التخيّل التاريخي أم إبتكره؟

abdullah ibrahim 5 (2)

كتب حسين سرمك حسن:

إشارات موجزة ودقيقة عن أسبقيات عربية وأجنبية

فاز الباحث والناقد المعروف الدكتور عبد الله ابراهيم بجائزة الشيخ زايد عن كتابه التخيّل التاريخي (1 )  وكنت وقتها – ولظروف قاهرة جدا – أتابع الأخبار والتغيّرات الثقافية عن طريق المشاهدة والقراءة لا الكتابة. وفي بداية هذا العام فاز الدكتور عبد الله ابراهيم ، أيضا ، بجائزة الملك فيصل العالمية عن جهوده المتفرّدة في مجال السرديّة العربيّة ، وهي جهود كبيرة ومهمة تستحق الإشادة والتنويه .

وبعد فوزه بجائزة الملك فيصل العالمية ، أجريت لقاءات عدّة مع د. عبد الله ، احتفاءّ بفوزه وجهده ، منها لقاء نُشر في صحيفة “الرياض” العدد 16658  في 1 فبراير 2014 – أجراه معه الصحفي “محمد المرزوقي” – قال فيه نصّاً :

حقق النقد المعني بالظاهرة السردية كشوفات مثيرة للاهتمام، من ذلك أنه أجاد في وصف الأبنية السردية والدلالية للنصوص الروائية، فنقل الممارسة النقدية من كونها محض انطباعات خارجية عن تلك النصوص إلى ممارسة تحليلية دقيقة تحايث النصوص استنادًا إلى رؤية نقدية، ومنهج واضح، وعلى الرغم من كل ذلك فقد شاب النقد السردي نوع من القصور، ومن السطو على جملة من المناهج الغربية التسويد منّي ، وكلها مستعارة من سياقات مغايرة لسياقات الأدب العربي، وخضوع بعض الممارسات النقدية للمقولات السردية التي افرزتها السرديات الغربية، ومن العجب أن ينظر لها بعين التبجيل، بل التقديس، فيما ينبغي التفاعل معها تأثر وتأثيرا.

وقد قمتُ بتسويد هذه الجملة شاب النقد العربي نوع من القصور ، ومن السطو على جملة من المناهج الغربيّة ، وذلك لأنها الجملة التي أثارت ردّ فعل الكاتب والباحث الفلسفي حيدر علي سلامة الذي نشر تعليقاً عليها في موقع الناقد العراقي بتاريخ  2 فبراير/شباط 2014 عنوانه : السطو والتخيّل التاريخي… ما وراء المصطلح وإشكالاته الثقافية ، جاء فيه :

تضعنا قراءة الأستاذ الدكتور عبد الله ابراهيم، امام جملة من الأسئلة الإشكالية، التي تبدو على جانب كبير من الخطورة والأهمية، لأنها قراءة حاولت إثارة الإنتباه إلى طبيعة العلاقة الملتبسة والمضطربة بين كل من بنية النقد العربي ومناهجه السردية مع خطاب المناهج الغربية الوافدة، مشيرة الى أن طبيعة الرؤى “المقدسة والمبجلة” لمستعملي تلك ألمناهج بشكل حرفي هو اهم ما ميز/ ويميز المشهد السردي العربي السائد. لهذا، وجه الاستاذ ابراهيم نقد شديد اللهجة لتلك العلاقة، التي وصفها “بالسطو”? والتي كان من مآسي نتائجها على راهن النقد العربي ألمعاصر، وفق رأيه، أن  …شاب النقد السردي نوع من القصور ومن السطو على جملة من المناهج ألغربية وكلها مستعارة من سياقات مغايرة لسياقات الأدب العربي وخضوع بعض الممارسات النقدية للمقولات السردية التي افرزتها السريات ألغربية ومن العجب أن ينظر لها بعين التبجيل بل ألتقديس فيما ينبغي التفاعل معها تأثر وتأثيرا .

عبد الله تركنا في غموض وإلتباس وفقر نقدي

وعلى الرغم من إشارة الأستاذ ابراهيم الهامة لتلك الإشكالية المعقدة والملتبسة، إلا أنه تركها دون وقفة نقدية وتحليلية، توضح للمتلقي الكريم بنية “الاضطراب الابستمولوجي” الحاصل جراء سيطرة اطر التقديس والتبجيل للآخر الغربي الوافدة على ثقافة الأنا المغلوبة على أمرها. وهذا ما جعل من تشخيصه النقدي، تشخيصاً يشوبه الغموض والالتباس والفقر النقدي والعوز المنهجي. وذلك لأن اشكالية علاقة الأنا/ بالآخر، ليست بالقضية الجديدة على تاريخنا الثقافي والأدبي. لكن الجديد، عندما يتم دعم تلك القضية أو الإشكالية بإطار تحليلي/ ثقافي، لا يتوقف عند ظاهرة “السطو والتبجيل” ضمن محدودية النقد والسرد الأدبي الضيقة، بل يتجاوزها نحو “ظواهر السطو الثقافي اليومي المسلّح” عند مثقفين وكتاب استحوذوا على تاريخ الثقافة العراقية برمتها، بل اصبحوا يشكلون “تخيل ثقافي لاهوتي مطلق” خارج سياقات الزمكان وتحولات السياقات الثقافية والسياسية والأيديولوجية، فتجدهم في كل مرحلة زمنية ، وفي كل حقبة تاريخية جديدة، سواءً أكان ذلك على صعيد التنظير الثقافي؛ النشر الثقافي؛ المؤتمرات الثقافية؛ الرحلات الثقافية أم إنتاج/ وإعادة إنتاج مؤسسات النشر الثقافية ووو…الخ. فمثل هذا “السطو الثقافي” اليومي والدوري في بنية ومفاصل تاريخ خطابنا الثقافي، لم يأت عليه الاستاذ ابراهيم لا من قريب أو بعيد، وكأن مثل تلك القضايا لا تدخل ضمن مهام السرد الأدبي وتحولات النظرية الأدبية، فمثل تلك الاشكالات اصبحت جزءاً لا يتجزأ من سياقات وإشكالات الراهن الثقافي اليومي المفعم بالسيطرة الشمولية والأيديولوجية جراء تكرار وسيادة “أشكال نمطية ثقافية سردية واحدية” في خطابنا الثقافي السائد. فلماذا لم نجد أي نقد للأستاذ ابراهيم لتلك “السردية الثقافية الأيديولوجية والميتافيزيقية” التي اصبحت تشكل الاساس التاريخي والأنطولوجي لبنية الثقافة العراقية؟ تُرى، الا تُشكل تلك السردية شكلاً من اشكال السطو المسلح علينا وعلى خطابنا وألسنتنا ومنشورنا الثقافي؟ ألم تؤسس تلك الوجوه المملة/ والمتكررة من رحلة التأدلج في تاريخنا الثقافي، حالة من التقديس والتبجيل؟ وهل يمكن لأحد منا المساس بقداستها الزائفة والمبجلة؟ ألم تصبح تلك الوجوه “قدر ميتافيزيقي مطلق متعال” على جميع اشكال النقد والتفكيك؟؟؟

واللافت في الموضوع، هو ان الأستاذ ابراهيم عاب على اولئك الذين يسطون على ثقافة الغير. في الوقت الذي استعان/ ووظف فيه ؛ هو نفسه؛ الكثير من المفاهيم الغربية، والتي أصبحت تشكل عماد مؤلفاته الثقافية والسردية والأدبية. فمثلا اذا اتينا على مصطلح التخيّل التاريخي، نجد أن الأستاذ ابراهيم قد أشار في أكثر من مناسبة سواء كانت حواراً أو لقاءً في أكثر من صحيفة عراقية وعربية، إلى انه “اجترح” و “اقترح” هذا المصطلح ليحل بديلا عن مصطلح الرواية التاريخية، وقد تناقلت وكالات الأنباء العراقية والخليجية والعربية هذا الخبر، دون الإشارة من قبل الأستاذ ابراهيم ولا من قبل تلك الوكالات والصحف إلى المرجعية الأصلية لهذا المصطلح، حتى يتسنى للمتلقي الكريم معرفة الجهة المعرفية/ الغربية، التي تم الاقتباس منها. فظلت قضية “الاقتباس” رهينة موضع “التباس” في معظم وكالات الأنباء التي تناقلت خبر “الاستبدال ألاصطلاحي”  فغدا بذلك مصطلح “التخيّل التاريخي” احد ابتكارات الأستاذ عبد الله ابراهيم، على الرغم من أن هذا المصطلح تم تدشينه وذكره في ثمانينيات القرن الماضي في كتاب:

  1. C. O. Brink :English classical scholarship, Historical Reflections on Bentley, Porson and Housman, first published in 1986 by James Clarke & Co., Ltd, Cambridge, p2.

فإذا كان الأستاذ ابراهيم قد نوّه الى المرجعية الأصلية لتاريخ هذا المصطلح، فلماذا لم تنقل ذلك وكالات الأنباء؟ ولماذا ظهر المصطلح دون أي إحالة إلى مرجعيته الأصلية؟ ولماذا ارتبطت معه كلمتا “الأستبدال والأحلال” عوضا عن “الأقتباس”  فكيف يمكننا أن نقرأ مثل تلك الظاهرة؟ هل نعزلها عن خطاب السطو/ والتقديس / والتبجيل لكل أيقونة ثقافية عربية مقبلة؟!!! إنتهى تعليق الأستاذ حيدر علي سلامة .

وخلاصة رأي الكاتب حيدر علي سلامة – وبقدر تعلق الأمر بدراستنا هذه – هو :

أنّ د. عبد الله ايراهيم لم يوضح – في أي يوم – مرجعية هذا المصطلح التخيّل التاريحي ، كما أنّه قد أشار في أكثر من مناسبة سواء كانت حواراً أو لقاءً في أكثر من صحيفة عراقية وعربية، إلى انه “اجترح” و “اقترح” هذا المصطلح ليحل بديلا عن مصطلح الرواية التاريخية، وأنّه في الوقت الذي عاب فيه على اولئك الذين يسطون على ثقافة الغير، استعان/ ووظف فيه ؛ هو نفسه؛ الكثير من المفاهيم الغربية، والتي أصبحت تشكل عماد مؤلفاته الثقافية والسردية والأدبية .

مصطلح التخيّل التاريخي ظهر قبل أكثر من سبعين عاماً

وحين قرأتُ تعليق الأستاذ حيدر علي سلامة، وجدتُ أن التعليق بحاجة إلى أمور أخرى توضيحية ؛ تاريخية ومعرفية ونقدية ، وحتى نفسيّة ، تضع السيّد القارئ والمعنيين بالجائزتين : جائزة الشيخ زايد وجائزة الملك فيصل العالمية ، أمام حقائق مؤصّلة تمنع كل لبسٍ أو شبهةَ تسرّعٍ في إصدار الأحكام . وسوف أتحدّث أولاً عن مصطلح التخيّل التاريخي الذي أعلن الدكتور عبد الله أنه ابتكره في أكثر من لقاء ومناسبة كما سنرى .

وفي مراجعتي ، سوف أصحّح أولاً ، معلومة الأستاذ حيدر علي سلامة الذي أشار إلى أن مصطلح التخيّل التاريخي أو الخيال التاريخي أو The historical imagination  قد تمّ تدشينه وذكره في ثمانينات القرن الماضي في كتاب C. O. Brink الذي ذكره في تعليقه ، فأقول :

إن هذا المصطلح يعود ليس إلى ثمانينات القرن العشرين بل قبل ذلك بخمسين عاماً ! وأول من ابتكره هو الفيلسوف وعالم التاريخ البريطاني روبن جورج كولنغوود -Robin George Collingwood  المولود عام 1889  والمتوفى عام 1943. كولنغوود هو أول من ابتكر هذا المصطلح : التخيّل التاريخي – The historical imagination وذلك في كتابه الذي حمل العنوان نفسه وصدر عن جامعة أوكسفورد في عام 1935  وهو :

The historical imagination 1935, Oxford: Clarendon Press

ثمّ عاد كولنغوود إلى التأكيد على هذا المصطلح طوال سنيّ بحثه العلمية، وإلى شرحه، وتوضيح أسسه، وإغناء محتواه، في محاضرات كثيرة جُمعت بعد وفاته ، وأُصدرت في كتابين هما : فكرة التاريخ ، ومقالات في فلسفة التاريخ :

The idea of history 1946, Oxford: Clarendon Press 1

2Essays in the philosophy of history 1965, Austin: University of Texas Press.

ومن المهم جدا الإشارة إلى أن كتابه : فكرة التاريخ -The Idea of History الذي أعيد إصداره في لندن في عام 1994 ? يحتوي على فصل كامل عنوانه التخيّل التاريخي – The historical imagination هو الفصل الثاني.

وملخّص فكرة كولنغوود عن التخيّل التاريخي ، هي أنه من أجل أن يفهم المؤرّخ ، الماضي ، بصورة صحيحة وكاملة ، عليه أن “يتخيّله” . وعلى السيّد القارىء أن يتذكّر أن كولينغوود لم يكن روائياً يكتب الروايات التاريخية بل مؤرخاً ، وعليه يجب أن يكون قوله هذا موضع اهتمام كل من يعتقد أن التاريخ ما هو إلّا حقائق جافة ومحدّدة .

لقد أكّد كولنغوود أن على الباحثين أن يخلقوا ، أولاً ، “صورة – Image” عن الماضي في عقولهم أليس هذا هو جوهر عمليّة التخيّل ؟ ، وأن يدخلوا إلى عقول البشر الذين كتبوا الوثائق أو صنعوا الأحداث . وأطلق على هذه العملية مصطلحاً معبّراً هو إعادة التمثيل – re-enact . هكذا صاغ كولينكوود المصطلح ؛ مصطلح التخيّل التاريخي – historical imagination ? ليتسلّم المهمّة من بعده عشرات المؤرّخين الذين عملوا بدأب على تعميق هذا المفهوم وتطويره وإثرائه ، لعلّ في مقدّمتهم الشاعر والناقد والفيلسوف البريطاني أوين بارفيلد – Owen Barfield المولود عام 1898 والمتوفى عام 1997 في العديد من كتبه ومقالاته ، والذي قدّم تعريفاً في واحدة من عباراته الشهيرة لمصطلح التخيل التاريخي تحديداً قال فيه :

التخيل التاريخي هو عادة العقل الذي يسعى إلى أن يقترب من مرحلة تاريخية ماضية لأن ينظر إليها بعينيها لا بعيون القرن العشرين .

هذه كتب استخدمت المصطلح قبل خمسن عاما

ثم تأتي سلسلة طويلة من الكتب والدراسات والمقالات التي تدور حول هذا المصطلح والتي بإمكان السيّد القارىء أن يطّلع عليها في شبكة الإنترنت . ولكن أكثر ما يُشار إليهم من الباحثين المختصين الذين وسّعوا هذا المفهوم ونقلوه إلى حقول أخرى في النصف الثاني من القرن العشرين هو الباحث الأمريكي هايدن وايت – Hayden White المولود في عام 1928 ومازال حيّاً يواصل نشاطه الأكاديمي والبحثي في جامعة كاليفورنيا . أهمّية هذا الباحث هو أنّه من أبرز من نقلوا مصطلح التخيّل التاريخي إلى حقول أخرى كالرواية ، ودعا إلى توظيفه في حقل الرواية التاريخية – Historical Novel أو Historical Fiction كآلية سرد بدلاً من آليتها السابقة . والسبب هو أنّه أصلا متخصّص في تأريخ النقد الأدبي . وأشهر كتبه هو :

  • Metahistory: The Historical Imagination in Nineteenth-Century Europe. Baltimore: The Johns Hopkins University Press. 1973.

ثم يأتي بعده كتابه : محتوى الشكل :

White, Hayden 1987. The Content of the Form: Narrative Discourse and Historical Representation. Baltimore and London: Johns Hopkins University Press.

وكتاب آخر في غاية الأهمية هو :

مدارات الخطاب : مقالات في النقد الثقافي :

Tropics of Discourse: Essays in Cultural Criticism. Baltimore: The Johns Hopkins University Press. 1978.

وساتوقف عند أطروحاته فيهما بصورة أوسع في موضع مقبل من هذه الدراسة شديد الأهمية .

وخلاصة آرائه هي :

إن الكتابة التاريخية تماثل الكتابة الأدبية من نواح عديدة .. وتتقاسم معها الإعتماد القوي على السرد وصولاً إلى المعنى .. وبالتالي استبعد إمكانية الحديث عن التاريخ العلمي الموضوعي الصارم .. وبيّن أن التاريخ يكون أكثر نجاحاً عندما يحتضن هذه “السرديّة – narrativity” لأنها هي التي تتيح للتأريخ أن يكون ذا مغزى .. لاحظ أنها نفس الأفكار والعبارات التي يطرحها د. عبد الله الآن .

بعدها بدأ النقّاد في مختلف البلدان الغربية يتعاملون مع مصطلح التخيّل التاريخي كركيزة أساسية في تناول وتحليل الرواية التاريخية هناك . وفي ضوء ذلك صدرت عشرات الكتب والدراسات والمقالات التي تتعامل مع الرواية التاريخية كتخيل وخيال تاريخي . وبإمكان السادة القرّاء استخدام أي محرك للبحث للتعرّف على عناوين الكتب والدراسات والمقالات في شبكة الإنترنت – باللغة الإنكليزية طبعاً – لكثرتها . وكل يوم أتوقف – حسبما يسمح به الزمن الذي يفر بأعمارنا سريعا – عند مقالة أو مقالتين باللغة الإنكليزية طبعاً . أمس توقفت عند مقالة :

Historical imagination and historical consciousness

للناقد والشاعر والروائي الاسكتلندي جيم مردوخ والتي يستهلها بالحديث عن رواية ألبير كامو الشهيرة : “الطاعون” من منطلق التخيل التاريخي حيث يقول :

دعنا ننظر على سبيل المثال في رواية كامو “الطاعون” 1947 . يُعتقد أن الرواية استندت إلى وباء الكوليرا الذي قضى على نسبة كبيرة من سكان وهران الجزائرية في عام 1849 بعد الإستعمار الفرنسي . لكن الرواية تجري فعليّاً في الأربعينات من القرن الماضي . ولكن هذه لم تكن الحالة الوحيدة ، فقد تفشّى المرض أيضاً في عامي 1556 و1978 . لكن الحالات التي وقعت بعد الإستعمار الأوروبي هي : 1921 185 حالة ، 1931 76 حالة ، 1944 95 حالة ، وهي بعيدة جدا عن درجة الوباء التي وصفتها الرواية . هل هذا مهم ؟ ليس بالنسبة لي . ولكن بالنسبة للروائي التاريخي : نعم ، على الأرجح ، إذا أرادوا الحقائق صريحة ودقيقة . لكن كامو لم يكن مهتما بالمرض ، لكن المرض وفّر له تجربة قاسية لدراسة الوجوديّة . إنها رواية تاريخية ولكنها ليست تاريخاً .

وبعد أن يتناول تعريف أوين بارفيلد لمصطلح التخيّل التاريخي ، يبدأ بتحليل مجموعة من الروايات من هذا المنطلق منها رواية :  98 Reasons for Being للروائية “Clare Dudman” . ثم يستعرض وجهة نظر كولنغوود حول مصطلح التخيل التاريخي ليعود إلى رواية أخرى لنفس الكاتبة عنوانها : A Place of Meadows and Tall Trees . ويوسّع هذا الناقد تطبيقات التخيّل التاريخي لتشمل مسلسلات تلــــــــــــــــــــفزيونية مثل : Star Trek  و Doctor Who.

ويشير إلى ركيزة مهمة من ركائز التخيل التاريخي بالقول :

المشكلة مع أي حدث هو أنه يمكن عرضه في أضواء مختلفة. يقولون إن التاريخ يكتبه المنتصرون، وعلى الرغم من أن هذا هو الحال في كثير من الأحيان فإن قصص الضحايا غالبا ما تستمر، وقد يحصل الروائي على فرصة لكتابة التاريخ الذي لم يحصل على فرصة ليكون مكتوباً. ومن المفترض أن يكون المؤرخ محايداً ونزيهاً ، ولكن الروائي ليس مؤرخا.

ثم يشير إلى أن الرواية التاريخية المعتمدة على التخيل التاريخي لها وظيفة مهمة جدا ، هي أنها تساهم في بناء “الوعي التاريخي -historical consciousness” الذي هو حسب المؤرّخ ” Peter Seixas” :

كيف ندمج مفاهيم الماضي في تفكيرنا اليومي الراهن الخاص، في حياتنا اليومية ونحن نعيش في الحاضر من أجل المستقبل. ولكن هذه الفكرة عن الوعي التاريخي هي في الواقع صعبة للغاية، لهذا السبب بالضبط، لأنه يشير إلى جسر بين وجودنا الذاتي الخاص ، لطريقتنا في المعرفة، أفكارنا ، ذاتيتنا ،  والعالم الذي في الخارج . وليس فقط العالم الذي في الخارج في الزمن الحاضر ، ولكن العالم الذي في الماضي، تلك التجربة الإنسانية الهائلة غير المكتملة.

حتى في جنوب أفريقيا استخدموا المصطلح قبله

كما قرأتُ مقالة عن الرواية والتخيّل التاريخي في جنوب أفريقيا :

Devices of Evasion: The Mythic versus the Historical Imagination in the Postcolonial African Novel- Wole Ogundele – From: Research in African Literatures- Volume 33, Number 3, Fall 2002.

وقبل مدّة طالعتُ سريعاً مقالتين عن التخيّل التاريخي والفن السينمائي ، الأولى عن الفيلم والتخيّل التاريخي هي :

A Historian at the Movies: Films and the Historical Imagination – Teofilo Ruiz, December 2008

أمّا الثانية فكانت عن التخيل التاريخي في أعمال المخرج الشهير ستيفن سبيلبرغ في كتاب صدر عنه :

History and Imagination: the book Steven Spielberg’s America by Frederick Wasser – By: Daniel Garrett

وفي الوقت الحاضر يُعتبر جيروم دي غروت الأستاذ المحاضر في جامعة مانشستر ومؤلف الكتاب المعروف الرواية التاريخية – The Historical Novel الصادر في عام 2009 ? من أشهر النقاد في حقل الرواية التاريخية وتوظيفها لآلية التخيل التاريخي . وقد انتُدب مؤخرا من قبل مجلة التاريخ اليوم – History Today الأمريكية لكتابة مراجعات لمجموعة من الروايات التاريخية  . ومن بين آخر مقالاته هي مقالة التاريخ .. الرواية : نظرة إلى التمثيل التاريخي كتبها بمناسبة الإحتفال بمرور مئتي عام على صدور رواية سير والتر سكوت Waverley التي اعتُبرت أول رواية تاريخية في الأدب الروائي . يرى جيروم أن الرواية التاريخية ذات طيف متشعب حيث تمتد من رواية “أورلاندو” لفرجينيا وولف، ورواية “يوليسيس” لجيمس جويس، و “حرب وسلام” لتولستوي . وهو يرى أن الرواية التاريخية ترتبط حتى بهوياتنا الشخصية والوطنية :

لأن الطرق التي نفكر بها في الماضي ونتمثله ونواجهه لها تأثيرات خطيرة وبعيدة المدى على الطريقة التي نفكر بها في أنفسنا ومجتمعنا وثقافتنا وهوياتنا .. ومن رواية The Luminaries الفائزة بجائزة البوكر عام 2013 إلى فيلم آرغو – Argo الفائز بجائزة الأوسكار عن أفضل فيلم عام 2013 ? يُنظر إلى الروايات التاريخية على أنها وسيلة مسلية خطيرة من التفكير في كيفية عمل الماضي، وكيف لنا أن نتصوره ، و ماذا يعني هذا لحياتنا التي نعيشها الآن .

وفي مقالة لـ “جنيفر لام” وهي مؤلفة الرواية التاريخية التي اشتهرت مؤخرا : The Secret Daughter of the Tsar? عنوانها :التخيل التاريخي : الحقيقة مقابل التأمّل -Historical Imagination: Fact vs. Speculation ? قالت :

أنا أكتب الرواية التاريخية .. مع شيء من الإلتفاف، وهذا يعني أنني أتعامل مع التخيل التاريخي أكثر منه مع التاريخ.. أنا أستخدم الأشخاص التاريخيين كشخصيات روائية ، ولكن الأحداث الفعلية التي تصوّر لا تًطرح كأدلة واقعية.. كم هي درجة تمسّك كاتب الرواية بالحقائق ؟ ما هو مقدار الفسحة التي نتيحها لخيالنا . وبدرجات مختلفة ، كل الكتاب يقومون ببحوث .. لكن في نهاية الأمر ، جزء مهم من الإثارة في الكتابة يكمن في استكشاف عوالم جديدة ، وتعلّم رؤية هذه العوالم من خلال أعين شخصياتنا.

وقد يستغرب السادة القرّاء لأنني أنقل أقوال لمؤرخين ومؤلفين وروائيين ونقّاد بحثوا في مجال التخيّل التاريخي . لكن السبب الذي دفعني إلى ذلك هو توضيح قدم ومعاصرة وشيوع هذا المفهوم من جانب ، وإحالة القارىء إلى حقيقة أنه سيجد ما يشبه هذه الأفكار والأقوال في شكلها أو في روحها في مقدّمة كتاب د. عبد الله ابراهيم : التخيل التاريخي .

وقبل أن أنتقل إلى فقرة أخرى مهمة يهمني أن أشير إلى كتاب صدر حديثاً هو :

Theodore Koditschek. Liberalism, Imperialism, and the Historical Imagination: Nineteenth-Century Visions of a Greater Britain. Cambridge: Cambridge University Press, 2011

وهذا الكتاب يتيح لنا مراجعة مفاهيم اخرى نقلها الدكتور عبد الله ، ولكن في موضع آخر .

نأتي إلى السؤال المهم الآخر الآن وهو : ما الذي قام به الدكتور عبد الله ابراهيم حين تعامل مع هذا المصطلح القديم الجديد كما رأينا ؟ مصطلح يعود إلى بدايات القرن العشرين ، وتم تطويره ، والإشتغال عليه حتى يومنا هذا في عام 2014 كما رأينا في الشواهد التي قدمنا جزءاً يسيرا منها ؟

أوّل خطوة قام بها د. عبد الله هي مصادرة المصطلح والإستيلاء عليه من دون أي إشارة إلى مصادره أو إلى الرتل الطويل والطويل جدا من الناس الباحثين والنقاد والفلاسفة والروائيين الذين أمضوا أعمارهم في الإشتغال على هذا المصطلح ابتكارا وتطويرا . وأنا هنا أؤيّد رأي الكاتب حيدر علي سلامة .

لقد أعلن د. عبد الله بلا تردد أنّه مبتكر مصطلح التخيل التاريخي ومبدعه وخالقه . خذوا هذا التصريح الذي قدّمه في لقاء أجرته معه الصحفية “رشا فاضل” وكان عنوانه صادماً ومثيرا هو :

أرغبُ في تعديل مفهوم نقدي جرى تداوله مئة سنة بدلالة لا تعبّر عن مضمونه !! ص 229 وعلامات التعجّب منّا .

سألته الصحفية رشا فاضل :

نُقل عنك قولك بضرورة إبدال مصطلح “الرواية اتاريخية” ، بمصطلح “التخيّل التاريخي” . هل تريد بهذا الإستبدال إلغاء هويّة الرواية التاريخية أم كسر الحدود بين الأجناس الأدبية ؟

فأجاب د. عبد الله بالقول :

لا أريد بإحلال مصطلح “التخيّل التاريخي” محل مصطلح “الرواية التاريخية” إلغاء هويّة جنس أدبي ، فلا يستطيع ناقد أن يقوم بذلك ، إنما أريد تعديل مفهوم نقدي جرى تداوله مدّة مئة سنة بدلالة لا تعبّر عن مضمونه – ص 230 .

هكذا سطا د. عبد الله على جهد الفيلسوف كولنغود

وباستخدام عبد الله لضمير الأنا بهذه الصورة ، وعدم إحالته إلى أي مصدر أو مرجع سابق ، يصبح مصطلح التخيّل التاريخي – the Historical Imagination ليس من ابتكار الفيلسوف والمؤرّخ روبن جورج كولنغوود كما رأينا – حتى لو كصياغة وسك لفظيين !! – ولا مصطلح اشتغلت عليه عقول عشرات الفلاسفة والمؤرّخين والنقّاد والروائيين عبر مئة سنة ، بل من ابتكار د. عبد الله ابراهيم ، وملكاً خاصاً له .

ويأتي التأكيد المُضاف والصريح في المقدّمة التي وضعها عبد الله لكتابه موضوع مناقشتنا : التخيّل التاريخي الصادر في عام 2014 والذي فاز بسببه بجائزة الشيخ زايد ، فقد كان عنوانها هو : من “الرواية التاريخية” إلى “التخيّل التاريخي” وقال في استهلالها:

آن الأوان لكي يحل مصطلح “التخيّل التاريخي” محل مصطلح “الرواية التاريخية” ، فهذا الإحلال سوف يدفع بالكتابة السردية التاريخية إلى تخطّي مشكلة الأنواع الأدبية ، وحدودها ، ووظائفها ، ، ثم إنّه يفكّك ثنائية الرواية والتاريخ ، ويعيد دمجهما في هوية سردية جديدة ، فلا يرهن نفسه لأي منهما ، كما أنه سوف يحيّد أمر البحث في مقدار خضوع التخيّلات السردية لمبدأ مطابقة المرجعيات التاريخية، فينفتح على كتابة لا تحمل وقائع التأريخ ، ولا تعرّفها ، إنما تبحث في طياتها عن العبر المتناظرة بين الماضي والحاضر ، وعن التمثلات الرمزية فيما بينها ، فضلا عن استيحاء التأمّلات والمصائر والتوترات والإنهيارات القيمية والتطلّعات الكبرى ، فتجعل منها أطراً ناظمة لأحداثها ودلالاتها ، فكل تلك المسارات الكبرى التي يقترحها “التخيّل التاريخي” ، تنقل الكتابة السردية من موقع جرى تقييد حدوده النوعيّة ، إلى تخوم رحبة للكتابة المفتوحة على الماضي والحاضر –  ص 5 .

وسوف تلاحظ هنا تناقضا غريباً لدى عبد الله في غايته من استعارة هذا المصطلح والترويج له . فهو هنا ، ومن العنوان : من “الرواية التاريخية” إلى “التخيّل التاريخي”  الذي تظهر قصديّته واضحة في أن يحل التخيل التاريخي محل الرواية التاريخية ، ومن الإستهلال الصارخ الذي قال فيه : آن الأوان لكي يحلّ مصطلح “التخيل التاريخي” محل مصطلح “الرواية التاريخية” …

يطرح دعوة واضحة لاستبدال مصطلح التخيّل التاريخي بمصطلح الرواية التاريخية . لكنه في لقائه بالصحفية رشا فاضل الذي أشرنا إليه قبل قليل ينكر أن يكون هدفه هذا الإحلال حيث يقول :

لا أريد بإحلال مصطلح “التخيّل التاريخي” محل مصطلح “الرواية التاريخية” إلغاء هويّة جنس أدبي ، فلا يستطيع ناقد أن يقوم بذلك ، إنما أريد تعديل مفهوم نقدي جرى تداوله مدّة مئة سنة بدلالة لا تعبّر عن مضمونه !! علامات الإستفهام منّا .

((الزمان))

http://www.azzaman.com/azzamanmobile/index.php/