الدادائية و السريالية في الشعر العربي القديم

( داود سلمان الشويلي )

 

 

 

 

الدادائية ودادائية ابي العبر:

الدادائية ، مدرسة أدبية / فنية، ظهرت ابان وبعد الحرب العالمية الاولى في أوربا، وحمل لواءها مجموعة من الادباء والفنانين، وهي  ذات منازع ومشارب متنوعة ومتعددة.

ولما كنا لا نريد – هنا – ان نؤرخ لهذه المدرسة، إلا اننا يمكن ان نعرّف بها، فنقول: إن تسمية هذه المدرسة بـ ( الدادائية ) قد جاء مصادفة عام 1916 ، من خلال فتح معجم لاروس (1) إذ أن كلمة دادا قد ظهرت (( مطبوعة اول مرة في المقدمة التي كتبها “هيوكوبول” للعدد الاول من مجلة “كاباريه فولتير” الذي ظهر في حزيران 1916. لقد استعملت هذه الكلمة في لغات متعددة لتعطي معاني مختلفة ومتعددة. فهي تعني “التأكد المتحمس” باللغة السلافية، وتعني “الاستغراق” بالفرنسية، وتعني “الحصان الخشبي” بلغة الاطفال، بذلك كانت احدى الكلمات المناسبة لإثارة غضب البرجوازية. لقد كانت هذه الكلمة “بياناً” بحد ذاته)).(2)

ويقول عنها احد اقطابها، الشاعر (تزارا)  الروماني، أنها ولدت من ((تمرد كان مشتركاً بين المراهقين، تمرد كان يطالب الفرد بتبن كامل لضروريات طبيعته العميقة ، من دون اكتراث للعلوم السائدة من تاريخ ومنطق أو علم أخلاق.  إن الشرف والوطن وعلم الأخلاق والعائلة والفن والدين والحرية والإخاء وما إلى ذلك من المفهومات التي تستجيب لضرورات انسانية، لم يبق منها غير هياكل تقليدية أفرغت من محتواها الجوهري)) (3)

إنها دعوة للتحرير من كل قيد ،مهما كان منشأه، ورفض للواقع ولما هو معيش، لهذا نجد (جيد) يقول: ((إني أفكر بتناسقات جديدة، نحو كلمات أكثر دقة وصرامة، (……) آه من سيحرر ذهني من سلاسل المنطق الثقيلة؟ إني أحس بروز أكثر انفعالاتي صرامة حالما يتاح لي التعبير عنه)). (4)

ومن خلال قراءة الفقرتين السابقتين وقراءة أدبيات هذه المدرسة  يمكننا القول أن (الدادائية) كانت موجة من التمرد والثورة ضد كل قيم الاخلاق والأعراف، وابتعاداً عما توصلت إليه البشرية على مدى تاريخها الانساني الطويل من قيم وأخلاق ومفاهيم، وتاريخ وعلوم …. الخ لان كل ذلك قد زلزل بها الحرب الكونية  الأولى في نفوس البشرية، وخاصة في نفوس أولئك الشباب الذين تبنوا ما أسموه بعد ذلك بـ(الدادائية).

تقول ((سوزان بيرنار)): ((وقد أمكن القول ان حركة دادا حينما اتخذت اللغة هدفأ لها كانت تقصد النظام الاجتماعي في الوقت عينة)).(5) إلا ان الدادائية لم تعمر طويلاً ، اذا اكتسحتها السريالية ، كأي مدرسة أدبية أو فنية اخرى على مدى تاريخ الابداع الانساني.

ولو عدنا إلى العصر العباسي، إلى زمن الخليفة (المتوكل)، والى مدينة ”سر من رأى“، لالتقينا بشاعر كان له دور الريادة – بوعي او دون وعي – في كتابة قصيدة تمتثل لبعض شروط القصيدة الدادائية، هذا الشاعر هو ”ابو العباس بن محمد بن احمد بن عبد الله بن عبد الصمد بن علي بن عبد الله بن العباس“ ، الذي ولد ((بعد خمس سنين خلت من خلافة الرشيد))(6)  وقد لقب بحمدون الحامض، وكني بأبي العباس، وأبي العبر، وقد كان يزيد على هذه الكنية ((في كل سنة حرفا ً حتى مات، وهي ابو العبر طرد طيل طليري بك بك بك )). (7)

وبعد أن عُرف في محيط مدينته شاعراً، ترك ((الجد وعدل الى الحمق والشهرة به. وقد نيف على الخمسين، ورأى أن شعره مع توسطه لا يتفق مع شاعرية أبا تمام والبحتري وأبا السمط ابن أبي حفصة، ونظراءهم )). (8)  وقد ((كسب بالحمق أضعاف ما كسبه كل شاعر كان في عصره بالجد)).(9) وقد وصفه البعض على أنه: ((ليس بجاهل وإنما يتجاهل، وأن له لأدبا ً صالحا ً وشعرا ً طيبا )).(10)

     ومن أخباره، أن والده كان لا يكلمه. وعندما سئل عن ذلك، قال: (( فضحني كما تعلمون بما يفعله بنفسه ثم لا يرضى بذلك حتى يهجنني ويؤذيني ويُضحك الناس مني! فقالوا له: وأي شيء من ذاك وبما هجنك؟ قال: اجتاز علي منذ أيام ومعه سلم فقلت له: ولأي شيء هذا معك؟ فقال:لا أقول لك فأخجلني وأضحك بي كل من كان عندي. فلما إن كان بعد أيام اجتاز بي ومعه سمكة، فقلت له: ايش تعمل بهذه؟ فقال: إني…، فحلفت لا اكلمه أبدا ً)).(11)

   ومن أخباره أيضاً، أنه كان ((يجلس على سلم وبين يديه بلاعة فيها ماء وحمأة، وقد سد مجراها، وبين يديه قصبة طويلة وعلى رأسه خفٌ وفي رجليه قلنسيتان ومستمليه في جوف بئر، وحوله ثلاثة نفر يدقون بالهواوين حتى تكثر الجلبة، ويقل السماع ويصيح مستمليه من جوف البئر: من يكتب عذبك الله! ثم يملي عليهم فأن ضحك أحد ممن حضر قاموا فصبوا على رأسه من ماء البلاعة إن كان وضيعاً، وإن كان ذا مروءة رش عليه بالقصبة من مائها، ثم يُحبس في الكنيف إلى أن ينفض المجلس، ولا يخرج منه حتى يغرم درهمين)). (12)

   وقد استخدم أبو العبر ألفاظ القاذورات كثيراً في ما وصلنا من شعره، وأرى أنه سبق الكثير من الشعراء في هذا الجانب، خاصة شعراء الفكاهة، كالفضل بن هاشم البصري الذي عده محمد بن داود الجراح في كتابه (الورقة) أول من ذكر مثل تلك الألفاظ في الشعر. (133)

    قال أبو العبر :

في أي سلح  ترتَطم            وبأيّ كفّ ٍ تلتطم

أدخلتَ رأسك في الرَّحـِم     وعلمتَ أنكَ تنهزم

وقال لأحدهم: ((اذا حدثك انسان بحيث لا تشتهي ان تسمعه فاشتغل عنه بنتف ابطك حتى يكون هو في عمل وأنت في عمل)).(14)

شعره:

قليلة هي القصائد التي وصلتنا من شعره ، اذ لا تعد على اصابع اليد الواحدة، وهي من المقطوعات القصيرة جداً، قالها الشاعر هاجياً أو مستهزئاً بالآخرين، إذ أحجمت كتب نقادنا وكتابنا القدامى من ذكره أو ذكر شعره خاصة وان الأغاني – وهو الكتاب الوحيد الذي ذكره على حد علمي– لا يذكر لنا ما كتبه الشاعر من قصائد غير هذه المقطوعات القليلة، ان كان ذلك قبل ان يتحول من الجد الى الحمق او بعد ذلك.

عندما سئل عن سبب كتابته لمثل تلك الأشعار ، قال لسائله: ((يا كشخان أتريد أن أكسد أنا، وتنفق انت، وأيضا ً أتتكلم؟ تركت العلم وصنعت في الرقاعة نيفا ً وثلاثين كتابا ً، أحب أن تخبرني لو نفق العقل أكنت تُقـدًّمُ على البحتري)).(15)  ومن أشعاره :(16)

باضَ الحبُّ في قلبي              فواويلي إذا فــــــــرّخْ

ومــــــا ينفعني حبي              إذا لـــم اكنس البربخ

وان لـم يطرح الاصبـ            ـعُ خَرجَيهِ على المطبخ

وقال هاجياً قاضيين:(17)

رأيتُ مــــنَ العجائبِ قاضيين           هُما أُحدوثَةٌ في الخافِقَينِ

هُما اِقتَسَما العَمى نِصفَينِ فَذّاً           كَما اِقتَسَما قَضاءَ الجانِبَينِ

هما فألُ الـــزمانِ بِهلكِ يحيى           إذا افتُتح القضاءُ بأعورين

وتحسبُ منهما من هــزَّ رأساً          لينظر في مواريثٍ وديــــن

كأنك قد جعلت عليه دنّاً                 فتحت بزالهُ من فردِ عــينِ

 

دادائية أبي العبر:

لم تذكر لنا المصادر قصائد هذا الشاعر ذات الاتجاه الدادائي، وربما كان ذلك لنفرة الناس من مثل تلك القصائد، خاصة وانه قد وصِف بالحمق، ولما لسلوكه المشين من تأثير على ذلك.

وعندما سئل عن تلك الحالات التي كان يكتب فيها شعره ، قال: ((أبكر فأجلس على الجسر ومعي دواة ودرج، فأكتب كل شيء أسمعه من كلام الذاهب والجائي والملاحين والمكارين، حتى أملأ الدرج من الوجهين، ثم اقطعه عرضاً وطولاً والصقه مخالفاً فيجيء منه كلام ليس في الدنيا أحمق منه)). (18)

ولو تقدمنا ألف سنة إلى أمام، أي إلى زمن ولادة القصيدة الدادائية، إلى حيث نجد واحدة من قصائد الدادائيين، وهي قصيدة (corset mystere) ((مؤلفة من قصاصات صحفية مأخوذة ومجمعة على نحو تعسفي والاستخدام “الشعري” الذي يزعم الدادائيون عمله من المواضيع المبتذلة والأمثلة الجاهزة تصب في الاتجاه نفسه الذي سبق أن اشار إليه لوتريامون)). (19)

كتب: ”تريستان تزارا“ قصيدة ((القصيدة)) التي يقول فيها: ((من اجل كتابة قصيدة دادائية ))

(( خذ صحيفة / خذ مقص/ اختر من تلك الصحيفة مقالا ً له الطول الذي تنوي إعطاءه لقصيدتك /  قطع المقال /  ثم قطع بعناية كل واحدة من الكلمات التي تشكل هذا المقال وضعها في كيس  /  حرك بهدوء  /  ثم أخرج كل قصاصة الواحدة تلو الاخرى حسب النظام الذي خرجت فيه من الكيس / أنقل بعناية / وسوف تشبهك القصيدة)).(20)

لو لا قلة معلوماتنا عن قراءات “تزارا”  للشعر العربي، لقلنا ان هذا الشاعر قد نفذ تعليمات ابو العبر في كتابة القصيدة، إذ أن الخطتين متطابقتان.(21)

ألم تكن كنية أبي العبر لوحدها قصيدة دادائية؟ إذ بعد إن قام الشاعر بعملية انحلال للغة وتفكيك لها، قال:

(( ابو العبر
طرد طيل
طليري
بك…بك…بك ))

فيما تقول إحدى قصائد الدادائيين، والتي اصطلحوا عليها تسمية ((قصائد صوتية)): (22)

(( آ ، أو ، اويو يو يو
   يو يو يو
   دررر   دررر دررر غ رررر غ ررر
قطع من مدة زمنية خضراء تحوم في غرفتي
أ  أو أو أي أي أي أي أو آ او أي أي أي جوف))
ويقول أبو العبر: (23)
ويأمـر بي الملك              فيطرحني فـي البرك
ويصطادني بـالشبك          كأني مـــن السمك
ويضحك كك كك ككك        ككك كك ككك كك ككك

إن الصوتية، من أهم ما كتبه شعراء الدادائية في أوربا، وأنا على يقين تام أن هنالك قصائد قد أنشأها أبو العبر حسب مخططه في كتابة الشعر والذي هو شبيه لمخطط “تزارا” ((من أجل كتابة قصيدة دادائية)) وإلى أن نجد في كتب تراثنا العربي القديم مثل هذه القصائد يحق لنا أن نقول أن أبا العبر هو أول شاعر دادائي عربي، إن لم يكن أول شاعر دادائي في العالم.

السريالية :

    اذا كنا في القسم الاول من هذه الدراسة، قد قرأنا ما وصلنا من كتابات الشاعر العباسي أبي العبر، على أنها كتابات دادائية، إن كان ذلك في الشكل أو في المضمون، في اللغة أو في الافكار التي حملتها، أو وقفت خلفها، فإننا في هذا القسم سنقرأ بعض قصائد شعرنا العربي القديم التي يمكن أن نضعها في خانة الشعر السريالي بالمفهوم العام للكلمة.

   السريالية (24)surrealism) ) يمكن ترجمتها بـ (ما فوق الواقع). ومن هذا المعنى، يمكن القول، أن ما كتب تحت هذه اللافتة يعبر عن رفض للواقع أو الهروب منه، وأن هذا الرفض، وذاك الهروب يستدعي اللاعقلانية واللاوعي في التعامل مع الأشياء، خاصة إذا عرفنا أن الشاعر، كما يعبر عنه سقراط: ((ضوء، شيء مجنح مقدس، وهو لا يبدع ما لم يلهم ويفقد وعيه، ويبطل فيه عمل العقل)). (25)

يقول احد مؤسسي السريالية، وأهم أقطابها في فرنسا، الشاعر ”بريتون“، بأن السريالية: (( اسم مؤنث، آلية نفسية ذاتية خالصة تستهدف بواسطتها التعبير، ان قولاً، وان كتابة، وان بأية طريقة اخرى، عن السير الحقيقي للفكر، هي إملاء من الذهن في غياب كل رقابة من العقل، وخارج اهتمام جمالي أو أخلاقي )).(26)

وهذا لا يعني الطلاق الكلي والنهائي عن الواقع والعيش في عالم اللاوعي واللاعقل، ذلك لأن السرياليين، ومن قبلهم الدادائيين، كانوا: ((واقعيون في تفصيلاتهم، لكنهم لا يجمعون صورهم ابداً في كلٍ واقعي، بل هم – كما الحال في احلامنا – يترجمون هواجس وتضمينات اللاوعي مشغوفين بالاعتباطية والرؤى المرعبة)).(27)

ولم يكن الشعر العربي، طيلة عمره المديد من الشعر الجاهلي حتى آخر قصيدة كتبت في زمننا الحاضر، شعراً عقلياً، ينبع من الوعي، ويتحرك في حدود الواقع والمنطق، بل كان وما يزال يأخذ من هذا ومن ذاك، وما يزل أساسه المتين الذي ينبع منه – على الرغم من تحولاته وتبدلاته – هو وادي عبقر، وجنياته، ومن ثم الإلهام …الخ، إنه – أي الشعر العربي – خارج الواقع وخارج العقل، وفي الوقت نفسه، هو ينبع من داخلهما ويتحرك بين آثاثهما، إنه ليس ببعيد عنهما، ولا هو بالقريب منهما.

يقول الفنان ”بول كلي“: ((اعتدنا في الماضي أن نمثل الأشياء المرئية على الارض، أشياء إما يستهوينا النظر اليها، أو تلك التي نرغب في أن نراها، نحن اليوم نكشف عن الحقيقة الكامنة وراء الأشياء المرئية، وبذا نبرهن على أن ما يُرى إن هو إلا حالة منفصلة في علاقتها بالكون، وأن هناك حقائق أخرى مجهولة كثيرة)).(28)

لم يكن هذا القول سوى ترديد لما جاء به الجرجاني قبل أكثر من ألف سنة عن((معنى المعنى))، وما يفيض به هذا المصطلح مما سودت له المقالات والكتب عن الايحاء، وأن الشعر لا يقرر وإنما يوحي، وهذا هو ما هدفت إليه الدادائية ومن بعدها السريالية، اذ أنها ركزت على ((الايحاءات النفسية أكثر من الاهتمام بخلق أعمال فنية)).(29)

    وقد اشتغل أغلب فحول الشعراء العرب بما له علاقة بقضية التلقي، وفي منطقة التأثير النفسي والذهني، ولم يكن ذلك بعيداً عن مؤسسي الدادائية والسريالية بعد أن رفضوا الواقع، وما كتب عنه ومنه من شعر، لأن المهم بالنسبة إليهم ((لم يكن العمل الفني ذاته، بل الهزة التي يستطيعون خلقها، والارتباك الذي يسببونه في الذهن)). (30)

   ولما كان الإبداع ، فعل إنساني لا يقف الزمان ولا المكان عائقاً في طريقه، فإن اشتغال شاعر عربي قبل أكثر من ألف عام في منطقة اشتغل فيها شعراء آخرين وفي لغة ومن حضارة وثقافة مغايرة لما عند وحول ذلك الشاعر، لم يكن من الأمور العسيرة، أو من ”سابع المستحيلات“ – كما يقال – إذا أخذنا بنظر الاعتبار فحولة ذلك الشاعر، حسب المفهوم السابق للفحولة، وعبقريته وقوة ابداعه، إنه الشاعر المتنبي، الذي قال عن شعره :

أنام ملء جفوني عن شواردها                         ويسهر الخلق جراها ويختصم

    وقال مفتخراً بشعره :

وما الدهر إلا من رواة قصائدي                       اذا قلت شعراً أصبح الدهر منشدا

ويقول كذلك :

أمط عنك تشبيهي بما وكأنه                                 فما احد فوقي وما احد مثلي

وقال عنه الشاعر ادونيس: (31)

(( أتعجب ،لا بالريشة يكتب، لا بيديه، بل بالكون))

    وإذا كان هدف الدادائية، هدم الواقع ورفضه رفضاً نهائياً، فأن السريالية جاءت لتفصل الحياة عن ذلك الواقع، و (( لجأت إلى طريقة إيحائية في التعامل مع الواقع المرفوض، كانت في البداية تعمل بغية التهرب من شروطه الى النقيض، ثم صارت تعمل في النهاية كما تبلور ذلك في كتابات بروتون على إقامة معادلة حاذقة بين الواقع واللاواقع، بين الوعي واللاوعي، بين الحلم الفردي والحلم الجماعي، لتصير وسيلة خلاص إنسانية في المعنى الفعال )).(32)

سريالية أبي الطيب المتنبي:

سوف تكون قراءتي لبعض أبيات المتنبي ذاتها القراءة التي قرأت من خلالها بعض شعر أبي العبر، عندما وجدته قد اشتغل في منطقة قد اشتغل فيها وعليها شعراء الدادائية والسريالية. فعندما قال المتنبي وهو يصف ركباً من الجمال يسير في الصحراء : (33)

نحن ركب ملــجن فـــــي زيّ ناس                          فوق طير لها شخوص الجمال

من نبات الجديل تمشي بنا في الـ                             ـــــبيد مشي الأيام فـي الآجال

فإنه كان يعرف بحسه الابداعي، أنه ليس ناقلا ً لما يراه، ولا ينبغي له أن يكون كذلك، على الرغم مما قيل عن الشاعر بأنه رائياً، أو نبياً، وإنما عليه أن يكون كما قيل عن أمثاله من فحول الشعراء، هادماً للواقع ومعيداً بنائه من جديد، وهذا ما دعت إليه السريالية في أن ((تمر في شرطين لتأكيد نفسها: الهدم الكلي للواقع الراهن، ثم إعادة ترتيب عناصره بالطريقة الأقرب إلى تحريره في الداخل كما في الخارج)). (34)

ألم تفض قصائد المتنبي بما يحمل القارئ للتيقن بأن هذا الشاعر كان همه تدمير الواقع من خلال تدمير الأنظمة المنطقية التي تحكمه، فأي منطق يجعل من المشبه به مشبهاً، وبالعكس؟ وأي منطق يجعل من ”الجِمال“ مشخصة بالطيور؟

لقد كان الشاعر في هذا البيت مدهشاً، وهذا ما كان عليه الشعراء المجددين، وهذا ما أرادت السريالية أن تصل إليه، أي في قدرة الاثنين الشاعر المجدد، والسريالية إلى الوصول إليه من عملية الإدهاش التي تأتي من تداخل الصور الشعرية، وتفكيك العلاقات التي تربط عناصر النص، وكذلك، وهو المهم، تفكيك البنية اللغوية. في هذا البيت، يرسم المتنبي لوحة تشكيلية واقعية، وفي الآن نفسه تخييلية لموكب يضم راكبي الجِمال وهي تسير في الصحراء.

فالموكب – كما هو في الصحراء – حدث واقعي، حسي، والراكبون يرتدون الزي العربي، ويغطون اجسادهم بالعباءة العربية، ووجوههم مغطاة باللثام، إلا أن المتنبي لا يرى ما هو مرأي من قبل الاخرين، وإنما كما يقول رامبو عنه، إنه يقوم بـ ((رؤية ما لا يرى، وسماع ما لا يسمع))(35)  وفي الوقت نفسه، يعيننا على أن نرى تلك الرؤية التخييلية لذلك الموكب.

إذن، فالشاعر يقوم بتحويل الواقع إلى خيال، والخيال إلى واقع، أي يحول الصورة الواقعية، المنطقية، إلى صورة متخيلة، غير واقعية، يجمع بين عناصرها اللامنطق، فيصبح ”الخداع البصري“ الذي تقوم به حواسه – و بالتفاعل مع المحيط -، وهو الفاعل الوحيد في تلك الرؤية، فضلا ً عن دور المخيلة، وما يضفيه جو الصحراء في النهار، وكذلك ما يضفيه السراب الخادع للعين من كسر للرؤية، يدفع بالمخيلة الى ان ترى ما هو واقعي بلباس غير واقعي، ذلك لأن الخيال (( باعتباره الرباط الذي يصل عالم الانسان الداخلي النفسي بعالم الواقع الخارجي))(36) يعمل عمله.

    أما إذا كان مسير الركب ليلاً، فإن أجواء ليل الصحراء يجعل المكان أكثر ”خرافية“ وأسطورية، بما يتجسد فيه – بفعل عامل التخيل – من رؤى شبحية، لتصورات سابقة عن الجن والأشباح والطناطل …الخ.

ومن الطريف، أن ناقدا ً عربيا ً كالجاحظ، قد انتبه لهذا الامر، وسبق رامبو بألف عام عندما فسر هذه العملية بكل عقلانية وعلمية، وجاء بالعبارة ذاتها التي استشهد بها رامبو في أن الشاعر يقوم بـ (( رؤية ما لا يرى وسماع ما لا يسمع )). قال الجاحظ وهو يكذب ما أشيع حول شياطين الشعر: (( وإذا استوحش الانسان تمثل له الشيء الصغير في صورة الكبير وارتاب وتفرق ذهنه وانتقصت أخلاطه فرأى ما لايرى وسمع ما لايسمع وتوهم على الشيء اليسير الحقير أنه عظيم جليل )).(37)

إن الصورة الواقعية للركب كما يمكنها ان تكون، وفي مرأى الانسان، يمكن رسمها هكذا:

نحن ركب من الإنس في زي جن                      فوق جمال لها شخوص الطير

هنا تلعب الاستعارة، والتشبيه دوراً كبيراً في رسم هذه الصورة السريالية في بيت للمتنبي الذي يشبه ناس الركب بالجن، وفي الوقت نفسه يستعير للصورة الانسية، الصورة ”الجنية“، إذ تحول العباءة المتطايرة في هواء المسير، واللثام، الإنسي إلى ”جني“ وفي الوقت نفسه يشبه المتنبي واسطة النقل ”الجِمال“  بالطير في سرعة حركته وتقلبه في الهواء، إذ تتراءى له ”الجِمال“ وكأنها تطير في أجواء الصحراء لخفتها، ولما يفعله المكان من تأثير على الرؤية.

لكن المتنبي ، هذا الشاعر العظيم الذي يرى ما لا يرى، المجدد الدائم، يستعير الخيال السريالي قبل السرياليين بألف عام، ليقدم من خلاله ما يحس به وما يراه، لأنه لا يرتضي بما تراه عيناه من صور ”واقعية“، وإنما يجعل من مخيلته ”المعمل“ الابداعي لإنتاج صور مغايرة للواقع دون أن تبتعد عنه.

إن السريالية كنزعة انسانية، ما هي إلا عملية ((تحطيم جميع الحواجز التي تحدد الفرد، جاعلة منه غريباً عن ذاته. فالسريالية ترفض الموانع، والتعارضات الثنائية ( عقل – جنون، واقع – استيهام، طفل – بالغ، يقظة – حلم…) إنها تفترض اولياً انساناً استعاد وحدته، في حالة ابتكار وخلقٍ دائمين)).(38 )

   لنتساءل، هل كان المتنبي قد زهد بالواقع فطلقه وطلق معه ما كان ينظمه العقل له، وكذلك حالات الوعي التي كانت تنظم له شاعريته؟ فراحت الرغبات الدفينة تفعل فعلها في نظم الشعر بعيداً عن الواقع والعقل والوعي، وقريباً من عالم الأحلام، وما هو خارق، مع العلم أن من معاني السريالية هو ((الواقعية الخارقة)). (39)

إن قلق المبدع الحقيقي لا يرتكن للخمول والسكينة والدعة، واستقبال كل شيء بحيادية. وشاعر مثل المتنبي، صاحب الروح القلقة، والطموح إلى شيء كان يريد الوصول اليه، والكثير الاسفار، والذي حاول أن يجعل من نفسه نبياً، إن كان ذلك حقيقة أم كان من خلال تفسير شعره (40) مثل هذا الإنسان المغامر، إنسان غير منسجم، ليس مع محيطه فحسب، بل ومع ذاته أيضاً. مما يدفعه إلى رؤية ما لا يرى وسماع ما لا يسمع، ومن ثم قول ما لا يقال.

إن أول ما فعله المتنبي في بيته الشعري أعلاه، هو أنه نحت كلمة ”ملجن“ من حرف الجر ”من“ ومن الاسم المجرور ”الجن“، فأضاف بذلك الى المعجم العربي لفظة جديدة، أضافت غرابة فوق غرابة بناء عناصر هذا البيت، فأعطى للصورة الشعرية بعداً سريالياً.

وثانياً، عكس المتنبي المألوف الذي تعودنا عليه في التشبيه، فجعل المشبه بدلاً من المشبه به مع حذف أداة التشبيه.

وثالثاً، إن قارئ هذا البيت، يفترض أن ما يصوره الشاعر، هو موكب للجن، وليس موكباً انسياً، فعكس الواقع إلى خيال، والخيال إلى واقع، ومن هذا جاء دفاع السرياليين عن الخيال (IMAGINATION) وعن دوره في الذائقة الشعرية، فـ (( بدأت السريالية بالدفاع عن استسلام الانسان للخيال من اجل غاية صريحة هي اكتشاف ابعاد جديدة لعقل الانسان وحساسيته وانفعالاته)). (41) وإن الخيال هو: (( الرباط الذي يصل عالم الانسان الداخلي النفسي بعالم الواقع الخارجي )).(42)

صور سريالية أخرى :

رسم المتنبي صورة سريالية لتراقص النور النافذ من بين أوراق الاشجار، والساقط على جسم الشاعر، فيقول في قصيدة ((شعب بوان)): (43)

فسرت وقد حجبن الحر عني        وجئن من الضياء بما كفاني

وألقى الشرق منها في ثيابي         دنانيراً تفر مـــن البنانِ

لها ثمر تشير إليك مــنه              بأشربة وقفن بــلا أوان

صور سريالية لشعراء عرب :

    قدم مهيار الديلمي وصفاً سريالياً للناقة والصحراء وظواهرها الطبيعية، وكأنه يشرح لنا بيت المتنبي السابق، فيقول: (44)

كأنها تحت الدجـى جنية            راكبها في ظهرها نجمٌ هـبطْ

لا تطأ الأرض وان تسهلت        لوطأة الدائس إلا مـــــــا تخط

كأنما أربعها مـــن خفة ٍ ‍‍!          واحدة ٌ في السير حين تختلط

تجري فتدمي أُذنــها بيدها         كأنما بسنبكيها تشترط

ويقول ذو الرمة، راسما ً لوحة سريالية لراحل في سواد ليل الصحراء: (45)

وليل كأثناء الرويزي جبه             بأربعة والشخصُ في العين واحدُ

أحمُّ عـِلافيٌّ، وأبيض صارم          وأعيَسُ مهريُّ، وأشعث مـاجد

فيما يرسم شاعر آخر، صورة سريالية تفرضها عليه مخيلته التي راحت تعمل بعيداً عن الواقع ( مائدة الطعام التي تضم الخبز واللبن والتمر والزبد ) فكان عمل هذه المخيلة قد جعل عناصر هذه المائدة بصور شتى. فقد جعل من الخبز المغموس باللبن ”الرائب“ رجالاً ، ومن البرني ( من اجود انواع التمور ) جياداً، والزبد فرساناً يمتطون هذا الجلد. فأية صورة سريالية هذه التي رسمتها مخيلة هذا الشاعر!؟

يقول :(46)

ألا ليت خبزا ً قد تسربل رائبا ً           وخيلا ً من البرني فرسانها الزُّبدُ

ويصور مسلم بن الوليد من خلال رحلته للممدوح، ”الآل“ – السراب – وكأنه يركب على صهوات ”الجبال“، أي ان الجبال تشبه النوق التي سيقت الى النحر في يوم عيد. قال: (47)

كأن أعلامها والآل يركبُها                  بُدنٌ توافى بها نذرٌ إلى عيد

***


الهوامش :

1 – قصيدة النثر – 228
2 – الحداثة –1/ 286 –287
3 – قصيدة النثر – 228
4 – المصدر السابق – 227
5 – المصدر السابق – 231
6 – الاغاني – 2/ 224
7 – المصدر السابق – 227
8 – المصدر السابق – 224
9 – المصدر السابق – 224
10 – المصدر السابق – 225
11 – المصدر السابق – 228
12 – المصدر السابق – 227 ويمكن متابعة ما سجل عن سلوكيات الدادائيين في تلك الفترة ، وما تناقلته اخبارهم من افعال لا تختلف عما قام به ابو العبر
13 – موسوعة البصرة الحضارية – 382
14 – الاغاني – 20 / 231
15 – المصدر السابق – 225
16 – المصدر السابق – 227
17 – المصدر السابق – 230 – 231
18 – المصدر السابق – 228
19 – قصيدة النثر – 229
20 – المصدر السابق – 229
21 – من الجدير بالذكر ان الاديب عصام محفوظ مؤلف كتاب ( السوريالية وتفاعلاتها العربية ) قد قام بما قام به ابو العبر وتزارا من جمع لمقالات من كتب او صحف، اذ تناول قصيدة لسمير صائغ في مجلة ( مواقف ) وطوى الصفحة الاولى على بعضها ليصير بأمكانه قراءة الصفحة المزدوجة 9 – 11 وهكذا مع روايات وقصص اخرى
22 – قصيدة النثر – 230
23 – الاغاني – 228
24 – اول من استخدم هذا المصطلح الشاعر ابولينير عام 1917 .انظر الحداثة  –  1 / 298
25 – عصر السريالية – 14
26 – بيانات السريالية – 41
27 – مئة عام من الرسم الحديث – 123
28 – المصدر السابق – 126
29 – المصدر السابق – 123
30 – المصدر السابق – 121
31 – امس المكان الان 0
32 – السريالية وتفاعلاتها العربية – 13 – 14
33 – قال شاعر من الجن يدعى (ابو هدرش):
وادلجُ الظلماءَ فـــي فتية ٍ
 مِلْجـِن فوقَ الماحل العَربَسيس
فــــي طاسم تعزفُ جنانهُ
 أقفَرَ إلا مـــــــــن عـفاريت لِيس
تحملنا في الجُنحِ خيلٌ لها
 اجنحةٌ ، ليست كخـيل الا نيس
واينق تسبقُ ابصاركـــــم
 مخلوقةٌ بــــــــين نعامٍ وعيس
            ( رسالة الغفران – 299 )
34 – السريالية وتفاعلاتها… – 14
35 – ثورة الشعر الحديث – 106
36 – عصر السريالية – 284
37 – الحيوان – 6/ 164
38 – السريالية : نصوص ومناقشات – 9 مأخوذ من الصوفية والسريالية
39 – بيانات السريالية – 39
40 – وهو القائل :
ما مقامي بأرض نخلة الا
 كمقام المسيح بين اليهود
 وقيل انه اقنع بعض الناس في الشام بنبوته. ويقول المعري: وحُدثتُ انه كان اذا سئل عن حقيقة هذا اللقب، قال: هو من النَّبْوَه، أي المرتفع من الارض. وكان قد طمع في شيء قد طمع فيه من هو دونه. وإنما هي مقادير ، يديرها في العلو، يظفر بها من وفق، ولا يُراع بالمجتهد ان يخفق. وقد دلت اشياء في ( ديوانه ) انه كان متألهاً، ومثل غيره من الناس متدلَـِهاً، فمن ذلك قوله:
… ولا قابلا ً إلا لخالقه حكماً)) رسالة الغفران – 419
وقد جعل (اندريه بريتون ) من الشاعر نبياً. الحداثة – 1/299
41 – عصر السريالية – 292
42 – المصدر السابق – 284 –
43 – شعر المتنبي
44 – شعر مهيار الديلمي
45 – شعر ذي الرمة –
  احم: اسود ، يعني الرحل. علافي: منسوب الى علاف حي من العرب يعملون الرحا. الأبيض: السيف. الأعيس: الأبيض، يعني بعيره. أشعث: يعني نفسه.
46 – البخلاء – 253
47 – شعر مسلم بن الوليد
48-  الصوفية والشعر
____________________

 

المصادر:

1 – قصيدة النثرمن بودلير الى ايامنا – سوزان بيرنار – ت : د. زهير مجيد مغامس – دار المأمون – 1993 بغداد – 1993
2 – الحداثة – مالكلم بري و جيمس ماكفارلن – ت : مؤيد حسن فوزي – دار المأمون – بغداد – 1987
3 – موسوعة البصرة الحضارية – مجموعة باحثين – جامعة البصرة – البصرة – ب .ت.
4 – السريالية وتفاعلاتها العربية – عصام محفوظ – المؤسسة العربية للدراسات والنشر – ط1 –1987
5 – بيانات السريالية – اندريه بروتون – ت : صلاح برمدا – وزارة الثقافة والارشاد القومي – دمشق – 1978
6 – مئة عام من الرسم الحديث – جي. إي. مولر  و فرانك ايلغر – ت : فخري خليل – دار المأمون – بغداد – 1988
7 – امس المكان الآن : مخطوطة تنسب الى المتنبي يحققها وينشرها ادونيس – بيروت / لندن – دار الساقي – 1995
8 – رسالة الغفران – ابو العلاء المعري – تح : د. عائشة عبد الرحمن – ط3 – دار المعارف – مصر – 1963
9 – ثورة الشعر الحديث – ج1 – د. عبد الغفار مكاوي – الهيئة المصرية العامة للكتاب – مصر – 1972
10 – عصر السريالية – والاس فاولي – ت : خالدة سعيد – منشورات نزار قباني – بيروت – 1967
11 – الحيوان – الجاحظ – القاهرة – 1938
12 – البخلاء – الجاحظ – دار صادر ودار بيروت – بيروت – 1963
13 – الصوفية والسريالية – ادونيس – دار الساقي – ط1 – 1992
14 –  القرص الليزري : الشعر ديوان العرب – الاصدار ,2 لعام 2000 الاشراف العام : محمد احمد السويدي – ابو ظبي
     وضم القرص اضافة الى شعر الشعراء العرب كتاب الاغاني. ملاحظة : لم ترد اية معلومات عن هذه المصادر في القرص.

http://www.poetryletters.com/