«زلزلة الحداثةِ العربية»

و مقاربـات في شـعرية «هادي دانيـال»

 
هفاف ميهوب

لأنَّ خير من يُعرف بالكتابِ كاتبهُ، ولأنه الأعلم بما يريدهُ منهُ ويضمرهُ أو يُعلنهُ، سنختار وللتعريف بكتاب «زلزلة الحداثة العربية، من خلال الأداء التحرري لما بعد الحداثة في شعرية هادي دانيال». سنختار، ماقاله «نديم الوزة» الشاعر والناقد ومؤلف الكتاب الذي استهلّهُ:


«عانيتُ كثيراً من أجل التخلص من أثر «آرثر رامبو» في قراءة الشعر المعاصر، إلى حين قراءتي لشاعر آخر هو «تريستان تزارا»، ولا أعتقد أن الشاعر «هادي دانيال» جاهلٌ بهذا الشاعر، وعلى الرغم من تجاهلهُ له في جميع حواراته، إلا أن قصائده الأولى، ولاسيما «قلبي خارطة سوداء» تدل بوضوح، على تأثر مباشر به، وإن لم يكن، فهذا لا ينفي تشابه المهمات الملقاة على كلا الشاعرين، وهذا لا يقلل أو يزيد من عبقرية «هادي دانيال» وتفرّد تجربته الشعرية..‏

وإذا كانت هذه المقدمة ضرورية تمهيداً لقراءة الفصل الأول المتعلق بشرح الاختلاف بين مشروع الحداثة ومشروع مابعد الحداثة، إلا أن الفصول الباقية مهمتها، مقاربة القيم الأساسية لما بعد الحداثة، من خلال شعرية «هادي دانيال» ومحاولة شرحها قدر الإمكان».‏

إنه مااخترناه، تمهيداً لقراءة الكتاب الذي بات واضحاً ما يريد كاتبهُ منه، والذي لابدّ لنا من الدخول إلى مضمونه بدءاً من «الحداثة ومابعد الحداثة» وهو عنوان الفصل الأول الذي تطرق فيه الكاتب، إلى تجربة الشاعر الفرنسي «آرثر رامبو» الشعرية التي لا تشكِّل برأيه:‏

«لاتشكّل تجربة رامبو منجزاً متكاملاً لوعي الحداثة الشعري وطموحاتها أو إخفاقاتها في آنٍ وحسب، بل هي تكاد، تشكل كناية لافتة لأزمة الحداثة الاقتصادية، واندحارها الحضاري على صعيد السلم الكوني. ذلك أن رغبته بالتوجه إلى عالم الجنوب للحصول على الذهب، ترافقت مع التوسع الاستعماري للغرب. وجاءت تجارته بالأسلحة من طبيعة هذا الحضور الاستعماري، ومانتج عنه من تصدعات في طبيعة الحداثة الامبريالية التي أفضت إلى الحرب العالمية الأولى التي توفي قبل أن يشهد نهايتها ونتائجها المأساوية، وبالتالي لم يتفاعل معها أدبياً، شعراً أو نثراً».‏

بعد «رامبو» يتحدث الكاتب عن «كريستان تزارا» الشاعر الأبرز في حركة «الدادائية» التي برزت في خلال كونها مؤشر على نهاية الحداثة، وبدء عصر «ما بعد الحداثة»، والتي أوضح «تزارا» بأن قيمتها تتمحور في إعادة إنتاج ماهو مصنع ويحمل عدداً لا بأس به من القيم المابعد حداثوية، كالعبثية والسخرية.‏

ينتقل الكاتب إلى «هادي دانيال» متسائلاً: «لكن. لِمَ لايكون الشاعر السوري «هادي دانيال» قد تقصّد في قصائده الأولى، كل ماقلته عن المقارنة بين الحداثة ومابعدها، من خلال «أرثر رامبو» و»كريستيان تزارا»؟.‏

حتماً، هو سؤالٌ ماأراد منه إلا الإجابة: «كان من الصعب عليّ أن أتفهم رؤاه الشرسة بشكل واضح، لو لم أطّلع بشكلٍ مُطرد على طبيعة الرؤى المعاصرة للشعرية العالمية، لأتفهم الدوافع الموضوعية لما يكتبه، وربما كانت قصيدته «قلبي خارطة سوداء» من أكثر القصائد تمرداً وتشظياً واحتداماً ونضجاً في مرحلته الدادائية الأولى حيث قال: /قلبي يمتدُّ من البحرِ المتوسط خارطةً/ عبر الصحراء تسافر أغنيةً يشرخها الحزن/ وآلام الفقراء/ أطويها فوقَ رصيف الشارع/ أحرقها وأنام!!.‏

«هادي دانيال» يؤكد هنا على المعنى عبر دلالته الرافضة لحال العرب، وما يعانونه من آلام الفقر والتشرد والتمزق، وهذا مايتبدى في قصيدته «بيان الروح» على الرغم من سخريتها المريرة حتى من صورها ذاتها، وبما يتجاوز الدادائية للسؤال عن معنى يطارده الشاعر من خلال تأكيد غيابه، وكقوله: /البحرُ لشاطئهِ/ وأمامي/ كرسيٌّ من عظمِ جوادٍ نافق/.‏

هذا المعنى الغائب، ربما ليس أكثر من مشروع معاصر، متحرر من استبداد الحداثة وأوهامها وارتكاساتها من أجل التطلع إلى أفقٍ جديد، لم تزل تجارب عصر مابعد الحداثة تدل عليه، ومن غير أن تصله».‏

هذا بتوسع، ماكان في الفصل الأول من الكتاب، الذي ندخل إلى فصله الثاني عبر «مطاردة المعنى ودلالاته». ندخل، إلى «المعنى الثوري» و«دلالات الثورة الزائفة» ودلالات الذات الثورية الزائفة». أيضاً، «المعنى الفدائي» و»الاحتفائي» و«النقدي» و»إجمال المعنى» وجميع هذه المعاني وغيرها:‏

«لم تحضر في أعمال «هادي دانيال» منفصلة، وهي غالباً ماتتزاحم حتى في قصائده القصيرة، ومايجعل هذه المعاني حداثوية في شعريته، اختياره لفشل المقولات الكبرى للحداثة في العالم العربي، ولاسيما في معنييها الكبيرين، القومية التي أنجزتها البرجوازية الأوروبية، والشيوعية التي أنجزتها الاشتراكية الروسية».‏

http://thawra.sy/_View_news2.asp?FileName