المعنى السرَّاني لأسطورة ايروس وبسيكه

نبيل سلامة

 

 

 

تذكر موسوعة الأديان:

بسيكه في اللغة اليونانية تعني الروح. وتقول القصة إنها كانت أميرةً ذات جمال خارق حتى أن أفروديت نفسها غارت منها. فوجَّهت ابنها ايروس ليُعاقِبَ المخلوقة البشرية الوقحة. وبعد ذلك بوقتٍ قصير أمرت نبوءة والد بسيكه، تحت التهديد بإنزال كوارث رهيبة، أن يوجِّه ابنته إلى قمة جبل لتكون فريسةً لوحش. وقفت بسيكه، وهي ترتعش ولكن باستسلام، تنتظر على صخرة تحقُّق النبوءة، وفجأة شعرت أنها ترتفع برفق وهي بين ذراعي زفيروس (إله الرياح) الذي حملها إلى قصرٍ رائع. وعندما هبط الليل وكادت بسيكه أن تنام انضم إليها مخلوق غامض وسط الظلام، شارحًا أنه الزوج المقدَّر لها. لم تتمكن من رؤية قسمات وجهه، لكن صوته كان ناعمًا وحديثه مملوءًا بالرقة. وقبل طلوع الفجر اختفى الزائر الغريب، بعد أن دفع بسيكه إلى القَسَم على ألا تحاول أبدًا أن ترى وجهه. وعلى الرغم من غرابة المغامرة، كانت بسيكه سعيدة بحياتها الجديدة؛ ففي القصر كان يتوفر لها كل ما تشتهيه ما عدا الحضور المستمر لزوجها المبهج، الذي لم يكن يأتي لزيارتها إلا خلال الساعات الحالِكَة الظلام من الليل. وكان يمكن لسعادتها أن تدوم على تلك الصورة لو لم تعمد أخواتها – اللواتي التهمهنَّ الحسد – إلى نثر بذور الشك في قلبها، وقلن “إذا كان زوجك يخاف أن يدعَكِ تشاهدين وجهه فلابد أنه مخلوق غاية في القبح”. وأكثرنَ من مضايقتها إلى أن كان ذات ليلة نهضت فيها بسيكه، على الرغم من وعدها، من أريكتها التي تتقاسمها مع زوجها، وأشعلت مصباحًا خلسةً وحملته فوق الوجه الغامض. وبدل أن ترى وحشًا مخيفًا رأت أجمل إنسان وقعت عليه عيناها في العالم – إنه إيروس نفسه. وعند قدَمَي الأريكة كان قوسه وسهامه. وفي غمرة ابتهاجها، ولكي تتفحص قسمات وجه زوجها عن قُرب أكثر قرَّبَتْ المصباح. فسقطت قطرة من الزيت المُحرِق على كتِف الإله العاري. استيقظ في الحال، وأنَّبَ بسيكه على قلَّة إيمانها واختفى على الفور.

واختفى القصر أيضًا على الفور وفي وقتٍِ واحد، ووجدت بسيكه المسكينة نفسها من جديد على الصخرة الوحيدة وسط العزلة المريعة. في أول الأمر فكرت في الانتحار ورمت بنفسها في النهر القريب؛ لكن المياه حملَتها برفق إلى الضفة المقابلة. ومنذ ذلك الوقت فصاعدًا وغضب أفروديت يُلاحِقُها فأخضعتها لسلسلة من الاختبارات كانت:

حسب ما يذكر د. فيكتور ساليس في كتابه الأسطورة الخالدة:

كان الاختبار الأول الذي أعطته أفروديت لبسيكه يقوم على فصل حبوب من أنواع متعدِّدَة خلال يوم واحد فقط. وكانت مهمةً صعبة للغاية، لأن الحبوب كانت من نوعيات كثيرة وبكميات هائلة. لكن النمل، وقد أشفق على بسيكه، قام بمساعدتها. وعلى هذا النحو، استطاعت بسيكه القيام بالمهمة. ويا لمفاجأة أفروديت، فقد نجحَت بسيكه بتجاوز المرحلة الأولى من فن الحب، وهي مرحلة تعلُّم الحب والحصول على الأشياء الأساسية الممثلة بالأغذية.

أما الاختبار الثاني فكان يقوم على جزِّ خرافٍ في غاية الجمال ذات صوفٍ ذهبي. كانت أفروديت تريد صوف هذه الخراف لكي تحيك معطفًا لها. إلا أن الخراف كانت ضاريَةً، وكان الإله هليوس (الشمس) هو الذي أشفق عليها هذه المرة، وقال لها: “احذري! عليكِ أن تعبري نهرًا لكي تصلي إلى الخراف، لكنكِ تستطيعين القيام بذلك فقط عندما أكون في قمَّة عملي. ففي هذه اللحظة فقط، تكون الخراف لطيفة، فتستسلِم لك لجزِّها دون أن تفترسك”. وهكذا فعلت بسيكه، فتوصَّلَت إلى جمع الصوف، ويا لمفاجأة أفروديت الهائلة. قرَّرَت هذه الأخيرة أن تعطيَها العمل الثالث الحاسِم: “إنما جمالي قد تعِبَ من هذه التكديرات التي جعلتِني أعيشها. أريدك أن تنزلي إلى هادس (عالَم الموتى السفلي)، وأن تذهبي إلى الإلهة بيرسيفوني، وتطلبي منها أمرًا، هي وحدها تملكه: صندوق الجمال الأبدي، لأنني من هذا الصندوق فقط أستطيع استعادة بهائي الأزلي الذي قمتِ أنتِ باستنفاده”.

لم ترَ المسكينة بسيكه، وقد فقدت كل أمل، مخرجًا لها إلا أن ترمي بنفسها من أعلى جرف صخري لكي تموت، فبذلك تتمكَّن من الدخول إلى عالم الأموات. لكن، الإله هرمس أشفَقَ عليها، وهو الوحيد الذي يستطيع ولوج عالَم الأموات، هَبَّ لمساعدتها لكي يأخذها إلى العالَم السفلي حيَّةً. وهكذا استطاعَت الوصول إلى بيرسيفوني، وسلَّمَتها هذه الأخيرة الصندوق الغامض مع التعليمات التالية: “حذاري! عند أخذكِ الصندوق إلى أفروديت، تذكَّري جيدًا أن الآلِهَة وحدها تستطيع أن تفتحه”. إذاك، انطلقَت بسيكه في طريق العودة الطويل إلى سطح الأرض حامِلَةً ما طلبته أفروديت منها. ومع ذلك، ففي طريق العودة بدأت أفكارُها بالشرود: “إذا كان جمال الإلهة أفروديت الخالِدَة قد تعِبَ واُستُنفِد، فماذا أقول أنا المسكينة الفانية، وقد تألَّمتُ في حبي وفي هذه الأعمال الشاقة، ما فيه الكفاية؟ على أغلب الظن، لن يسوءها إذا فتحتُ الصندوق وأخرجتُ منه لنفسي القليلَ من الجمال الأبدي، فأستعيد بذلك نضارتي أنا أيضًا”. وهكذا فعلَتْ. لكنها، وفي اللحظة التي فتحَتْ فيها الصندوق، خرج منه “النوم الأستيجي[1]”، (وكان هو نوم الموتى، أو بعبارة أخرى: ثمن الأبدي موتنا نحن المساكين الفانون).

وقد اعتبَرَ زيوس الذي كان قد تابَعَ كل شيء منذ البداية، أن بسيكه تألّمَت بما فيه الكفاية وأن على أفروديت أن تصالِحَها. فأنهض بسيكه من الموت، مستعملاً قدراته، وجعلها خالدةً. وأعطى أمرًا بأن يتم حفل زواج بسيكه من إيروس في الأولمب، وذلك يتلاوَةِ قَسَمٍ، وباتَ على كل الفانين ممارسته منذئذٍ فصاعدًا: “أقسِمُ، أُقسِمُ، ألا أفعل شيئًا وألا أتفوّه في حياتي بما لا يكون باسم إيروس (الحب الحقيقي)”.

* * *

المعنى السرَّاني للأسطورة

إن بسيكه تعني النفس، النفس الإنسانية، ولاشك فثمة معنى كبير في جعلها معابد أفروديت فارغة، إن هذا الكلام يذكرني بالقرآن الكريم، عندما خلق الله آدم طلب للملائكة بالسجود إليه فسجدوا إلا إبليس فاستكبر وهنا بدأت المصيبة الكونية، وكان مبدأ الشر متجسدًا برفض إبليس أوامر الخالق، لا أريد الخوض بعيدًا في هذه القضية الواسعة البحث، وإنما لأطرق ما نحن بصدده “بسيكه” وأفروديت، أما ما معنى أن يطلب الخالق من الملائكة السجود لآدم، لاشك ثمة سر في ذلك وحكمة لا تُسبَر، فمنْ يكون هذا المخلوق من الطين حتى يسجد إليه مخلوق من النار أرفع وأعلى منه؟! هذا المخلوق من الطين في الحقيقة كان مكمن الإله نفسه، كان تجليًا للإله نفسه، الأمر الذي غاب عن إبليس الذي اعتبر نفسه فوق كل شيء، فكان مبدأ الكبرياء ومبدأ الشر. هذا المخلوق الوضيع والضعيف والحقير الذي هو بسيكه، الذي هو الإنسان، ليس أكثر من مكمن لإله هذا الكون، ليس أكثر من تجلٍّ لهذا المبدأ الخلاَّق، وكانت المصيبة وبدأت معركة أفروديت التي كان عليها ببساطة أن تسجد لبسيكه وإن كانت هي ربة الجمال، إذ ثمة سر في بسيكه الحقيرة تسبب في إفراغ معابدها، وهكذا غضبت أفروديت كما غضب إبليس، وبدأت المعركة بين الإنسان والشيطان، وبين بسيكه وأفروديت. والآن بدأت رحلة دراماتيكة في قدر بسيكه، إنها المساررة في تجربتها، سواء مع الشيطان أو مع أفروديت. والآن بعثت أفروديت بإيروس، لتبدأ المعركة قبل المساررة، أي الـ iniciação. وعلي أن أقول شيئًا حول ماهية الإيروس ومعناه، يقول الفيلسوف أنطون المقدسي في كتابه الحب في الفلسفة اليونانية:

الإيروس عند اليونان هو وسيط بين الإنسان والجمال، والجمال هنا ليس أفروديت، بل الله. وعند أفلاطون، فإن الإيروس هو أداة ارتقاء من العالَم المحسوس إلى العالم المعقول، وهنا يقصد بالعالَم المعقول عالَم المثل أو عالَم الآلهة، والعامِل الأساسي في هذا الارتقاء هو جهد الإنسان في تطهير نفسه من آثار المحسوسات ومن الشهوات.

أما عند أرسطو فالإيروس هو مبدأ الحركة، والحركة عند أرسطو هي نزوع الكون للتأله، في خالقه، هو شوقه إلى مبدئه الخلاَّق، وهو يتمثل في الإنسان على نحو قوة الشوق المنبثة في العالَم والتي تحرك العالَم في اتجاه الإله، والإله هو التحقق التام للحب.

لا أريد الإطالَة كثيرًا في البعد الصوفي للإيروس، فهذا البُعد الصوفي يتمثل في غاية الإيروس، وهي الاتحاد، أي اندماج الإنسان بالإله اندماجًا أساسيًا، ليس مع الإله فحسب بل مع الكون كله، وهذا بحث طويل أيضًا.

في اختصار، هذا هو الإيروس، الذي كما قلنا هو إله أيضًا عند اليونان، هذا الإله شأنه شأن الملائكة سجد لبسيكه، أي عندما وقع في حبها، والجرح الذي أصابه يذكرنا بجروح المسيح، وخصوصًا جرح قلبه، فالمسيح هو الإيروس المقدس أيضًا والذي حبه للإنسان جَرَحَه حتى عمق أعماق قلبه… والآن، بدأت علاقة بين الإيروس وبسيكه في الظلام – الظلام هنا هو سرانية العلاقة أي روحانيتها وعظمتها وبراءتها التي لا توصف. وماذا حصل؟! حاولت بسيكه أن تراه تحت جنح الظلام وعلى وقع السرانية العميقة، فأضاءت قنديلاً من زيت، الأمر الذي أسقط قطرة زيت فأيقظت ذلك العاشق الولهان من نومه أي غيبوبته الروحية، وعندما رأته تقوَّض كل شيء، تقوَّض القصر واختفى الإيروس – واختفاء الإيروس في الأسطورة هو احتجابه عنها، لأنها رأته بحواسها المادية، وبالتالي دخلت الشهوة إلى قلبها. رأته جميلاً جدًا، ولكنها كانت رؤية مادية محسوسة، دخلت الشهوة ودخل الهوى، فضاع الإيروس الروحي، واستيقظ الإيروس الشبقي الجنسي محلَّه، الأمر الذي حجب وجه إيروس الحقيقي عنها، وهذا ما أرادته أفروديت التي أرادت الانتقام منها والتي كان ينبغي عليها أن تسجد لبسيكه فإذا بسيكه المسكينة تسجد لأفروديت وتخضع لها، وهذه الأخيرة تريد الانتقام منها بكل السبل مثلها مثل الشيطان، وهنا تبدأ المساررة أي الـ iniciação.

والآن، ماذا يعني الاختبار الأول، الذي يقوم على فصل الحبوب ويساعدها في هذا العمل النمل؟ يقول الدكتور ساليس في كتابه الأسطورة الخالدة “إنها الأغذية الأساسية للحب”. ولكن، أتساءل هنا ما هي الأغذية الأساسية للحب؟!

لدى الهنود الحمر في الشمال معتقد، كذلك للهندوس، في شأن مراكز الطاقة التي تمتد على امتداد العمود الفقري للإنسان: يقع المركز الأول في أسفل العمود الفقري، ويدعى المركز العجزي أو القطني أو مركز القاعدة، ويقولون إن لونه أحمر، وهذه المراكز هي دوائر وبعبارة أخرى عجلات، فإذا دارت العجلة ولَّدَت الطاقة، ونقلتها إلى المركز الذي فوقها ليدور بدوره مولدًا الطاقة، وهكذا فالنمل الذي ساعد بسيكه كان عنصر المادة الذي رمزت إليه الأسطورة بالحبوب، وفي عالمنا هو المال، هذا الذي يوقظ مركز الطاقة الأول الذي يتصل بعنصر الأرض والذي يتمثل من خلال النمل، وبحصوله على المواد الأساسية لتوليد الطاقة الأمر الذي يسمح بالانتقال إلى الاختبار الثاني الذي كان جز الصوف الذهبي من خراف ضارية، وهنا تدخَّل الإله هليوس، أي إله الشمس. ماذا يعني هذا الكلام أيضًا؟ إن علم مراكز الطاقة الهندي، سواء هنود الشمال أو اليوغيين، يعلمنا أن هنالك مركز طاقة ثالث يتمركز حسب مصطلحاتنا العلمية فيما يسمى بالضفيرة الشمسية، ويقولون هذا هو مركز الإنسان. ولعل التسمية بالضفيرة الشمسية لم تأتِ عبثًا، فهذا المركز له علاقة وثيقة مع الشمس ولذلك فلونه أصفر. وحسب علم النفس الأدلري فهو مركز السيطرة والعدوان، ولذلك فالخراف كانت ضارية، لكن جوهره الذي يتعلَّق بجوهر الشمس والعقل استطاع أن يساعدها ويعلمها كيف تستخلص الصوف الذهبي، أي الحكمة، من الخراف الضارية، ونجحت المهمة. والآن المهمة الأصعب التي تتعلق بمركز الطاقة الثاني وهو المركز الجنسي، وهو اجتماع للون الأصفر واللون الأحمر الذي يعطي اللون البرتقالي. طالما أربك هذا المركز الإنسان كثيرًا، فلنرَ ماذا حصل لبسيكه. إن نزول بسيكه إلى العالَم السفلي، ولقاءها مع بيرسيفوني، يشير إلى هيمنة العالَم السفلي على هذا المركز، أما فتحها لعلبة الجمال لتنال الجمال الأبدي، وكان خطأ فادحًا أدخلها في نوم استيجي، فيعني إنها وقعت في السحر، لقد غلبها السحر الأفروديتي. لاشك أن أفروديت كانت تعلم سلفًا باللعبة الماكرة، فموت بسيكه هنا ليس أكثر من وقوعها تحت وطأة سحر الجمال الأفروديتي وشهوته ورغبة الحصول عليه، الأمر الذي لا يتعين عليها مطلقًا أن تشتهيه لأنها أصلاً تجلِّ لهذا الجمال. لاشك أن هذا النص يذكِّرنا بعبارة المسيح دع الموتى يدفنون موتاهم، وبعبارة أخرى كلنا موتى، أي في نوم إستيجي كما يقول الدكتور فيكتور ساليس، وإن نهوض بسيكه من نومها الإستيجي بتدخُّل زيوس لا يعني بالمصطلحات الروحانية إلا اليقظة الداخلية أو اليقظة الروحية التي من خلالها يتم وعي الإله في بسيكه ذاتها، وهذا ما يعنيه تدخل زيوس الذي أيقظها أو أقامها من موتها، وبالتالي فهو نوع من المعرفة أو الاستنارة الداخلية التي حصلت لبسيكه، الأمر الذي ساعدها أن تتقدَّم خطوة أخرى على مسار تطورها الداخلي وتتهيأ للخطوة التالية المعدَّة إليها وهي الخلود، فمن خلال هذه اليقظة فقط يستطيع الإنسان أن يتحرر من موته الداخلي أو نومه الإستيجي، كما يعلِّمنا هذا النص أن موت الإنسان ليس أكثر من وقوعه تحت ضرب من ضروب السحر، إنه كالنوم لا أكثر، وأن الإنسان لم يولد ليموت، بل لكي يكون خالدًا. على هذا النحو، وجد زيوس إله الآلهة أن مساررة بسيكه قد اكتملت وقد أتمَّت قدرها، إذن، أعلن زيوس زواج بسيكه من إيروس. نعم فالآن قد نضجت ما فيه الكفاية لكي تتحد إلى الأبد بمسيحها أي الإيروس المقدس، وتنال مكانها على جبل الأولمب، الذي في التوراة هو جبل الرب، أو جبل حوريب، إنه جبل التجلي، جبل إله الآلهة… أتمنى للجميع رحلة موفقة مع بسيكه نحو جبل الأولمب. مع المحبة والشوق والإيروس على أن يمنحنا هذا الإيروس بركاته… والحب دائمًا وأبدًا.

*** *** ***

 

[1]  استيجيا اسم بحيرة في جهنم (العالم السفلي) في الأساطير اليونانية. (م)

http://www.maaber.org/issue_may11/mythology2.htm