شامة على خدّ كافافيس


نعيم عبد مهلهل

1
يمشي كافافيس وحيداً على طرقات الإسفلت ، تكاد سيارة كاديلاك أن تدهسه . ينبههُ طفل ويوعز له بالمشي على الرصيف .
يقول كافافي : كيف أجد نفسي في كومة من الخيانات ؟
إذا كان النهار من شمس ، فالليل من شجون، هذه تعابير محنة الشاعر ، أو لنقل تعابير أمير المحنة.
فبعد 11 سبتمبر الخطوات ترتعب من الظل الغريب ورؤساء الجمهوريات يقضون أغلب أوقاتهم في ممارسة ألعاب الكراش في البلي ستيشن .
لقد نسوا أنّ المتعة هو الماضي …
وليس ألعاب المستقبل الالكترونية..
وحتما اليابان لن تعرف كافافيس …
تعرف الأسلاك وأخبار أدباءها المنتحرين.

2
أستيقظ صباحاً لأجد بيض دجاجتنا الوحيدة ينتظرني، عندما تصيبها الكهولة سنموت من الجوع حتماً , في تصوّر لشذوذ من طفولتي قبل أن أصبغ وجهي بسواد الدمعة.
ومثل الشاعر اليوناني ــ الإسكندري كنت أمارس المحرّم مع رزم النقود ،أشتري بها قصوراً وكواكب شمسية وأخطف جاكلين من جون كنيدي وأصفع أوناسيس أرسطو وأتبرّع بعلبة ماكياج للمطربة اللبنانية صباح .
الآن الوقت تغير يا قسطنطين كافافي ، فأحمرار الخدود تصنعه أظافر الحزن ، أرى الموت يموت من دون خيانات ،الموت بلا عمّ ولكن والده موجود في بيت إرهابي في حي الصفيح بمقاديشو أو في كهف بتورو بورو أو غرفة أنيقة بفندق خمس نجوم بروما ، لا ضير أن يكون الإرهاب بلا دين، لأنّ الموت يشمل الأشياء كلها حتى الطابوق والخنفساء وبسكويت البوظة المخروطي ، وأيضاً يشمل ريش الوسادة الذي نتفتهُ أمي من جلد علي شيش قبل أن تضعه في قدر الماء المغلي ، نكاية بيومه الوطني في أمريكا .
لي طباع مؤنثة
لك أيضا
هذا يكفي لنجتمع سوية يا كافافيس
ولي رغبة باقتحام الواجهة الزجاجية لمبنى الإذاعة والتلفزيون كي أحصل على شريط نادر لكوكب الشرق وهي من دون نظارات وتغني أنت عمري ، فيما كان عبد الوهاب مرتدياً قبعة ديغول التي زار بها الجزائر وأعلن أن ألبير كامو لا يمثل ثقافة الإليزيه ، والغريب هي مجرد سادية لرجل مختل روحياً.
هاملت مختلّ روحيا أيضاً ..رأيت وليم شكسبير يبحث عن أهله في مقهى مغاربي تمرّ عليه عربة بحصانين ، يردّ التحية على سائسها بإطلاق أحدى وعشرين قذيفة مدفع .
ثمة تساؤلات في الأمم المتحدة، من أغلى عرب الإحساء أم قبائل التوتسي ؟
ولأنّ الأمم المتحدة لا تجيب بل تصدر القرارات ألبسوا الببغاء لسان الخرس وقرّروا غزو يوغسلافيا .
أنا فرحت، لأنّ لي فيها متصوّف تائه أريد أن أجده ، ولي فيها مقابر جماعية وشيئا من حلبجة ودمعة الجبايش .
بيرتشينا ورانغون والقرنة وقضاء بلد ،نمط مفتعل لمدن دون أثينيات .
فلقد كان تيتو محقاً حين أعلن فيدرالية البسكويت وسيفعلها مثله البرزانيون وسيحصلون على وطن مميز برواقم عالية وتكيات نقش بندية .
هنيئا لهم ،فقد تعبوا في الإختباء بين أحراش الوديان كثيرا هنيئا للبصرة حين تتسلم مفتاح بلدية لندن.
وهنيئاً لنا فلقد أعلنوا أن الجبن وعصير الطماطم سيكونان موجودان في بطاقة التموين في رمضان.
وسنبرق بذلك لحامد كرزاي ونشتري كيساً من الفستق السوداني لكفافيس قبل أن يبدأ بكتابة قصيدته الرائعة في انتظار البرابرة.
الملوك يحبون الفستق ، فيما إليزابيث تايلور تحب الطرشي ..
العراقيون يحبون التمر ،لأنّ نواته فيها شقا طوليا ، دائماً نحب الشقوق الطويلة، وأمهاتنا يفعلن ذلك بثيابهن حين يأتي إخواننا شهداءً من المعارك الحدودية ..
لكلّ شهيد دمعة هي عدسة الوجود التي نرى من خلالها أحلامنا .
كافافي شارك في حرب الأيام الستة لأنه لا يحب شايلوك ، رغم أنهما أخوين بالفطرة لأن من صنعهما واحد..
عين موشي ديان خجل العرب جميعهم ،من بغداد مشت الدبابات على السرفات ..
نحن جميعاً مخدوعين بجنرالاتنا فحماستهم في آخر الأمر تتحول إلى مشانق!!!

3
جميلة الحياة فوق تراب الوطن، القيثارات تعلو عواء الكلاب ، وحفيف أوراق شجر السرخس يعلو شهقات المضاجعة، والأحلام تسير بأقدام حافية فقد فجر إرهابي مصانع باتا كلها،فمن أين نأتي بحذاء كي يسكت به خروتشوف فوضى القاعة في مجلس الأمن ؟
جميلة هي لحظة مناشدة القمر بأغنية سومرية، جميل هو طبخ الكبّة المسلوقة في الصباح الباكر .
إنّ الكبة وموسيقى الرمبة و البمبر السوداني أعذب من عنبة الفلافل .
سلاماً لكم فقراء العراق فأنتم لستم عديمي الفائدة لهذا العالم، فمن سواكم يجعل سوق السلاح رائجة ومن سواكم يكتب الشعر العذب ؟
عزيزي كافافيس، لقد نلنا من الحروب والإحتلال ما يكفي ..
من روما إلى الجنرال طاوزند : ” الكوت تحاصر أمانيكم .. من مرقد سعيد بن جبير حتى غليون جيمس جويس .. افتحوا بوابات سدة الكوت، فدجلة تريد أن تطارح حقول الجنوب غرامها وتحضر عرضا مميزا لليلة الثانية عشر .. ففي الثالثة عشر سيأتي الإنكليز وسيبعث تشرشل تهنئة خاصة إلى حكمة يار ، يعلّمه بأن تخوم البصرة صارت سالكة لديناميت الأفغان ، وأنّه أضاف بأمر من مجلس العموم مصروفات جديدة لعمل نعوش وأيقونات وكؤوس عزاء من فضة “.
أعود إلى كافافيس، لا أدري كيف تشتغل ذائقة الشعر الهليني إزاء هذا القلق المرتبك في ذاكرة ابن تاجر التبغ، هو يفكر كأي وزير يريد أن يتغلب على وزارة الأخرى ، يصفي حسابه مع عمه عمّ الوزير كان بقالاً في قنبر علي.
عمّ هاملت كان لورداً في دبلن ،عمي كان حمّالاً في خان للقمح، وقع من الإعياء ميتاً فسمّوه شهيد الحنطة .
أوفيليا شهيدة الرقة ،عمر المختار شهيد برقة، وصوفيا لورين شهيدة الموطا .
فيما الإسكندرية التي تحب شهيدة أبي فوق الشجرة.
تتنوع الشهادة بطرائق تمت للبندقية والسيف بصلة القربى وهناك شهادات أخرى ،الابتدائية ،المتوسطة ، الإعدادية ، دار المعلمين ،البكالوريوس ، ماستر و البورد .
منذ السقوط الأممي لبغداد قتل أكثر من مائة وخمسين أستاذاً جامعياً ، تلك إحصاءات هاملت ، وربما إحصاءات المخاتير تصل بنا إلى أكثر من مائتين .
يموت الأستاذ الجامعي وفي فمه كشف ما ، في يده حقيبة ما ، وفي جيب بنطاله فيزا ما .
لم يعد الأمان متوفراً كصحون الشوربة ،لهذا الموت يعبر عن ساديته بأن يخلع لباسه الداخلي أمامنا .

4
الشاعر تحدث عن غموض ما ، المسألة نفسية بحث ، وحتى تبحث عن شامة في خدّ كافافي. عليك أن تبحث عن راغب علامه، هو لبناني خطف في الطريق بين القائم وبغداد..
بيروت وسطت خليل حاوي لإطلاق سراحه ، ولكن حاوي مات منتحراً، إذا ستنوب عنه فيروز.
الرحابنة جاءوا وخزينتهم أغنية من أجل بغداد.
بغداد خزينتها دمعة للإمام موسى الكاظم ع ومكر من الرشيد وندم متأخر من الخليفة المأمون !
نفكر بقتل ولاة العهد ، لأننا ننقاد من خديعة الوزير، هذا تراثنا، ونحن لا نريد هاملت ولياً للعهد.
أبحث عن شامة في خد كافافيس، فلا أجدها إلاّ عندما أرفع الثوب عن ساقي أورنيلا مينوتي.
يبتسم برلسكوني ، فثمة شامة في خده ، يتذكرها أهل الناصرية حين يمرّ الجنود الطليان بشوارع مدينتهم ، يتذكرون فلورنسا وتاجر البندقية، غير أنهم حين يتذكرون الاحتلال. يقطعون من أجسادهم لحوماً يأكلون بها مسافة الأمل بين دخول البابا بردائه الكهنوتي ، وبين خروجه الحزين من جراء تنكر ماء مفخخ داهم مقر القوة الإيطالية في شارع الزيتون .
أمام المقرّ المدمّر متحف سومري بناه الثري الأرمني كولبنكيان،كانوا يسمونه مستر 5 % . تلك هي حصته في نفط حقول بابا كركر ، ومن بركاتها بنى المتحف وملعب الشعب ببغداد وكاليري لعروض الرسم ، وقبوراً مرمرية لكل عامل حفر غرق في بئر نفط ..
المتحف يبكي، كافافيس جالس على بوابته المحترقة .
لماذا أحرقوا مكتبة المتحف ؟ ربما لأنهم لا يحبون المسرح ومارشات الفرقة الاسكتلندية ، فالتنانير الحمراء لعازفيها لا تشبه التمر، بل تشبه قطة إنكليزية تركها صاحبها وحيدة في الشقة وسافر إلى كشمير ..
وصف لشامة على خد كافافيس ..
هذه موضوعة طريفة، تشبه حكاية عريف في الجيش فقد ساقيه لأنه يحب الطيران..
مايكوفسكي يقول نطير بأجنحة الشعر ونطوف فوق مسيرة للبلاشفة ونهتف لتسقط المسدسات.
إذا بين طيران العريف وشامة الشاعر رابط ..
ماهو ؟؟
القصيدة التي كتبها مايكوفسكي والمسماة ( غيمة في بنطلون )
تعبنا من سرد مشوّش كهذا .. إنّنا كمن يدعوا عمر بن كلثوم لأكل الكافيار في مطعم إيراني بأصفهان.
لا شيء يفهم من وجودنا المرتهن ببيانات وزارة الداخلية ، رمضان سيأتي والحكومة جالسة تثرم البصل والأحلام ..
لا يصوم العصفور إلاّ لحظة بناء عشه الجديد إنه يعبر عن امتنان الطيور لأعواد القصب ..
السومريون كانت بيوتهم من القصب ..
فيما سنمّار يبني متاهة الملك ويسقط من أعلى البرج .
أبحث في تاريخي عن هاملت سومري ، فأجده في أحضان كاثرين ..
كاثرين من ؟
زوجة من نقب في مقبرة أور ..
مقبرة أور من ؟
مدافن الحضارة القديمة ..قربها اليوم فتح اليانكي كراجاً للغسل والتشحيم، و قبلها كانت مطاراً يصل إلى جزيرة خرج ويهدم في الأهوار بيوت القصب والطين ..
وفي الحالتين تم تنصيب هاملت أبناً لسرجون ، فيما القيصر بطرس والفرعون آمون يلعبون الكوتشينة في صالة الأمباسي ..
على كل حوامة علم لراقصة ، وفوق مضائف بلادي أعلاماً لطفولات الآلهة ..
الآلهة لا تغار من شامة على خد كافافيس .
هي تراقب فقط، وحين يبدأ العرض سترتدي معاطف الملك لير وتختبر تعلقنا بها ، هي عراقية لهذا فنحن نحبها ، لكن شرطنا الوحيد لهذا العشق أن ترتدي معطف أكاكي بطل قصة غوغول . فمعطف كافافي لا يليق بها، إنه يذكرنا بهاجس صعب، أن نرى الإنكليز يأكلون الكفتة في مطاعمنا ويشربون عصير الزبيب ولبن أربيل ..
فيما نحن سكان البلاد الأصليين نشرب دموع أطفالنا، وهي وحدها تعبد الطريق السالك إلى الجنة .
كافافيس يقول : ” اخسر وطنك وأربح جنتك هذا أفضل”.
وحتماً سيكتب إلى زوربا رغبته التالية في أن تصبح محافظة الناصرية ، دوقية الناصرية .
ما لذي نكسبه نحن ؟
نسافر إلى أثينا بدون جواز؟؟
وماذا نفعل في أثينا ، سياحة أم ( دياحة ) أم صفقات لتصدير الحصران ؟
لا هذا ولا ذاك ..
نشاهد شامة خدّ الشاعر عن قرب ونشتري بناطيل كابوي ونأكل الكنتاكي
كافافي ردد معي : عاش الكنتاكي ……..!