وصية السياب الشعرية

عبد الأمبر خليل مراد

 

في قصيدته (وصية محتضر) ديوانه : ص 281 ،يعيدنا بدر شاكر السياب الى نقطة البداية في تلمس العلاقة الأزلية بين الشاعر والوطن ، هذه العلاقة القائمة على التراهن الوجودي بين الأنا الشاعرة ،والمكان بوصفه البؤرة الحاضنة لهمومه وانفعالاته ،او التربة الطرية التي تنمو وتترعرع عليها احلام الشاعر ونبوءاته ،واذا كان احد الفلاسفة قد قرر : ان(المكان انا الذي أوجد فيه)،فان لشاعرنا السياب حدوسا شعرية تجعل من موضوعة (المكان )عالما تنافذيا،يمتزج فيه المطلق بالمتناهي ،والحلم بالأسطورة ،فبينما تحفل القصيدة / الوصية بمفردات الموت والاحتضار ،فانها مليئة بالفاظ التفاؤل والبقاء ،كالنهار والألق والشمس والطين ، وكأن الشاعر يضعنا أمام ثنائية ضدية،تتكافيأ في طرفيها فجائعية الموت ،وأنشودة الحياة،غير أن هذه الثنائية موجهة في مراميها وإيماءاتها نحو الوطن ،اذ يبرز الخطاب الشعري في مقطعها الأول ، وكأنه نداءات تقريرية مباشرة تعتمد حروف النداء والاستفهام ك (يا… وأين) في استفزاز المتلقي ،وعلى نحو يوازي فيه بين الصمت والعواء،فالصمت يحتمل إشارة ضمنية إلى الحضارة التي يريد فيها تشبيه السكينة بصمت المقابر ،وأما العواء فهو قرين المحل والشحوب ،وفيه إشارة رمزية صريحة إلى المدينة ألتي تصدأ عليها خطوات ساكنيها ،وكأنها وحش يبتلع فرحتها

وبراءتها.
(ياصمت.. ياصمت المقابر في شوارعها الحزينة/اعوي،أصيح .. اصيح في لهف فاسمع في السكينة/ ما تنثر الظلماء من ثلج وقار/ تصدى عليه خطى وحيدات ،وتبتلع المدينة / أصداءهن ،كأن وحشا من حديد،من حجار/ سف الحياة ،فلا حياة من المساء إلى النهار ص281).
إن حضارة الغرب،أو حضارة الآلة كما يراها السياب ستؤول في نضجها واكتمالها إلى مقابر تتناثر من دكاكينها عناقيد الظلمة ،كما يتناثر الثلج على القار،فالانحراف الرمزي لمفردات الظلماء،الثلج،القار.. متأت من نظرة السياب السوداوية إلى هذه الحضارة ألتي تنذر بالأفول ، كما يؤكد معجمه الشعري هذه المضامين والدلالات في أكثر من مكان ،وحتى في قصيدته (سهر ص 212).
يصف الظلماء بأنها بوق سيارة ،لما تنطوي عليه مفردة (البوق) من نذر الفجاءة ،والتفجع الصادم ،كما تدل على نقالة إسعاف للموتى في قصيدته (أغنية في شهر آب ص 328)، وأما الثلج ، فانه يمثل الانحسار والانقطاع المطلق عن الديمومة والحياة ،كقوله في قصيدة (في جيكور ص 280) ( أأمكث في ديار الثلج ثم اموت من كمد / ومن جوع ومن داء وازراء/ أأمكث أم أعود الى بلادي ؟ اه يا بلدي)، او قوله في قصيدة أخرى( رحل النهار ص 221) (دعيني لآخذ قبضتيك كماء ثلج في انهمار)، وبما إن السياب ، هو الذاهب الى تلك الحضارة ليطبب فيها نفسه ، فأن آماله بالخلاص من المرض قد صارت قبض ريح ، وتحولت تلك الظلماء في عينيه إلى شك مطبق ، حتى ان ثلج المدينة ، كأنه كفن يلف احلامه ببياضه السرمدي، ذلك البياض الذي تستحيل معه الحياة الى انطفاء وعدم .
يقول الشاعر :
إن يكتب الله لي العودة الى العراق / فسوف الثم الثرى ، أعانق الشجر / أصيح بالبشر / الحسن البصري جاب ارض واق واق/ ولندن الحديد والصخر/ فما رأى أحسن عيشا منه في العراق (ص 301).
وفي المقطع الثاني من القصيدة ، يواجه السياب معاناته في دروب الغربة بالاحتجاج ، والنزوع إلى العودة ، ومعانقة المصير في أرض الوطن ، وكأنه في كل همسة من همساتها يبسط بين أيدينا أكثر من علامة ، ليذكرنا ببيت ابي تمام ، وهو يكتشف الوطن في غربته في قوله: كم منزل في الأرض يعشقه الفتى/ وحنينه أبدا لأول منزل وأمام هذه المكابدة ، وتبديات التوجع ،بقي السياب أمينا لرسالته ،نقيا في إبداعه ، وواضحا في الانحياز إلى الهاجس الإنساني والوطني في معظم نتاجه على ماهو عابر وأناني ، وهاهو يصرح :إن عراقنا هو خير البلاد ،وان ماء دجلة والفرات وبويب هو أسمى من كل خضراء، وكل ماء في هذا العالم، فكيف لنا ان نبتغي غير هذا الماء ، وهذه الشمس، وهي نور الله الذي يغمر ببهائه بلادنا في الصيف والشتاء، إذ يقول :
أبناء شعبي في قراه ،وفي مدائنه الحبيبة /خير البلاد سكنتموها بين خضراء وماء / الشمس نور الله تغمرنا بصيف أو شتاء /لاتبتغوا عنها سواها /أغمر بعسجدك العراق ، فأن من طين العراق / جسدي ومن ماء العراق ( ص 283).
والمهم، ان الشاعر قد استغرق في قصيدته (وصية محتضر ) السمو الإنساني لشاعريته ، وهي وصية المفجوع الذي ينقلنا من فردوس الشعر المتخم بالحنين والتوجع إلى فردوس الوطن ، حيث يبقى الوطن في ضمير السياب نشيد الفردوس
الأخير .

 

http://www.alsabaah.iq/Arti