الإمبراطور الشريد

الإمبراطور

بعد قرون الطغيان والتنكيل، لا مراعاة الآن لقمع السياف أو الخوف من إرهابه. لم نعد نملك الرغبة برؤية الرؤوس كهوفاً للأحلام. كهوفاً أصابها الجفافُ، وتعيش تحت إدارة انتداب الظلام الشمولي، وهو يؤسلح الروح بخطابه وأفعاله وألعابه النارية عبر تاريخ الأزمات المتوالدة المتوراثة، تلك التي لا نعتقد برؤية نهاية لها قبل أن تمشي بنا جنائزنا، أو قبل أن يفرغ التاريخ من محو أثارنا تماماً.

الشاعر العربي الذي أُغرق بطوفان الحرام والفيتو. ودفن بمقبرة الماضي. وتلقى دروس التأديب والتأنيب والتكريس المنظم، حتى صار كراس دولة أو سبورة نظام، هو في نهاية المطاف شخص لا يشغلنا شعره قط.

نحن نحكي عن الشاعر الذي يفتح رأسه يومياً كالصندوق الأسود الخاص بالطائرات، ليطلق مخلوقاته على خطوط الطول والعرض والارتفاع. يفعل ذلك على الرغم من الإرهاب والقمع والمعدة المقرحة والعين التي يملؤها الجراد والروح التي يتراكم فوقها الجليد. نحكي عن الشاعر الذي لا ينحر أحلامه ولا يترك أحداً يقتلها له. الشاعر الذي يضع نفسه في المقدمة على الدوام. يجلس على العرش وإن كان عارياً أو من الحفاة. يُشير للتاريخ بصولجانه، فيقعي الأخيرُ أمامه كالكلب. يأمر الجغرافيا بإصبعه، فتأتيه الأرضُ بفصولها وأنهارها وجبالها وتخومها وزلازلها وساحراتها من أجل خدمته. الشاعر هنا، هو ما تحلم الطبيعة بحبره لتشرق. وهو ذات الشاعر الذي تتدخل النساءُ بتخصيبه، لتكون الحياة سلماً موسيقياً من شهوات عشاق يهيمون في حركة دائمة من المدّ والجزر.

الشاعر مُولد أحلام. محرك براكين ومنتج خاص للإشراق. هو الأرض التي يخلقها ويحلق فوقها طيراناً بأناشيده ومغامراته. لأنه تجربة مفرطة للعصيان بوجه السجن والثابت والتعسفي والمقولب الموزون بصفير الصحارى واليباب والمسخ ومشاعر القتل بالسيف.

ما من شاعر منحنٍ، ويبقى في الذاكرة. لذلك لا نريد الشعر يكنس السجاد في بلاط ملك أو جنرال أو على عتبة غرفة تجارة الصنيع الوضيع. فكلما ارتفعت قامة الشعر، ارتفعت مكانة الأمة.

من هنا.. نحلم بجعله أسطورياً ومن الكئنات الفانتازية التي نعشق على الرغم من خبل الأحلام وانكماش جيناتها في الواقع العملي الذي يحكمنا.

نمنح الشاعر لقب الإمبراطور هنا.. بعد أن قرفنا من دوره صعلوكاً ذليلاً يرضى بكسرة خبز. ونلقبه بالإمبراطور، لنُلزمه بسدّ الشاغر الذي تركها الشاعر الماضوي، عندما فشل بالتعاطي مع الحلم في صنع تلك الإمبراطوريات حتى.

وبئس الحماقة التي ارتكبها أفلاطون المتواطئ مع السياف، عندما وضع دور الشاعر في أسفل المدينة الفاضلة، تلك التي تخيلها ذات يوم ولم نعثر عليها بعد طول قرون؟!!

هذا الموقع الشعري_ الثقافي العام _ سيكون من تحرير كل من يرى في نفسه القدرة على أن يكون خالقاً في اللغة وومنصهراً في التشرد اللاعقائدي ومتطرفاً في الطيران والتمرد والاختلاف والمشاكسة وفضح الرموز المكرسة في الحياة الشعرية العربية عن طريق الخطأ المستلهم من التراث الحزبي أو عبر دهاليز الصداقة أو العلاقات المثلية ما بين الضفادع وأهل المستنقعات في الصحافة العربية.

الإمبراطور هنا.. ليس صفة. ليس مهنة. ليس مقاماً. بل مساحة للتشظي والانتشار. للتحليق والتدفق والتجليّات. لتفجير الشهوة في تربة الكائنات الحيّة على الأرض وما حول مدارها. فالشعر مكتشف دائم، تقتله الإقامة في البعد الواحد.

أسعد الجبوري