أسعد الجبوري: الشعر والموت فعلان حيويان لإعادة إنتاج اللغة

العرب عمّار المأمون 

 الشاعر العراقي أسعد الجبوري يعتبر من أعلام قصيدة النثر في الحركة الثقافية العربية، وقد قدم أوراق ترشيحه مؤخرا لجائزة نوبل للأدب، وسيصدر له قريبا رواية خامسة بعنوان “سائق الحرب الأعمى” عن دار “نوفا بلس” الكويتية، كان لـ”العرب” لقاء مع الشاعر العراقي، في حديث عن الشعر والتجريب واصطياد المعنى.

بالنسبة إلى الجبوري الانتقال من هوية الإعدام إلى هوية المنفى خلق تربة ثالثة، ألا وهي بلاد النصوص، فكانت الأقوى بين الاثنين: الوطن الأم الغائب/الحاضر في رحم الذكريات، والموطن الآخر المستعار لأغراض الحرية والحياة، وقد تحدث فجوة ما بين جسد الحاضر وتربة البلاد القديمة، ولكنها ليس كمرض الفصام.

تجربة متحررة

يصف أسعد الجبوري تجرتبه هذه قائلا: “حين تتأمل صور زمانك في المدى الجغرافي للجسد، مضافا إليه التراب الوطني، ستجد بأن لا مسافة فاصلة بين الاثنين، إلا تلك المنطقة التي تؤلف وجودك في ما يسمى ببلاد النصوص، هي البلاد التي لا تلغي المسافات الفاصلة بين الهويات فحسب، بل هي الأصل في مكوّنات اللغة التي تهدف إلى تكوين النصوص بهوية جوهرية، ربما تختلف أو تنفصل عما تفرضه الهويات السابقة”.

ويضيف قوله: “الكتابة شأن وجودي يتجاوز جميع الجغرافيات والمناطق الجسدية التي عادة ما يتمركز النقاد بالحديث عنها من باب الروحانيات المسببة للتأليف، وأدركت، وربما بشكل مبكر، أنه عليّ تطهير نصوصي من المواد التي تساهم في أكسدة الشعر، وجعله تربة تتعايش في خلاياها الأمراض، فالقضاء على الهويات الضيقة،عمل لا بدّ من تطويره والاشتغال عليه”.

تجربة الجبوري الشعرية متحررة من كل مظاهر البرود والمحافظة والتقيد بالأصول، إذ فضّل أن يكون بلا مرجعيات، مما منع القدامى والمحدثين من الاقتراب من كتاباته، ليبقى مع الرعد الداخلي الذي تنتجه كل مفردة، بمعزل عن القاموس المعروف، ووفقا لحساسيتها في بناء النص. ويؤكد قائلا: “أنا أحرقت الأرشيف بشكل مبكر، لذلك لم تتمكن الصحراء من أن تكون حاضنة لشعري أو أن تطلق ريحها السموم باتجاه المخيلة الشعرية العائمة في الرأس، لذلك لا يمكن أن تقدم نصا شعريا بارعا، دون أن تقوم بتدمير التربة القديمة للقارئ، تلك التي تشكلت بفعل التصلب والتمسك بالأصول، وكلها مواد مضادة للحداثة التي يجب أن نؤسس عوالمها بحرية وتوسع وشراسة”.

يرى الجبوري أنه لم تنهض في العالم العربي سوى السيوف من كهوفها، الثورات الأصولية كلها قامت من المدافن، لتأخذ الأمة المتبقية على قيد الحياة معها إلى تحت التراب، هي لم تؤسس إلا خطابا واحدا يتعلق بمستوى فيضان الدم من الأوردة إلى الشوارع، فنحن أمام سرد خاص بالموت الذي يتحد فيه الزمن القديم بزمن الهلاك الحديث من أيديولوجيا الظلام.

عن التجديد على المستوى الشعري المترافق بالثورات، وهل من الممكن أن نشهد مرحلة تشابه مع تلك التي أسس لها الروّاد يقول: “لم يكن رواد قصيدة النثر في العالم العربي سوى مجاديف ركيكة لسفينة لم يترتب على ركابها إلا الاستسلام إلى صورة الشعر الأوروبي القوي، وصاحب الانقلابات في حواس القارئ العربي، إذ حاول بعض رواد قصيدة النثر العربية الترويج لاختصاص الإبداع بالغرب، بل وسعى هؤلاء إلى جعل قصيدة النثر (كاتولوغ ) لا يتقن كائناته غير العارفين باللغات الأجنبية، لأن قصيدة النثر من آبار الترجمة ليس إلا، لكن مستويات قصيدة النثر العربية راهنا، يفوق منجزات روادها الأوائل”.

أسعد الجبوري: الشعر والموت فعلان حيويان لإعادة إنتاج اللغة

قدم الجبوري أوراق ترشيحه لجائزة نوبل عام 2013، ولا يعتقد بأن هناك مانعا يحول دون ترشيحه لجائزة نوبل في كل عام، فهو لا ترهبه مسألة الدخول إلى عالم نوبل. أما عن سياسة مؤسسة نوبل فيقول الجبوري: “إنها غامضة، ولكنها أقل سوءا من مؤسسات الأنظمة العربية الثقافية وسياساتها الفاشية، في القمع وفي تصنيع الدمى الأدبية التي تدعو إلى الرثاء”.

أما بالنسبة إلى عدم منح الجائزة للشاعر أدونيس، يقول: “لا تفسير عندي لذلك، فالرجل شاعر وكاتب مهم، وقد يشعل النار بثيابه، إذا ما تطلب الحصول على الجائزة فعل ذلك”.

الجسد النصي

تحمل اللحظة الشعرية لذة من نوع (جسدينصي) بالنسبة للشاعر وللقارئ، ويرى الجبوري أن اللذة لا تقتصر على اللحظة الشعرية وحدها، بل إن القصيدة جسد لا تبطل محاكاته لكل لذة ثمينة أو عابرة في الوجود.

ويؤكد قائلا: “أنا أعتقد جازما بأن تفجير اللذة في الشعر، ضرورة للحفاظ على الجسد اللغوي من الجفاف والتبدد والكهولة، كل سطر في الشعر سرير، وكل جملة لا تملك في بواطنها المذكر المؤنث معا لن ترى النور إلا لماما. فاحتكاك المفردات بعضها بالبعض الآخر، هو من يولد الكهرباء في النص، وليست الفلسفة أو البلاغة أو المجاز. ذلك أن الجسد النصي، هو في حقيقة الأمر الواقع، جسد الشاعر الفيزيولوجي الذي ينتقل من أنابيب الدم الجسمية إلى مستوعبات اللغة التي عادة ما لا تستطيع أن تتحكم بحركة الكلمات، فتنكسر تلك المستوعبات، ليحدث الفيضان الشعري، مؤكدا لذته في التأليف، وذلك ما استطعت الوصول إليه، بمزج تلك اللذتين معا في نص متماه في ما بين اللغة وبيني”.

بالنسبة إلى الرواية لم يجد الجبوري مسافة فاصلة بين تقنيات السرد الروائي والشعري، خاصة بعد أن أصيب الشعر بعدوى السرد الفوضوي الذي يكاد يقضي على البنية الشعرية، وبالخصوص عند من يسمون بشعراء القصيدة اليومية، ويتابع قوله: “أنا فعلت العكس تماما، أدخلت الأدوات الشعرية إلى السرد الروائي، فارتفعت بتلك اللغة إلى مستويات جمالية، ربما لم تشهدها الكتابة الروائية إلا في القليل من الأعمال، فإنقاذ الرواية بالوسائل الشعرية، ربما هو تعبير عن رغبة التحدّي بتأليف رواية نظيفة من الشوائب القديمة، تلك التي جعلت الرواية العربية مكبا للنفايات الاجتماعية والسياسية، دون الارتقاء بها نحو فضاءات المخيال”.

كل رغبة في تكريس الشعر مدينة للجماليات، تعني دمشق أولا وأخيرا. هكذا يصف الجبوري دمشق، فتكريسها كتابا ناطقا وحيويا لمختلف الأدوات المنتجة للإبداع، يأتي من كونها مدينة شعرية بالدرجة الأولى و يقول: “دمشق هي اللغة الأم لنا جميعا والمديح الطويل لهذه المدينة، قد لا يتوقف على مكانتها الشعرية فحسب، بل وعلى وجودها الجغرافي المحفوف بالمخاطر وبالرياح السامة وأشباح الظلام المسلحة، لقد كانت تجربتي الشعرية من أصل سوري، ذلك لأنني لجأت إلى دمشق من العراق بشكل مبكر. في الشام بدأت تجربتي بالتشكل والنمو والطغيان، ربما لأن جيناتي الشعرية وجدت في الشام جميع الطقوس التي تدفع نحو التكوّن والصعود”.

http://www.alarab.co.uk/?id=34249