كتب جابر طاحون:

الناقد المخضرم والنذل حاد اللسان،‮ ‬البريطاني تيري إيجلتون واحد من أشهر المنظرين والباحثين في النظرية الأدبية‮. ‬نشر إيجلتون أكثر من أربعين كتابًا،‮ ‬من أشهرها‮: “‬لماذا كان ماركس علي حق‮”‬،‮ “‬معني الحياة‮”‬،‮ “‬أيدلوجيا علم الجمال‮”‬،‮ “‬أوهام ما بعد‮”‬،‮” ‬العقل،‮ ‬الإيمان،‮ ‬والثورة‮: ‬تأملات حول مناظرة عن الله‮”‬،‮ “‬فكرة الثقافة،‮” ‬كيف نقرأ الأدب‮”‬،‮ ‬وكان إيجلتون قد سجل جزءًا من سيرته تحت عنوان‮:”‬حارس البوابة‮”.‬
علي مدي ستة فصول يسرد إيجلتون حياته،‮ ‬لا يحكي فقط ويسجل ما حدث فيها فقط،‮ ‬بل يتخذ من حياته مرآةً‮ ‬للمجتمعات التي تواجد فيها،‮ ‬راصدًا أحوالها وما فيها من عيوب واضحة؛ مجتمع الدير والرهبنة ومجتمعات المفكرين والسياسيين والدونات والأرستقراطيين والفاشلين‮.‬
اللا سيرة،‮ ‬لا تعني فقط ألا تكتب سيرتك الذاتية،‮ ‬بل أن تكتبها بطريقة تفوق في براعتها استعراض ذاتك ورغبة القارئ في ولوج حياتك الداخلية‮.‬
بدأ إيجلتون الذي أدي اعترافه الأول في سن السابعة،‮ ‬سيرته من الدير منخفض البناء والقوطي الطراز،‮ ‬الدير التي كانت أسواره لحجز المقيمين فيه‮. ‬إيجلتون كان حارسًا لبوابة هذا الدير،‮ ‬بجانب حراسته،‮ ‬كان عمله أن يرافق والدي أي أخت جديدة ستنضم إلي الدير،‮ ‬ليودعاها للمرة الأخيرة‮. ‬يصف إيجلتون هذا المشهد بحديقة حيوان،‮ ‬والأخت خلف القضبان مخلوقة‮ ‬غامضة من نوع‮ ‬غريب والأم حارستها الفخور‮.‬
فيما يتحدث الناس عن الرهبنة أنها نوع من الهروب،‮ ‬لكون عدم التعامل بالنقود ميزة الرهبان والملوك،‮ ‬يري إيجلتون أن الهروب الحقيقي هو الخروج لا المكوث،ويشبه الدير بسجن وورمود سكربس،‮ ‬وحياة الفتيات فيه أشبه بحياة خادمات في العصر الفيكتوري وأن‮ ‬غالبيتهن يقفن في منتصف الحياة بين الشهيدات والمنتحرات‮.‬
حتي وإن احتفظت كل منهن بفرشاة أسنان خاصة بها،‮ ‬فإنهن لم يمتلكن ملابس ولا حتي ملابس داخلية‮. ‬إيمانهن الخاص الراسخ‮ – ‬كما يري إيجلتون‮- ‬كان مُدمِرًا؛ بانسلاخهن عن العالم‮. ‬كن يتنبأن بموتهن في كل لحظة،‮ ‬يمتن في كل لحظة،‮ ‬هذا الإيمان الذي يجعل العالم‮- ‬عالمنا‮- ‬أفضل من نستطيع الحصول عليه لمدي بؤس التاريخ الإنساني‮. ‬التاريخ الذي رفاهية تجاوزه ستكون هرطقةً؛ فالإنجيل‮ “‬يدعو إلي التأمل في حقيقة التاريخ الإنساني المتمثل في الجثة المحطمة لمجرم سياسي تنفذ فيه حكم الإعدام‮”.‬
البعض يعتبر التضحية بالذات تقليدًا خاصًا بالمرأة،‮ ‬ولا ينبغي الهروب من التاريخ فالدير ليس طوقُا للنجاة،‮ ‬لكن لا ينبغي أن نغيره،‮ ‬وهن‮- ‬أي الراهبات‮- ‬لا يستطعن تغيير العالم دون أن يطأنه‮. ‬دورهن هو الرمز لإذلال الذات المتطرفة التي يحتاجها العالم إذا أراد أن يكون عادلًا‮. ‬والسمة الوحيدة المخلِّصة لهؤلاء النسوة هي أنهن لم يكن في خدمة الرجال كما يقول إيجلتون‮.‬
إن نشأت كاثوليكيًا فأنت ستفتقر إلي كل إحساس‮ ‬غريزي بالحساسية الليبرالية،‮ ‬الدير لم تكن له إلا صلة واهية بالواقع‮. ‬وعلي الرغم من الأوتوقراطية الجاهلة،‮ ‬فإن الكاثوليكيين هم المرشحون الأوائل لليسار السياسي‮. ‬يميل الكاثوليكيون إلي اليسار لمقتهم الغريزي للليبرالية‮. ‬يقول إيجلتون أن أحد مصادر ارتباك اليسار هو أن مشروعه المعقول جدًا يمارس سحرًا لا يُقاوم علي أولئك الذين يحتاجون إلي حل عقدة الأب‮. ‬والكاثوليك رغم كونهم أقلية في إنجلترا إلا أنهم لم يقدروا الأقليات والهامشيين جيدًا،‮ ‬لاعتقادهم أنهم امتلكوا الحقيقة والباقون قد حادوا عنها،‮ ‬ربما تشابهوا مع الأقليات في أنهم جمعوا بين العجرفة وجنون العظمة‮.‬
بعد الدير انضم إيجلتون إلي معهد لاهوتي يبشر بالخير،‮ ‬ثم مدرسة ثانوية ثم جامعة كامبريدج التي كان طلابها من النسل الجيد طولهم يفوق الستة أقدام بجانب النهيق بدلًا عن الكلام‮. ‬المدرسة كانت كاثوليكية طبعًا وناجحة في وظيفتها بكل المعايير لكنها مفلسة أخلاقيًا كذلك‮.‬
هكذا‮ -‬كما يقول‮- ‬كبر في وسط من السرية والنفاق،‮ ‬والرفض المطلق والغرابة القوطية،‮ ‬وإيماءات التطرف‮. ‬كل هذا الذي ساهم في تشكيل ميله السياسي لاحقًا‮. ‬في النهاية هو رفض التعاون،‮ ‬فقد راح يتنقل بين النداءات الدينية داخله،‮ ‬إلي أن انتهي منها‮. ‬يحكي أن من ساهم في نفوره من الحياة الدينية،‮ ‬واحد في مطابخ المعهد الكهنوتي كان يفرغ‮ ‬أوعية عملاقة مملوءة بالفاصوليا،‮ ‬في راقود ضخم ويحركها بصورة سوريالية كعملاق في حكاية خرافية،‮ ‬سأله بنبرة مملوءة بالشك‮: “‬لا أظنك ستفعل ذلك‮. ‬هل ستفعل؟‮ “. ‬ووقتها أعلن عن نيته في القفز من السطح‮. ‬وبعدها عاد إلي والديه الخائبي الرجاء فيه،‮ ‬هو الكاهن الذي أفسده التدليل‮.‬
القراءة والكتابة لم تكن أقوي سماته في مجتمع طفولته‮. ‬جده لأمه كان يطلب منه أن يقرأ له بصوتٍ‮ ‬عالٍ‮ ‬تفاصيل عن عدد من البورصات والأسهم من الصحيفة‮. ‬في عمر التاسعة أو العاشرة،‮ ‬تملكه يقين بأنه عليه أن يقرأ الكلاسيكيات،‮ ‬رغم أنه لم تكن لديه أية فكرة عن معني الكلاسيكيات‮. ‬رافقته أمه إلي دكان لبيع الكتب المستعملة،‮ ‬وبشيء من الحرج الكتب،‮ ‬واختار مجموعة الأعمال الكاملة لديكنز‮.‬
قرأ الكتب بين،‮ ‬نوبات الربو،‮ ‬فترات الهذيان،‮ ‬والصلوات‮. ‬استمتع بروايات ديكنز دون أن يفهمها بالكامل‮. ‬أدرك أن المرض والذكاء يساهمان في عزل الواحد عن العالم والحياة العامة‮.‬
وقت بدأ الكتابة،‮ ‬كان يكتب بغزارة،‮ ‬يكتب باستمتاع،‮ ‬كما يستمتع الناس بالجنس‮.‬
لكن السؤال الذي كان يؤرقه،‮ ‬كونه مفكرًا نشأ في طبقة عاملة‮ (‬أبوه كان عاملًا وهو تلميذ عمل إيجلتون بائعًا للموسوعات‮) ‬ما الذي تقدمه الأفكار إلي تلك الطبقة؟ وخاصة النساء اللاتي تجعلهن المادة أقل عفوية في مثاليتهن من الرجال‮.‬
في نظر إيجلتون،‮ ‬أشد المفكرين إبداعًا كانوا الذين أقروا بزيف حياة العقل‮.‬
وعن‮   ‬لودفيج‮       ‬فيتنغشتاين‮    ‬يقول إنه‮   ‬كان‮    ‬فيلسوفًا‮   ‬مضادًا‮   ‬للفلسفة‮   ‬الكلاسيكية،‮  ‬يتمتع بعبقرية مدهشة،‮ ‬ليس لديه وقت كافٍ‮ ‬للانضباط وينصح تلاميذه بالتخلي عن الفلسفة والقيام بعمل مفيد كالطب‮. ‬
تحدث أيضًا عن فريجه،‮ ‬وعن سارتر الذي في رأيه فكرة وسائل الإعلام عن المفكر،‮ ‬وراسل الذي يمثل فكرة كل صاحب دكان عن الحكيم‮. ‬في رأيه فيتنغشتاين الذي كان الخامس علي قائمة النازيين السوداء،‮ ‬هو فيلسوف الشعراء والموسيقيين والمسرحيين والروائيين‮. ‬ويري كذلك أن بريخت كان ثوريًا حقيقيًا،‮ ‬وماركسيًا خارج القطيع‮.‬
في حقبة الثمانينيات كان إيجلتون ممنوعًا من الانضمام إلي حزب العمال وقت كان الناس يغادرونه جماعات‮. ‬انضم إلي مجموعة كانت منشقة عن مشروع أكثر صفاءً‮. ‬الانقسام الذي كان طبيعة ثانية لليسار‮. ‬كان يري الثوريين واقعيين،‮ ‬لا هم متشائمين أو متفائلين‮. ‬لكن الرفاق منقسمون بتبجح،‮ ‬ويتجادلون في السياسة وهم يأكلون وهم يشربون وفي أثناء نومهم،‮ ‬وبالنسبة له،‮ ‬كانت قراءة بروست أفضل من التظاهر‮.‬
وصل إلي أوكسفورد والروح النضالية عند الطلاب في أوجها،‮ ‬أعطي دروسًا كثيرة‮. ‬لكن المناخ الفكري تغير بتطرف،‮ ‬ثم لم يعد كل شيء إلا نوعا من التضليل‮. ‬وكل الحركات نبوءة حمقاء،‮ ‬ويستشهد بسخرية ومرارة بأوسكار وايلد بأن الخطأ بخصوص نهاية التاريخ مرة واحدة مصيبة،‮ ‬أما الخطأ بخصوص ذلك مرتين،‮ ‬فمجرد إهمال‮.‬
تحدث في‮ “‬فاشلون‮” ‬عن كيف يكون الألم مأساة‮. ‬تحدث عن حياة والديه التي كانت تتصف بنص تعبيره بـ‮ ” ‬جدب حياة الضحية‮”‬،‮ ‬والتمييز بين عائلتي والده ووالدته؛ فعائلة أبيه من الطبقة العاملة السفلي وعائلة أمه من الطبقة العاملة العليا‮. ‬وجمعت جدتاه بين فقر الطبقة العاملة وقيم البرجوازية الحقيرة،‮ ‬ما كان بالنسبة له ابتلاء له بأسوأ ما في العالمين‮. ‬وطوال فترة طفولته كان متآلفًا مع مسألة حب الغرباء‮. ‬ولم يقدر علي تحديد ما إن كان أبوه‮ ‬غريبًا أم صديقًا؛ في المصنع يُضجر زملاءه بتفوق أبنائه الدراسي،‮ ‬وفي وجوههم لم يمدحهم ولو لمرة‮.‬
إيجلتون المتطرف السييء السمعة،‮ ‬دعاه الأمير تشارلزبـ”الرهيب تيري إيجلتون‮”‬،‮ ‬ميزته في تلك السيرة أنه كان كما هو دائمًا؛ أكثر وضوحًا وأكثر إبداعًا،‮ ‬يمزج الخيال بالواقعية والدراما‮. ‬يطرح الأسئلة المحرجة بسخرية ومرارة حتي لو كانت ضد حساسية شخصية دون ادعاء للمثالية أو حمل لرسالة أو قيمة‮. ‬

((أخبار الأدب))