خافيير مارياس روائي و”ملك” أيضاً..

يكره الروايات التي تدور حول الكتّاب!

ترجمة: عادل العامل

الكاتب الإسباني خافيير مارياس مؤلف لـ 14 رواية، و3 مجموعات قصصية، و20 مجموعة مقالات. وهو، بالإضافة إلى هذا، ملك بالمصادفة أيضاً! فقد تضمنت روايته (كل الأرواح All Souls)، الصادرة عام 1992 ، تصويراً لجون غوسوَرث، شاعر بريطاني كان يوماً ملك ريدوندا، وهو جزء ضئيل من الأرض متصل بجزيرة صغيرة غير مأهولة. وكان للتصوير كما يقال تأثيره الكبير على جون وين ــ تاسون، الملك الحاكم آنذاك، بحيث أنه تنازل في عام 1997 وترك العرش لمارياس، الذي راح يحكم من إسبانيا منذ ذلك الحين!
و لم أسأله أنا ، يقول جوناثان لي في مقابلته مع مارياس، عن واجباته الملكية، ولا عن التحديات العرَضية لشرعية ملوكيته، كما أنني قررت ألّا أستفهم منه عن الألقاب النبيلة التي “أنعم” بها على كتّاب يُعجب بهم: أورهان باموق “دوق كولورز”، و. ج. سيبولد “دوق فيرتيغو”، أ. س. بايَت “دوقة مورفو أيوجينيا”. فالملوك، حسب خبرتي المحدودة، يحبون الاحتفاظ بأسرارهم، وأظن أنني خفت أيضاً أن يجعلني ربما مهرّجه الخاص! فركّزت بدلاً من ذلك على روايته الجديدة (هكذا يبدأ السيئ Thus Bad Begins )، الصادرة حديثاً في الولايات المتحدة، والتي تجري أحداثها في مدريد في الثمانينات وتبدأ بالسطور التالية:
[ لم تحدث هذه القصة قبل وقتٍ طويل جداً ــ وقتٍ أقل من الحياة العادية، فكم هي قصيرة الحياة التي تنتهي مرة واحدة ويمكن تلخيصها بجمل قليلة، تاركةً فقط الرماد في الذاكرة، الرماد الذي يتفتت لأقل لمسة ويطير مع أقل هبة ريح ــ ومع هذا فإن ما حدث عندئذٍ سيكون مستحيلاً الآن. أعني، فوق كل شيء، ما حدث لهما، أيدواردو مورييل وزوجته، بيَتريز نيغورا، حينما كانا شابين ..]
* قلتَ مرةً “إن إحدى أفضل وجهات النظر الممكنة التي تُقال منها قصة هي تلك المتعلقة بشبح، شخص ميت لكنه يمكن مع هذا أن بشهد ما يجري”. فهل أنت ترى خوان، الراوي في (هكذا يبدأ السيئ)، باعتباره نوعاً آخر من الأشباح ــ “شاهداً صامتاً” في حياة المخرج السينمائي الذي يساعده؟
– لا أود القول إني أعتبر خوان دي فير شبحاً ــ أو في الأقل، أعتبره أقل شبحيةً من آخرين في بعض رواياتي. فهذا الشاب ــ الذي يروي القصة وهو أكبر سناً بكثير، لكنه في سن 23 حين يجري الحدث عام 1980 ــ يتدخل حقاً في الآخِر، خلافاً، على سبيل المثال، للراوي في ( قلب أبيض للغاية). إنه ليس مجرد شاهد صامت، أو في الأقل ليس على امتداد الرواية كلها. فأفعاله لها تأثير على شخصيات أخرى، بل وعلى مصائرهم. وفي النهاية، يمكنك أن تقول إنه ليس أكثر “براءة” من البقية. لكن من ناحية، أجل، يمكنك أن تقول أيضاً إن لديه بعض المعالم الشبحية، بمعنى أنه يروي القصة حين يكون رجلاً مختلفاً جداً عن الرجل الذي كانه. وتتمثل جودة الأشباح كرواة قصص في أنهم أشخاص لا يمكن أن يحدث لهم أي شيء، لكنهم يهتمون مع ذلك بما تركوه وراءهم، فهم مع هذا ليسوا غير مبالين به، ويحاولون بطريقةٍ ما أن ينفعوا أو يضرّوا الذين استمروا في الحياة بعدهم، حتى لو كان ما يمكن أن يحدث قد حدث للتو. وهي برأيي وجهة نظر مهمة لسرد قصةٍ منها، في الواقع.
* أشعر بالفضول لمعرفة العملية التي تقوم بها لجعل شخصيةً ما مقترنةً بمهنة معينة. لماذا قررت أن تجعل من أيدواردو مورييل منتجاً لأفلام من الدرجة الثانية؟
– إن الكثير من شخصياتي ورواتي أشخاص قد تبرأوا، عن طريق مهنهم، من أصواتهم الخاصة: بروفيسور (ينقل معرفة سابقة عليه)، مترجم، كاتب قصص أشباح، مغنية أوبرا … وشخصية مورييل لها ما يربطها بعمي جيس فرانك، أيد وود الأوروبي، كما كانوا يسمّونه. وقد عمل أفلاماً من جميع الأنواع ــ شاركتُ في القليل منها وأنا صغير السن ورأيت شخصياً الممثلين هربرت لوم وجاك بالانس، اللذين يظهران في الرواية، بالإضافة إلى كريستوفر لي وكلوس كينسكي ومرسيدس مكَمبرج ــ ولا يعرف عددها حتى. وهكذا فأنا أعرف بطريقةٍ ما هذا العالم. وتعرف أني أكره الروايات التي تدور حول الكتّاب، فهي مملة وقابلة للتنبؤ بما يحدث فيها.
* يمكن القول إن روايتك الأخيرة، (افتتانات Infatuations)، التي صدرت بالانكليزية، تهتم أيضاً بالشخص الدخيل الانعزالي الذي يتلصص على حيوات الآخرين. فهل توجد علاقة خاصة بين تلك الرواية ورواية (هكذا يبدأ السيئ)؟
– معظم رواياتي مرتبطة بعضها بالبعض الآخر. فهناك “ثيمات” تظهر وتختفي، مثل ما نفعل عادةً بما نعرف: نفشيه أو نحتفظ  به لأنفسنا؟ وأنا أذكر هذا لأنه حاضر بالتأكيد في الروايتين المذكورتين. أم هل نريد، حتى، أن نعرف ما نعرف؟ هل يمكننا أن نتظاهر بأننا لا نعرفه؟ هل يمكننا أن نمحو ما سمعناه حقاً؟ في (قلب أبيض للغاية)، يقال شيء ما مثل هذا: “الآذان ليست لها جفون .. فنحن يمكننا أن نغمض عيوننا إذا توقعنا أن نرى شيئاً ما فظيعاً، لكننا لا نستطيع أن نفعل ذلك بآذاننا”.
* هل تعتقد بأن عملك كمترجم أدبي قد أثّر بأدبك القصصي؟
– بالتأكيد. إنني لم أتعلم الكثير فقط من المؤلفين الذين ترجمت لهم، أو في الأقل من بعضهم، وأعني شتيرن، وكونراد، وسير توماس براون، وستيفنسون، وفوكنر، ونابوكوف.بل وأن الترجمة تركت بصمتها على طريقتي في الكتابة. ففي الترجمة لديك شيء ما لن يفشل أبداً: النص الأصلي. إنه هناك على الدوام، ينتظرك لتعيد كتابته، لتصوغه بكلماتك أنت. والآن، حين أكتب، في اللحظة التي أنجز فيها المسودة الأولى  لصفحة معينة، فإن ذلك بمثابة “نص أصلي” إلى حد معين. ثم تصحح، وتعدّل، وتضيف، وتطمس، وتغيّر. لكنك تكون قد وضعتَ بذلك نقطة بداية. وهي الأنفع بالنسبة لي.
* وهل تغيرت أسبابك للكتابة على مر السنين؟
– أظن ذلك. وأنا أعتقد الآن أحياناً بأني أستمر في الكتابة لأنه ماذا بوسعي أن أفعل، إذا لم أفعل ذلك؟ إنه ليس بالسبب القوي جداً، أعرف. لكن شيئاً واحداً لم يتغير على مر السنين: ذلك أني حين أكتب روايةً، أفكر “بشكل أفضل”، أو في الأقل بقصدٍ أكثر، مما تحت أية ظروف أخرى. وذلك شيء لا أود التخلي عنه أو أن أفقده، فهو أمر عزيز جداً علي.
 عن/ The Literary Saloon

http://www.almadapaper.