تأملات في ثعابين الارشيف

(نظرة نقدية شمولية لرواية اسعد الجبوري)

كريم القاسم :

 

• الصراع بين الخير والشر ، اختصرتهُ قطرة دم عانقَتْ مياسم الأرض ذات يوم ، عندما كانت الأرض بِكراً لا تعرف طعم الدماء . تَشَرَّبَتْ أوردة البشرية بمغريات الحق والباطل حتى أنقسم العالم إلى قرني فضيلة ورذيلة.ومازال القرنان في تأزم وصراع . وكاد أصحاب الحق لا يُذكَرون لقلتهم ، لكنهم تحصنوا بالقيَمِ ، وشحذوا الهِمَم ، حتى اضطر الحق إلى رفع السيف ، ليقيم عدلا ويدحر باطلا. وتدَرَّجَ الحق كل حسب آلته ، فمنهم النبي والرسول ومنهم العادل الحكيم ، ومنهم القلم الملتزم الجسور ، فخلَّدهم التاريخ ، وباتت رسالتهم كالمسك الأذفر عالق في ثياب الوجدان وجسد البشرية .
• ما أن أتممت قراءتي للرواية ـــ والتي بلغ تعداد صفحاتها 378 صفحة وتعداد كلماتها 187826 كلمة حسب نظام مايكروسوفت ، وقد تصل إلى أكثر من 600 صفحة في الطبع الورقي ــ حتى بتّ ُمستلقياً على ظهري كي اخرج ذاتي من أتون عاصفة روائية كنتُ قد عملتُ لها جدولاً زمنياً اقتطعته من وقتي لهضم رواية (اسعد الجبوري) بعنوان (ثعابين الأرشيف) وكنتُ ملتزماً بالجدول حَدّ الدقة ، كي لا تغادر الأحداث ذاكرتي ، وتبقى محافظة على تسلسلها الزماني والمكاني .
• صَنْعَةُ الرواية ليستْ بالعمل الهَيِّن كما يعتقد البعض،حتى وإن خَضَعتْ لنفس ضوابط السلوك الإنشائي من(فكرة ـ مقدمة ـ عرض ـ نهاية) . وهي من أجمل وألذ أنواع فنون الأدب النثري . وتعتبر من الفنون الحديثة بين أنواع القصة ، وهي الأكثر تطوراً وتغييراً في الشكل والمضمون بحكم حداثتها . إلا أنها كجنس أدبي، تحتاج إلى لياقة في البناء الحكائي ، ورشاقة في اختيار المفردات التي تناسب الفكرة والحَبكة والحفاظ على العمل كوحدة متكاملة خالية من التشظي أو التشابك الغير منطقي . بحيث تمتلك كل المقومات التي تهيئ الأرضية الثابتة والمستقرة للانطلاق الى أذهان القرّاء والمتفحصين والنقّاد ، للاقتناع بها كَعَملٍ وفَنٍّ أدبي يستحق التقدير والاحترام ، وهذا ما سنلقي ضلالنا النقدية عليه في الآتي ان شاء الله تعالى .
• هذا العمل الروائي الكبير يحتاج رؤية نقدية في تشعبات وفروع كثيرة ،كونه يحمل بين دفتيه ، اكثر من مادة نقدية تتفرع اتجاهاتها واختصاصاتها وأهدافها ، لذا سأقف نقديا عند هذا العمل الكبير كـ (فنٍ أدبي) ، لأنه السِمة الأساس لهذا العمل .

• كُنّا نقتطع جانبا معينا مِن أي نصٍ أدبي نجد فيه متعة أدبية أو فائدة نقدية ، لكن هذا العمل الأدبي ، لابد ان نوجه له عين ناقدة وفاحصة بـ ( شمولية ) واتساع ، فأن اختزال جوانب اثرائية وجمالية من جسد النص الروائي هذا ، هو تعسف وإجحاف بحق النص وبحق المؤلف . فـ (الشمولية النقدية) لهذه الرواية لابد من الإتيان بها ، كي يستطيع المتلقي أن يفهم الأهداف التي رسمها
الكاتب في نصه الروائي . وسوف لن أُلَخِّصَ الرواية للمتلقي ــ كون (التلخيص) فَنٌ أدبي قائم بذاته ــ وإنما سنشير ما أمكن إلى زوايا وشذرات من جسد الرواية ، والتي تهم النقد والتحليل، كي تفيد المتلقي عند قراءته للرواية.
• قلم اسعد الجبوري ليس بالقلم الدارج الذي يقطر كلمات تملأ جسد النص الشعري أو الروائي لمجرد عرض فكرة ما ، يقرأها المتلقي لقرض الوقت او اختطاف فسحة من الزمن لإبعاد الملل المتسرب إلى النفوس ، إنما يحتاج إلى قارئ أو متلقي يتنفس برئة شعرية ، ويحلل الأفكار بذهنية الفاحص اللبيب. هذه البصمة الأدبية التي يتميز بها قلم اسعد الجبوري هي التي مَيَزَتْ نوع
المتلقي لمداد هذا القلم .

جَراءةُ الفكرة /
ـــــــــــــــــــــــــ
الفكرة هي من أهم أركان النص الأدبي بل وفي كل عمل . إذ تنطلق كل الإرهاصات الذاتية والإشجان وحتى مَلَكَة الكتابة والتأليف باتجاه هدف معلوم، تحدده الفكرة من أول لحظة تشكيلها في ذهن المؤلف . والفكرة تحتاج إلى رعاية من لَدُن المؤلف ، لأنها ستُحدِد بصمته الشخصية في الأدب . ويجب ان تخدم الفكرة مشروعاً يَمتّ إلى العالم بصلة،حيث يصب في خانة التطور والإصلاح ، وإلا لا فائدة من كتابة نص أدبي يحمل على عاتقه الحشو اللغوي فقط لا غير . وهذا ما تجاوزه الشاعر الروائي اسعد الجبوري في عمله الأدبي هذا . فقد جاءت الفكرة وهي تحمل صرخة جسورة وجريئة ، قَلَّ مثيلها في النشر الروائي خلال هذه الفترة ، والتي استعرض فيها (داعش) ومن والاهم ، مع كل وسائل التفنن في الوحشية والترهيب والإرهاب .وقد نجح المؤلف في إشهار فضيحة مُدَوّية على المستوى العربي والعالمي ، تمس دقائق الأمور في جسد هذا الفكر الظلامي الهمجي ، بل وغاص حتى في السلوكيات التي تَحَرَّجَتِ عن فضحها الكثير من الأقلام ، إما خوفاً أو تصوراً إنها لا يليق طرحها على مستوى الأدب . لكن
المؤلف أراد ان يصل إلى هدف واحد وهو فضح العدو وإضعافه أمام الرأي العالمي .والقلم الملتزم يجب ان لا يحتضن الشوق والغرام فقط ، إنما خُلِقَ لغير ذلك ، فإن لم يناهض باطلا ويقيم عدلا ، فليصمت أو يُجَفِف مداده .

السند الروائي/
ــــــــــــــــــــــــــ
هذا العمل الروائي الجسور ، لم يخضع لأهواء المؤلف بقصد البغض أو التقاطع الفكري ، بل استند إلى روايات وهوامش تاريخية ومصادر من عقر دارهم واستخدم مقولة (من فمك أدينك) وهذا من أروع الأساليب في المناظرات والإفحام ، كي يرفع ويدفع قَول مُتَقوِّل ، او سؤال مُتَسَوِّل ، وحتى يأتي العمل وهو يحمل عناصر الاكتفاء الذاتي ، ويخرج القارئ وهو خالي الوفاض من
التعارض والتشويش .

الهدف /
ــــــــــــــــ
إن إيصال فكرة إلى المتلقي شخصاً كان أم كياناً ، بأن الحق والباطل صراع أزلي ، وأصحاب الباطل ــ عبر كل العصور والأزمنة ــ هم رعاع البشرية ، ويوهمون الناس بأن الحق باطلا والباطل حقاً ، وإن داعش كيان هزيل قد قُدِّمَ على طبقٍ من فخار ، هو الهدف الذي ناضل من اجله المؤلف لكي يلج الى لُبِ المتلقي وهو مقتنع بما يقرأ .

نوع الرواية /
ـــــــــــــــــــــــــ
ابتعد المؤلف عن الأسلوب الكلاسيكي المعتاد في السرد ، بل حمَّلها وأشبعها إبداعا في كل جوانبها ، كعادته في التأليف . وقد جاءت الرواية وهي تحمل سمة (الخيال والواقعية والرومانسية الجسورة) . فقد مازج المؤلف بنجاح بين هذه التنويعات الثلاث ، ضمن أجواء متشابكة وحشية داكنة ، وطَعَّمَها بمقدمة تصرخ بالخيال العلمي . وهنا نسجل له نقطة نجاح أخرى . حيث أراد الابتعاد تماماً عن وضع جملة تخصه مخاطبا أو معلقا في الرواية ، بل ترك الأمر لبطل الرواية (طارق) منذ ان كان نطفة ، ليروي محطات الخلق ، بأروع صورها ، مع زرع هدف أنساني لمناهضة الإجهاض .

إبــداع /
ــــــــــــــــ
كعادته اسعد الجبوري ، أتى برواية قد احتضنتْ الإبداع في الهندسة البنائية لهيكلها ، مبتعدا عن القديم من حيث التبويب والفصول والعناوين الرتيبة ، حيث جعل الأحداث تبدأ بالأرقام حتى بلغ مجموعها 43 حدثا ، وكل حدث يحوي مجموعة من الصفحات ،وجعل العنوان مختصراً مُرَكَّزاً يُفهِم القارئ على دلالته . لأنه يتكرر باستمرار في كل حدث جديد . فمثلا : عندما يدخل الحدث الروائي في جوهر الهدف ، يستخدم الكاتب عنوان (النواة) وهذه المفردة كافية لإغناء الفهم والإدراك إلى مغزى المؤلف وما يروم
إليه ، وهذه المفردة يجدها القارئ منتشرة في كل الأحداث الجدية للرواية ، ويبقى على القارئ ان يفهم جوهر وعنوان الحَدَث الجديد . أو يأتي المؤلف بمفردة (ظلال) لعنوان سرد يخص ما روي تحت عنوان (النواة) ، أو عنوان (ظلال النص) عندما يريد الاستشهاد بنص تاريخي ما أو عندما يختلي بطل الرواية بمخيلته وأفكاره ، او عنوان (هامش السرد) ، عندما يحتاج المؤلف توضيح فكرة ما على لسان البطل ، او (شهوة النص) ، (بخار النص) ، ( غبار الرواية) ، (توابع الزلزال) … وهكذا كل حسب ما يتطلب السرد .هذا الإبداع يجعل المتلقي يبتعد عن التداخل الفكري والتشابك في السرد ، وتبدو معالم الرواية في غاية الوضوح ، وهذا ما نبتغيه من المؤلف ، لان الهدف هو القارئ والمتلقي .

اللــغة /
ـــــــــــــ
تعتبر لغة الرواية ، الوسيلة التي يعتمدها المؤلف ، لإيصال الفكرة إلى المستمع تلقائيا وبصورة مباشرة،عبر وسائط فنية يعتمدها في تركيب الكلمات والعبارات. لقد جاء الكلام في رواية اسعد الجبوري بصيغة ضمير المتكلم من قبل أشخاص الرواية ، وهذا يضفي واقعية أكثر للمتلقي .الكاتب لم يغادر وجدانه الشعري . حيث زرع عبارات وصفيه حَمَلَتْ الكثير من الفن السردي الذي تنطق به الشخصية في الرواية ، وقد اعتمد العبارات الوصفية الدقيقة للشخوص او الزمان والمكان ، لكي يضيف واقعية مدروسة لدى المتلقي.فعندما يأتي وصف الدار مثلاَ:
” لم يكد أبو قعبرة يكمل كلامه، حتى رأيتهُ يقف عند عتبة دار طينية. بابها من الخشب المتهرئ، وعليه بقايا صبغ أزرق غامق، ليس في جدران تلك الدار نوافذ أو شبابيك. بل برزت من أعاليها عواميدٌ من جذوع الشجر، وهي تغطي سقفها العريض، كما ظهر ذلك من النظرة الأولى لتلك الدار القديمة.”
• وعند الشروع في إبراز وصف فكر التكفيريين ، نرى المؤلف يلقي
بظلال فكره على لسان شخوص الرواية ، بأجمل وابلغ تصوير لغوي :
” أنها ثقافة الساطور الذي لا يقرأ ولا يكتب ولا يرى ولا ينطق ولا يشم ولا يسمع، لأن حديدهُ يستعينُ بيد القاتل وحسب، لذلك ينفذ السيف أو الساطورُ كل تلك الأفعال عن المجاهد بالوكالة، قراءةً وكتابةً وسمعاً ونظراً وشمّاً ونطقاً.
ثمة لذّة بمسك الساطور. وهي تتجدد على الدوام. أي إنها تغذّت على الدم، وليس بمقدور فلزات الحديد الصيام عنه، كلما وجدت الحاجة لذلك. وإذا كان الساطور ضمير القاتل، فأنه عادةً ما يتحرك في مجرى التاريخ، ويبثُ نسخاً من أعماله للنشر.”

• واستخدم الروائي كذلك لغةً تحمل من المُحسِّنات البديعية الشيء الكثير، مع بيان مشرق وجذاب، وحتى ألفاظاً (شعبية) او (عامية) وأخرى قد يستهجنها البعض ، وقد تبدو غير مألوفة لدى القارئ ، لأنها تدخل في باب (الفحش) . لكن ساحة الرواية تحتاج إلى هكذا عتاد لغوي ومفردات ، أما لتوضيح وفضح سلوكيات (داعش) وبيان فحشهم واستهتارهم بالقيم والأخلاق ، أو ان مُجريات الحدث تحتاج إلى هكذا مفردة ، كالسرد في قصة (الحيمن) و(البويضة المخصبة) و(الكورتاج) في مقدمة الرواية ، أو السرد الروائي بين طارق وزبيدة ، وغيرها من الوقفات.ولا تقلل هذه اللغة من شأن الحبكة الروائية ، بل تجعلها تعيش مع المتلقي
بواقعية أكثر ، بعيداً عن النموذجية الغير معهودة . وقد استعرض المؤلف كذلك هوامش تاريخية مسندة إلى مصادر يعدّها أصحاب الشأن هي المصدر الأساس في التوثيق والإرشاد . وجاء الإبداع فيها عندما استخدم هذه الأسانيد ضمن
الحكاية وعلى لسان الشخوص ، مع وضع إشارة الاستدلال الهامشية ، لرجوع القارئ إلى المصدر إن شاء أو رغب .
فمثلاً هذا المقطع الرائع :
” وهل يصحُ ما ذهبَ به قولُ ابن خلدون بكم في مقدمته الشهيرة: أن الأعراب هم أسرع الناس للخراب، وأنهم يحتاجون إلى دعوة دينية يستطيعون من خلالها استحلال الدماء والأموال والأعراض وإسباغ الشرعية على ثوراتهم واعتدائهم؟”

• فلو بحثنا في عناصر هذه الرواية لوجدنا ما يلي :

الشخصيات/
ــــــــــــــــــــ
لنبتعد عن لفظة البطل في الرواية ، كما يذهب إليها الكثير من النقاد ، فهي لا تعني الشخصية السوبرمانية ، إنما هنالك شخصية (رئيسية) تدور حولها معظم أحداث الرواية ، وقد صنع المؤلف عنصرا محورياً باسلاً اسماه(طارق) يتحرك بعفوية وسلاسة ، ويتنقل بين متون الرواية ضمن قرار القدر وخيال التصوير الذي لا يخلو من الذكاء الفطري الذي رافقه منذ ان كان (نطفة) وحتى لحظة اندماجه في تربة الخلق الأول.وهنالك شخصيات أخرى ترافق وتحوم حول المحور بعضها عناصر إعاقة كـ (فليفل) الداعشي ، و(أبو قعبرة) وعناصر مساعدة او معينة كـ (دفلى) محبوبة طارق والتي نجح الجبوري في تصوير لحظات الصراع في الحبكة الغرامية ليبعد الملل والرتابة ، والمسار المرسوم لدى القارئ كما في الروايات الأخرى .أو (زبيدة) إحدى زوجات القيادي الداعشي (فليفل) والتي رسم لها المؤلف مساراً مشاكساً ، دعته الضرورة لكشف الزيف الأخلاقي الوهابي والداعشي . وشخصيات مساعدة وعناصر ثانوية ، ظهرت بتوافق فائق الدقة ، من حيث الزمان والمكان . كالسائق التركي (غلوم) و حميدان (أبو البراغي) و(بثينة) والدة (طارق) وغيرهم .الذي يهمني في هؤلاء الشخوص هو الحضور الكارزمي المقنع لهذه الشخصيات مهما بلغت دقتها وقصر زمن حضورها . والقارئ الذي يتفاعل مع حبكة الرواية بجدية وواقعية كبيرة ، سيتولد لديه انطباعا داخليا ، بأن الشخصيات ولِدَتْ من رحم الحياة وليس من رحمٍ صناعي مُبتكَر ، إضافة الى السلوك الحياتي والمعيشي لكل شخصية والإفرازات التي تُستَغَل في هكذا صراعات اجتماعية وحروب دولية ، كسلوك حميدان (أبو البراغي) الذي يتاجر بقطع الغيار البشرية .
وقد أجاد الجبوري في انتقاء الأسماء والمسميات للشخوص وللأمكنة التي جاءت موائمة ومتوافقة مع ذاتها ، وهذا هو ما نبحث عنه في الرواية الناجحة.

الأحداث /
ـــــــــــــــــ
كل الأحداث التي رُسِمَتْ في الرواية ، تَحددَتْ إحداثياتها بأيدي ماهر خبير . وهكذا صراع أزلي ، لا يمكن ان يوصَف ضمن حبكة إنشائية ، تثير الضجر ، أو تنحو نحو غاية تشكيل نص يحمل عناصر الرواية لا أكثر ، إنما يحتاج إلى رعاية بحثية تاريخيه وعلمية ، وخلفية ثقافية معرفية واسعة الاطّلاع ، كي يستطيع المؤلف ان يلقي بظلاله المعرفية على هذه الإحداثيات ،وعرض
واستعراض للاختلافات الثقافية ،واختلاف الرؤى العقائدية ، والتي تعتبر شرارة انطلاق الأزمات التي تتحول الى صراعات فكرية ودموية ، حتى يستطيع ان يربط بين نهايات الأحداث المتنافرة ويجمعها في صراع جديد وحبكة جديدة .
فمثلا عندما يدخل (طارق) الأراضي التركية ويتحدث مع سائق التاكسي (غلوم) ، لم يكن الحوار هامشي أو مجرد عبارات استهلاكية في الرواية ، بل وظّفها المؤلف أحسن توظيف في مسار الأحداث ليهيئ ذهن القارئ إلى صراعات
قادمة أساسها هذا الحوار :

” ــ فتركيا في هذه الأيام، بلاد للسياحة العسكرية أو القتال المفتوح ــ بالضبط.
ــ نحن نقبض ثمنَ موتِ السوريين مالاً وثواباً، عندما نقوم بتوفير الأرضية لحاضنة الجهاد.
ــ حاضنة للسيوف ومرور الموت إلى سوريا تقصد؟!
ــ لا تهمُ التسميات كما يبدو بعد الآن. المهم هو التقسيم والتحطيم والتبشير بالمذهب النفطي الخامس !
ــ لا. ولكنني كلما وجدت عندي نقصاً، وفرّتها لي الجماعات السلفيّة.
ــ هل أصبحنا على مقربة من الأسواق الشعبية؟
ــ تريد الذهاب إلى هناك. لماذا؟ أمن أجل تجنيد بعض الهاربين الفقراء من بلاد الشام والشيشان؟
ــ لا. لست بوارد من ذلك الأمر. السعوديون والقطريون والأتراك هم من يقومون بشحن تلك المواشي قرابين للحرب المفتوحة فيما وراء تلك الحدود. أنا هنا للتسلية ليس إلا.
ــ ما رأيك لو تستبّدل الأسواق بشيء أظرف بكثير؟
ــ بيوت الدعارة العثمانية تقصد؟
ــ لا. لم تكن مصيباً يا سيدي في هذه المرّة. كان عليك أن لا تسمي ذلك إلا بالدعارة التركية.
ــ وما الفرق ما بين العثمانية وبين التركية؟
ــ الفرق كبير يا سيدي ما بين الهوية والفرج. “

• هذا الحوار الثنائي ، لم يأتِ من فراغ ، إنما يأتي من خبرة إطّلاعية واسعة ،عن خفايا الكواليس السياسية وما ورائها .
او مثلا ، في هذا الحوار بين (طارق) والقيادي الداعشي (فليفل) حيث أظهر المؤلف جوهر الصراع الفكري الواضح لدى هذه العصابة الضالة ، مستنداً إلى حقائق وأرشيف تاريخي للإثبات:

” ــ (فليفل) : لا فرق بين العشق والدين عندنا في نهاية المطاف. فكل ديننا، سرعان ما تراه يتكوم سعيداً مغتبطاً بحضن امرأة. لذلك اترك (محمد) جانباً، وركزّ معنا يا طارق. فتجريد الرسالة المحمدية من جميع مقومات التجديد أو التعايش مع حداثة العصر، هو ما نسعى إليه.
فنحن في خلاصة إنتاجنا العقائدي، مستمرون بتفريغ (محمد) من محتواه النبوّي، لنردّه إلى منزلته (( البيتوتية )) التي كان يعيشها تحت ذلك الكساء اليماني،منعزلاً مع أهل بيته ممن ضُربتْ أعناقهم بسيوفنا الأموية فيما بعد، وصُفرتْ جيناتهم من أرحام التاريخ. “

• ما أروعها من حبكة ، وما أمرها من حقيقة . لقد برعَ الجبوري في استخراج بواطن النزاع الى العَلَن وبجرأته المعهودة ، ليبني عليها كل الأحداث التي تسبح في حضن الرواية حتى يصل الى هدفه المرجو . والحبكة المؤثرة في النفوس هي التي تثير الدهشة لدى القارئ ، معتمدة على العنصرين الأساسيين :
1- تسلسل الأحداث.
2- الأفعال الصادرة عن شخوص الرواية ، والتي تنتج انعكاسا لطاقة وانفعال وعاطفة الشخصية التي يرسمها الراوي .
والحبكة المطلوبة في البناء الروائي ، هي التي يبتعد المؤلف فيها عن عوامل الصدفة في رسم الحبكة والحدث المفاجئ ، لأنها ستعطي انطباعا لدى المتلقي ، بعدم الجدية والإقناع ، كون المؤلف هو الذي غير مسار الحدث بهذه الصورة المفاجئة ، أما الحدث الذي تصنعه الشخصية في الرواية ، ويسير بتناغم مع تطور مبدأ السببية في الرواية ، فهو الذي يستطيع إدراكه المؤلف الخبير …
وهذا ما وجدناه متوفراً في حبكة هذه الرواية .

العنــوان /
ـــــــــــــــــ
نحن كنقاد ، نُعيب على الرواية أو أي نص أدبي ، يحمل عنواناً مُحمَلاً بعناصر الخلل وعدم التوافق والانسجام مع فكرة النص لانه سيعمل شرخا كبيرا في جسد الثقة بين القارئ والمؤلف.وسيحدث النفور لا محالة بين تلقي القارئ وكل عناصر النص إذاً لابد ان نهتم بسيميائية العنوان باعتباره البناء المستقل او الوحدة المستقلة التي تبني ركيزة الأساس التي تحمل علامات الدلالة التواصلية
بين النص والقارئ . والعنوان يشكل لحظة تفتح ذهني أو لحظة قدح في وعي المتلقي . والمؤلف الناجح والمبدع،هو الذي يحافظ على هذه اللحظة من تداخل الزيغ أو النفور. وأجمل العناوين ما كان تأويلياً ، الذي يترك للقارئ مساحة شاسعة للتخيل والبحث عن سبب عنونة النص بهذا العنوان . العنوان لهذه الرواية التي بين أيدينا هو(ثعابينُ الأرشيف) نص العنوان يتكون من مفردتين ، اسم مضاف ومضاف إليه،وهو يحمل الوظيفة (الدلالية الضمنية)، أو إشارة سيميائية مختزلة والتي ستؤسس إلى فضاء روائي واسع فسيح . ومفردة (ثعابين) تحدد دلالة المضاف إليه (الأرشيف) ، وهذه البنية النحوية ، جاءت تحمل البصمة الذكية والإبداعية للروائي اسعد الجبوري ، فهذه البنية تصور الترابط الجوهري بين المفردتين . وحسناً فعل المؤلف في استنباط العنوان وجعل (ثعابين) غير معرفة بـ (أل التعريف) ، لأنها تتضمن إشارة الى عنوانين نكرة في عالم الحياة ، وكل ما يصدر منها يدخل في عالم النكرة . إذاً نحن أمام تقابلية واضحة بين العنوان وجسد النص ، سيكتشفه القارئ بعد حين. ثم أردف العنوان بعنوان آخر موازي وملخص ومركَّز ، يحيل ذهن القارئ إلى مضمون الرواية وهو( كورتاج لمخلوقاتِ الرمل والجنّ والجَرَاد) وقد ابتدأه بمفردة (كورتاج) والتي هي لفظة غير عربية تعني كَحت وكَشط الرحم بآلة جراحية لتنظيفه مما علق به . وقد أتَتْ هذه المفردة في مقدمة الرواية حيث استند عليها معظم الحدث الابتدائي ، ثم اتت بمعنى التورية لهدف الرواية الخفي ، حيث اتبع المفردة بـ (مخلوقات الرمل والجن والجراد) والتي ستشغل ذهن المتلقي مرة أخرى في استكشاف هذه المخلوقات .وهكذا نجد عنوان الرواية قد احتوى التشكيل اللغوي الرمزي الذي ينضوي تحت نطاق الدلالة (السيميولوجية) التي تحمل آلية وإشارة التواصل الإبداعية الخلّاقة .

المقدمة (البداية) /
ــــــــــــــــــــــــــــ
معظم النقاد يعيبون على الرواية التي تبدأ من نقطة الصفر في السرد والحبكة ، والكثير يمتدح الحداثة في السرد الروائي حين يبدأ المقدمة بالحدث الأخير والنهائي لينطلق بعدها إلى الحبكة المرسومة ، إما الروائي اسعد الجبوري ، فقد بدأ من نقطة الصفر السردي ، لكن بإبداع قل نظيره ــ يذكّرني بالمسلسل الكارتوني الفرنسي الشهير (كان يا ما كان الحياة) الحائز على جوائز عالمية كثيرة. حيث يبدأ مقدمته بسرد يمتزج فيه الخيال بالواقع العلمي ، ضمن جريمة (الكورتاج) الاجتماعية التي تحدث كل يوم في زوايا العالم الفسيح ، وقد عَرضتُ النص على أصحاب الاختصاص الطبي ، فلم نجد أية ثلمة علمية في السرد أو المفردات والمسميات ، بل زاد الفعل جمالاً حين تفنن المؤلف بالحوار الذاتي للحيمن ثم البيضة المخصبة (طارق) .
فمثلا هذا الحوار الذاتي داخل الرحم :
” هل يكون بمقدوري أنا النطفة، استعمال البريد الاليكتروني وكتابة ملايين الرسائل والريبورتاجات لمناداة المنظمات الإنسانية ومطالبة شيخ الأزهر ومراجع الشيعة وقداسة البابا بالتدخل العاجل من أجل أن يوقفوا عملية الإجهاض التي كانت على وشك الحدوث لي، وبالتالي لتنقذ النطفةُ حياتها وتستريح من القتل العشوائي داخل ذلك المعتقل المعتم، خاصةً وأنني جنين سليم، لم أعانِ من خلل في الكروموسومات لأستحق الموت إجهاضاً؟!! “

• الجبوري حاول ان يضع هدفاً تربوياً وإنسانياً في كل سانحة من زوايا روايته ، ولم يبخل في ذلك ابداً ، بل كان جريئاً ملتزماً رصيناً في الطرح .

العرض (الوسط)/
ـــــــــــــــــــــــــــــ
امتلأ العرض باستعراض الأزمات والصراعات الفكرية والعقائدية وقتل وتقتيل على ارض الواقع ، ضمن تغير واضح في إستراتيجية المؤلف في توجيه دفة الحراك نحو مواطن الاستقطاب للفكر الداعشي ، وبؤر الإرهاب ، أو الحواضن والخلايا النائمة في تركيا وسوريا ولبنان والسعودية والعراق ، ضمن سياق سردي أدبي يجعل القارئ يعيش الحدث وكأنه يشاهد فلماً سينمائياً ، مع قوة استخدام الأرشيف التاريخي بذكاء مفرط لرفع الحيرة عن المتلقي الغير مقتنع ،
ولربما يقرأها لأول مرة في حياته .فمثلاً .. في قول (فليفل) القيادي الداعشي وأحد رؤوس الثعابين الكثير :

” لقد أذاقني الحنبلي محمد بن عبد الوهاب باجتهاداته الغرائبية في بعض المسائل، الويل والثبور. فهو داعية يقوم بفرض ديكتاتورية دينية للإسلام في الجزيرة العربية. كل المذاهب الأخرى، هي برأيه مخالفة للشرع وتستحق العقاب بالسيف، لأنهم أهل السنة والحق، ونحن الفرقة الناجية الوحيدة من النار!! فما من عقل يخالف مدرستنا القائمة على التصحر العقلي والدم والغزو وعدم الاعتراف بالآخر، إلا وتذهب السيوفُ بصاحبه إلى القطع. “

• ونجد الذروة في بوادر (الكورتاج) التأليفي عندما تشتد الصراعات والتقاطعات لكشف حقائق الثعابين ، فتأتي العبارات الكاشفة ، مثلا :

” حتماً ستجدُ ذاك اللعين في اسطنبول. هذه المدينة بالنسبة إليه أشبه بالمرتع الخرافي الذي سيلبّي جميع رغباته الدفينة، خاصة وإنه الآن أعزب وبلا شماغ أحمر أو دين. كل ما فيه وحوله حلالٌ بحلال. “

• ثم يصبغ المؤلف عبارات في غاية الدقة الاستنباطية لتوضيح حقائق ينطق بها دون خوف أو وجل ، بل ويشير إلى أنظمة بذاتها :

” الجميع هنا من صُناع النار. جماعات تتشكل. وجماعات تختفي. جماعات تتحد. وجماعات تنشق. جماعات تقبض من قطر وجماعات تقبض من السعودية. جماعات أتت متأخرة عن القبض، وأول ما فعلته هو أن تدير ظهرها لجيش الحكومة، فتفتح النار على الجبهات القابضة، ليُدفع لها وتكون ضمن دفاتر الشيكات. كل جماعة فمٌ للالتهام فقط. “

• بل ويتعدى الاستعراض الخطوط الحمراء لدى بعض المؤلفين ، ليلج إلى أهم شطر في الثنائية الداعشية الوهابية (النحر والنكاح) والتي أشار إليها في الرواية ، ليسلط الضوء على مخابئ الجنس لدى هذه الجماعات ، حيث يصور بجمالية ورومانسية خطيرة ، ذلك الشبق الجنسي والابتذال لدى قياديي داعش ، فعندما ينشئ الكاتب حواراً بين (طارق) و (زبيدة) إحدى الزوجات الأربع للثعبان الداعشي (فليفل) نجده يفيض صراحة وجرأة :

” طارق : منذ متى، وأنت تستسهلين جسدكِ إلى تلك الحدود المدمرة؟
ــ لا تقل ذلك يا طارق. فما من امرأة تفتح جسدها دكاناً لبيع الشهوات، لو كانت حواسّها تعمل بشكل طبيعي. عندما قام الشيخ فليفل بتوزيعنا نحن حريمه الأربع على المسلحين، لم تعد أجسادنا تعرف إن كانت تلك الشهوات عربية أم قوقازية أم أفغانية أم سعودية أم لبنانية أم بريطانية أم عراقية. فروجنا أصبحت ملاجئ لمختلف الأمراض والفيروسات المتعددة الجنسيات. قد لا تراني باكية، ولكنني متحجرة الدم، وليس عندي عاطفة تذكر. “

• وفي حديث آخر لها :

” ماذا دهاك يا طارق. ليست لحومنا وحدها للبيع في المسالخ المتنقلة المتعاقبة، بل لحوم شعوب وأوطان بكامل ترابها ومياهها وراياتها،أناشيدها الوطنية وتاريخها المؤرشف.
وكلنا عبيد عند الأمير الآن. حريماً وذكوراً. وهم يشبعون الجميع. طاقاتهم الجنسية فوارّة مثل البارود الذي يمشي في عروقهم، ولا يخلف غير النيران التي عادة ما تساعدهم بالوصول إلى السموات بالسرعة المطلوبة، من أجل الانضمام إلى موائد النبي، والتمتع بالجوائز التي وعدوا بها من قبل مشايخهم المقيمة في ممالك الرمال، ممن لهم الفضل بإعادة البشرية إلى الجاهلية، بينما الكثير من الأنظمة والأحزاب والمنظمات والجيوش تعارك لمنع حصول ذلك. “

• ثم يلخص المؤلف حال الفتاوى الوهابية الداعشية أجمل تلخيص على لسان (طارق) :

” صار الجهاد النكاحي مصدراً هاماً لاستدراج الشباب إلى نيران الأجساد قبل نيران الميادين والمواقع والجبهات. “

• هذا الصراع الفكري العقائدي ، الذي استغلته القوى الخارجية ، يحتاج إلى قلم مكافئ له في الندية والقوة والثبات مع فارق القيم والمبادئ ، كي يستطيع ان يكشف أفكارهم الواهية الخاوية . والكاتب اسعد الجبوري هو من الأقلام القليلة التي تقدمت إلى هذا الحقل المكافئ الباسل الجسور.

النهاية (الخاتمة)/
ـــــــــــــــــــــــــــ
هنا تأتي مرحلة الكشف والتنوير والإبانة لكل الحقائق التي جند الكاتب كل المعطيات لإظهارها بالشكل اللائق والأنيق ، كي يجعل النص الروائي ملتصقا بذهن ووجدان المتلقي الذكي ، والتي نطلق عليها (لحظة الانفراج ) . والنهاية الرائدة في فن القصة والرواية ، هي التي تبتعد عن عنصر المفاجئة ، أو النهايات الغير مقنعة للمتلقي ، والتي يأتي بها المؤلف لمجرد لوي عنق الرواية
واحرافها عن مسارها السردي لوضع نهاية لها ، غافلا عن ذوق المُستقبِل والقارئ الذكي . حيث ان النهاية الناجحة هي التي تشمل وتحوي كل العناصر التي تعايشت في جسد النص ، مع احتفاظها بعنصر (الإقناع) ، والذي يعتبر هو الهدف الأكبر الذي يرافق مداد المؤلف.لذا نجد المؤلف قد أفرغ كل طاقته الفكرية التي تحتضن فكرة الرواية ، فجاء باللفظ الجميل الممزوج بالنَفَسِ الشعري والفلسفي … ولنتجول في هذا الفيض الروائي الراقي بين (أبو قعبرة) و(طارق) :

” ــ ربما يكون النفط وحده كثير الاستعمالات، سواء على الأرض أو في السماء. مثلما يحرق هنا، سيكون بانتظارنا هناك تحت مُسمى آخر:جهنم.
ولذلك له قيامتان لا أنفاك عنهما إلا بمعجزة كما أعتقد.
ــ لن يذهب الربّ بعباده إلى جهنم كما أعتقد.ذلك ما يفعله بنا الملوك والخلفاء والسلاطين والرؤساء الذين لا يملوا من إرسال البشر إلى جهنماتهم البتر وكيماوية على هذه الأرض.
هنا يعذّبوننا بكل حرية وتفنن، ومن بعد ذلك يهدّدوننا بنار الربّ في أعالي السموات، علماً بأنني شخصياً، لا أظن أن جهنم عند الله هي النار بمعناها المادي الحصرّي المقتضب. أليس كذلك يا أبا قعبرة ؟ “

• هذا التفنن في رصف الكلمات في رواية كاشفة ناقدة نافذة ، تجعل النص في مراتب الرقي . فالمؤلف لم يفتر أو يَكِلّ بسبب تزاحم الأفكار وتشابك الأحداث ، بل ازداد نشاطاً ، كي يختم الرواية بما يليق .استغل الروائي اسعد الجبوري حَيِّز الخاتمة ليفضح الفكر الوهابي التكفيري بأسلوب شيق مشبع بالمَجاز والوصف الجميل ، والذي لا يخلو من الإبداع ، حتى تجد نفسك مضطراً إلى المتابعة . لأن هكذا وصف سيبعد عنك الملل ويضيف اشراقات جاذبة جديدة ، من أجل عمل آصرة قوية بين القارئ وشخوص الرواية ، وهذا ما يبتغيه الروائي الذكي ، لأجل ان يعكس أفكاره بمرآة صقيلة جداً خاليه من أي زيغ ، ولإجبار العقل المقابل إلى تقبل الهدف المرسوم بإيجابية دون نفور … وأمامنا مقتطع من حوار بين فليفل المتمثل بـ (الفكر الوهابي) وهو يتشدق بفكره الضال ، وحمدان ابو البراغي (المستفيد من الصراع) :

” ــ الوهابية يا هذا مثلها مثل هذه الرمال التي عادةً ما تحملها العواصف إلى أعالي بحار العالم، لكنها، ما أن تستقر تحت مياه المحيطات هناك، حتى تُسرع بالعودة ثانية إلى موطنها الأصلي بواسطة تلك الأعاصير. لذلك فلا يحلم أحدكم بالقضاء عليها، دون تجريف أو تبديل طبيعة صحارى هذه الجزيرة. إننا خزين اللعنة ومخزونها الاستراتيجي على كل عقل لا يتفق معنا، وعلى كل جسم لا ينخرط بدمنا، أو لا يكون كغمد سيف للقصاص من بقية الملل والمذاهب والأحزاب والتجمعات والمؤسسات والمنتديات والقوى التي تحاول العيش خارجنا.
ــ وذلك ما اعتقده. بل وأصرّ عليه. فليس هذا البلاء الأعظم وليد أيام، أنما هو الامتداد الطبيعي للجاهلية الأولى. فلا المياه تغير شيئاً من خصائص الرمل، ولا التربة تستطيع هضم الرمال أو تُطبّع ما بينها وبين التراب. هكذا هي الوهابية بالضبط. “

• ويبدأ المؤلف بوضع إسقاطاته ووجدانه الروائي على لسان طارق :

” اسمعني جيداً يا حميدان:أن الأخطر من كل العقول، هو ذلك العقل الذي لا يتحاور لينتج معرفةً، ولا يُحرث ليُنبت زرعاً، ولا يملك رؤية ليحلم بابتكار، ولا يتغزلُ، لأنه مصابٌ بلذته الفردية المشخصنة، ولا يتطبب من علة، كونه كمال المرض في سرير الزمن العليل.
لذلك تجد الرملَ مرضاً ينتشرُ في النصوص، فتتوالدُ منه الطوائف والمذاهبُ والمدارسُ والسيوفُ والمقاصلُ والطبولُ والأزياء والعاهاتُ وبراميل النكاح !
دعهم يمارسون عبادة الانتحار. فتلك ديانتهم. أما الأعظم، فيكمن بفكرة أنهم لا يريدون الذهاب إلى الفراديس الافتراضية، قبل أن يرسلوا شعوب بقية المذاهب إلى جهنم.
هكذا هي موسوعة التربية عندهم. هم لا يسقون الأغرار إلا بمثل هذا السَّمّ الزعاف، كي ينتقل من جيل إلى آخر بالوراثة أو عن طريق الجينات القاتلة.”

• إن الخاتمة في هذه الرواية من النوع (المغلق) والتي يعتبرها بعض النقاد من النمط الكلاسيكي ، الا ان اسعد الجبوري جعلها مغلقة تعيش عالم الانفتاح على العوالم الأخرى بأسلوبه الإبداعي المتميز بجدارة . حيث ان هكذا نص يحوي مثل هؤلاء الشخوص ، لابد للمؤلف ان ينتبه إلى الجانب التربوي والنفسي ، والى قانون السماء العادل . فلابد من تجسيد نهايات وخواتيم مغلقة للشخوص تتناسب مع كَفَّة أفعالهم الشنيعة حتى يكتمل الهدف … فيأتي حديث (طارق) لمحبوبته (دفلى) وهو من أجمل ما قرأت من الوجد النثري في الرواية ، حيث سنجد بصمة الروح الشعرية واضحة في هذا الحوار :

” أجلْ يا دفلى.فبعد انتحاركِ في ذلك اليوم الدامي، أصبح بريدي إليكِ ورقاً روحياً. وكلّ مكتوب بوزن كاتبه. هكذا كنت واقعاً بهذيان عالٍ من العواطف. كنت أعتبر رسائلي إليك بمثابة ثياب مشتعلة، تؤجج البارد وتحركُ الساكنَ وتقتلُ العادي. فالرسائل بمثابة فساتين للنساء.
ربما لا أجد من يعترضَ على قولي هذا. فما وراء أغلفة الرسائل، تخيلاتُ قلوب مُنَقّحة. والفتاة الجامحةُ، هي تلك التي تأخذُ العاشق ورقاً محترقاً لرسائلها في بريد الصبّ.
لا أظنك يا دفلى كنت تجهلين حبي إليك أيام زمان، على الرغم من عدم وجود خط مباشر للبريد ما بيننا. ولكن أليست الرسائلُ اللا مكتوبة: قصائد؟
أليس أفضل البريد ما بين العاشقين هي الملامساتُ الخيالية التي تستمر دون مكوث أو توقف؟
كنتُ الإنسان المخلوق لكتابتك. فالشاعرُ ساعي بريد الأرض. وما من بريد يستمر دون رياح. أو بلا عواصف تمزقُ الحجبَ ما بين المرسِل والمرسَل إليه، وصولاً لتدمير صندوق بريد العواصف.
أجل. كنتُ أحنّ إليك في الأزمات ولا أصلُ، أصنعُ من الرسائل سريراً يحتويك بكامل جمالك المتطاير أرواحاً ونصوصاً وشهوات.
ثمة بريدٌ للتخصيب، ومثله لابتكار النار. كان ذلك قبل أن يصاب الحبُّ بالخفوت.أو قبل أن تمسكهُ الحرب بمخالبها. ومع ذلك،طالما اعتقدتُ بأن البريد قد يضِلُ الطريقَ، ولكنهُ لا يضيع يا دفلى.
ما أعظمك أيتها الرسائلُ، وأنتِ توقظين بأمطاركِ الرياحَ لتهزّ الأرض الخراب،فتنفصل الشيخوخة عن مخلوقات الغابة. “

• ثم ينهي اسعد الجبوري روايته بمقطع إنشائي باذخ على لسان (طارق) ليعلن للعالم رأيه الصارخ في الحروب في مقارنه رائعة بين الحب والحرب واختلاف الرؤيتين في قراءتهما للجسد :
” لكن عليك التَذَكُر يا دفلى:أن الحربَ ليست ميداناً للجرائم الكبرى وحسب، أنما هي قطارٌ سكتهُ الأجسادُ.لذلك ،ومنذ أن رأيتُ الحربَ مرآةً تتزينُ أمامها الجثثُ والذئابُ،أحسست روحي أشبه بالمصعد الفارغ ،وهو يزدحمُ بالبكاء. أجل يا دفلى. الحبُ يقرأ صفحاتَ الأجساد بطريقة (براين) بينما تقرأها الحربُ بجنازير الدبابات.
العربُ في الحرب تراثٌ.والحربُ في العرب خيمةٌ تَقَصّها النارُ بلسانها الصحراوي الأملس. هكذا عشتُ الصورةَ بالضبط: تخرجُ ثعابينُ الأسلاف من جحور الأرشيف وكهوفه، لتأكلَ رحمةَ الله،وتبصقُها مع فوارغ الرصاص؟ “

الأمانة في الطرح/
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
في هذا النوع من الأدب ، والذي يبحث في المعتقدات الاجتماعية والصراعات الفكرية والفلسفية الدامية والتنوعات الحضارية ، لا يمكن ان يتعاطى المؤلف معها بالكيفية المعهودة في الروايات والمؤلفات الأخرى ، والتي يكون المؤلف فيها هو السائق لعربة الحوار وسفينة الأحداث وبالشكل الذي يتوافق مع خياله أو مزاجه ، من غير ان يخضع لحساب او مسائلة سوى العدسة النقدية وتقييمها لضوابط الرواية كنص أدبي إنشائي .إنما على المؤلف ــ في هذا النوع من الأدب ــ أن يجعل (الكاتب والقارئ والناقد) في دائرة متكاملة والكل يدور خلف الآخر ضمن تساؤل واحد هو :
ــ متى نلتقي في المركز ؟
هنا تقع المسؤولية الكبرى على المؤلف ، ومدى التزامه المبدئي بالكلمة الرصينة والأمينة ، ونقصد بها ، الكلمة التي تستند إلى شواهد وإثباتات ومصادر معروفة ومعلومة في رفوف المكتبة العالمية . الرواية التي تنطلق في هذه الفترة الزمنية الحساسة ، لابد للمؤلف ان يتجنب الأهواء ، ويتعامل مع النص في ملعب الحبكة والسرد والكل خاضع لمراقبة حَكَم تاريخي لا يقبل الاعتراض .
وقد حصَّن اسعد الجبوري روايته بمبدأ (من فمك أدينك) مما أعطاها صفة القوة والثبات . ولا يعترض على فحوى هذا النص ــ بعد كل هذا الأرشيف المرفق ــ إلا من كان جاهلا بنفسه وإنسانيته. ولولا الأرشيف المرفق ، لما تجشمنا معاناة النقد والتحليل لهذا العمل ، لأن الناقد لابد ان يستند إلى ثوابت وبديهيات تعينه على رصانة النقد ، فالنقد يخضع ويعمل بمبدأ الأمانة والعدالة ، وبغيرهما يصبح عملاً مشوهاً خاوياً.

الرؤية التقييمية /
ــــــــــــــــــــــــــــ
عندما نتعامل نقديا مع النص الشعري ، لابد أن نقرأ المفردة الشعرية من خلال شخصية الشاعر او العكس ، ومثله الراوي ومفرداته الروائية . فمفردة الشعر غير مفردة الرواية ، الأولى تأتي محملة بالقوة والطاقة الوجدانية الذاتية للشاعر ، معتمدا التصوير والموسيقى واكتناز المعنى ، مبتعدا عن لغة السرد والحكاية . بينما مفردة الرواية تكون متحركة ومتنقلة من حيز إلى حيز ، ضمن رحلة زمكانية طويلة ، يستتر خلفها الراوي ، لتصوير أهدافه ضمن هذه الرحلة السردية .الغاية من هذه المقارنة الملخَّصة ، هو كيف نحلل نقدياً مفردة روائية تفجَّرتْ من ينبوع مشترك بين الشعر والرواية …؟
نحن أمام شخصية أدبية عالمية تكتب الشعر والرواية ضمن إطار إبداعي جذاب ، وهذا يجعل العمل التأليفي ليس بالأمر الهيّن كما يتصور البعض ، إنما هو إجهاد نفسي للشاعر كي يخلع رداء المفردة الشعرية ليتقمص من جديد رداء الحكاية . هذا التكيف يجعلنا نبحث عن جماليات نقدية تجمع العالمين (الشعر والرواية) . حيث استطاع الجبوري أن يعتني بالسرد ويجعله جاذبا بعد مزجه بالوجدان الشعري .

• نجح المؤلف في الابتعاد عن التطويل في السرد والاسترسال الزمني ، مما جعل العنصر الفني واضحاً ومميزاً للمتلقي ، وهذا من مزايا الرواية الناجحة.
• اتصفت الرواية بالمصداقية والأمانة التاريخية ، ويتحسس الناقد والمتتبع مدى الجهد البحثي المضني الذي واكب هذا العمل الأدبي الملتزم .
• لم يعتمد المؤلف اللغة السردية فقط ، بل ادخل الوصف الدقيق للشخصية ضمن الظرف الزمكاني ، مما أعطى انطباعاً لدى القارئ ، بعمق الواقعية والحضور الشخصي .
• ادخل المؤلف مبدأ التضاد أو الثنائيات ( الأرض والسماء ـ الموت والحياة ـ الماء والهواء ـ الحب والكراهية ـ المعرفة والجهل ـ النور والظلام ــ وغيرها) والتي تعتبر من مبادئ التفاعل البشري في الحياة ، وجوهر الصراع ، او معمل الأواصر في الحياة .
• نجح المؤلف في إقناع المتلقي وإيصال الهدف المنشود من خلال الأسلوب الإبداعي المبتكر.
• اللغة التي كُتِبَتْ بها الرواية ، ليست بالمعقدة النافرة للذوق ولا بالسهلة الرثة التي تهدد كيان النص ، بل جاءت بما ينسجم ونوع الحبكة وصورة الحدث. بل ولم يتحرج المؤلف من وضع بعض الألفاظ الدارجة ، كون طبيعة الشخصية والحدث الذي يحيط بها يحتاج إلى هكذا لفظ ، وقد وجدناه في روايات عالمية كثيرة .
• عنصر النمو وعدم التوقف لـ (المكان والزمان والحبكة) واضح وجلي في مسيرة الرواية.
• استخدام أسلوب الإيحاء والرمزية مما زاد في رزانة ورصانة السرد.
• الخيال الأدبي الروائي ،كان خصباً جداً ومن النوع المركَّب في كثير من الأحداث .
• إدخال العنصر العاطفي من خلال الصور الرومانسية بشكل متناغم ومتناسب مع ضرورات الحبكة الروائية .
• توفق الروائي اسعد الجبوري في إجراء عملية (الكورتاج) لإزالة مخلوقاتِ الرمل والجنّ والجَرَاد من رحم الحقيقة ، لتبقى الحقيقة ناصعة يانعة ، لا يدخلها خفافيش الخرافة ، ولا بؤر الجهل والظلام.جاء هذا العمل الروائي وهو يحمل ركائز القوة والعمق والجدية وعدم السطحية ، محملاً بكل عَتاد الروعة والإبداع والابتكار ، مما جعله عملاً متيناً رصيناً ، يتصف بالصحة والواقعية والإبداع .

No Comments Yet

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *