شعر حديث بمهرجانات للشعر القديم

عبد الزهرة زكي

 

يستطيع المرء إيجاد عشرات التسويغات التي تجعل كلامه مقنعاً عن عدم جدوى مهرجانات الشعر، وبالمقابل يستطيع آخر التوفر على عشرات الأسباب التي تؤكد الحاجة إلى المهرجانات.
من النادر أن نكون مجرَّدين عن أهوائنا الشخصية ونحن نأتي بالشيء وبنقيضه لتأكيد براهيننا على ما نريد.
من يكره المهرجانات (أو مهرجاناً بعينه) ومن يكره الشعر (أو جانباً منه) لن يجد كثيرَ عناء في تقديم أسانيد يختلط فيها الحقيقي والملفَّق عن لا جدوى و(لا شعرية) المهرجانات وعن هدر جهود مالية وعقلية وجسدية وإبداعية في تنظيم المهرجانات، وبالتأكيد فإنّه سيصادف من المهرجانات نفسها ما يعزّز دعواه ويعضّد حججه ضدها.
يحتاج الشعر طبعاً إلى فعاليات توصله بجمهوره لكن المهرجانات الشعرية الراهنة ما زالت رهنَ الصلةِ القديمة المباشرة والشفاهية بين الشعر ومستمعيه.
الشعر طَموحٌ؛ فهو يريد أن يتغير، وأن ينأى عن الطبيعة القديمة المعتادة للشعر، فيما يبدو الشعراء كسالى عندما يصرّون على أن يستمروا بالعمل والتواصل مع الجمهور بوسائل الشعر القديم. المهرجانات وثيقة الصلة عضوياً بهذا الشعر القديم؛ المهرجان الشعري هو مناسبة تستثمر طبيعة الشعر القائمة على الأوزان والقوافي، وما الأوزان والقوافي إلا عناصر فنية شعرية تؤكد وتعبّر عن طبيعةٍ ظل الشعر يركز بها على طبيعته الصوتية الخطابية.
ليس في ثقافتنا وحدها كان الشعرُ قد ابتدأ خطابياً شفاهياً؛ لم يجرِ البدءُ بتأليف الشعر من أجل أن يقرأه جمهورُه مكتوباً، كان الشعر يوضع من الشعراء ليستمع إليه الجمهور. وكانت هذه الطبيعة في الصلة ما بين الشعر والشاعر والجمهور قد عبّرت عن نفسها وعما يلبّي متطلباتها لتيسير التواصل وذلك من خلال تقنيات فنية، إيقاعية ولغوية وتعبيرية، لتساعد في تأمين اتصال حيوي بين الشعر كـ (صوت) والمتلقي كـ (أذن).
قراءة نص مكتوب تتيح للقارئ إمكاناتٍ وقدرات أخرى غير التي يتيحها السماع للمستمع. تتشبث الأُذن بطبيعة الصوت وإيقاعاته وبما يمكن أن يترسّخ فيها من تعبير، فيما قراءة المكتوب تنشغل بسوى هذا الذي يهيمن على أذن تستمع إلى صوت، القراءة تتحرى في المعاني (وهي المعاني الشعرية لمّا يكون النص المقروء شعرياً) وتهتم ببلاغة التعبير أكثر مما تتوقف عند الإيقاع الصوتي.
لنتذكر (صوت صفير البلبل)، وهي (قصيدة) يُساء كثيراً للأصمعي حين تنسب إليه، لكن استعادتها، كنص وكحكاية حتى وإن كانت ملفقة، مفيدة هنا. ففي هذه الحكاية (الغريبة) يكون الخليفة المنصور قادراً على حفظ أية قصيدة تقرأ للمرة الأولى أمامه، ويكون غلامٌ له قادراً على ذلك بعد سماعه القصيدة لمرتين فيما تكون إحدى جواريه تحفظ القصيدة، أية قصيدة، بعد سماعها لثلاث مرات. المهم هنا هو ما يوفره الشعر من قدرةٍ على تسهيل حفظه؛ بساطة التعبير وسلاسة الإيقاع وانتظام البناء هي مؤهلات لتوصيل الشعر إلى مستمعه ومن ثم حفظه أو حفظ بعضه، هكذا كان يجري تلقي القصيدة وحتى حفظها كما يجري استقبال وحفظ أغنية معاصرة. لا يمكن استقبال تلك القصيدة ولا هذه الأغنية من دون أن تؤمِّن هي ما يساعد على حسن استقبالها.
لكن (صوت صفير البلبل)، القصيدة المفبركة والركيكة، تأتي في سياق حكاية جرى تصنيعها للنيل من حيلة الخليفة ودهائه، وهما حيلة ودهاء غير واقعيين. يجري في الحكاية تلفيق قصيدة لإحباط حيلة الخليفة وإمكانية حفظه القصيدة. يجري تخليق قصيدة تتخلى عن مقومات معتمدة في الشعر لسماعه وحفظه، هذه قصيدة لا يمكن حفظها من خلال (سماع) واحد بفعل سخف قاموسها الهجين من كلمات ميتة وأخرى لا أصل لها وبفعل جلجلة الكلمات وفوضى بنائها التعبيري.
ما لم تقله هذه الحكاية ولكنها بُنيت عليه هو أن الشعر يجري استقباله وحفظه عند السماع، حيث دائماً كانت رواية الشعر تحصل بفعل البناء الايقاعي وقيمة التعبير الشعري للقصيدة أو الأبيات. هكذا يستقبل الشعر قديماً، وهكذا يجري حفظه.
وكان كلّ هذا يعطي معنى للمهرجانات والاحتفالات العامة للشعر في ثقافتنا وكثير من الثقافات.
لكن الشعر تغيّر؛ لقد تخلى عن مقوِّمات سماع الشعر، بينما يريد منه الشعراءُ أن يظل مسموعاً.
في معركة صحفية سبعينية تحدى الجواهري شاعراً حديثاً هو البياتي أن يتوفّر على عشرة عراقيين يحفظون شيئاً من شعره.
لم يردّ البياتي، وحتماً كان قد انزعج من هذا التحدي. لم يفكر بالردّ على متحدّيه أنه يكتب شعراً آخر وبقيمة أخرى غير قيمة السماع والحفظ، إنها قيمة أن يُقرأ الشعر مكتوباً وأن تجري المتعة معه بالتأمل فيه لا باستقباله سماعاً.
هذه مشكلة تفصح عن أن إرادة التغيير الشعري لم تكن مشفوعة بإرادة تغيير وسائل إيصال الشعر.
ليس في العراق وحده تعاني مهرجانات الشعر مما تعانيه عبر هذه المشكلة
من تقطّع الصلة بين جمهور يريد (سماع) الشعر وبين شعر مكتوبٍ لمن
يقرأه، يحصل هذا في معظم مهرجانات العالم.
في مهرجان دولي كنت مشاركاً فيه قبل سبع سنوات استلطف الجمهور شاعراً أوروبياً كان قد فعل بقصيدته ما فعله شاعر (صوت صفير البلبل) بها؛ كان صخب الكلمات وسرعة وقعها وتزاحم مترادفاتها هو ما أثار انتباه الجمهور، وهي بعض من لعِبٍ كان قد فُتن به الشاعر الأميركي كمنجز قبل عقود.. لكن كل هذا هو بعضٌ من سفاهة تطويع الشعر ليكون مجالاً للمزحة والاستخفاف وليس للشدّ إليه. ينبغي للشعر الحديث الكفّ عن المنبر.
ينبغي له أن يبحث عن وسائل توصيل وإيصال غير التي أسسها شعرٌ قديم يريد هذا الحديث أن يقوم على أنقاضه.
(الصباح)