منذر خضيّر يتوارى عن المنزل والغابة

صفاء ذياب

 
ينهمك الشاعر منذر خضيّر في مجموعته الجديدة (أتوارى عن المنزل والغابة) بالبحث عن الحياة بأشكالها العديدة، الحياة في وطنٍ يعدُّ ضياعه انتهاءً لحياة كان يحلم بها، ويدخل في غابات لا حصر لها، غابة الفوضى، غابة الضياع، غابة اليأس، غابة التيه.. وهكذا ينسج نصوصه ليعيد بناء وطنه الذي لا يراه أمام عينيه.
المجموعة التي صدرت عن اتحاد أدباء البصرة بالتعاون مع دار الروسم، ضمّت 27 نصاً شعرياً، بين دفتي 70 صفحة، تنوعت بين الطويل والقصير، لكن خضيّر سعى لأن يكون اختلاف هذا الطول بالبناء، فهو يعيد بناء نصّه مثلما يعيد بناء حياته، بين المنزل وبين الغابة، أما لماذا هذا التواري في العنوان وفي المجموعة، فيشير خضيّر في حوار خاص مع “ الصباح”، إلى أننا عندما نعود إلى مصطلح التواري في اللغة فهو الاختباء لسبب ما، فالشمس عندما تغيب فهي لا تختفي، إنّما تختبئ من أجل الظهور في مكان آخر، وهو نوع من الحرية الشخصية، فالمنزل والعائلة قيدان من قيود الحياة تشعر أحياناً بحاجة ماسة إلى التمرد عليهما، على حياتك التي اعتدت ممارستها كل يوم، وعن ذاتك أيضاً، ربما “يكون فعل التواري وَلّد لديَّ شعوراً بالظهور في مكان آخر وإحساساً حادَّاً بالنزوح عن بيئة ما عادت تلبي رغبتي بالكتابة، فالتواري بمثابة حُلم أحتاج ممارسته كشاعر والحلم- في شكله الجوهري- حسب رؤية فرويد هو: تمثيل للرغبة المتحققة: فالجائع أو العطش، يحلم بأنه يأكل أو يشرب. والأطفال يحلمون بأن يحصلوا على الدمى التي يتوقون للحصول عليها وكذا الشاعر فهو صورة واقعية لكل ما يكتب ويحلم”.
أما الغابة؛ من وجهة نظر خضيّر، فهي كل ما يحدث من قتل ودمار ولجوء ونزوح وغرق، فما حدث في سبايكر، وطوزخورماتو، وسنجار، والكرادة، وشارع عبد الله بن علي في البصرة، وجرائم أخرى لا يمكن حصرها، ليس سوى صورة لتلك الغابة، وهذا ما ساعد في بناء أغلب قصائد المجموعة ضمن فعل التواري.
لا يمكن لكاتب بصري من الابتعاد عن مكانه ومدينته، وكأن هذه المدينة مزروعة في روح كتّابها جميعاً، وهذا ما يؤكّده خضيّر أيضاً، إذ يرى أن الانتماء شعور يدفع الإنسان لأن يكون جزءاً لا يتجزأ من الآخرين، والشاعر عندما يكتب فهو يحتاج إليهم وإلا لمن يكتب؟ مضيفاً أن المكان  مركز انطلاق الحدث سواء للشاعر أو للروائي، والفضاء هو المسافة التي يحتاجها الكاتب للوصول إلى الفكرة وهي كل ما يخطر في العقل البشري من أشياء وتحليل للوقائع، وما الإنسان إلا مجموعة أفكار تتحول إلى سلوك  تتبلور منه الشخصية.
ومثلما لم يخرج خضيّر عن مكانه الأثير، فهو أيضاً لم يبتعد عن كتابته لقصيدة التي التي يراها الحدث الأمثل لكتابة الشعر الآن، مزاوجاً بين بنية قصيدة النثر العراقية، والقصيدة برؤيتها الفرنسية في بعض النصوص، لكن يبيّن أن هذا الأسلوب ليس محاولة للمزاوجة بين أسلوبين مختلفين في كل شيء قدر ما هو محاولة للبحث الدائب عن جهته الشعرية، الجهة التي يجد نفسه قادراً بها على صناعة أسلوب خاص به، فلكل شاعر جهته وإسلوبه في الكتابة، فعندما تقرأ قصيدة من قصائد أدونيس تعرف أنها له دون الحاجة لقراءة الاسم، و”هذا ما يحفزني على بذل مجهود مضاعف من أجل بناء أسلوب خاص بي. وحسب رؤيتي تَنبعُ قوة قصيدة النثر من قدرتها على خلخلة النظام المُتَّبع في النسق الشعري، وعملِها على إزاحة التراكيب اللغوية المعروفة بهدف إيجاد بنى تعبيرية جديدة، وخلق حالة من الحركة داخل السكون، والدوران حول فكرة جوهرية  تتفرع عنها مجموعة من الأفكار التي لا يمكن فهمها إلا من خلال إضاءة الفكرة الرئيسة وبلورتها”. مضيفاً أن قصيدة النثر تعتمد على المتناقضات، كالفوضى وعدم الانتماء، وهذه المتناقضات هي أساس القوانين التي بُنيت عليها، معتقداً أنها نجحت كأسلوب  يحمل كل التقنيات الفنية من خلال مساحة الحرية التي تمتلكها.
واستمراً في الحديث عن التقنيات، يعتقد خضيّر أن تقنية الكتابة تولد بفعل اللحظة الشعرية، كلنا يعلم أن قصيدة النثر تحتاج إلى الإيجاز والمغايرة وتفجير اللغة من الداخل ومن ثم يبدأ البناء في نسق يحدده الحدث والرؤيا، لكن أحياناً تجد نفسك تنساق وراء فكرة تنتشر كبقعة زيت لا يمكن السيطرة عليها، في النهاية تكون قصيدة ناجحة، وهذا ليس خروجاً عن قوانين قصيدة النثر كما يرى البعض فقصيدة مثل تأريخ الأسى لطالب عبد العزيز مثالاً للقصائد الطويلة التي استطاعت أن تحافظ على نسقها وإيجازها ولغتها المغايرة.. ومن هنا لا يمكن وضع تقنية للكتابة قبل بلورة الفكرة التي ينصاع لها الشاعر والقصيدة معاً.
أصدر خضيّر مجموعته الشعرية الأولى في عمّان، فضلاً عن مشاركته في بعض الكتب الشعرية، ولهذا كان هناك تطور ملحوظ في بنية قصيدته، ومن هنا يشير إلى أن قصائد (رحلة السماء السابعة) تمثّل حقبة الحرب، والحصار، والدكتاتورية، والرغبة في الخلاص من قبضة السلطة الحاكمة آنذاك، صورة الجوع والفقر في لوحة الفقر، صورة التوق للنجاة والخلاص والبحث عن الحرية في إخوة بلا يوسف، صورة الأم والأب والأصدقاء، وهي محاولة للهروب من واقع مرير مزق المجتمع وزجه في حروب خاسرة واعتقالات لم يسلم منها الشعراء.
أما في هذه المجموعة، فجل القصائد فيها كتبت بعد سقوط الدكتاتورية وهي امتداد للمجموعة السابقة إلا أن خضيّر يجدها أكثر اتزانا،ً وذلك بسبب عمق التجربة والشعور بمساحة من الحرية وإن كانت مقيدة أحياناً بسبب التخبط الحاصل في الوضع السياسي الحرج والمرحلة الصعبة التي يمر بها البلد.

 

((الصباح))