كتب عبد اللطيف الوراري:

رشيد المومني؛ هو واحد من شعراء جيل السبعينيات في الشعر المغربي ممن راهنوا على خلق أفق حداثي يتجاوزون به مرحلة التأسيس، وأكثرهم انشغالا بالمسار الفكري والتأملي المحايث للكتابة الشعرية، لحرصه على الحجب النظرية والفلسفية المسكوكة التي تسهم في تغييب الملامح الأساسية لمثل هذه الكتابة، ثم لاقتناعه بحتمية الحضور التنظيري في خلفية كل كتابة جديرة باسمها، وهو ما يفصح عنه في كتابه الذي صدر حديثا، تحت عنوان: «إيقاعات الكائن» (منشورات بيت الشعر، 2016).
وفي هذا السياق، يقول الشاعر: «كتاباتي الفكرية والتأملية مستقاة من قلب تجربتي الشعرية المعنية بالإنصات إلى التجارب الكونية التي يتقاطع فيها الشعري بالفلسفي، وتأكيد العمق الشعري الذي يقترن بقناعتي على قدرة الرؤية الشعرية على إدماج السطر الفكري، ضمن حركية السطر الشعري، بل إن السطر الشعري يمكن أن يكون دليل العقل إلى موقع السطر الفكري. إنها الغبطة التي لا حدود لسحريتها وجماليتها، أن تستسلم لفتنة وغواية الفكرة، قدر استسلامك لغواية الشعر، ما دام الأمر يتعلق بالنبع ذاته والماء ذاته. في هذا السياق تحديدا، يصبح الخطاب الشعري إلى جانب الخطاب الفكري، علامة لخصوصية حياة تعيش بكل أحوالها المتعارضة والمتكاملة في رحاب الرهبة، كما في رحاب الرغبة. إن الأمر يتعلق باختيار تم الحسم فيه بالنسبة لي منذ فجر الكينونة، حيث ما من مجال للاستقالة أو التراجع».
وقد انعطف هذا الشاعر مبكّرا بقصيدته الخاصة كما نتمثّلها ابتداء من مجموعته الشعرية: «حينما يورق الجسد» (1973)، التي كتبها كما لو كان بصدد إنجاز استحالاته المؤجلة. فقد بدت أحوال الأنا الغامضة محفوفة بأصداء تراتيل ونصوص عربية وغربية، بقدر ما كانت مسكونة بالتوجه إلى مستقبلها، ومنتبهة إلى مأزق الوقوع في شرك أحوال شعرية ولغاتٍ وسجالات في بداية السبعينيات أو بعدها. ولهذا، كان من الطبيعي ـ كما يقول- «أن تُهاجَمَ المجموعة بشراسة فور صدورها، لا لشيء إلا لكونها خارج التأطيرات التقييمية، والتنظيرية المكرسة سواء من قبل سلفيي الكتابة الشعرية، أو من قبل المتحمسين لحداثة جد قاصرة، حيث كان الأمر يتجاوز بؤس الامتثال لأيٍّ من الطرفين، إلى البحث عن سؤال كتابة، تصغي إلى إيقاعات جسد الكائن، وليس إلى ذاكرة ممعنة في سكونيتها وتسلطها».

مأزق النقد

لقد جعل الشاعر من المكتوب مسألة تعبيرية ووجودية في آن معا، وهو ما أنتج صفحة شعرية جديدة وفتح النص على شعرية اللغة وعلى ممكنات مُتخيّل جديدة لم يكن معتادا عليها. غير أن مثل هذه المغامرة الكتابية تقدّمت زمنها بقدر ما تضرر منها نصّه من ناحية التلقي والنقد. وهو ما يشعر به رشيد المومني ويجد أنّ قدر المبدع أن يرفض الانضواء تحت القراءة النمطية والمؤطرة سلفا بمواثيقها وقوانينها، وبدل ذلك عليه أن يخلص إلى الكتابة بما هي اختيار ذات مسكونة بأسئلتها الخاصة. فمن وجهة نظره الشخصية، فإن قوة الكتابة تتجسد في فعل المغامرة؛ أي «أن تغامر باجتراح مسار منسجم مع نداءات الدواخل.. ولا تخون هذا المسار بحثا عن موقع قدم تحت شمس لا يمكن أن تكون إلا سوداء، كما هو الشأن بالنسبة لكتابة تعيش على هبات الآخرين، على هبات القبيلة، المحتفية بحضور القطيع، وليس بجوهر الحضور».
في المجاميع الشعرية التي تلت باكورته النوعية، مثل «مهود السلالة» (2002) و»ثلج مريب على جبهة الحطاب» (2009) و»أقترب ولا أدنو» (2014)، ثمة توكيد على مدونة قصيدة النثر باعتبارها شكلا نوعيّا مفتوحا إلى حد يصحُّ القول بأن للشاعر رشيد المومني أسلوبه المتفرد داخل هاته المدوّنة، بشكلٍ يفارق الفهم الذي تواضع عليه النظر النقدي بخصوص قصيدة النثر، وبالتالي تدعو قرّاءه إلى أن يهتمّوا بتجربته فيها بمجموع سماتها وعناصرها اللغوية والجمالية. فالمفترض في الكتابة الشعرية أن تكون محكومة بقانون الاختلاف الكبير، انسجاما مع طبيعتها التي تتميز بذهابها إلى البنيات اللامرئية والخفية لدى الكائن، قائلا: «إن كل بنية تعبيرية تتحقق على مستوى الشعر، تظل محتفظة بخصوصيتها التامة والمطلقة». ولعل أهم مكسب اقترحته قصيدة النثر، في نظره، هو تحقيق الاختلاف النوعي، فيما خصوصيتها تتمثل أساسا «في تدميرها للحدود المشتركة، لكي تعبد الطريق تجاه تلك التضاريس الدلالية، المنفتحة على احتمالاتها».

شؤون داخلية

عندما نقترب من شعر رشيد المومني، ومن حدوساته ذات الطابع النظري التأملي، نستشف غنى مصادره الكتابية وغناها المعرفي والجمالي، سواء ما يعود منها إلى قديم ثقافتنا العربية الإسلامية وحديثها، أو إلى ثقافات وحضارات غيرنا من شعوب الكون. وفي هذا السياق يؤكد على «النهم المعرفي»، ذلك الذي يسكن الشاعر الحقيقي من أجل تحويل ما تقع عليه عيناه من أشكال ونصوص وإيقاعات، بما يتيح له إمكانية إنتاج ذلك النص المغاير.
ويعتبر الفن التشكيلي من جملة المصادر التي أفاد منها الشاعر، فعرف بأنّه «نجيّ الحبر» المأخوذ بالضوء والألوان، وقد جعل الشعري والتشكيلي في صميم تجربته ككلّ رؤية وإيقاعا. يقول: «كنت محظوظا بانجذابي إلى حقل التجربة التشكيلة، التي كنت أعتبرها وما أزال، بمثابة حديقة خلفية للكتابة الشعرية. فالهاجس التشكيلي، ومعه الموسيقي، حينما يتسرب بشكل أو بآخر، إلى فضاء الكتابة الشعرية، وبالتدقيق، إلى فضاء الصفحة، فإنه يشحنه بجمالية جد مضاعفة. هذه الجمالية تصبح وبشكل مباشر مكوّنا من مكونات النص الشعري. إنه نوع من الاحتفاء بالجانب البصري للنص، الذي يظل مغيّبا خلف حجاب الإلقاء».
والأطرف في تجربة العلاقة بين الشعري والتشكيلي، هو ما يدعوه بعلاقته البيولوجية بالرائحة، التي يحتلُّ فيها عطر الحبر مكانته الخاصة به. إنها «الرائحة الفردوسية التي تستبد بغبطة الجسد كي تقوده عبر الحروف وعبر الإشارات الخطية إلى محتمل القول». وقد أتاحت هذه التجربة «اكتشاف القصيدة لهوية الأرحام البصرية التي تشكلت في قلب دُكْنتها، لكي تظل محتفظة بأبعادها المرئية، إلى جانب أبعادها المسموعة. أعني الكتابة المتمفصلة بين هويتها الحروفية، وبين هويتها الأيقونية. وهذا ما يسميه في أمكنة أخرى بـ»أرق النقطة في سماء النون»، أو بـ»الشعر في مسكن الأيقونة».
وطوال تجربته الشعرية، ثمّة نصوص عابرة لسيرته الذاتية؛ حيث تستعيد عبرها محكي الطفولة بقدرما تُدوّن فيها شذرات من هذه السيرة المتفلّتة. وإذ هي تعيد كتابة أناها شعريّا بما يقتضيه الشعر كخطاب مخصوص من ميثاق أوتوبيوغرافي نوعيّ، تتوتر القصيدة بين الشعري والسردي، وبين الشخصي واللاشخصي على نحو لا يمكن تجاهله أو تجاوزه، كما حصل استنادا إلى رؤية متعالية لمفهوم الموضوعي. يقول: «أنت أثرت في هذا السؤال إشكاليات نظرية، هي في الوقت نفسه على درجة كبيرة من التعقيد والغنى. وهو ما لا يسمح لنا السياق بالخوض فيها، دون أن يمنعنا ذلك من القول بأن العنصر السيري هو أحد المكونات الأساسية في كل عمل فكري أو إبداعي، إذ لا يمكن تجاهله او تجاوزه. فهذا المفهوم المقترن عادة بالذات الكاتبة عانى، وسيظل يعاني الكثير من سوء الفهم والتفاهم، حيث تم تحجيمه ومسخه استنادا إلى رؤية متعالية لمفهوم الموضوعي الذي بوأته التوجهات المادية، خاصة في شقها الإيديولوجي، مكانة تتجاوز حدها العقلاني إلى مستوى التصفية التامة والمطلقة لأي حضور محتمل للذاتي أو السيري، باعتبار أنهما معا يحيلان إلى الاستبداد الفردي وهيمنته، على حساب ما هو جماعي موضوعي، عام ومشترك، وهو أمر يتضمن مغالطة كبرى هي نتاج غضب تاريخي من السلط الفردية التي أذاقت العالمين شر ما في الاستبداد من جبروت وإذلال، حيث يقتضي الأمر وجوب الفصل بين الذوات القيصرية والنيرونية، أو الذوات الرومانسية الموغلة في هشاشتها وسلبيتها، وبين الذوات المتفاعلة مع الآخر، مع المحيط، ومع المعرفة. فبقدر ما توجد ذوات ظلامية وهدامة، توجد ثمة ذوات منذورة للخلق والابتكار واﻹبداع، بما تعنيه هذه القيم من قدرة على فتح آفاق مستقبلية مغايرة، واقتراح اختيارات واعدة بالبدائل».
انطلاقا من هذا التصور، زاد بقوله: «أعتبر حضور كـل من الذاتي والسيري بمثابة الحجر الأساس في أي كفاية تعبيرية، إلا أن الإشكال يتجسد في مستويات إعلان الذات عن حضورها في النص، فحيث يحدث أن تختفي وتشفّ في مسالك إبداعية ما، يلاحظ أحيانا أنها تنتشي بتمركزها في المحكي الشعري، أي تبعا للضرورة الشعرية التي تساهم في تصعيد الإحساس بحضورها (…) علما بأن توظيف السيري في النص الشعري يختلف عنه جذريا في النص السردي، لأن اﻷمر يقتضي بالدرجة اﻷولى حضور شعرية مقنعة في السيرة الشخصية، مهيأة لأن تأخذ مكانها الطبيعي والتلقائي داخل النص الشعري. فليس كل حياة قابلة لأن تكون موضوعا لكتابة شعرية. أيضا يتطلب الأمر قدرة معرفية عالية لانتقاء الشعري في قلب الصيرورة الزمنية للكائن، فضلا عن حضور القدرة التحويلية التي ترتقي بالتفاصيل اليومية من إطارها البسيط والعادي إلى إطارها الجمالي واﻹبداعي».
وهذا الوعي بنوعيّة توظيف السيري في الشعر واختلافيّته، هو ما نكتشفه في ديوانه الأخير المعنون بـ»أقترب ولا أدنو»؛ حيث ثمة مديح لطفولة الكائن باعتبارها أبجدية طفولة الوجودٍ، وطفولةِ كينونةٍ مترعة بطيوب خصوصيتها.
وداخل هذه السيرة الشعرية، لا يمكن أن نغفل عن حضور فاس كمكان له سلطته المادية والرمزية، ليس فقط بالنسبة لكتابته، بل كذلك لهندسة تجربته الكيانية؛ حيث ليس للشاعر فيه سوى أن يتهيأ لتلقي أسرارها الغامضة، أو الإنصات اليقظ إلى الضوء المترقرق في الألياف اللامرئية للماء.
وعن طقوس الكتابة، فهي ـ في نظره- ترفض أن تمتثل لأي طقس محتمل، قائلا: «سيكون عليك أن تكون مهيأ في أي لحظة لتلقي غيث شعري ما، وبيمينك ما تيسر من الأوراق و الأقلام. غير أن أجمل لحظة من لحظات الاستمتاع بالمنجز، هي لحظة نقل الوارد من مسوداته إلى الصفحة، التي أكاد أسمع الآن خفق مواويلها، التي تكون فيها مُطالبا باﻻبتعاد عنك وعن الآخرين في انتظار أن يستقرّ عالم ما كتبت على عوالم ما محوت».

تقديس الجهل

رغم الاختلاف التي تتيحه قصيدة النثر، إلا أن ذلك لم يتم استيعابه من قبل «حشود طوفانية من الشعراء» الذين اختزلوا هذه القصيدة عن جهل، في معادلات لغوية وهندسية ثابتة، لا يتجاوزونها إلى غيرها، فأمست الكتابة تبعا لذلك جاهزة سلفا، وفي غنى تام عن أي مجهود شعري أو فكري يمكن أن يبذل في كتابتها. ولهذا، لم يخف تذمُّره مما يقع في فضاء هذه القصيدة. يقول:
«لقد تمّ تلويث فضاء قصيدة النثر، مع استثناءات قليلة طبعا، فلم تعد صالحة لاحتواء أي حياة، حيث ستكون مجبرا على البحث في أطنان من القصائد المتشابهة والنمطية عن إمكانية قراءة نص مختلف ومكتوب فعلا بروح قصيدة النثر، التي يسميها بعض النقاد عن جهل بالشعر المنثور».
ويستخلص المومني أن هذا العبث العارم قد حدث «بدافع غياب كافة القوانين»، إلا أن القصيدة، وهو ما يشكل رهانها الصعب والقاسي، تخلق قوانينها من داخلها، دون أن تتحول إلى نموذج جاهز من نماذج كتابتها. وهذا ما سبق للشاعر تسميته في أحد بياناته المنشورة عند مطلع التسعينيات بـ»كيمياء الاستحالة». فـالشاعر الذي تعود على السير في قلب السرب المألوف والمتعاقد عليه سلفا، لا يمكن أبدا أن يزجَّ بخطواته المرتبكة في قلب متاهة قصيدة النثر، على الرغم من الأوهام الكبيرة التي يزوبعها حول قصائد هي محض «نَسيخةٍ».
وحتى بالنسبة إلى ما يكتب راهنا في الشعر المغربي، يبدي قلقه من «الانفجار الكمي الكبير في المنابر الإعلامية والتواصلية». وإذا كان هذا الأخير قد أدى إلى استحداث مراكز جديدة، كما أدى إلى استحداث هوامش ملحقة بها أو منفصلة عنها، إلا أنه بالقدر نفسه ساهم في «تفكيك المشهد الشعري في المغرب». ومن هنا، يدعو إلى طرح ا القولر
ة باأسئلة جديدة ومغايرة بدل المجازفة بإسقاط أحكام سلبية أو إيجابية على ما يتفاعل في المشهد من حركية.

٭ كاتب مغربي

http://www.alquds.uk/index.php/archives/731051