زاما زوارا ذوي مكانة مرموقة،‮ ‬ويُشرف علي نقل السجناء،‮ ‬وينظر في الشكاوي،‮ ‬كما كان يقوم ببعض الأمور المُريبة؛ مثل البحث عن طريقة لوقف إعدام قاتل من أصحاب النفوذ،‮ ‬وكان يؤدي أغلب المهام بحيادية،‮ ‬ودون كفاءة حقيقية‮.‬
يشعر زاما بالفخر لكونه أحد موظفي التاج الأسباني،‮ ‬ولكونه أبيض البشرة بين الهنود الحمر وذوي البشرة السوداء من أصل أفريقي،‮ ‬ولكنه يشعر بغُصة لأنه ولد في أمريكا الجنوبية،‮ ‬ما يجعله أقل مكانة من المولودين في أسبانيا؛ والذين يُشكلون صفوة الطبقة الحاكمة في المُستعمرات‮. ‬ينعزل زاما عن أقرانه ويحاول الحفاظ علي منصبه،‮ ‬ويحرص علي إخفاء شهواته‮. ‬يقول لنفسه إن عليه‮: “‬الحفاظ علي اتزاني،‮ ‬الذي يعتمد عليه منصبي وواجباتي‮”‬،‮ ‬كما يتضح أنه يبذل جهدا كبيرا لاحتواء ما يسُميه‮: “‬الفوضي بداخلي‮”.‬
يرسم دي بينيديتو الحقبة الاستعمارية بتفاصيل دقيقة،‮ ‬مثل وصف سيوف السادة،‮ ‬وحرص الفتيات الأرستقراطيات علي جلسات التطريز المُملة،‮ ‬إضافة إلي وصف الوجبات والإشارة إلي الأحاديث عن الفضائح الاجتماعية أثناء سباق الخيول،‮ ‬كما يصف الأمراض المدارية والتربة الحمراء والشمس الحامية وسُحب الناموس،‮ ‬ويؤكد علي حرص السكان المحليين علي مُخاطبة زاما بلقب‮ “‬صاحب الرحمة‮”. ‬ولكن هذا لا يجعلها رواية تاريخية،‮ ‬أو علي الأقل ليست رواية تاريخية فقط‮.‬
يمكن تصنيف‮ “‬زاما‮” ‬كرواية من الأدب الوجودي،‮ ‬كما يمكن اعتبار بطلها الوحيد المُضطرب سفيرًا من القرن العشرين إلي عصر الباروك‮. ‬تركز الرواية،‮ ‬كأعمال كافكا،‮ ‬وكامو،‮ ‬وسارتر،‮ ‬علي العلاقة المتوترة بين الحرية من جانب،‮ ‬والظروف الضاغطة من جانب آخر‮. ‬يتسم زاما بالتهور،‮ ‬ولكنه عالق في شرك،‮ ‬ويُشبه الشخصيات الرئيسية في الروايات الوجودية؛ التي تتأرجح بين الرغبة في الكمون والرغبة في الاندفاع‮. ‬ومع هذا لا يمكن اعتباره شخصية واقعية ومُقنعة أكثر منه شخصية رمزية تعكس جدلًا فلسفيًا‮.‬
سنُدرك أن زاما شخص كريه،‮ ‬وأنه يستغل الوقت الطويل المُتاح لديه في الثرثرة،‮ ‬والاعتداء علي الآخرين‮. ‬يُضبط أثناء تجسسه علي بعض النساء العاريات أثناء استحمامهن في النهر،‮ ‬فيكون رد فعله ضرب السيدة التي ضبطه‮: “‬قبضتُ‮ ‬علي حلقها وهي عارية،‮ ‬وخنقتها حتي صرخت،‮ ‬ثم واصلت صفعها حتي جفت يدي من العرق،‮ ‬قبل أن أدفعها بعيدا بركلة من قدمي‮”. ‬يشعر بالخجل من نفسه علي الفور،‮ ‬ولكنه يغضب حين يصفه زوج السيدة بالمُتطفل الجبان‮. ‬ويتعرض زاما للكثير من المواقف المُهينة التي تتناقض مع تفاخره الدائم،‮ ‬ما يُضفي روح الكوميديا السوداء علي الرواية‮. ‬
يحصل حاكم الإقليم علي وظيفة في البلاط الملكي في أسبانيا،‮ ‬فيشعر زاما بالقلق علي مصيره ولا يبادر بتهنئة الحاكم علي منصبه الجديد‮. ‬يكتشف بعد فوات الأوان أنه كان يجب أن يوطد علاقته بالحاكم لكي يتدخل من أجل نقله إلي مكان أفضل،‮ ‬ويُدرك أنه أهدر فرصة في الخروج من المُستنقع الذي يعيش فيه‮.‬
يدور جزء كبير من القسم الأول للرواية حول مُحاولات زاما إغواء سيدة متزوجة من ثري يتغيب عنها كثيرا‮. ‬تحدثه السيدة عن شعورها بأن الرجال يُحاصرونها طمعا في جسدها،‮ ‬فيحاول إخفاء رغبته الجسدية نحوها والادعاء أنه يُحبها حُبا عظيما‮. ‬يُتقن زاما تمثيل دور العاشق لكي يحصل علي جسدها،‮ ‬وسرعان ما يُحبط حين يعلم أن رجلين آخرين سبقاه إليها،‮ ‬وحصلا علي جسدها،‮ ‬بينما ظل هو يلعب دور العاشق المُخادع‮. ‬وفي آخر لقاء بينهما،‮ ‬قبل أن ترحل مع زوجها إلي أسبانيا،‮ ‬أخبرته أنها كانت ستمنحه جسدها إن طلب منها ذلك‮. ‬لقد اكتفي بالمُراقبة عن كثب دون الإقدام علي الفعل،‮ ‬مثل عنكبوت كبير وسام،‮ ‬يزحف ببطء علي وجه رجل نائم‮. ‬يصف زاما هذا المشهد‮: “‬زحف العنكبوت علي الجبهة،‮ ‬ثم تقدم نحو الأنف والفم،‮ ‬واضعا أقدامه علي الرقبة،‮ ‬حيث يجب أن يلدغ،‮ ‬إلا أنه لم يلدغ‮”.‬
تدور أحداث القسم الثاني من الرواية بعد أربع سنوات،‮ ‬في عام‮ ‬1794‭.‬‮ ‬لا يزال زاما يتعذب في أسانسيون،‮ ‬وبدلاً‮ ‬من الحصول علي ترقية،‮ ‬غرق في الديون واضطر إلي بيع سيفه‮. ‬وفي ذات الوقت،‮ ‬بدأت ذكريات عائلته تتلاشي من رأسه‮. ‬نسي زاما أنه عاشر أرملة اسبانية،‮ ‬وأنجب منها طفلاً‮ ‬لا يُحبه‮. ‬تجاهل زاما ابنه تماماً،‮ ‬وتمني أن يكبر ويُصبح بطلاً‮ ‬مثله أيام الجُندية‮. ‬ولكنه كاد يُجن حين علم أن رجلاً‮ ‬آخر تزوج الأرملة وتبني ابنه‮. ‬تحولت حياته،‮ ‬في ذلك الوقت،‮ ‬إلي مجموعة من الخيالات الجنسية الجامحة،‮ ‬ودخل في علاقة مع سيدة تكبره في السن،‮ ‬كانت تمنحه القليل من النقود نظير خدماته‮.‬
تدور أحداث القسم الأخير من الرواية عام‮ ‬1799،‮ ‬حين يقود زاما حملة عسكرية لمُطاردة قاطع طريق شرس‮. ‬وتمني أن يؤدي المُهمة علي نحو بطولي،‮ ‬حتي يؤدي نجاحه في حفظ النظام إلي عطف الملك عليه ونقله إلي منصب يليق به‮. ‬وليس هناك شيء يثير الضحك والبكاء معًا أكثر من إصرار زاما علي الحصول علي ترقية طوال تلك السنوات‮. ‬يقع زاما أسيراً‮ ‬في يد قاطع الطريق،‮ ‬ويتعرض للتعذيب طويلاً،‮ ‬لكنه ينجح في كتابة رسالة إلي زوجته بدمه،‮ ‬مُستخدماً‮ ‬ريشة نعامة،‮ ‬ثم يضع الرسالة في زجاجة ويُلقيها في النهر،‮ ‬قبل أن يموت‮.‬
ويبدو أن دي بينيديتو أدرك أن رفضه الإقامة في العاصمة خنق أحلامه،‮ ‬لذلك أبرز الأثر المُدمر للعزلة الجغرافية في رواية‮ “‬زاما‮”.‬يقول زاما‮: “‬ها أنا في قلب قارة شاسعة،‮ ‬لم أر أطرافها المُترامية،‮ ‬وإن كنت أشعر بها حولي،‮ ‬جنة معزولة،‮ ‬مساحتها شاسعة،‮ ‬أكبر من قدرتي علي السير‮. ‬وُجدت أمريكا من أجلي أنا وليس من أجل شخص آخر،‮ ‬ولكنها وُجدت في حاجاتي ورغباتي ومخاوفي‮”. ‬لقد كانت القارة الجديدة الشاسعة سجناً‮ ‬كبيراً‮ ‬لرجل في مُنتصف العمر مثل زاما،‮ ‬كما سخر القدر من فكرته العالم الجديد الذي يحمل في طياته‮ ‬غداً‮ ‬أفضل‮. ‬
رواية‮ “‬زاما‮” ‬هي الرواية الأولي في ثلاثية روائية عن فكرة الانتظار بعنوان‮ “‬ثلاثية التوقعات‮”. ‬ويظهر في الثلاثية احدي أبرز سمات دي بينيديتو الأسلوبية،‮ ‬وهو السرد الموجز،‮ ‬علي عكس أغلب كُتاب الأدب الأسباني الذين يميلون للإسهاب‮. ‬كان يكتب جُملاً‮ ‬وعبارات ذات طابع صحفي،‮ ‬أشبه بالتلغرافات،‮ ‬ويتنقل بين المفردات الغنائية والموضوعية والفلسفية بمهارة وخبرة‮. ‬وعلي مدار الروايات الثلاث،‮ ‬أصبحت لغته تتسم بالبساطة الشديدة،‮ ‬مع تجنب الاقتضاب الشديد.ويعتمد دي بينيديتو في تتطور الحبكة علي مقاطع سردية قصيرة كأنها مُذكرات،‮ ‬يبدأ كل مقطع بعبارة إنشائية تُشبه لغة التقارير‮. ‬ويُصور دي بينيديتو أبطال رواياته باعتبارهم ضحايا،‮ ‬يتسمون بالهشاشة في مواجهة المخاطر‮. ‬وقد يسأل القارئ أي نوع من المخاطر،‮ ‬والإجابة هي‮: ‬كل تفاصيل الحياة‮. ‬

ترجمة بتصرف لمقال بينجامين كنكل بصحيفة نيويوركر
بينجامين كنكل،‮ ‬مُحرر وروائي،‮ ‬ومؤلف رواية‮ “‬التردد‮”‬

((أخبار الأدب))