المعنى والطاووس

الكاتب:يــاســيــن طــه حــافــظ

 
أوراق أوكرانية

قرية تستقر على النهر كأنْ فرت من نوء وحشي طاردها. أَمِنَت، هدأت أنفاسها وتهدلت على الماء غصون تعرف النهر ويعرفها. أنا أجلس على صخرة، لا تخشاني لا أخشاها. كلانا مطمئن إلى حماية هذا النهر الصعب، أمواجه تتسارع كتلاً من ماء مشوب لا ينتهي.

فجأةً، انتبهتُ: في الثنية بين الصخور الماءُ رائقٌ، ينعم باستراحة، عليه أطراف مذهبة من الشجر تذكّرنا باقتراب الغروب.
بدا هذا القوس المائي ساكناً. هو يغفو. الجمال ينام وعنقود من الورد المدوّر الناعم المتّقد انسدل من الشجيرة القريبة يهتز فوقه حميماً، قليلاً ويتم التماس..
في هذه الجلسة على الصخور وبين الشجيرات، أحسستُ بتوقف التاريخ وإمّحاء الأحداث ولا شيء سوى هذه الساعة التي أنا فيها وهذا النهر وهذه الصخرات المستقرة حجزت منه شبه خليج. لا شيخوخة هنا ولا صبا. هنا حياة صامتة وكون مستقر وأزهار صغيرة يتزايد اتقادها كما تتبادل هدايا ووجه صامتٌ لا يخاف، لا ينتظر وغير معني بشيء.لا أريد أن أغادر المكان. أنا هنا بعيد عن كل شيء مربك، عن كل قرار صارم وقطعي. أنا في عالم طري منسجم وكون متآلف من زمان: الشمس والريح والنهر والمطر وهذه الأشجار والأعشاب المطمئنة اكتفت بحجومها وطراوتها في الحياة.
كنت أتلقى كلمات صامتة من نَفَس العالم، من لمع خضرةٍ هناك وانحناء عشبةٍ هنا كما لتخفي سراً لساعة أخرى. صامتٌ أنا والكون يحرك معانيه..
أول مرةٍ أشعر أن حياة الأشياء هنا حياتي وانني لا شيء بعيدا عنها. لكل شيء هنا حضور ويحمل بعضاً مني أو أنا منه.
تذكرت الآن سيدتي المعتكفة، تتذكر أو تمسح أخطاءً أو تنظر لتحف الزينة أو تنهي الكتاب الأخير وتطبقه مثل قصة حب. هي تستعيد أقوالي لها “اننا في خمود العواطف وغلق الباب، نؤكد خسارتنا. القدر لا يريد أن يبعدها عني. هنا هي معي وحيث أكون جواري أو تمر بي لكي لا أنسى. أحس بخراب يحيطني حين أذكر بعض التفاصيل، لكن سرعان ما يحضر الحب ويشتعل مرةً أخرى”.
عاد صاحبي. أشار لي أن أنهض فقد أحضر تذكرة قطار ولنا أربع ساعات لنغادر. أقل من نصف ساعة ودخلنا المدينة: قلت له “يمكنك التجوال، أنا هنا في هذا المقهى أشرب شيئاً وأستريح. لدينا ساعات ثلاث. ودخلت أضواء المقهى لأنتحي جانباً، مائدة فارغة في ذلك المقهى النهري. لا سفن. زورق واحد بعيد. غيرت مائدتي. عرضٌ مهذب من سيد انتبه لغربتي، لجلستي مبتعداً وكأسي. أشار: “لو تدنو!” ما ظننتُ هذه الإشارة ستكون بداية قصة حب وبداية رحلة روح وأنني أعود إلى الشعر في جرأته وقسوته ورغباته التي يندر أن تظل كما بدأت.
دقائق ونظر السيد المهذب إلى ساعته بارتباك، أنهى كأسه وغادر. حان موعده وكأن كانت مهمته أن يكسر عزلتي بحدث، أن يسلمني لقصة أخرى تدور في الحياة .ثلاث سيدات توجهن إلى المائدة الخالية جواري. يبدون من ظاهر المدينة أتينَ ليسترحن. ربما هن أيضاً بانتظار. واحدةٌ أوصلت الاثنتين ثم ودعتهما وغادرت. بقيت الأخريان تتحدثان وتنظران لهذا الغريب الذي يجلس وحده قريباً منهما. قليلاً قليلاً وبدأ الاقتراب. مال الحديث ليكون بيني وبين واحدةً منهما. بدت أن لها قدرة على التعبير عن أبعد العواطف بإشارات بسيطة وبوهج نسوي ذكي ناعم. هي شبيهة بتلك التي كانت وهي تقبّل تبتدع الكلمة الساطعة. أحسستُ أنها لا تريد أن يتضح امتيازها، هي تضيّع تفرّدها لتظل على مبعدةٍ. هي تعلم بالفراغ الذي سيعقب التجربة والحزن الذي يرث
المملكة..
قالت كما لتوقف فتح الباب:”وما جدوى أن نقول ما دمنا سنفترق؟”.أكملتْ: “هل أنت ابن ريف؟” وضاحكةً:”لا تبدو محترف إعجابات وتعابير. لاتزال فيك مذاقات الأشجار البعيدة. حسناً دعني جوارَك أتمتع بالاحترام ..” شعرتُ بسعادة، برد اعتبار إنساني لارتباكات الشيخ المحبَط الذي تمنى حباً ولم يعرفه صافياً حتى اليوم. ما زهدنا به في موسمه صرنا نتمنى اقترابه. ننحّي كبرياءنا ونقف في الطريق كأن صدفةً نلتقيه، لو يظل بصيص أمل يضيء في كآبتنا. هذه الشمس الغاربة، تسير في رماد الكون الراكد، تسحب آخر خيوط الذهب كما لتسافر أبدا..
أنا لا أريد أن أرتحل. روحي تعلقت بالحقول الوردية التي انخطفت ألوانها. قد تستعيد وردها لكن الشحوب صار رمادياً، صار يسودّ يثقل في الهواء حولي.ماذا يستطيع وجهي أن يفعل في عالم ستغادره الأضواء؟ أين أنتِ الآن أيتها الياقوتة التي أضعت!
هو هذا الطريق وقد سلكه قبلنا كثيرون. لا لوم، هي واحدة من أولئك اللائي يعرفن سر الوردة ويأملن بالحضور السامي، لكن يشتهين المشّاء بقميص الحرير ولمعان الاناقة ولا يخفين فرحاً ما إذا جاء مكمِّلاً أو معشوقاً.هو يعني اكتمال الأنوثة التي نحن احياناً نجهل أحوالها.
وهي معي، في حضرة المعنى، تتوهج نيرانها الرقيقة مشرقةً بالشعلة التي أوقد الله. اضطربت سكينتها الناعمة لحظةَ رأت الطاووس يتثنّى وتتلامع عيناه والكلمات. حينها نسيت المعنى والحضور السامي لتنال من سحره ولمعانه ما يعني انتصارها، ما يعني توسع المملكة وما يعني رغبة جديدة حضرت. ذكية هي تعرف الصيد. قالت لي وهي تبادلهُ النظرات:”أين غبتَ؟ كنت تتجول وحدك. ابتعدتْ بك عني؟”
رأيته يبتعد باتجاه باب المقهى. ابتسامة حلوة وهي تودعني: “شكراً للضيافة”. وغادرت كما لو تأخرت عن موعد. ورأيتهما يخرجان معاً! عزاءٌ؟ أم هو الرضا فاقد المذاق؟ لا ألومها خسارة الحياة هي ما لا يعوض أبدا…
 

http://www.alsabaah.iq/Ar