(1-4)

“هل أنّ شيئا مثل الرَّغبة في المكان يمكن أن يوجد؟ هذا المكان خارج المكان الَّذي به تكون الكتابة والبراني التَّجربة الَّتي تقربنا من جوهر المكان وحكمه. ذلك أنَّ الغريب ليس غريبا لأنَّه فاقد للبلد الَّذي ينتسب إليه، ولكنَّه غريب لرغبته في هذا المكان الَّذي يدعم فأله وسؤاله.” فتحي بن سلامة

“إنّ هذا الغريب هو رافعة النّص الَّذي ينقلب على أصله ولا ينفك يسعى إلى جعله شفافا، وإلى رسمه في بعده التَّاريخي الأنتروبولوجي”. عبد الكبير الخطيبي.

تمهيد:

إنَّنا في قراءتنا لنوميديا، إزاء رواية ” تستعمل اللُّغة بشكل يجعل الصَّمت لا يعقبها أبدا”. ولذلك عليك أن تأخذ بالحسبان أنَّ قراءة الرّواية كمحكي، هو أن تدرك أن لاشيء يوجد خارج اللُّغة، وأن الشبحي- الواقعي: نوميديا، هو قدرك وأنَّ عليك أن تطارده دون خوف أو تردّد، وبنوع من الحزم الَّذي لا يكلّ، دون أن توهم نفسك بالقدرة على إتيان القول النّهائي في التَّأويل وتحديد المعنى، لأنّ المعنى منفلت وهارب، لأنَّه ببساطة متشظّ، أو قل بتعبير أدقّ متعدّد والمنافذ والمسارات متنوّعة وكثيرة، فلا مجال للإيمان في المعنى الثّابت المستقرّ كيقين مطمئن على نفسه بين دفتي الرّواية إلى أن يأتيه قارئ مريد، بل عليك بما يتجاوز الواحديَّة والأحاديَّة خاصَّة معنى الفصل النّاجز الأقرب إلى التَّوحيد الغيبيّ. لذلك فآنت ملزم بوعي هذا الشّرك في جدليَّة الانفتاح بين النّص والقارئ والَّذي يتخطَّى قدرة الذَّات  على بنينة المعنى بشكل نهائي. “ما يقوم في أساس النّص، ليس بنية داخليَّة، مغلقة، قابلة للحساب، بل منفد نصّ على نصوص أخرى وأنساق أخرى، وعلامات أخرى، ما يكون النّص هو التَّناص”. ولهذا فالقارئ لا يملك إزاء المحكي في سيرورته التدليليّة signifiance غير اختيار إمكانيّة ضمن ممكنات كثيرة يتيحها تعدّد النَّص في طبيعته اللُّغويَّة. فمن زاوية هذا الفهم لقراءة الرّواية، أقدم محاولة أولى في قراءة الدَّال بين المتعة واللَّذَّة.

أولَّا – نوميديا : النَّص الَّذي يجعلني أفكّر في أشياء آخرى

” ألم يحدث لك وأنت تقرأ كتابا أن تتوقَّف باستمرار أثناء قراءتك لا عن لامبالاة، بل على العكس، بسبب دفق الأفكار الإثارات والتَّداعيات؟ وبكلمة واحدة، ألم يحدث لك أن تقرأ وأنت ترفع رأسك؟ هذه القراءة الوقحة بما أنَّها تقطع النّص لأنّها تعود إليه وتعيش عليه، في الآن نفسه، هي ما حاولت كتابتها.”

وأنا أقرأ رواية نوميديا لم يكن من السَّهل علي أن أثّث فراغات اللاَّشيء الَّتي تفرزها مسافة جدليَّة التَّفاعل بين القراءة والنَّص،” إنَّ الفراغات أي عدم التَّناسق بين النَّص والقارئ هي الَّتي تسبّب التَّواصل في عمليَّة القراءة، وعدم وجود وضعيَّة مشتركة وإطار مرجعي مشترك يقابل اللاَّشيء هو الَّذي يحدث التَّفاعل بين الأشخاص. إنَّ اللاَّتناسق واللاَّشيء كلُّها أشكال مختلفة للفراغ المكوّن وغير المحدّد، وهذا الفراغ هو أساس كلّ عمليات التَّفاعل”. لأنَّ لشكل الكتابة في متخيّل الرّواية منطقه الخاصّ، حيث لا أستطيع أن أكون منتجا للدَّلالة وأنا منخرط في سيرورة تدليليَّة إلاَّ من خلال حضوري كاختلاف متمفصل مركّب التَّعقيد للكثير من النُّصوص الَّتي تشكّلني كذاكرة ثقافيَّة. “أنا ليست ذاتا بريئة سابقة على النّص تستعمله فيما بعد كما لو كان شيئا قابلا للتَّفكيك أو موضعا للاحتلال. هذا الأنا الَّذي يقترب من النَّص هو نفسه وبكيفيَّة مسبقة عبارة عن تعدّد لنصوص أخرى تعدّد شفرات لا نهائيَّة.”  وهذا ما يجعل من الصَّعب قراءة الرّواية بشكل حيادي معزول، أو مكتف بذاته في نوع القراءة “المترفة” لتزجية أو قتل الوقت، أو كمجرّد طقوس، جوفاء لا نبض فيها، تؤدّى بحكم العادة. كما لا يمكنني أن أسرع في القراءة لأنَّ الفراغات والخدوش والانقطاعات تفرض نفسها فتحضر رغما عنّي جملة من النُّصوص، حيث لذاكرتي الثَّقافيَّة والتَّخييل الَّذي تنسجه بايعاز من الرّواية منطقهما الخاصّ.”إن ما أتذوّقه في سرد ما ليس إذن مضمونه أو محتواه المباشر، ولا حتَّى بنيته، بل ما أتذوّقه هو تلك الخدوش الَّتي أوقعها على الغلاف الجميل: أعدو، أقفز، أرفع رأسي، أغوص من جديد.” فمراد عندما يحكي عن تجربته مع المكان، القرية الَّتي يسمّيها إغرم، أو عن تجربته مع الموت وهو يصعد الجبل على نيّة الانتحار في يوم ممطر مقرّرا وضع حدّ لانشطاره وتمزّقه بسبب قلق الهجر أو الانفصال السّيكولوجي كلقيط مرمي على قارعة طريق هامشي، “في صباح حزين يا أوداد، جرتني الأقدار إلى تلك الطَّريق الهامشيَّة الَّتي لم تكن طريقي، هناك وجدتك في شهورك الأولى مسربلا في بياض، لم أجد باكيا، كنت تبحلق في السَّماء”. أو عن عمليَّة الفداء الَّتي قام بها الولي سيدي  موسى في حقّ ابنه سيدي عيسى الَّتي تؤسّس لأسطورة الهويَّة وأصل القرية إغرم،” في يوم حزين، تحلق أهل القرية حول الشَّيخ، وهو يضمُّ إلى صدره ابنه آخر ضمَّة…وبكت القرية باستثنائهما، وجرّ بعد ذلك الأب ابنه نحو موته، واثقا من موت فرد أهون بكثير من أن يسقط كلّ يوم واحدا أو واحدة، هكذا مدّ سيدي موسى سكينا من وجع واستأصل فلذة كبده، لا لشيء..فقط لتستمرّ إغرم على قيد الحياة”. فكلّ هذا يجعلني وجها لوجه مع كتاب ليلة الفلق، إذ أرفع رأسي لأستمع مرة اخرى لما يقوله فتحي بن سلامة في ذلك الكتاب الممتع والشَّائق جدًّا.” وإذا كانت حركتنا نحو العودة إلى التَّجربة المؤسّسة للكلام وحكمه تقتضي اللُّجوء إلى نوع من الرُّجوع إلى المصدر فذلك يكون عودة إلى ما دعاه ” روني شار”  ” عودة متعالية”. أي ” بمعنى أسوأ مكان محرم يمكن أن يوجد”. ففي الكثير من الانقطاعات الَّتي تنتجها قراءتي لرواية نوميديا كنت أجد نفسي غارقا في الاستماع كتذكّر- يخترقني خارج إرادتي، إذ له منطقه الخاصّ، كما له أفكاره وانفعالات أهواء تخييله، وآليات اشتغاله، هذا هو الجنون الجميل للقراءة الَّتي تفجّر دفعة واحدة اللَّذَّة والمتعة إلى حدّ التَّحلُّل والتَّلاشي على حافَّة الموت – لما قرأته في ليلة الفلق، أذكر من بينها مثلا حين يسرد مراد حلمه وهو يرى نفسه في وضعيَّة الذَّبيح، أو وهو يكابد تجربة النَّبذ والقهر والموت على حافَّة الهاوية. وما يبرّر هذا الحضور لليلة الفلق هو ذلك التَّقاطع إلى حدّ التَّماهي بين تجربة مراد* الوعل الَّتي عايش ويلاتها في التَّرك والنَّبذ والعزل والإقصاء والطَّرد والغربة وعذابات الموت والتَّمزُّق والانشطار النَّفسي وقلق الهجر في رواية نوميديا كمتخيّل فنّي بوحداته الدَّلاليَّة والمعنويَّة، الفكريَّة والثَّقافيَّة، والخصائص النَّوعيَّة الأدبيَّة المحتضنة لكلّ هذا العنف الدَّاخلي في نوع من المخاض  المؤسّس للكلام في شكله الحكائي الرّوائي الأدبي، وبين تجربة محمد الَّتي يتحدَّث عنها كتاب ليلة الفلق” كتجربة رجل لم يقاسمه فيها أحد وهو الَّذي أخذه صخب عاتي أمواج اللُّغة وشدّه عنف خام تجلياتها قبل أن يفرض الدّين حقيقته العقديَّة…وكان عليه وهو الَّذي أخذ منه الرّعب مأخذه، وهدّده الجنون والموت والمحو، أن يصل إلى أوفى حدّ من رغيته ويستنفد قواه القصوى ليلتقي بالحكم الَّذي أسَّس مكان الكلام”. هذا المسار الجنوني المتعرّج، والعصابي المرعب بمسحة الغنج في شكله السَّردي كتخييل هو الَّذي أنتج المتخيّل القدسي لولادة الكلام من المكان المحرم عند محمد في ليلة الفلق.” حقيقة الحدث متورّطة دائما في انتقالها الضَّروري إلى نصّ، في فعل كتابة وفعل كاتب، وأنَّ الحدث وإن كان حقيقيًّا فإنَّ عرضه عن طريق اللُّغة يجرّه إلى دائرة التَّخييلي، أي إلى ما نطلق عليه اليوم إسم الأدب”.  وأيضا هذا المسار العنيف والقلق المسكون بلوعة الشَّوق الشَّبحي بحثا في تضاريس هويَّة مراد الوعل والقرية اغرم عن الأصل الموشوم بالمقدَّس والمدنَّس الحرام، هو الَّذي أنتج أيضا المتخيّل الروائي لولادة الرّواية من المكان المحرَّم، لمقام سيدي موسى والذَّبيح ابنه سيدي عيسى، المؤسّس لأسطورة تمزّقات الأصل عند مراد الَّذي يعيشه ومن معه في نوميديا كـ “أدب” أي حكاية لا أقلّ ولا أكثر ”  انصرفت إلى شجرة التّين الصَّغيرة الَّتي انبلجت من الجبل، حين رفرفت إليه – كما تقول الحكاية- دماء الشَّهيد، فاستحالت إلى ما هي عليه الآن..حباتها استوت، لكنّ الحكاية تحرّم أكلها وتعتبر آكلها ملعونا”.  وفي سياق هذا التَّفاعل بين أفق النَّص وأفق القراءة يتبيّن لي قوَّة شكل الرّواية كمبنى حكائي يستثمر المتن الوقائعي لبناء تجربة في الكلام، تنافس أو تضاهي الخرافة والأسطورة والنَّصّ الدّيني، إنَّها متخيّل أضحوي حكائي تناسب وتوافق المجتمع الحديث.” في الواقع يحتلّ الأدب مرتبة تأتي مباشرة بعد الدّيانات بل ويعد وريثا لها. إنَّ التَّضحية هي بمثابة رواية أو حكاية تمَّت صياغتها بطريقة دمويَّة، أو إذا شئنا على صعيد بدائي، هي بمثابة عرض مسرحي مأساة مختزلة في مشهدها الأخير، حيث تواصل الضَّحيَّة الحيوانيَّة أو الإنسانيَّة أداء دورها بشكل فردي، ولكنَّها تؤديه إلى أن تسقط صريعة الموت”.

إنَّ حضور نصوص أخرى لحظة القراءة، وما يتبع ذلك من توقف مع حركة رفع الرَّأس للاستماع إليها، أو بالأحرى الإنصات لهسهستها، يعبّر عن قدرة الرّواية على التَّعبير عن ” تجسّدات في مستوى الدَّال، بل تجسدات الدَّال:” زمن المتعة، حيث يتمّ تحت نصّ ما اكتشاف نصّ غيره هو منه بمثابة الآخر”. وفي هذا الاتّصال بالرّواية كقراءة  تتحرّر من استقلالها وانفصالها الفردي لتتفاعل مع النَّص الرّوائي الجدير بمنح اللَّذة إلى حدّ الموت، كما لو كنَّا إزاء تجربة إيروسيَّة في علاقة القراءة بالكتابة وهي علاقة تسهّل تبادل تمرير السَّائل المخصب بين جماليَّة التَّلقي وفنيَّة الرّواية لإنتاج دلالة النَّص، أدرك ورطتي في تخومات جورج باتاي وهو يتحدَّث عن الإيروتيكيَّة كإقرار بالحياة حدّ الموت، وهذا ما تسقطه ذاكرتي باستثمار تعتبره ناجعا على فعل القراءة كاتّصال بين جماليَّة التَّلقي وفنيَّة النَّص الرّوائي. إنَّها كتابة لشكل روائي يجعلنا كما لو أنَّنا إزاء ما يسمّيه رولان بارط علم متع اللّغة كاماسوتراKamasutra  اللّغة.  وفي هذا الانقطاع والزوغان لا يخفى الاستماع أيضا إلى نصوص جورج باتاي حول إيروسيَّة الأجساد وإيروسيَّة القلوب والإيروسيَّة المقدَّسة. لكنّنا نستثمر هذا الاستماع للنّداء الآتي من جورج باتاي لنعيش تلك الإيروسيَّة على مستوى تفاعل القراءة مع الكتابة كشكل روائي يفلح كثيرا في خلق تلك التَّقطّعات القريبة إلى جدليَّة الظُّهور والخفاء، الشَّيء الَّذي يجعلنا نرى في المستوى الجنسي، الحاضر في الرّواية كلذَّة ومتعة، تعبيرا عن روعتها الفنّيَّة في بناء الشّكل الرّوائي.   – يصعب جدًّا على شعبة المراقبة والعقاب، أي النَّائب العام أن يدرك ذلك لأنّ نظرته لا تتَّسع إلاّ لنفاق فكرة الفضيلة الأخلاقيَّة، حيث عقله لا يتَّسع لأكثر من فكرة قابعة تحت حزامه الجنسي- لكنّنا تعتبر المستوى الجنسي الحاضر في الرّواية بمثابة انقطاعات لم تحضر بشكل مبالغ فيه كما قد يعتقد البعض، بل يمكن اعتبارها بمثابة التَّقطع الفنّي والجمالي، أي تلك الانزياحات الَّتي تخلق المتعة، إنّها أشبه بـ” تقطّع لمعان البشرة بين قطعتين من اللّباس بين حافتين، هذا اللَّمعان بالذَّات هو الَّذي يفتن”. ويمنح أيضا للرّواية جماليتها في التَّغلّب على القلق النّفسي والغربة والانشطار وإثبات الوجود، لتجاوز محنة النَّبذ والتَّرك والهجر والقهر والحرمان الكلّي العاطفي والجنسي والإنساني. وأيضا حين تنعطف الرّواية من خلال الآلام وعذابات وتمزّقات بطل الرّواية مراد الوعل في عيشه لتجربة الهجر والتّرك في العراء والتَّضحية في علاقته بخولة تحضر جملة من الأصوات القادمة من جهات مختلفة بعضها قادم من “لاعب” النّرد لمحمود درويش خاصَّة عندما يعثر امحند في الطَّريق الهامشي على المولود اللَّقيط المنبوذ والمتروك وجها لوجه مع سماء لم تعد معنية بالشَّفقة والرَّحمة.

وُلدتُ بلا زَفّةٍ وبلا قابلةْ
وسُمِّيتُ باسمي مُصَادَفَةً
وانتميتُ إلى عائلةْ
مصادفَةً

ويزداد حضور ” لاعب النّرد” خاصة عندما تمتد يد فلاَّح إلى مراد الوعل لإنقاذه من موت محقّق:

ولا دور لي في النَّجاة من البحرِ
أَنْقَذَني نورسٌ آدميٌّ
رأى الموج يصطادني ويشلُّ يديّْ

وضمن تلك الأصوات أيضا كنت أسمع همسا خفيفا لكنّه عميق في نوع من فوضى الحواس وأنا أحاول النَّفاذ إلى بنية الشّكل الرّوائي من خلال التَّحليل العميق لفتحي بن سلامة في كتابه “الإسلام والتَّحليل النَّفسي” لمسألة الفداء والأوديب والهجر ومحنة التَّرك – مراد الوعل متروك منبوذ في عراء الطَّبيعة خارج الانتظام المجتمعي للمتعة القضيبيَّة – إلى جانب نقاشه لموضوع الطّفل المقدَّس الَّذي لا يكون إلاَّ من خلال قدرة الأمّ على إبداع المسافة مع صغيرها، وكلّ هذا في تناقض حادّ مع ما تطرحه الرّواية حول الطّفل اللَّقيط أو بتعبير أدقّ الطّفل المدنَّس الموصوم باللَّعنة كجرثومة عدوى تطال كلّ من يقترب منها حبًّا أو كرها. كما لو كان يعيد إنتاج الأصل غير الصَّريح لإسماعيل بشكل أكثر قساوة وشراسة     “إنَّه ابن اللَّخناء أي الكريهة الرَّائحة”. إنّ الرّواية تطرح حقًّا مأزق هبة الحياة، أي مأزق الأصل نفسه. والسّؤال لا يقف فقط عند “كيف يمكن استرجاع أب تمثّل فعله الأوّل في ترك الإبن ووالدته؟  بل يتجاوز ذلك إلى فشل الأمّ في إبداع مسافة التَّوسُّط بسبب العنف القهري للسُّلطة البطريركيَّة والدينيَّة، الَّتي اضطرَّت الأمّ إلى التَّخلي عن صغيرها في العراء، وهو حدث معبّر بشكل صارخ عن مأزق الجماعة البطريركيَّة والسُّلطة الدينيَّة بقيمها الجوفاء وهي تقف عاجزة إزاء كلّ ما يمسّ القرية اغرم من آلام وأحداث مفجعة وأحزان مؤلمة، في الإنسان أو في الطَّبيعة، حيث تعبّر عقلية الشَّيخ والفقيه عن خصائص العقليَّة المتخلّفة غير القادرة على فهم التَّناقضات المجتمعيَّة وما تطرحه من إشكالات على مستوى صيرورة الحياة وتحوّلاتها الاجتماعيَّة، لذلك تلجأ تلك العقليَّة إلى تفسير عجزها عن تقديم إجابات مقنعة لما يحدث إلى الأبعاد الخرافيّة الغيبيَّة والسّحريَّة إلى درجة الانفعال والانشطار الوجداني والوصم السّيء بالنَّبذ والإقصاء من دائرة الكينونة الانسانيَّة، وهو ما تجلَّى في أسطرة مراد الوعل بشكل شيطاني في علاقته بالجنّ أو ما شابه ذلك من الكائنات الخرافيَّة، أو اعتباره لعنة وعبء وعقبة في وجه وحدة القرية وسعادتها وطمأنينتها، وبكلمة واضحة إنّه الخطيئة، ابن زنا ولد الحرام، أي الطّفل المدنَّس. ومأزق الذُّكورة هذا يجعلني أستمع بشكل مَّا إلى أمين معلوف في روايته ” القرن الأول بعد بياتريس”. فرغم أنّ مراد الوعل ذكر إلاَّ أنَّه لايسدّ مسدّ الذَّكر، لأنّ زوجة امحند  الرَّجل الَّذي ربى مراد الوعل، أو صفيّة زوجة الحسين الَّذي تبنَّاه بشكل واضح من خلال تعيينه وتسميته باسم العائلة، بالإضافة إلى أمّ امحند ومعهنَّ بشكل ضمني القرية اغرم كمنظومة قيميَّة اجتماعيَّة ثقافيَّة، كلّ هؤلاء كانوا يرون في مراد الوعل المرأة الَّتي تقيأته ورمته على طريق هامشي، أي أنَّه يرمز إلى تلك المرأة الَّتي تمثّل “جسد الشَّوق والقوَّة الحيويَّة…إنَّها المرأة والخطر الأنثوي الَّذي يهدّد كلّ امرأة أو على الأقل هكذا يبديها لنا تنظيم المتعة القضيبيَّة وهي في أتمّ قوّتها”. لهذا  تعرَّض مراد الوعل للنَّبذ والقهر والحقد المجتمعي، إلى جانب الوصم السّيء، كطفل حرام، بمعنى طابو غير مرغوب فيه، أو أنّه لا يمثّل الطّفل  المقدَّس، لذلك كان مصيره التَّرك والنَّبذ. وبسبب هذا النَّبذ والقلق النَّفسي الحادّ وصف مراد ولادته بالقيء، فهو جسم دخيل سام ومعد ينبغي طرحه بعيدا عن النَّاس لأنّه باعث على الشّعور بالتَّقزُّز والغثيان لذلك تخلصت منه أمُّه، بطريقة مقرفة كما لو كانت تطرح قيأها على الطَّريق الهامشيّ “لم أعد إليك لأسأل عن سيّدة تقيأتني ذات حزن هنا فوق سفوحك وانصرفت لشأنها”. وبناء على هذه المعطيات تتعمّق المفارقة حيث أنّنا نلاحظ هنا مأزق الذّكورة إزاء عقدة الأصل الأسطوري في كيفيّة تشريب الحرام من طرف الأب في شخص القرية اغرم، كأب مؤسّس للأصل الحكائي، كسرديَّة وجود واستمرار القرية اغرام، وهذا الأب المؤسّس، أي سيدي موسى الَّذي ضحى بابنه سيدي عيسى، يتناقض كليًّا مع الدَّلالات الرَّمزيَّة لأسطورة قتل الأب، كما صاغها فرويد في كتابه “الطَّوطم والمقدَّس” لتنسجم كليًّا مع التَّحليل العميق الَّذي قدّمه مصطفى حجازي في تناوله لهذه الفرضيَّة البحثيَّة ” قتل الأب” في ما يخصّ مجتمعاتنا حيث يرى العكس ” قتل الأب لأبنائه وروكود التَّاريخ”.

إنَّ تجربة مراد الوعل هي “تجربة كلّ إنسان ترك لذاته في الوجود” في نوع من النّبذ الَّذي يعني “أن لا أعترف بأنّ الأمر لي، وأن أدعي بأنّني لم أقل كلاما ولم أفعل أمرا مَّا” حيث بين فليب ليفي” وهو محق في ذلك أنّ النّبذ يتعلّق بتنظيم النَّسل”.

وبما أنَّ مراد الوعل ليس ذلك الطّفل المقدَّس – كالولي الصَّغير سيدي عيسى الَّذي قدّمه الولي الأب سيدي موسى قربانا لإنقاذ القرية من محنتها- الكامل المقوّمات والشُّروط والمواصفات والخصائص الَّتي تجعله قربانا كأضحية ماديَّة أو رمزيَّة تتقبّله الشّروط النّفسيَّة الثَّقافيَّة للمخيال الاجتماعي التَّاريخي للقرية اغرم، وبالتَّالي أن يكون بمثابة الإجابة الذَّاتيَّة والموضوعيَّة للمحنة الَّتي تعيشها جماعة القرية كانتظام اجتماعي رمزي بشري، فإنّه من الصَّعب أن نتحدَّث عن تخييل الأمّ ولا عن المسافة الَّتي تخلق الغربة عنها بوجود المرأة الأخرى. لكن بما أنَّنا في صلب مبنى الشَّكل الرّوائي كحكاية أعيد لها الاعتبار الفنّي والرَّمزي والوظيفي، وهي تناقش الهويَّة والأصل، يمكننا أن نعتبر رواية نوميديا كمتخيل روائي بمثابة المرأة الاخرى الَّتي تسمح ببروز الكتابة كأمّ في التّخييل تسعى شخصيَّة مراد الوعل لعيش ذلك الارتباط المهجور والموغل في القدم. “أنا أظنّ أنَّ كلّ نمط من أنماط الخلق والإبداع حتَّى الإبداع العلمي، هو نتيجة لإمكانيَّة خرق المعايير والوصول بالعمليّة إلى تحقيق السَّعادة واللَّذَّة، وهي تعبيرات تشير إلى تجربة عتيقة موغلة في الزَّمن تتَّصل بموضوع أمومي قبلي”، ولعلَّ في مقومات الخصائص السميائيَّة لشخصيَّة البطل في الرّواية مراد الوعل ما يعزّز هذا التَّأويل وينتج هذه الدَّلالة حيث يعيش مراد عزلته عن المجتمع في نوع من تكسير لكلّ جسور التَّواصل  متحصّنا داخل الذَّاكرة وكأنَّه يعلن صراحة “إنَّني أرفض التَّواصل، التَّواصل غريب عنّي ومن ثمَّ فإنّي أنسحب إلى تجربتي العتيقة المهجورة حيث أسعى إلى طلب البهجة الغامرة داخل الجسد الأمومي”. وارتباطا مع هذا السّياق في القراءة والفهم والتَّأويل نفهم الضَّرورة الفنّيَّة لحضور نوميديا كمتخيّل روائي لمجابهة الإحباط الَّذي استحوذ على مراد”. إنَّ المخلوقات الخياليَّة هي علاج ناجع للإحباط، وإذ نكون قادرين على ذلك فإنَّنا نستطيع إبداع هذه المخلوقات الخياليَّة”.

حركة الكتابة في شكلها الفنّي داخل الرّواية كاستثمار للإستعاري والكنائي بما يتجاوز المحنط في الاستعمال العادي للُّغة هو الَّذي يتيح هذه القراءة للرّواية، وهي إمكانيَّة ضمن ممكنات كثيرة للقراءة يسمح بها أمل النَّص الشَّاسع والرَّحب في تعدُّده وعمقه، كسيرورة تدليليَّة لا تهدأ وفي تغير مستمرّ من قارئ لآخر. وما كنت لأقوم بهذه القراءة الوقحة لولا الحضور الممتع واللَّذيذ لرولان بارط، إلى درجة تجعلني أفكّر بأنّ رواية نوميديا هي بمثابة النّص الَّذي قال عنه بارط “أن أكون مع من أحبّ وأفكّر في ذات الوقت في شيء آخر: هكذا أتوصّل إلى أحسن الأفكار، وأخترع بصورة أفضل ما هو ضروري لعملي. كذلك شأن النَّص: يبعث في لذَّة أحسن إذا ما تمكَّن من أن يجعلني أنصت إليه بكيفيَّة غير مباشرة، إذا ما دفعني، وأنا أقرؤه، إلى أن أرفع رأسي عاليا وأن أسمع شيئا آخر. فلست بالضَّرورة مأسورا بنصّ اللَّذة، قد يكون فعله خفيفا، معقّدا، دقيقا شاردا على وجه التَّقريب: كحركة رأس مفاجئة، كحركة رأس طائر لا يسمع شيئا مما ننصت إليه ينصت إلى ما لا نسمعه”.

((الأوان))