حين كرهتُ الشّعرَ في المَربِد

 طالب عبد العزيز

 

 
بغض النظر عما قيل ويقال دائماً، بشأن إخفاق مؤسساتنا الثقافية وغير الثقافية في تنظيم وإدارة المؤتمرات والمهرجانات، إلا أننا نجد أنَّ قضية فنية، جوهرية في ثقافتنا، لا علاقة لها بالتنظيم والإعداد والإدارة، ستكون جديرة بالمناقشة والتوقف عندها طويلاً، إذ من غير المعقول قيام مؤسسة ثقافية عريقة، مثل اتحاد الأدباء، بشقّيه المركز في بغداد وفرعه في البصرة، وبعد مرور أكثر من خمسين سنة على وفاة رائد الحداثة في الشعر العربي، بدر شاكر السياب بالمساهمة في التأسيس لعودة الشعر العمودي، بشكله القبيح والأكثر قبحاً، الفج والأكثر فجاجة إلى الثقافة العراقية، التي لألأت سماء الشعرية العربية والإنسانية بأجمل ما في الجمال من أسماء، وبوأت العراق المكانة الرفيعة في جغرافية التحديث الشعري والثقافي طوال نصف قرن.
كنتُ أُنصت لما قُرئ من شعر في القاعة، التي تهدأ لحظة وتضطرب ثلاثا، فيخدش سمعي لفظٌ كنت أظن أنَّ حياتنا غادرته، أو تركته لمن هم في البادية، في الوهاد، في الرمل وفي الفيافي البعيدة، إذ إنني ما وجدت ضرورة لسماعي مفردات وجملا مثل الترس والسيف والرمح واللثام وحافر الحصان والبطولة المتوهمة في القبض على العنان وشدّ اللجام وركز الوتد والدعوات لأخذ الثأر والوقوف على الأطلال… إلخ مما كان شاعرُنا العربي يتناوله ويؤثث به قصيدته.
أمر في غاية السخف أن يُسمعنا شاعر، أي شاعر شعراً كهذا، وهو يرتدي بذلة تركية أنيقة وحذاء فرنسياً وساعة سويسرية ويستعمل هاتفاً أميركيا، هناك قطع معرفي بين هيأته وما يقول في القاعة المضاءة بالنيون. قلت لصديقي الشاعر عارف الساعدي، وكان ممن قرؤوا في الجلسة الأخيرة: “أنا سعيد الليلة هذه، فقد شيّعتُ ونفسي جنازة شعركم العمودي” فأجابني أنْ، نعم. كان يائساً، ممتعضا مثلي. ففي محاولة يائسة، كانت إدارة المهرجان قد ادّخرت خمسة من (أفاضل) شعراء العمود العراقيين (المُحدثين) ليقرؤوا في جلسة الختام، بينهم أكثر من اثنين، ممن صعدوا أو حاولوا الصعود، منصة ما يسمّى بشاعر المليون، فضلاً عن شعراء عرب آخرين – لا أريد أن أتحدث عن الشعراء الذين قرؤوا قصائد تفعيلة أو نثر- فهذا موضوع آخر، لكنني أتحدث هنا عن القصائد العمودية حصراً، سأقول، لم أكره الشعر كما كرهته الليلة تلك، كنت مختنقاً، أحسست أنَّ هواء القاعة قد مُنع عنّي، كان صوت أحدهم يخدش فضاء أذني، فهو يصرخ، ويعيد، ثم يعود يصرخ ويرجع يعيد في محاولة للحصول على نصف كفّ تصفق له، لكنه لم يحظ. ظل صديقي الشاعر المصري أحمد الشهاوي يردد مع ما أردده، في سرّي من مفردات الضجر والحنق واليأس والندم على الحضور. أيعقل أن يتحول الشعر، وهو خلاصة جمال اللغة إلى شيء كريه كهذا؟ هل أقول بأن الجهة التي نظمت المهرجان ارتكبت جناية ضد الذوق العام، أعتقد أنها فعلت.

 
(الصباح)