الشعرية من منظور غربي حداثي


محمد مصابيح

 
لعل ما يسترعي الانتباه، ونحن نخوض غمار الدرس النقدي، هو ذلك التداخل على مستوى التنظير والتطبيق النقديين، الذي أحدثه التأثر الواضح للأدب العربي والنقد الأدبي، بنظيريهما عند الغرب،لدرجة تلاشى معها كل تمايز كان يفرق بينها،وانصهرت هوية الأدب العربي الحديث ونقده، في النقد الغربي الذي فرض ذاته ، أو فرضته ظروف تاريخية واجتماعية معينة،مما جعل دارس الأدب العربي ونقده ملزم بالتعرض لما سبق إليه النقاد والمفكرون الغربيون،وذلك بدرجات متفاوتة.

متفاوتة من أحد إلى آخر، فمنهم من يرى في الغربيين الكمال في كل شيء،ومنهم من يرى أن ثمة فراغ مر به أدبنا العربي ونقده لابد من سده تحت تأثير الحداثة التي لم تدع مجالا من مجالات الحياة إلا وخاضت فيه.

وهذا أحد دواعي المنظرين الذين يبدو عليهم أنهم قد أثقلوا بالماضي الحضاري العربي، وحاولوا مرارا التخلص منه،وذلك منذ حركة الإحياء الأدبي العربي إلى يومنا هذا ،ولكن رغم ذلك لا يمكننا أن نجزم أن هؤلاء المنظرين هم السبب في تغريب أدبنا العربي، وتغريب أدواته النقدية والمنهجية، ذلك لأن التجديد الذي طرأ على الأدب العربي لم يكن وليد إرادة أفراد قد تأثروا بالأدب الغربي تذوقا ودرسا،ثم فرضوه فرضا في أوطانهم،بل كان نتيجة طبيعية لتغير نمط الحياة الاجتماعية وفق معايير معممة وواسعة الانتشار،فرضتها النهضة الأوربية والحركة الاستعمارية للبلاد العربية،لذا فإن التأثر بالغرب لم يكن سببا في التغييرات التي طرأت على الأدب العربي الحديث والنقد الأدبي، بقدر ما كان نتيجة لتلك التطورات الاجتماعية التي استمرت بوتيرة قوية تارة وهادئة تارة أخرى ،طيلة قرن من الزمن أو ما يضاهيها.

مما جعل الإبداع والنقد على حد سواء يأخذان بعدا عالميا،لدرجة أن الدراسات النقدية أصبحت تحاكي بعضها بعضا، إن لم نقل يأخذ بعضها من بعض ،بين تأثير وتأثر, إضافة إلى تفاعلات معقدة فكرية وإيديولوجية ،نزعت الحواجز، وألغت الفوارق العرقية والدينية، حتى كأن الشعر العربي المعاصر، والشعر الغربي في تكاتف لتجاوز كل ما هو قديم إلى أدب عالمي لا هوية له،وإلا فكيف نفسر هذا الاعتماد الكلي على ما ابتكره الغربيون من المناهج النقدية الحديثة ؟ التي راح نقادنا الحداثيون يترجمونها ويلتهمونها دون أدنى تحفظ أو تأمل، مع ما عرفوه من فلسفات مؤسسة لهذه المناهج.

فعلى ضوء المناخ النقدي والأدبي الحداثي،سنحاول أن نتطرق لمقتطفات وجيزة عن موضوع الشعرية عند نقاد الحداثة الغربيين البارزين في هذا الميدان كرائد المدرسة الشكلانية جاكوبسون،وتودوروف وجون كوهين ومن تأثر بهم من النقاد الحداثيين العرب كجمال الدين بن الشيخ وأدونيس وكمال أبو ديب.1-شعرية رومان جاكوبسون: لقد صار للدراسات النقدية الغربية في أدبنا الحديث والمعاصر باع طويل وموقع متميز لا يمكن إنكاره، وهي اليوم تحتل حيزا واسعا منه بفضل مقولاتها التي أضحت لاتغادر أي حقل من حقول الدارسة الأدبية،بل إنها صارت الطريق الأمثل والأليق في كل دراسة وتحليل أدبي للنصوص،مع ما بينها وبين أدبنا من فروقات واضحة،حتى يكاد المرء منا يجزم أنها لا تصلح له بتاتا، سيما وأن أدوات الدرس النقدي الغربية، خلقت في تربة خاصة وفلسفة ظرفية لها مبرراتها لدى الغربيين. وقد يتضح ذلك جليا من خلال ما كتبه الغربيون أمثال رومان جاكوبسون(R. JACOBSON ) تودوروف تزفيتان (T. TODOROV ) وجيرار جينيت ( G . J ENETTE )وغيرهم حول موضوع “الشعرية” وما كتبه بالاستعانة بهم أو محاكاة لرؤاهم وتصوراتهمبعض نقادنا الحداثيين العرب ،كجمال الدين بن الشيخ،وكمال أبو ديب،وأحمد علي سعيد ( أدونيس) ورشيد يحياوي وغيرهم، في الشعرية العربية، إلا أن القارئ المتفحص لهذه المؤلفات التي يجمعها العنوان، يكتشف أنها تختلف في المضامين والرؤى التي تناول بها نقادنا مفهوم الشعرية ،ومن ثم اختلافها أيضا عن مفاهيم الغربيين .

فرومان جاكوبسون يرى أن ” الشعرية يمكن تحديدها باعتبارها ذلك الفرع من اللسانيات الذي يعالج الوظيفة الشعرية في علاقاتها مع الوظائف الأخرى للغة،وتهتم بالمعنى الواسع للكلمة بالوظيفة الشعرية ،لا في الشعر وحسب، حيث تهيمن هذه الوظيفة على الوظائف الأخرى للغة،إنما تهتم بها أيضا خارج الشعر، حيث تعطى الأولوية لهذه الوظيفة أو تلك على حساب الوظيفة الشعرية ” ([1]) ومن خلال هذه المقولة نستنتج أن مقصد جاكوبسون من الشعرية يتلخص في ثلاثة نقاط هامة وأساسية هي:

1. الشعرية فرع من فروع اللسانيات.

2. الشعرية تعالج الوظيفة الشعرية وعلاقتها بالوظائف الأخرى للغة،بمعنى أن الشعرية لها علاقة بالبنيوية والأسلوبية والسيميائيات وغيرها من علوم اللغة.

3. تهتم بالوظيفة الشعرية،ليس في الشعر وحسب بل حتى في النثر.وهكذا ينظر إليها – تقريبا – تودوروف،بحيث يدرجها ضمن العلوم التي تهتم بالخطابأو المنطوق والمكتوب بما فيه الخطاب السياسي، والفلسفي لما لهذه الخطابات من الصلة الوطيدة بالخطاب الأدبي ([2]) وهذا ينبهنا إلى أن الشعرية في مفهومها الغربي لاتعتني بالشعر وحده، بل تأخذ أيضا فنون الكلام الأخرى بعين الاعتبار من منطلق أنها ذات صلة بالأدب ،فالشعر عند جاكوبسون لغة ذات وظيفة جمالية،أما الشعرية فتعني حسبه الأدبية وموضوعها علم الأدب الذي يعنى بالآليات، وطرائق الصياغة والتركيب.

من منطلق أن الشعر وفنون النثر عبارة عن تشكيل فني للكلمة في سياقاتها التعبيرية،وقد تطور مفهوم الشعرية في أوربا ،”ولعل من أبرز إفرازاته ظهور التيار البنيوي الفرنسي الذي كانت اهتماماته مركزة على كيفية قراءة النصوص باعتبارها بداية جديدة للمرموز الذي صاغ ذلك الأثر،وهكذا فملامسة النص لا تكون من طريق الرؤية وإنما من طريق الكتابة والقراءة لأن القراءة –عادة- ما تتوخى تشهيا للنص وعشقا للأثر الأدبي “([3])و قد تتخذ اللغة العربية من حيث أنها استخدام خاص بطغيان الشعرية على الوظائف الأخرى.

حيث يحدد جاكوبسون الوظيفة الشعرية في أنها”تتجلى في كون الكلمة تدرك بوصفها كلمة وليست مجرد بديل عن الشيء المسمى، ولا كانبثاق للانفعال وتتجلى في كون الكلمات وتركيبها ودلالتها وشكلها الخارجي والداخلي ليست مجرد أماراتمختلفة عن الواقع بل لها وزنها الخاص وقيمتها الخاصة “([4])وتتحقق الوظيفة الشعرية التي لا تعد الوظيفة الوحيدة للغة،ولكنها ـ حسب جاكوبسون ـ الوظيفة المهيمنة والحاسمة،لأنها تبرز الجانب المحسوس للأدلة في” استهداف الرسالة بوصفها رسالة، والتركيز عليها لحسابها الخاص وهو ما يطبع الوظيفة الشعرية للغة”([5])هذه الوظيفة التي تتحقق في الشعر وفي النثر على حد سواء ،وهي تختص بنمط من الممارسات اللغوية ذات العلاقة بممارسات دالة متعددة.

وهكذا يرى جاكوبسون أنه لا يوجد حدود فاصلة تخص الشعر، يمكن تبيانها لتميزه عن غيره من فنون القول ،فلا الأدوات الشعرية ولا الجناسات والأدوات التناغمية تستطيع أن تحدد الشعر، فهذه نفسها أدوات تستعملها الخطابة، والكلام اليومي، ويرى كذلك أن اللغة ووظائفها تتشكل من ثلاثة أجزاء رئيسة تتوافر في اتصال لغوي، وهي مرسل، ومرسل إليه، ورسالة .

والإبداع الشعري يعتبر نتاج صراع، يتنازعه الجانب الجمعي في الشاعر والجانب الفردي فيه،بين الوظيفة الشعرية وبقية الوظائف الأخرى ومحاولة السيطرة عليها في النص الشعري ،ومهما طغت الوظيفة الشعرية على الوظائف الأخرى،فإنها لن تستطع تغييبها كليا،ومن هنا فالنص الشعري إنما يقوم على هذه العلاقة الموجودة بين الوظائف المختلفة فيه،لهذا يقول جاكوبسون:”لا يمكن للتحليل اللساني للشعر أن يقتصر على الوظيفة الشعرية، فخصوصيات الأجناس المختلفة تستلزم مساهمة الوظائف الأخرى بجانب الوظيفة الشعرية المهيمنة،وذلك في نظام هرمي متنوع”([6]) وفي هذا بيان أن الشعرية متصلة بجذرها اللساني الذي بلورها وأسس لها،بوصفها بنية نصية بإمكانها تحقيق المعاني ومعاني المعاني،أو الانحرافات الدلالية ،والمتجاوزات كما يسميها جون كوهن.

أي إن الدراسات اللسانية أكسبت الشعرية شرعيتها في القراءات الأدبية ،لا سيما التحليل البنوي والأسلوبي للنصوص ،من حيث تركيبتها ودلالتها،وبالتالي فالشعر عند جاكوبسون لغة ذات وظيفة جمالية،أما الشعرية فهي الأدبية،وموضوعها علم الأدب ،الذي يعنى بآليات وطرائق الصياغة والتركيب، أي ما يجعل من كلام ما عملا أدبيا،ومن منطلق أن الشعر تشكيل فني للكلمة في سياقاتها التعبيرية، فإن الشعرية يمكنها أن تعرف على أنها الدراسة اللسانية للوظيفة الشعرية في سياق رسالة لفظية أو خطاب شعري،تلك الوظيفة التي تنظم العمل الشعري ،وتحكمه دون أن تسترعي انتباهنا”فالأثر الشعري لا يهيمن ضمن مجموعة القيم الاجتماعية ،ولا تكون له الحظوة على باقي القيم ،ولكنه لا يكون أقل من المنظم الأساسي للأيديولوجية، الموجه دوما نحو غايته”([7]).

ومن خلال ما ذهب إليه جاكوبسون في مفهوم الشعرية نستطيع القول أن ذلك ينطبق على “الأدبية” ،إذا ما تصورنا أن الأدبية أوسع مجالا وأشمل من الشعرية،أي أن الشعرية جزء من الأدبية،وذلك باعتبار أن الشعرية مشتقة من جنس الشعر الذي ينتمي إلى حقل الأدب الواسع،ولكن لموقف جاكوبسون هذا ما يبرره من منطلق أن جمهور المثقفين أصبح يرى أن الشعر هو كل إحساس جمالي أو عاطفة أو انفعال إيجابي يسببه مؤثر فني أو طبيعة ساحرة وخلابة، ولم تعد “الشعرية علم موضوعه الشعر [حيث]كان لكلمة شعر هذه في العصر الكلاسيكي معنى لا لبس فيه،فقد كانت تعني جنسا أدبيا أي القصيدة التي تتميز بالنظم”([8]) أما وقد وسّعت كلمة “شعر”أكثر مما يلزم،فقد اعتراها لبس كبير ،انعكس على مفهوم الشعرية.

هذا غير الاستعمالات الحديثة لمفهوم “القصيدة” التي خص بها الشعر في بادئ الأمر،ثم تعدتّه إلى النثر،بقولهم “قصيدة النثر” لقد” كان للقصيدة وجود شرعي غير قابل للنزاع،وهكذا كان يعتبر قصيدة كل ما كان مطابقا لقواعد النظم ونثرا ما ليس كذلك،غير أن عبارة (قصيدة نثرية) الظاهرة التناقض تفرض علينا إعادة تعريفها”([9]) فيبدو أن هذا الخلط الذي بلغه تطور الشعر،هو ما أدى بجاكوبسون إلى تعميم مفهوم الشعرية لتتناول الوظيفة الشعرية حتى في مواضيع خارج الأدب نفسه.

في ظل مرحلة انتقالية،طالما شهد الشعر خلالها العديد من التغيرات،بعد أن كان من قبل يلتزم بالموسيقى الخارجية المقننة التي لا محيد عنها ،وكان يتميز بمستوييه الصوتي والدلالي عن النثر، حيث كانت”كلمة شعرية قد عنت زمنا طويلا معايير نظم الشعر،ونظم الشعر وحده”([10])من منطلق أن النثر هو اللغة الشائعة ،أو المعيار الثابت المألوف،والشعر هو انزياح عن المعيار أو شذوذ من أجل تخليق جمالي في اللغة،حيث إن الجمال المستهدف “ليس صفة خاصة بالشيء في ذاته ولكنه الاسم الذي نعطيه لقدرته على إيقاظ الشعور بالجمال في النفوس “([11])وهنا تكمن الوظيفة الشعرية. 2-شعرية تزفيتان تودوروف.

لا يختلف تودوروف كثيرا عن جاكوبسون في مفهومه للشعرية ،إذ يرى أنها ترتبط بكل الأدب منظومه ومنثوره،تهتم بالبنيات المجردة للأدب،وهي لا تعمل بمفردها بل تستعين بالعلوم الأخرى التي تتقاطع معها في مجال الكلام وهذا مستلهم من المفهوم الفاليري للشعرية([12]) حيث كان فاليري يسر بتوغله في النفس البشرية،من خلال شفافية وعمق الكلام ـ كما يقول جيرار جينت ـ وما كان يميز العمل الأدبي عند بول فاليري هو كونه تجليا للكلام ذاته وليس ارتباطه بالأشياء ([13])أي لذة الشعر في ذاته،والعلم الذي يحق له متابعة الشعر هو الشعرية.

وقد استقر فهم فاليري على الشعرية من منطلق ابستمولوجي لكلمة شعر حيث يقول:”يبدو لنا أن اسم الشعرية ينطبق عليه إذا فهمناه بالعودة إلى معناه الاشتقاقي أي اسما لكل ما له صلة بإبداع كتب أو تأليفها حيث تكون اللغة في آن الجوهر والوسيلة لا بالعودة إلى المعنى الضيق، الذي يعني مجموعة من القواعد أو المبادئ الجمالية ذات الصلة بالشعر”([14]) إن مفهوم الشعرية الواسع الذي توصل إليه فاليري هو نفسه الذي انطلق منه تودوروف ،حيث إن الشعرية لديه هي اسم لكل صلة بالإبداع عامة.

حيث تكون اللغة هي الوسيلة والجوهر ،ولايهم الأمر إذا كان الإبداع من جنس الشعر أو جنس النثر،وإنما الذي يهم هو أن يكون الإبداع لغويا،وذلك لا يخلو من تقاطع عدة ميادين علمية تعمل على الكلام المنطوق والمكتوب،كاللسانيات، والسيميائيات، والأسلوبيات،”إن الشعرية عند تودوروف تريد أن تكون بنيوية، مادام أن الشعرية لاتهتم بالوقائع التجريبية،ولكن بالبنى المجردة(الأدب)إلا أن الأدب هو موضوع لكثير من العلوم المشتغلة عليه والموظفة له في حقول اشتغالها،…إن شعرية تودوروف ترى في هذه العلوم عونا لها مادامت هذه الأخيرة تجعل الكلام جزءا من اهتماماتها”([15]) .

ونخلص إلى القول:إن تودوروف يعرف الشعريات انطلاقا من دورها في حقل الدراسات الأدبية ،لتضع حدا للجدل القائم بين التأويل المبني على الانطباعية والذاتية،والعلم المبني على الأنظمة والمعايير الصارمة،” فوضعت حدًّا للتوازي القائم على هذا النحو بين التأويل والعلم في حقل الدراسات الأدبية، وهي بخلاف تأويل الأعمال النوعية، لا تسعى إلى تسمية المعنى، بل إلى معرفة القوانين العامة التي تنظِّم ولادة كل عمل، ولكنها بخلاف هذه العلوم التي هي علم النفس وعلم الاجتماع… ، تبحث عن هذه القوانين داخـل الأدب ذاته، فالشعرية إذن مقاربة للأدب( مجردة وباطنية) في نفس الآن”([16])، فهي ـ حسبه ـ دراسة منهجية للأدب تقوم على عاملين متقابلين يعملان بطريقة متناغمة يكشف الواحد منهما عن جمالية الآخر، وهما:

-1 التجريـد : ويقوم على الصياغة والكشف الموضوعي لقوانين مجردة،من منطلق أن العمل الأدبي ليس هو في حد ذاته “موضوع الشعرية، فما تستنطقه هو خصائص الخطاب النوعي الذي هو الخطاب الأدبي وكل عمل عندئد لا يعتبر إلا تجليا لبنية محددة وعامة، ليس العمل إلا إنجازا من إنجازاتها الممكنة، ولكلّ ذلك فإن هذا العلم لا يعني الأدب الحقيقي بل الأدب الممكن، وبعبارة أخرى يعني تلك الخصائص المجردة التي تصنع فرادة الحدث الأدبي، أي الأدبية”([17]) .

-2 التوجيه الباطني :حيث لا يلحظ أثرا لتلك القوانين المجرّدة على سطح الخطاب الأدبي مع أنها لا تغيب عن بنيته الداخلية ،فهي التي تتحكم في صيرورة الخطابومساره لتنقله من حالته العادية إلى ” الخطاب النوعي “([18]) .

والشعرية عند تودوروف تهتم بشق هام من شقي الأدب ألا وهو البنية،ولا تعير اهتماما لوظيفة الأدب،حتى وإن كانت الوظيفة كالظل للبنية داخل الخطاب الأدبي (منظومه ومنثوره) لأن الشعرية عند تودوروف تتجاوز الأجناس الأدبية،ولا تراعي سوى النسق الذي يشكل خطاباتها،إذ يقول:”إن الإهتمام بالأجناس الأدبية قد يبدو في أيامنا هذه تزجية للوقت لا نفع فيه إن لم يكن مغلوطا تاريخيا”([19])، وربما يكون تودوروف قد عمد إلى ذلك ،من منطلق كونه لا يفرق بين الشعر والنثر .

خاصة عندما مسخت القصيدة برياح الحداثة،وأصبحت ترتدي حلة نثرية،عندها تقريبا زالت الفروقات بين الشعر كما أسسه الأقدمون،والنثر لدرجة أنه صار لا يعبأ بالأجناس،فتودوروف ينظر إلى “أن الجنس الأدبي يشكل في مجتمع ما،ترددا لبعض الخصائص الخطابية،وأن النصوص الفردية تنتج وتدرك على أساس معيار قبلي،شكله المجتمع حسب ترميزه الخاص،فليس الجنس الأدبي أو غير ذلك،إلا هذا الترميز بخصائص خطابية،والمقصود بالخصائص الخطابية هو تحويل أي مظهر خطابي إلى مظهر إلزامي(صوتيا،فونولوجيا،أوتوماتيكيا،أو لفظيا كان)”([20])ففي المقولة حكم حول كون الجنس الأدبي يتبلور من خصائص خطابية محددة تحكمها معايير متفق عليها سلفا داخل مجتمع معين.

وقد كان تودوروف تابعا وليس محدثا لما عمم مفهومه للشعرية ،دون الاعتراف بالأجناس الأدبية،في ظرف شهد فيه الأدب تطورا متسارعا كسر القيود المعيارية التي ظلت ردها من الزمن تحد من حرية المبدع وتوجهه وفق مسار ضيق،إذ إن”تحرر القصيدة الجديدة من النمط الكلاسيكي المقيد بالوزن الواحد والقافية الواحدة ،وقد منحها إمكانات متعددة في هيكلها وأسلوبها ومضمونها”([21])

أما فيما يخص علاقة الشعرية بالخطاب الأدبي فإن تودوروف يصنف علاقات النصإلى زمرتين أساسيتين:

1. علاقات حضورية بين عناصر حاضرة.

2. علاقات غيابية بين عناصر غائبة.ويرى تودوروف محدودية هذا التقسيم،الذي لا يمكن أن يكون مطلقا ([22])ذلك أن الحضور والغياب يشكلان ثنائية ضدية يمكن تجسيدها بعدة أوجه. – عناصر حاضرة تجسد علاقات حضورية.

– عناصر حاضرة تجسد علاقات غيابية(تناص) .

– عناصر غائبة تجسد علاقات غيابية.

– عناصر غائبة تجسد علاقات حضورية(حضور في الذاكرة الجماعية).

وهذه كلها يجسدها تودوروف في مستويات النص الأسلوبية،المستوى اللفظي والمستوى الدلالي،والمستوى التركيبي،إذ يقول:”هذه المظاهر الثلاثة للأثر الأدبي،تتمظهر في تداخل علائقي معقد وأنها لا توجد منعزلة إلا في تحليلنا،وهي قابلة للملاحظة من خلال عالم الأدب ،كتمظهرات لبنى مجردة،على الشعرية أن تبحث على مستويات تداخلها وانتظامها داخل النص”([23]) ولا يغفل تودوروف عن أمر مهم ،عندما يلمح إلى أن شعريته لا يمكنها أن تحل كل معضلات النص الأدبي، بقدر ما هي مقاربة من منظور لساني يجعل أول أولوياته المظهر الدلالي للإجابة عن الإشكالات التي تطرح ذاتها في النص الأدبي،والتي هي من قبيل: ماهي الكيفية التي يدل بها النص ؟ وعلام يدل ؟ مع أن المقاربة اللسانية تهتم بالدلالة الحصرية السطحية،وتغفل المعاني الخفية،والانتظام الدال للخطاب ([24]). لذلك فإن التحليل الدلالي يعمق النظرة وفق مواقع الكلم في النص،كما تراه نظرية النص التي تنظر إلى الترميز الملفوظ داخل التركيبة الكلية له كخطاب،أي صرف النظر عن المفردة كمفردة ،والاهتمام بها داخل النسيج المركب للخطاب،اعتمادا على علم البلاغة الذي انشغل بالمعاني الثانية، وقد اقترح تودوروف عدة مظاهر للدلالة:

1.المظهر المرجعي :وهو ارتباط الملفوظ بواقع خارجي.

2.المظهر الحرفي:وهو الذي يتمظهر في الحالة التي نستحضر فيها الملفوظ دون الرجوع إلى مرجعه ،وهذا لا يعني أنها تراكم غير واضح للأصوات…حيث تؤخذ الكلمة ككلمة وليس كشيء.

3.المظهر المادي: وهو أشبه ما يكون بالموضوع المستقل أكثر من كونه متتالية متجانسة من الكلمات، وهو ما يمنح القدرة على تغييب الدلالة الكلية للملفوظ ويميزه عن غيره من الخطابات.([25])

4.المظهر التركيبي:التركيب(التأليف)وهو مظهر أكثر صورية ،شأنه شأن المظهر اللفظي الأمر الذي يسمح بوصفه دون حاجة للمعنى،وهنا الأمر يعني التأليف،أي العناية بالعلاقات فيما بين الجمل داخل أجزاء النص،بحيث يختصر الخطاب في قضايا بسيطة منطقيا تشكل من عامل (موضوع) أو محمول مثال : المطرب يغني. مؤلفة من قضيتين على شكل لسني،من المطرب ومن يغني، أي جملة صغرى حسب(جون دوبوا)،ومنه يؤول بنا القول إلى أن الشعرية عند تودوروف هي بحث في القوانين الداخلية للخطابات الأدبية برمتها شعرية أو نثرية،قصد استخلاص القوانين أو المقولات التي تؤسسها، وليست النصوص في حد ذاتها([26])

وفي إشارة منه إلى جواب عن تساؤله:علام يدل النص؟وذلك لتوضيح إشكالية النص والمرجع، أو النص والواقع فيقول:”فمساءلة النص الأدبي حول حقيقته غير ملائمة حتى وإن كان وثيقة، فهو وثيقة ناقصة من الدرجة الثانية كما يقول جاكوبسون،إن الرواية لا تحاكي الواقع ولكنها تخلقه “([27]) وبالتالي فإن النص ملبس بقناع الأيديولوجيا.

وذلك باعتبارها”تمثيل جمعي مهيمن على مجتمع ما خلال حقبة معطاة،بخاصة في الأدب التخييلي،فهو قد يجد نفسه في مواجهة مفتوحة معها سواء وعى ذلك أم لم يعه إن الأيديولوجيا خطاب ذو ميزة إسهابية منقطع ،بحيث أننا نادرا ما نعيه “([28])كما أن هناك مشكل يتعلق بموضوعات الأدب ،وذلك لقلة الوضوح وكثرة التعقيد في عملية التحدث عما يتحدث عنه الأدب،تلك الموضوعات (thèmes) التي يحددها تودوروف باعتبارها مقولات دلالية قادرة على الحضور على طول النص، والتي يبين الصعوبات التي تعترض دراستها فيما يلي: 1 -إن اللسانيات ولكونها أساس النظريات الأدبية المعاصرة،فإنها تستبعد المعنى، وتلتصق بالمستويات الصوتية والتركيب،وما عقد المسألة – حسبه – هو أن المقاربات النظرية في الأدب تقبل دراسة الشكل بمكوناته (الإيقاع والتركيب) وترفض أن تدرس المحتويات والمضامين .2 -قصور النظريات الموضوعاتية عن بناء نظرية تحليلية متكاملة،واقتصار النقد الموضوعاتي على استعمال مقولات لا أدبية لوصف موضوعات أدبية . 3 -سيطرة الأنساق الموضوعاتية باعتمادها على أدوات مستمدة من نزعات نفسية وأسطورية ،مادية…معاصرة تعمل على طمس خصوصية الأدب ،وتتجاوزه إلى أنساق أخرى فهو يقول :”يجب أن يتوصل إلى الإبانة عن التشابه (الحاصل) بين الأدب وأنظمة العلامات الأخرى من إظهار أصالته النوعية “([29]).

وإضافة إلى المظهر الدلالي للنص أو الخطاب،تشتغل شعرية تودوروف على جانب هاموهو المظهر اللفظي للنص الأدبي،الذي يتمظهر في الجمل الملموسة المكونة للنص،وما تعلق به من عناصر نحوية وصوتية ،وهذا المظهر يطرح لدى تودوروف مشكلتين اثنتين: – وتتعلق الأولى بالملفوظ (الأسلوب بالمفهوم الضيق).

– وتتعلق الثانية بالتلفظ (عملية بث النص وتلقيه).أولا: خصائص الملفوظ.

يميز تودوروف بين نوعين من الملفوظ(التمثيل/ السرد) وهما مظهران لنمط الملفوظالمستعمل من طرف الكاتب ويتميزان على أساس طريقة التلفظ،ومن المقولات المشكلة داخل نسيج السرد:

1 – مقولة الملموسية والتجرد،وهي ما يساعد المتلقي على تمييز ملفوظ ما (رواية واقعية أو رومانسية).

2- مقولة حضور أو غياب المظاهر البلاغية، وهي ما يحدد مدى تصورية الخطاب الأدبي. 3- مقولة حضور وغياب التناص،بين خطاب لاحق وخطاب سابق،حيث يسمي تودوروف الخطاب الأول “أحادي القيمة”،ويسمي الثاني “متعدد القيم” وقد سبق إلى هذه المفاهيم الشكلانيون الروس، وكان ميخائيل باختين أول من صاغ نظرية مكتملة عن تعدد القيم. ويتحدد الأسلوب عند تودوروف باعتباره الاختيار الذي يجب أن يجريه النص من بين عدد معين من الإلزامات المتضمنة في اللغة،والأسلوب بهذا الفهم ،ويوازي سجلات اللغة وترميزاتها الصغرى،وهذا ما تحيل عليه تعابير من مثل الأسلوب المجازي،والخطاب الإنفعالي،وإن وصفا لعبارة ما ليس إلا وصفا لمجمل المميزات الكلامية([30]) .خصائص التلفظ و هو ما يسميه تودوروف الخطاب المحمول المنجز عن طريق تحويلات نحويةبالأسلوب المباشر وغير المباشر،ومن أهم جوانبه:

أ – الرؤى (وجهات النظر):وهي” كل ما يعكس العلاقة الموجودة بين ضمير الغائب (ذات الملفوظ)وضمير المتكلم (موضوع التلفظ)وبين الشخصية والسارد”([31]) ويتعلق هذا بشعرية السرد عند تودوروف.

ب -الأسلوب المباشر: حيث يكون الخطاب منقولا والعالم ثابتا،ويرى تودوروف في شعرية النثر أن حديث الراوي يمكن أن يتغير أيضا أسلوبا مباشرارغم بعض الفروق الأساسية.

ج – الأسلوب غير المباشر:(الخطاب المحكي) ويقع بينهما الأسلوب غير المباشر الحر.

د – الخطاب المروي:حيث يكتفى بتسجيل محتوى الكلام دون الإبقاء على لفظ من ألفاظه الحقيقية كقولنا:”أختارت أمي أني سأسافر إلى ميونخ”.

هـ – مقولة الزمن أو التمثل الزمني:أن تحكي معنى الخطاب، وأن تتمثل زمنا ما غير زمنه الحقيقي،إذ إن حمل النص المحكي لا يخضع أبدا لنظام الزمن المعد تعاقبيا للعالم المتخيل. ومن خلال كل ما سلف التطرق إليه حول شعرية تودوروف ،يتبين أنها شعرية سردية،اهتم فيها بالمقولة السردية دون النظر إلى الوقائع،التي تركها للقراءات النقدية المحايثة للنص . 3- شعرية جون كوهن.

إن الشعرية من حيث كونها تتحدد بالأسلوب فهي خطاب طبع وصنعة، فالأسلوب يشكل صياغة كيفية للغة، ولكنه لن يكتمل من طرف المبدع وحده، بل للمتلقي دور في ذلك،وقد أشار رولان بارث إلى أنه لا نص بدون قارئ،فالظاهرة الأدبية كما يراها ريفاتير”تكمن في العلاقات بين النص والقارئ،وليس بين النص والمؤلف، أو بين النص والواقع”([32]).وقد بحث جون كوهن الأسلوب مشيرا إلى كونه عدولا للغة الشعرية عن نمطها العادي.

وبالأسلوب يتحقق الجمال الشعري،”فالأسلوب هو كلام ليس شائعا ولا عاديا ولا مطابقا،للمعيار العام المألوف،ويبقى مع ذلك أن الأسلوب كما مورس في الأدب،ويحمل قيمة جمالية ،إنه انزياح بالنسبة للمعيار،أي أنه خطأ،ولكنه كما يرى برونو أيضا (خطأ مقصود)،إن الانزياح إذن مفهوم واسع جدا،ويجب تخصيصه،وذلك بالتساؤل عن علة أنواعه جماليا والآخر ليس كذلك “([33])إن الانزياح هو مصطلح أسلوبي،يتخذ منه المبدع أو الشاعر وسيلة في الكتابة المتميزة،وفيه خرق للمعيار،يجعل بخروجه عن المألوف جمالية إبداعية، بإمكانها تمييز الشعري عن اللاشعري،وقد قال كوهن مبينا وظيفة الشعر:”وظيفة النثر المطابقة ووظيفة الشعر الإيحاء”([34]).

الشعرية بارتكازها الجوهري على العدول ،ذلك الحدث الأسلوبي المليء باللغة المجازية، المشكلة لبنية اللغة الشعرية، يشكل عنصر المفاجأة لدى المتلقي بقدرته على التحرر من سلطة المكان والزمان،وفتح أفق الخيال على تعدد القراءات وتعدد الصور الفنية”فالشعرية علم موضوعه الشعر،وكان لكلمة شعر هذه في العصر الكلاسيكي معنى لابس فيه، فقد كانت تعني جنسا أدبيا، أي القصيدة التي تتميزباستعمال النظم”([35]) أما وقد توسعت كلمة شعر لتشمل قصيدة النثر،أي تعدت إلى جنس آخر كان يقابل جنس الشعر،فأصبح للشعرية مفهوم أوسع،يعني الأدبية ،أي العلم الذي يدرس الأدب.

والشعرية عند كوهن تعني _كما حدد_ دراسة القصيدة المنظومة في اللغة الفرنسية، فالاعتماد على جانبيها الصوتي والدلالي، و”هدف الشعرية بعبارة بسيطة هو البحث عن الأساس الموضوعي الذي يستند إليه تصنيف نص في هذه الخانة أو تلك”([36])أي بين كونه شعريا أم نثريا،حيث الفرق بينهما يكمن في “الأسلوب باعتباره انزياحا بالنسبة إلى المعيار”([37]).

ويشير كوهن إلى صعوبة”كون الشعرية تعبر عن نفسها نثرا، فالشعر هو اللغة الموضوع للغة واصفة هي النثر … فهي تسطح الشعر تسطيحا بمجرد ما تتحدث عنه نثرا”([38]) حيث أن اللغة تنطوي عن مفارقة ،إذ تبدو عند التحليل أنها مكونة من عناصر هي نفسها غير لغوية،ولمواجهة القصيدة نجدنا أمام طريقين إحداهما لغوية، والأخرى غير لغوية،نظرا لكون اللغة مكونة من مادتين ،أي من حقيقتين،توجد كل واحدة منهما قائمة بنفسها ومستقلة عن الأخرى،تدعيان الدال والمدلول(حسب سوسير)أو العبارة والمحتوى (حسب هيالمسليف) ([39]).

ومن جهته ينبه كوهن إلى الدور الذي تلعبه اللسانيات في تفسير اللغة باللغة وذلك ما يتوجب على الشعرية فعله كذلك،لكون”اللسانيات قد صارت علما يوم تبنت مع سوسير مبدأ المحايثة،أي تفسير اللغة باللغة نفسها،ويجب على الشعرية أن تتبنى المبدأ نفسه،فالشعرية محايثة للشعر ويجب أن يكون هذا مبدؤها الأساسي،وهي كاللسانيات تهتم باللغة وحدها، ويكمن الفرق الوحيد بينهما في أن الشعرية لا تتخذ اللغة عامة موضوعا لها،بل تقتصر على شكل من أشكالها الخاصة”([40])،ولا يكتمل الفن عند جون كوهن،إلا لما يستغل كل أدواته التي تضفي عليه ميزة خاصة يتميز بها عما سواه من الفنون المشاكلة.

والمستوى الصوتي في الشعر يعد أعلى مقوماته،وعن طريقه يتم الإنشاد، لأن الشعر وضع للإنشاد لذلك “فالقصيدة النثرية بإهمالها للمقومات الصوتية للغة تبدو دائما كما لو كانت شعرا أبتر، فالنظم إذن من مقومات العملية الشعرية، وبهذه الصفة يجب أن ندرسه”([41]) لأنه لا يوجد سوى كعلاقة بين الصوت والمعنى، ومن ثم فإن شعرية الشعر تكمن في نظمه مما يميزه صوتيا عن النثر الذي يعتمد إيقاعيا على النبر الزمني المجسد في البياض أو الفراغ عند كتابته أو طبعه، والذي يعني السكوت أو غياب الصوت لما نكون في الحالة السماعية، إن لم يكن مسجوعا، وهي صفات ومقومات يحتويها الشعر ويتجاوزها إلى النظم.

فالنظم عنده يقتضي الميزة الصوتية والمعنى السليم، أي مراعاة المستوى الدلالي، أو الإسناد النحوي المؤدي إلى معنى صحيح،إذ يمكن تشكيل جمل صحيحة الإسناد موزونة يمكن إنشادها في حين لا معنى لها،لأن”التكلم ليس تركيب جملة،إنما هو اختيار لجملة تراها مطابقة للمقام بين نماذج من الجمل تزودنا بها الذاكرة” ([42])تنطلق من إحساسنا اللغوي الخاص لكي يخبرنا عما هو صحيح أو غير صحيح. كما يميز جون كوهن بين مستويين من الانزياح عندما قال:”لا ينبغي الخلط بين الانزياح و الاستعارة،إذ يوجد في هذا المستوى انزياح سياقي يقابل ما تمثله القافية على المستوى الصوتي،والتقديم والتأخير،على المستوى التركيبي”([43])وقد اختار له تسمية المنافرة،التي هي عكس الملاءمة،وقد مثل لها ،بأمثلة منها:

– جدائل الأبنوس (لامارتين). – عشب الزمرد (فيني)

إذ أن الأبنوس خشب أسود، والزمرد حجر أخضر، وبالتالي هناك استعارات غير ملائمة وفي هذا عين المنافرة.

وقد عقد كوهن الفصل السادس من مؤلفه (بنية اللغة الشعرية) لترتيب الكلمات مشيرا إلى أهمية النحو والصرف في شعرنة الكلام ،إضافة إلى المستوى المعجمي والصوتي، وأن هناك علاقة متينة للنحو مع باقي المستويات سوى التضمين العروضي بأنه يقتضي أحيانا” تعارضا بين الوزن والتركيب،والقافية الحقيقية ليست نحوية،و المنافرة تقوم على أساس الوظيفة الإسنادية” ([44]) ،ومن خلال المحسنات الشعرية والمستويات التي تتحقق فيها،يصل كوهن إلى فرضية يلخصها في نقطتين: ([45]) 1. طبيعة الفارق بين النثر والشعر لغوية شكلية ولا تكمن في المادة الأيديولوجية، ولكن في نمط خاص من العلاقات يقيمها الشعر بين الدال والمدلول،وبين المدلولات ككل.2 .يتسم هذا النمط من العلاقات الخاصة القائمة في لغة الشعر بخرقه لقانون اللغة العادية،وقد بين أنه لا يوجد شعر يخلو من الانزياح ،ولا وجود لانزياح خارج الشعر.
_______________________________________

1- جاكوبسون رومان،قضايا الشعرية،تر:محمد الولي ومبارك حنون،دار توبقال،المغرب 1988،ص35.
2- ينظر: تزفيتان تودوروف، الشعرية،تر: شكري المبخوت ورجاء سلامة،دار توبقال، المغرب،1987 ،ص6.
3- رابح بوحوش،الأسلوبية وتحليل الخطاب،منشورات جامعة عنابه،الجزائرط1،2006 ص59.
4- رومان جاكوبسون،م،س،ص19.
5- المرجع نفسه،ص32.
6 المرجع السابق ،ص32.
7 المرجع السابق نفسه،ص 20.
8 جون كوهن ،بنية اللغة الشعرية،تر:محمد الولي ومحمد العمري،دار توبقال ،المغرب ،1986ص9.
9 المرجع نفسه ، ص 10.
10 المرجع السابق ،ص11.
11 المرجع السابق نفسه،ص19.
12 ينظر : د رابح بوحوش،م،س،ص60.و ينظر:عثماني ميلود، شعرية تودوروف،منشورات عيون المقالات،الدار البيضاء، (دت) ص16.
13 المرجع نفسه،ص 9.
14عثماني ميلود،شعرية تودوروف، ص10.
15 م،ن،ص16.
16 تزفيتان تودروف،الشعرية ،ص23.
17 المرجع السابق ،ص23.
18 المرجع السابق ،نفسه،الصفحة نفسها.
19 المرجع السابق ،نفسه،ص21.
20 م،س،ن،ص22.
21 رجاء عيد ، لغة الشعر ،منشأة المعارف،الإسكندرية،1985،ص 56
22 ينظر: تودوروف،الشعرية، المرجع السابق ،26.
23- عثماني ميلود، شعرية تودوروف، ، المرجع السابق ،ص27.
24 ينظر :المرجع نفسه،ص 27.
25 ينظر عثماني ميلود،شعرية تودوروف، المرجع السابق ،ص29.

31 ينظر : المرجع نفسه ،ص64_65.
26 المرجع نفسه ص31.
27 المرجع نفسه ،ص32.
28 المرجع السابق ،ص34.
29 ينظر: المرجع السابق نفسه ،ص40.
30 المرجع السابق نفسه ،ص 42.
[32] جون كوهن ،بنية اللغة الشعرية،تر: محمد الولي,محمد العمري،دار توبقال،المغرب،1986،ص15.
[33] المرجع نفسه ،الصفحة نفسها.
[34] المرجع نفسه ،ص196.
[35] المرجع السابق ،ص 9.
[36] المرجع السابق نفسه ،ص 14.
المرجع السابق نفسه ،ص 15.[37]
[38] المرجع السابق نفسه ،ص 25.
ينظر: المرجع السابق نفسه ،ص27.[39]
، المرجع السابق نفسه ص 40.[40]
41 المرجع السابق نفسه ،ص52.
[42] المرجع السابق نفسه ،ص107.
[43] المرجع السابق نفسه ،ص111.
[44] م،س،ن،ص 175.
[45] ينظر: المرجع السابق نفسه ،ص192.

http://www.nashiri.net/articles/literature-and-art/4007—v15-4007.html