عزرا باوند، ت س إليوت، وبابلو نيرودا

يجيبون على أسئلة الشعر

ترجمة: أحمد الزعتري

كتب زيد الفضلي:

ضم كتاب أسئلة الشعر الصادر عن دار أزمنة ترجمة أحمد الزعتري، ثلاثة حوارات مع ثلاثة من اشهر الشعراء هم الأميركي عزرا باوند ( 1885-1972)، والبريطاني ت س إليوت (1888- 1965)، والتشيلي بابلو نيرودا (1904-1973). وهم جميعاً من حركة الأدب المعاصر وهي حركة اختصرت الطريق في بداية القرن العشرين، لرؤية مختلفة وقسرية للعصر الجديد المترنح آنذاك بين الحروب العالمية والاختراعات الجديدة التي تستنزف ميزة التأمل الإنساني.

على الشاعر أن يمتلك فضولاً مستمراً، الذي بالطبع لن يجعل منه كاتباً لكن إن لم يمتلكه سيذبل

باوند

يقول باوند رداً على: ماهي الكيفية التي كتب فيها أهم اشعاره وهل كان يتبع طريقة خاصة في القراءة، :”ليست القراءة بالضرورة، أنا أعتمد على ماتهبه الحياة، سؤال “ماذا” أكثر أهمية من بكثير من “كيف”.

وفي رده على سؤال: ما هي أعظم صفة يمكن للشاعر أن يمتلكها هل هي المنهج أم جودة التفكير، يجيب باوند:”على الشاعر أن يمتلك فضولاً مستمراً، الذي بالطبع لن يجعل منه كاتباً لكن إن لم يمتلكه سيذبل”، ويتابع:” عليه أن يتحول من استقبال المثيرات إلى التسجيل، إلى إقامة علاقة متبادلة، هذا مايشغل الطاقة الكاملة لحياة شخص”.

ويرى باوند أن على المبدع أن يبقى في حركة دائمة ومستمرة وأن يتغير مع الحياة ويغير حتى اسلوبه في الكتابة وطريقه الذي يتبعه ككاتب، ويقول :” أنت تحاول أن تترجم الحياة بطريقة لايملها الناس، وتحاول أيضاً أن تدون ما ترى”.

ويوجه الشاعر حديثه للكتاب والشعراء الشباب قائلا:”أنصحهم بتطوير فضولهم وألا يتصنعوا”، لكنه في المقابل يرى أن هذا الأمر وحده غير كافٍ ويستشهد بشعار إحدى المجلات الشهيرة في جامعة بنسيلفينيا :”أي مغفل يستطيع أن يكون عفوياً”.

ويواصل باوند قائلاَ أن الاستفادة من خبرات الشعراء والكتاب اصحاب التجربة أمرا مهما، فهو نفسه احتفظ بنصيحة اربعة من اسلافه الشعراء هم فورد مادوكس فورد، و وليم ييتس، و توماس هاردي، و ورورت بريدجس، ويقول:” كانت نصيحة بريدجس أبسطها، فقد كان يحذر من الألفاظ المتجانسة. نصيحة هاردي كانت التركيز على القضية، لا على الأسلوب. فورد كانت نصيحته بشكل عام هي طزاجة اللغة. أما ييتس كتب قبل العام 1908 قصائد غنائية بسيطة بحيث لم يكن هناك انحراف عن ترتيب الكلمات الطبيعي”.

ويشدد باوند على ضرورة أن يكون النقد للأعمال الإبداعية صادق جداً وأن يأتي من أشخاص متخصصين بهذا الشأن لأن المجاملات والمديح الزائف لابد أن يؤدي إلى أعمال رديئة، وهو يستشهد بواقعه معينة ويقول:”أتذكر أن طاغور عندما كان يرسم بشكل عبثي على حواف أوراقه، وجد من يقول له إن ذلك فن، وكان لتلك الرسومات معرض في باريس، لكن لم يكن هناك من متحمس لتلك الرسومات لأن هناك من كذبوا عليه”.

“كانت مسألة أن أكون شاعراً أو لا أمراً من الآلهة، لكن، على الأقل كان علي أن أجد ما كان مقدراً لي”، بهذه الكلمات يصف باوند حياة الشاعر التي اختارها أو كما يقول التي اختارته. ويختتم الشاعر الحوار الطويل الذي تضمن الكثير من المواقف والأراء في مختلف أمور الحياة الشخصية والعامة لباوند بكلمة تلقاها في رسالة من الكاتب والناقد الفرنسي ريمي دوغورمون :”أن تكتب بصراحة ماتفكر به، هي اللذة الوحيدة للكاتب”.

أعتقد بأن لاشيء أسوأ من محاولة قولبة الناس بتصورك الخاص

إليوت

وفي الحوار الثاني مع الشاعر البريطاني ت. س. إليوت تحدث الأخير عن بداياته في كتابة الشعر قائلا أنه تأثر كثيرا برباعيات الخيام التي ترجمها الشاعر والمترجم البريطاني ادوارد فيتزجيرالد حيث قام بكتابة بعض الرباعيات اليائسة قبل ان يبتعد عن هذه الطريقة في الكتابة، ويقول إليوت:”بدأت في عمر الرابعة عشرة بإلهام من ترجمة فيتزجيرالد لرباعيات الخيام بكتابة عددٍ من الرباعيات كئيبة جداً وإلحادية ويائسة بالطريقة نفسها التي، لحسن الحظ، قمعتها في كتاباتي تماماً حتى يمكن أن تقال انها لا توجد فيها”.

ويتابع إليوت حديثه عن بداياته ويقول :”كتبت القصيدة كتمرين لمعلم اللغة الانجليزية واعتقد المعلم بأن القصيدة جيدة جداً بالنسبة لصبي في الخامسة او السادسة عشرة. ثم كتبت بعض القصائد في جامعة هارفارد فقط لتكفي لتأهيلي لانتخابات هيئة التحرير في مجلة هارفارد، وقد انتخبت فعلاً.بعدها تفجرت عواطفي خلال سنتي الأولى والثانية، وبدأت أكتب بخصوبة اكثر تحت تأثير بودلير و جول لافورغ”.

ويعتبر إليوت ان صديق شقيقه واسمه توماس اتش توماس كان من الأشخاص الذين ساعدوه من خلال الاهتمام بقصائده الاولى وكتابة رسائل تتضمن مديحاً رفع من معنوياته كثيراً:” كتب لي توماس رسائل مثيرة للحماس ورفعت من معنوياتي كثيراً، كنت ممتناً لأنه منحني ذلك التشجيع الذي ساعدني في بداية مشواري”.

ويتذكر إليوت بداية لقائه بالشاعر عزرا باوند :”أعتقد بأنني تركت لديه انطباعا جيدا عندما عرجت عليه في لقائنا الاول في غرفة جلوسه المثلثة. لقد قال ارسل لي قصائدك، ثم كتب لي هذا بجودة أي شيء قرأته سابقاً، مر لنتحدث حولها”، ويتابع إليوت حديثه عن لقائه بباوند حيث قام الأخير بمراجعة قصائده ونقدها وفي بعض القصائد قام بحذف مقاطع كاملة لأنها محاولة لتقليد اسلوب بعض الشعراء السابقين، ويقول إليوت:” قال باوند: لاجدوى من محاولة فعل شيء قد فعله آخر بأفضل طريقة يمكن القيام بها، قم بشيء مختلف”.

ويرى إليوت الذي كتب بعض القصائد باللغة الفرنسية أنه لايمكن لكاتب أن يكتب بلغتين بالإبداع ذاته، كما انه يرى تجربته في اللغة الفرنسية مرتبكة وغير مكتملة ويقول عن تلك التجربة :”كان ذلك فضولا لايمكنني تفسيره. في تلك الفترة اعتقدت أنني جففت بشكل كامل، لم أكن قد كتبت شيئاً لبعض الوقت، وكنت يائساً، بدأت بكتابة بعض الأشياء بالفرنسية، واكتشفت بأنني استطيع. أعتقد بكتابتي للشعر بالفرنسية أنني لم أكن أحمل القصائد بمحمل الجد، ولكوني لم أكن أخذها بجدية، لم أكن قلقاً لعدم قدرتي على الكتابة. لقد كتبت تلك القصائد كنوع من استجلاب القوة لأرى مايمكنني فعله”، ويضيف:” فكرت في البداية أن أتخلى عن اللغة الانجليزية وأكتب بالفرنسية لأني كنت ثنائي اللغة أكثر من ذي قبل، لكنها كانت فكرة حمقاء لسبب واحد. لا اعتقد بأن الشخص ممكن أن يكون شاعرا ثنائي اللغة. لا أعرف حالات معينة كتب فيها أحد بشكل عظيم أو حتى مقبول بشكل متساو في لغتين. اعتقد بأنه عليك التعبير عن نفسك في لغة واحدة، بالشعر، وعليك التخلي عن اللغات الآخرى لهذه الغاية.

ولا يحتفظ إليوت بقصائده غير المكتملة للعودة إليها لاحقاً لأنه يرى أن القصائد غير المكتملة تبقى مهملة في الادراج بينما عندما تظل في الرأس يمكن العودة إليها أو تحويلها لشيء آخر يمكن الاستفادة منه.

وعن عاداته في الكتابة يقول إليوت:” كتبت جزءًا كبيرًا من بعض المسرحيات بقلم الرصاص على الورق ثم طبعتها بنفسي على الآلة الكاتبة ومن خلال طباعتي للمسرحية أعدل تعديلات جديرة بالاعتبار”، ويستطرد:”سواءً أكتبت أو طبعت عملاً بأي حجم، مسرحية مثلاً أو قصائد، يعني لي ذلك ساعات منتظمة، قل عشرة إلى واحدة. لكني اكتشفت بأن ثلاثة ساعات يومياً هي تقريباً كل ما استطيع القيام به من الكتابة الفعلية. أحيانا أجد في البداية أنني أريد الاستمرار لمدة أطول، لكنني عندما كنت أنظر لما كتبته في اليوم التالي أجد أنه لم يكن ما كتبته بعد الثلاث ساعات يوماً مقنعاً”.

وعن الشعراء الشباب يقول إليوت أن افضل مايمكنك ان تقدمه لهم هو نقد قصيدة محددة بتفاصيلها ومناقشتها معهم لأنه من الأمور الخطيرة جدا اعطاء نصيحة عامة، ويتابع :” أعتقد بأن لاشيء أسوأ من محاولة قولبة الناس بتصورك الخاص”.

ويُختتم الحوار بسؤال إليوت عن مقولته :”ليس هناك من شاعر صادق يستطيع الوثوق بالقيمة الدائمة لما كتبه. من الممكن أنه، بذلك، قد بدد وقته وضيع حياته بلا مقابل”، وهل يشعر هو بنفس الشيء وهو في السبعين؟.
فيجيب إليوت :” هناك ربما شعراء صادقين يشعرون بالثقة. أنا لا”.

بالنسبة لي الكتابة كالتنفس، لا أستطيع العيش من دون أن أتنفس ولا أستطيع العيش من دون كتابة

نيرودا

وفي الحوار الثالث مع الشاعر التشيلي بابلو نيرودا واسمه الحقيقي (ريكاردو اليسير نيفتالي رييس باسولاتو)، يقول رداً على سؤال عن السبب وراء تغيير اسمه وهل اختار بابلو نيرودا تأثراً بالكاتب التشيلي جان نيرودا”: لا أذكر، كان عمري ثلاثة عشر أو اربعة عشر عاماً حينها. أتذكر أنني كنت أزعج والدي كثيراً برغبتي في الكتابة. وبنوايا طيبة اعتقد والدي أن الكتابة قد تجلب الدمار إلى العائلة ولي، وخصوصا انها ستقودني إلى حياة كاملة من اللاجدوى، كان لديه أسباب عائلية للتفكير هكذا. وكان تغيير اسمي إحدى الوسائل الدفاعية التي اتخذتها”.

ويتابع :” قرأت لجان نيرودا قصصاً قصيرة. ولم أقرأ شعره أبداً، لكن لديه كتاباً بعنوان “قصص من مالا سترانا” عن الناس المتواضعين في ذلك الحي من براغ. ومن الممكن أن أسمي الجديد جاء من هناك”.

وجاء جواب نيرودا قاطعاً حول :هل كان سيستمر في الكتابة في حال تم انتخابه كرئيس لتشيلي، :”بالنسبة لي الكتابة كالتنفس، لا أستطيع العيش من دون أن أتنفس ولا أستطيع العيش من دون كتابة”.

وعن ذكرياته وأهم ما أثر في حياته ككاتب ودفعه إلى اجترار القصائد على النحو التي ظهرت عليه يقول نيرودا:” ربما تكون أكثر الذكريات كثافة هي حياتي في إسبانيا، في الرابطة الأخوية العظيمة للشعراء، لم أعرف أبداً مثل هذه الجماعة الأخوية في عالمنا الأمريكي المليء بالنميمة. كانت تلك المرحلة من حياتي ثرية بالأحداث والعواطف العميقة والتي غيرت بشكل حاسم مجرى حياتي”.

ويتابع الشاعر التشيلي حديثه حول أهم الذكريات في حياته ويقول عن الفترة التي قضاها في الهند بصورة جبرية:”كانت اقامتي هناك عارضة ولم أكن مستعدا لها، لقد غمرتني عظمة هذه القارة غير المألوفة، رغم ذلك شعرت أني يائس، لأن حياتي وعزلتي هناك كانت طويلة جداً أحياناً. بدا الأمر وكأنني حبيس في صورة ملونة ليس لها نهاية، في فيلم مدهش، لكنه الفيلم الذي لم يكن مسموحاً لي مغادرته”.

وعن ارتباط عمله بحياته الشخصية يقول :”هذا طبيعي، ان حياة الشاعر ينبغي أن تعكس قصيدته.هذا هو قانون الفن وقانون الحياة”.

وعن شعره يقول نيرودا :” شعري له طبيعة طفولية حين كنت ولداً، صبياني حين كنت شاباً، ومقفراً حين كنت أعاني، وتنافسي حين اضطررت لدخول الصراع الشيوعي. عادة ما أكتب لضرورة داخلية، وأتخيل أن هذا مايحدث مع كل الكتاب والشعراء خاصة”.

ويذكر نيرودا أنه في أحد المرات تعرض لحادث كسر على إثره إصبعه ولم يكن قادرا على استعمال الآلة الكاتبة لعدة شهور وهو ما دفعه للكتابة بيده :” اكتشفت بعد أن شفي اصبعي ان شعري الذي كتبته بيدي كان أكثر حساسية وصيغه التشكيلية يمكنها أن تتغير بسهولة أكبر، فالآلة الكاتبة عزلتني عن حميمية أعمق مع القصيدة، ويدي قربتني من تلك الحميمية مرة آخرى”.

وعن ماذا يقدم من نصائح للكتاب الشباب يقول :” ليس ثمة نصيحة تعطى للشعراء والكتاب الشباب، لابد أن يشقوا طريقهم ، وعليهم مواجهة العقبات أمام تجربتهم وأن يتجاوزونها”.

ويختتم نيرودا حواره بالحديث عن الطبيعية التي كان لها أثراً كبيراً في حياته وشعره :”منذ طفولتي، ظللت متأثراً بالطيور، القواقع، الغابات، والنباتات. كنت أذهب إلى اماكن كثيرة بحثاً عن قواقع المحيط وقد تمكنت من تكوين مجموعة رائعة”، ويتابع :”لم يكن من الممكن أن أعيش مفصولاً عن الطبيعة. أحب الفنادق ليومين من الراحة، وأحب الطائرات لساعة، ولكنني سعيد في الغابات، وعلى الرمال، أو الإبحار، وبالاتصال المباشر بالنار، الأرض، الماء، والهواء”.

http://www.takweeen.co