حكاية منفيّ دون منفى 1

في أصل المنفى:

المنفى exile/ l’exil وهذه الكلمة تنحدر في اللغات الأوروبية من الأصل اللاتيني exĭlĭum  المُشتق منex solo  أي خارج الأرض. وعليه فلكي يكون هناك منفى لا بد من أن يكون هناك أولاً ملكية خاصة للأرض تستطيع من خلالها سُلطة ما أن تنفي، وتُبعد وتُقصي، وتُغرِّب أحداً ما. ما أن يُجبر على الابتعاد عن الأرض التي سكنها، حتى يبدأ المنفيً بالبحث عن لجوء في مكانٍ آخر. إذن انطلاقاً من هذا الأصل اللاتيني لكلمة المنفى أود في نصيّ هذا أن أدافع عن الفكرة البسيطة التالية : إن الملكية الخاصة للأرض – بالمعنى الذي يمنحه روسو للملكية الخاصة – هي أصل المنفى. وبمعنى آخر وباستنادي على روسو فإنني أود القول أن ملكية الأرض كملكية خاصة ليس فقط “أصل وأركان اللامساواة بين الناس”[ii]، ولكن أيضاً وأولاً أصل وأركان المنفى.

باعتباري الملكية الخاصة للأرض أصلاً للمنفى، فهذا لا يعني أنني أود هنا تحويلها إلى شرٍّ مُطلق تكون الحياة دونها أكثر إنسانية وأقل ظُلماً، لكنني أريد، في المقام الأول، تقفي النقاشات الفلسفيّة الكلاسيكية حول الموضوع لأُعيد طرح السؤال الذي لا يغيب حتى يحضر وهو: كيف يمكن لنا التعايش مع الشر وكيف يمكن لنا التخفيف من آثاره ونتائجه السلبية؟ في المقام الثاني أود أن أروي من خلال تجربتي الخاصة ﮐ منفيّ من أصلٍ سوريّ تجربة المنفى بوصفها سؤالاً أنطولوجياً يحكم حياة البشر منذ الإنسان الأول، سواء أكان المقصود هنا سلف الإنسان العاقل l’homo sapiens الذي هجر (وربما نُفي) من أفريقيا، موطنه الأصلي لو صدقنا البالي – أنطولوجيا أو سواء كان المقصود آدم الذي نُفيَ من الجنة بسبب نزوعه نحو المعرفة كما تروي لنا الكثير من النصوص الدينية.

ليس أساس الشر، أو بالأحرى، الشر المؤَسِّس، شراً مُطلقاً ذا نتائج كارثية على الإنسان بالضرورة إذ من الممكن، وهذه هي الحال غالباً، أن يكون الشر أصل التقدم، أو الحضارة أو حتى حقوق الإنسان والعدالة. أفكر وأنا أقول هذا ﺑ سفر التكوين الذي يكشف لنا أن أصل معرفة الخير من الشر كان الخطيئة الأصلية وعدم احترام أوامر الله، أُفكّر أيضاً بفرضية فرويد التخيلية حول نشوء الحضارة التي قامت على أساس قتل الأب، أُفكِّر كذلك في قوة القانون لجاك دريدا الذي استوحى نص فالتر بنيامين في نقد العنف Zur Kritik der Gewalt  والطريقة التي اتبعها كلاهما في محاولة البرهنة على أن العنف هو أصل نشوء القانون والدولة، الخ. بهذا المنحى يمكن لنا القول أنه إن كان الشر يُشكِّل جزءاً لا ينفصل عن طبيعة الإنسان كما لو كان قدراً، فإن الإنسان هو من يستطيع تحويل هذا الشر إلى خير وإلى تقدُّم، الخ. ومع ذلك ….

لنعد إلى روسو ولنلاحظ أنه يُدين الملكية الخاصة لأنه يؤمن أن ” الثمار هي ملك للجميع وأن الأرض ليست ملكاً لأحد.” [iii] هكذا يتحسّر روسو في فرضيته التخيلية هذه على أن أحداً لم يقم بمنع “أول مَنْ سوّر أرضاً وتجاسر على القول: هذه الأرض لي[iv]. يفترض روسو أننا لو منعنا هذا الانتهاك الأول للحق الطبيعي، لكنّا وفرنا على الجنس البشريّ الكثير من الجرائم، والحروب، والقتل، والبؤس والرعب[v]، وسأضيف على كل هذا والكثير الكثير من المنافي والمنفيين. بالإتكاء على هذه الفرضية المتخيلة لروسو، يمكن القول أنه وبما أننا لم نمنع أول استملاك لقطعة من الأرض الذي جعل الاستيلاء حقاً للملكية الخاصة، فإن أصل وأركان عدم المساواة والمنفى عند الناس قد تأسست وانقضى الأمر وهي لا تزال تحكم وتؤثر في علاقتنا بالآخر.

مُتكئاً بدوره على فكرة “الوضع الطبيعيّ”، ولكن في اتجاه مخالف لذاك الذي سيتبعه روسو لاحقاً، يُركّز هوبز على الطبيعة الوحشية للإنسان والتي تتلخص في العبارة الشهيرة « Homo homini lupus est » أي الإنسان هو ذئبٌ لأخيه الإنسان. ومع أننا لا نسعى للسير في طريق هوبز الذي قد يكون مثقلاً بالنتائج السياسيّة الخطيرة، فإنه يتوجب علينا بأي حال أن نكون عادلين إزاء تحليله الذي لا يخلو من الصواب حول الطبيعة الذئبية للإنسان التي تقابل فكرة روسو عن الطبيعة الطيبة للإنسان. قبل أن يُهاجم روسو المُلكية الخاصة للأرض كان هوبز قد أبرز أن الإنسان حيوان لديه غريزة تملك وحشية للأرض. يمكن لنا القول أنه قد تحدّث في الليفاثان بشكلٍ أو بآخر عن ” أول مَنْ سوّر أرضاً وتجاسر على القول: هذه الأرض لي” كما سيشير إلى ذلك روسو لاحقاً.

بين الواقعية البشعة[vi] والطوباوية الحالمة تتأرجح النظريتان السياسيّتان الكلاسيكيتان لهوبز وروسو والتي تقوم كلتاهما، رغم تعارضهما، على نظرية الوضع الطبيعي. لكننا وعندما نصل إلى كانط نُدرك أن الأمر لم يعد يعني ببساطة الاختيار بين هوبز وروسو أو الاستمرار بالنقاش البسيط بل والساذج حول طبيعة الإنسان فبالنسبة للفيلسوف الألمانيّ الأمور ليست بمثل هذه السهولة والبساطة الفجّة. في الواقع سيقوم كانط الذي يجيد المُصالحة بين اليوتوبيا والواقع، بين التجريبية والعقلانية، بين ما يمكن أن نعلمه وما يمكن أن نفعله، بمراجعة مسألة ملكية الأرض ـ  التي هي أصل المنفى حسب أطروحتي هنا ـ  من زاوية نظر جديدة.  متأثراً بروسو، أراد كانط الذهاب بنفس الاتجاه لكن دون إنكار أولوية الواقع السياسيّ. هكذا فإنه سيجتهد في تحويل فكرة ررسو الطوباوية التي تنتمي لميدان القانون الطبيعي والتي تؤكد على أن “الأرض ليست مُلكاً لأحد” إلى فكرة معيارية، أي قابلة لتترجم إلى لغة القوانين والتي تخوِّل لجميع الناس “الحق في الملكية المشتركة لسطح الأرض”[vii]. تفصح هذه الرغبة المعيارية عن نفسها بوضوح عندما يؤكِّد كانط على أنه لا يتحدث في هذا السياق عن “محبة الناس وإنما عن الحق.” [viii]لكن وعلى العكس من روسو الذي يجد في الملكية الخاصة للأرض مصدراً للعديد من الشرور، فإن كانط لا يريد إلغاء هذه الملكية نهائياً ولكنه سيحاول إعادة بناءها على أساس أخلاقي قانونيّ معياريّ. ولكن علينا أن ننتبه أنه وبانتقالنا من روسو  إلى كانط فإن مفهوم الملكية الخاصة للأرض يأخذ دلالة جديدة. فأصل وأركان عدم المساواة بين الناس، أي الملكية الخاصة للأرض الروسويّة، ستتعمّم وستصبح مع كانط، دون أن يقول هو ذلك صراحةً، ملكية الدولة أو الأُمة. هذا يعني أن ملكية الأرض بالنسبة لكانط تخصُّ الدولة بالأحرى ولم تعد مجرد ملكية خاصة يملكها أفراد. بمقاربة هذه الرؤية الكانطية مع أطروحتي هنا حول المنفى، يمكن لي القول أن الملكية الخاصة تظل أصل المنفى، لكنها تتحوّل من مسؤولية فردية وشخصية إلى مسؤولية الدولة، ومن قضية شخصية إلى جريمة دولة.

لقد أدرك كانط أن استيلاء الدولة على الأرض التي قامت عليها هو أمر لا مناص منه أو شرٌ ضروريّ، ولهذا يقترح حق الزيارة، والضيافة الكونيّة، والمواطنة العالمية كحلول يمكن لها أن تخفف من مآلات هذا الشر شبه الأنطولوجيّ. في كُتيّبه الصغير  من أجل السلام الأبدي، يعنون كانط المادة الثالثة منه كما يلي: “يجب أن يتحدّد قانون المواطنة العالمية بشروط الضيافة الكونيّة”[ix]. والضيافة الكونية تعني، بالتعيين الكانطي: ” حق الأجنبي القادم إلى أرض الآخر في ألا يُعامل كعدو من قبل هذا الأخير.” [x] دون أن يتحدث صراحةً عن المنفى أو اللجوء، إلا أن موقف كانط يتأرجح، مرّةً أُخرى، بين بين الأخلاق، أي ما يجب أن يُعمَل، وبين المعيارية، أي ما يمكن معرفته أو بين ما يجب أن يكون وما هو كائن. يمنح كانط للأجنبيّ حق الزيارة ويقرر على المُضيف صاحب المكان واجب الضيافة (كواجب، لكن ليس كحق أو كقانون). لكن يحتفظ صاحب الأرض، إذا كان ذلك يؤذي مصلحته، بالحق ” ، في ألا يستقبل الغريب. لكن طالما بقي هذا الغريب مسالماً، فلا يحق للمُضيف أن يعامله عندها بشكل عدوانيّ.” [xi]إذن وبحسب كانط فإن الغريب الذي يتوسل اللجوء في بلدٍ غريب عليه أن يظل “مسالماً في مكانه”، وبمعنى آخر عليه أن يكون سلبياً وراضياً شاكراً من استقبله على أرضه، وفي السياق الكانطي فهذا يعني في بلده ودولته. في أيامنا هذه قد يترجم هذا الكلام الكانطيّ بإجراءات الاندماج التي تتخذها الدولة المُضيفة مما يعني أن الاندماج هو واجب على الغريب الضيف، بل هو مُجبر عليه وعلى تبني قوانين ولغة وقيم وأخلاقيات الدولة المُضيفة وإلا فإن وجوده فيها مهدّدٌ بإعادة الترحيل، أي المنفى مرة أُخرى.

لنختتم هذا الفصل بهذه الكلمة لكانط الذي يُشدّد على أن “حق الزيارة، هو حقٌّ يسمح لكل كائن بشريّ  بأن يُقدّم نفسه كعضو في مجتمع ما، بفضل الحق في الملكية المُشتركة لسطح الأرض والتي لا تسمح للناس، بوصفها كرويّة، أن يتفرقوا إلى ما لا نهاية، وإنما تجبرهم على أن يلتقوا وأن يتحملوا رغم كل شيء بعضهم بعضاً فبالأصل لا يمتلك أحد الحق أكثر من غيره في أن يكون في مكان ما على الأرض. […] ولكن وبما أن التضامن (على تفاوت قوته) والموجود في كل مكانٍ تقريباً بين شعوب الأرض قد وصل إلى درجة يجعل انتهاك الحق في مكانٍ ما شعوراً ينتشر في كل مكان آخر،  فإن ذلك يقتضي القول أن فكرة قانون المواطنة العالميّة لم تعد فكرة خرافية وغريبة لصياغة القانون، وإنما استكمال ضروريّ للمادة غير المكتوبة سواء في القانون العام أو القانون الدوليّ، بغية الوصول إلى قانون عام للإنسانية وكذلك إلى السلام الدائم، الذي لا نستطيع الأمل ببلوغه بشكل مستمر دون هذا الشرط.”[xii]

كم هذا الكلام جميل، لكن وللأسف يكفي أن نغلق هذا الكتاب الرائع لكانط وننظر إلى الواقع الحالي مباشرةً كما تشهد عليه الحرب في سوريا مثلاً والتي عرّت عجز القانون الدولي لنشهد بأم عيننا كيف أن الواقع لا يزال بعيداً عن التنظير وكيف يطوُّح بكل القيم والمعايير الأخلاقية الإنسانية والجهود الفلسفية والقانونية على أرض المصالح والنزاعات والصراع الدوليّ…

******

[i] هذا النص هو الترجمة العربية للجزء الأول من نص صدر بالهولاندية مُترجماً عن الفرنسية وذلك مع معهد نيكسوس في امستردام.

https://www.nexus-instituut.nl/speakers-authors/1167-khaldoun-al-nabwani

[ii] Rousseau, Discours sur l’origine de l’inégalité parmi les hommes, Editions Nathan, 1998.

هناك ترجمة للعربية لهذا الكتاب بعنوان مجتزأ قليلاً أصل التفاوت بين الناس، ترجمة عادل زعيتر، دار هنداوي، مصر، 2012. لكن وبقراءة بعض فصول من هذه الترجمة نجد أنها بليدة أحياناً وتضيّع المعنى أحياناً كثيرة أُخرى.

[iii] المرجع الفرنسي السابق، ص. 82.

[iv] المرجع نفسه

[v] المرجع نفسه

[vi] لو أخذنا السياق التاريخي بعين الاعتبار أي تلك الفترة التي شرع فيها هوبز بالتفكير وكتابة الليفاثيان والذي ظهر عام 1651، فإننا سنلاحظ أثر الحرب الأهلية الإنجليزية التي وقعت بين أعوام (1641 و 1649) والتي دمّرت إنجلترا وكيف تركت آثاراً لا يمكن إخطاؤها في النزعة السوداوية التي طبعت لهجة ونتائج ذاك الكتاب الأشهر لهوبز.

 

[vii]Kant, Pour la paix perpétuelle, trad. Joël Lefebvre, Presses universitaires de Lyon, 1985, p. 62-63.

هناك ترجمة عربية لهذا الكُتيب على يد الدكتور عثمان أمين ومع أن هذه الترجمة قديمة وليست مباشرة عن اللغة الألملنية إلا أنها جيدة بنظرنا ويمكن العودة إليها في حال عدم وجود ترجمة جيدة عن الألمانية لهذا النص المهم جداً. انظر: كانت، مشروع للسلام الدائم للفيلسوف ، ترجمه إلى العربية وقدّم له الدكتور عثمان أمين، القاهرة، 1952.

[viii]المرجع الفرنسي نفسه، ص . 62.

[ix] المرجع نفسه، ص. 62. لا بد من التنويه هنا إلى أن ترجمة الدكتور عثمان أمين هنا المستندة على ترجمتين فرنسيتين قديمتين نسبيياً هي ترجمة مجتزأة وغير دقيقة تماماً فضلاً عن أنه يترجم مفردة  Hospitalität الألمانية والتي تقابلها  l’hospitalité الفرنسية بالكرم وإكرام الضيف بدل الضيافة بحيث ينزاح وينحرف المعنى قليلاً برأيي هنا إذ تتعلق الثانية بالمضيف بينما تحيل الأولى إلى الضيف وهذا يقترب من مفردة  l’hospitalité التي تنحدر منها مفردة الضيف hôte ذات الأصل اللاتيني والتي تحيل في آن معاً إلى الضيف والمُضيف وليس فقط إلى كرم المضيف وهذا ما سينتبه له دريدا في اشتغاله اللاحق على مفهوم الضيافة.  

[x] المرجع نفسه.

[xi] المرجع نفسه.

[xii] المرجع نفسه، ص، 62-63.

 http://alawan.org/