شاعرها بودلير يأذن للمبدعين بالانطلاق منها لإبداع أعمالهم الخاصة

الشاعر الفرنسي شارل بودلير (غيتي)

كان لا بد للمجموعة الشعرية “أزهار الشر”، التي أسهمت مساهمة أساسية في صنع مكانة الشاعر الفرنسي شارل بودلير وشهرته، أن تفلت من قيود القضاء ذات يوم، بعد أن كبلتها تلك القيود نحو قرن من الزمان. ومن هنا حين أعاد القضاء الفرنسي النظر بحكمه القاسي على المجموعة أوائل صيف عام 1949، كان الشاعر قد مات منذ زمن طويل، ومع ذلك اعتبر محبوه والذين لم يتوقفوا عن الدفاع عنه طوال عقود، أنه تمكن أخيراً من أن يحقق أكبر انتصار في مساره الشعري، حيث إن القضاء أصدر أخيراً حكمه الذي لن ينساه محبو الشعر بعد ذلك أبداً، حكمه بأن يعاد الاعتبار لمجموعة “أزهار الشر”، التي كان حكم آخر صدر في عام 1857 “قلم أظافرها”، وانتزع منها ستاً من أجمل قصائدها، كما قال النقاد على الدوام.

90 عاماً من الانتظار

كان على “أزهار الشر” إذاً أن تنتظر أكثر من تسعين عاماً، قبل أن تصدر مكتملة، وبأمر واضح من القضاء الفرنسي. وشارل بودلير الذي كان قد رحل عن عالمنا في عام 1867 وهو غير دارٍ أبداً بالمصير الذي سيكتبه التاريخ لمجموعته الشعرية الأساسية كان عليه أن “ينتظر” بعد موته 82 سنة قبل أن يرقد، أخيراً، مطمئناً راضياً. صحيح أنه لا يزال هناك حتى اليوم من يرى في “أزهار الشر” مجموعة من “الشعر الإباحي الذي لا يجوز أن يطلق من عقاله، وأن يقرأ بحرية”، لكن كثيراً من المثقفين ومحبي الشعر ومناصري الحرية رأت غير ذلك تماماً. فقد تمكنت من أن تلغي مفعول حكم قضائي آخر كان قد جعل معظم الطبعات التي صدرت فيها المجموعة طوال ما يقرب من مئة عام، ومعظم الترجمات التي تحققت لها إلى اللغات الأخرى، ومنها بالطبع اللغة العربية التي نقلت إليها أشعار “أزهار الشر” مرات عدة، انطلقت كلها من الطبعة المنقوصة التي كان القضاء الفرنسي قد تدخل لجعلها هي الطبعة المتداولة.

حين تكون الرقابة مفيدة

ومع ذلك، لم يكن على “أزهار الشر” أن تستاء كثيراً من ذلك الحظر الذي طال أمده. فقد كان مفيداً في نهاية الأمر لبودلير بقدر ما كان مسيئاً له، ذلك أن أشعار “أزهار الشر” تمكنت من أن تجد طريقها إلى الانتشار، وغالباً بأشعارها الكاملة “المحظورة”. وهي لئن كانت معروفة بكونها قصائد نخبوية صعبة على الفهم، تمكنت من الوصول إلى الجمهور العريض وعامة القراء تحديداً بفضل “الرقابة” التي أثبتت لتلك المناسبة وكما حالها دائماً أنها “المروج” الأكبر لكل الأعمال الممنوعة. وهكذا، على عكس ما حدث لغير “أزهار الشر” من الأشعار النخبوية الصعبة من انحصار في عوالم الطليعيين والنخبويين حتى حين كانت تتحول إلى أغنيات ينشدها كبار المغنين، بات في إمكان مقاطع من “أزهار الشر” أن تتحول إلى أغنيات شعبية وإلى مسرحيات، وربما أوبريتات، ولاحقاً إلى أعمال سينمائية وتلفزيونية ضامنة النجاح والرواج في كل مرة عبر التذكير بحكاية الحكم القضائي. ويقيناً أن هذا الحراك الاقتباسي حول “أزهار الشر” سيتواصل ويتفاقم بعد تلك اللحظة الانعطافية التي تمثلت في الحكم القضائي الجديد الذي ألغى القديم.

عمل موسيقي كامل الأوصاف

ولعل العمل الموسيقي الأكثر شهرة الذي بني حول بعض أشعار “أزهار الشر” كان ذلك الذي أنجزه الموسيقي الفرنسي هنري دوتويو قبل ثلاثة وأربعين عاماً من رحيله عام 2013 عن سبعة وتسعين عاماً. ففي عام 1970 قدم دوتويو العرض الأول لعمل موسيقي جديد عنوانه “عالم بعيد بأسره” أتى نوعاً من الموسقة الجديدة لبعض قصائد مستقاة من “أزهار الشر”، وبالتحديد من مجموعة من خمس قصائد من تلك المجموعة تحمل على التوالي عناوين “لغز” و”نظرة” و”فجوات” و”مرايا” و”أنشودة”، وتقرأ هذه المقاطع عادة تحت عنوان عام هو “خصلة الشعر”، غير أن ما يتوجب ملاحظته هنا هو أن دوتويو لم يشتغل على الألحان هنا كموسقة تخدم المقاطع الشعرية نفسها، بل اشتغل على الشعر بوصفه مجرد ذريعة لخلق موسيقي يكاد يكون مستقلاً بنفسه، حتى وإن كانت كل حركة من الحركات الخمس التي يتألف منها العمل تنطلق من “همهمة” لسطور من الشعر البودليري. ففي نهاية الأمر نحن لسنا هنا أما أغانٍ كتلك التي غناها ليو فيري من أشعار فرلين أو رامبو أو بودلير نفسه، أو التي غناها جان فيرا من أشعار أراغون، بل أمام عمل موسيقي يحاول أن يتبع أسلوب الموسيقى “اللاتونالية”، المرتبط بتلك الإثني عشرية، كي يربط بين اللغة المنطوقة واللغة المموسقة في بعد واحد ما يجعل الأصوات قارئة الشعر جزءاً من التوزيع الأوركسترالي، وربما على الطريقة التي اتبعها داريوس ميلو حين موسق “كتاب كريستوف كولومب” للشاعر بول كلوديل.

إذاً من وراء القبر من بودلير؟

مهما يكن من أمر حقق العمل منذ تقديمه للمرة الأولى نجاحاً كبيراً، واعتبر من مبدعات الفنون الموسيقية الحديثة. أما دوتويو فقد قال للبودليريين الخالصين الذين انتقدوه أن خير تكريم لمبدع هو الانطلاق من عمله لا تصويره حرفياً؛ مؤكداً أن “بودلير لو كان بيننا لكان أول المعجبين بهذا العمل والموافقين عليه”. ويعيدنا هذا بالطبع إلى الزمن الذي أنجز فيه شارل بودلير هذه المجموعة التي لم يكن يتصور أبداً أنها ستعيش كل ذلك الصخب. ونعرف أن شارل بودلير بدأ يشتغل على مجموعته الشعرية تلك، والتي كانت في الأصل تتألف من خمسة أقسام تضم مئة قصيدة، معتبراً أن تلك القصائد إنما تلخص شعره كله، وأنها إذا صدرت مجتمعة على النحو الذي يرتئيه، لن يكون في حاجة لأن ينشر أي أشعار أخرى. وبالفعل، اكتملت المجموعة بعد عمل وجهد داما خمسة عشر عاماً. وصدرت في طبعة أولى يوم 25 يونيو (حزيران) 1857، عند الناشرين “بوليه – مالاسي” و”برواز”.

المقال القاتل

ولكن، إذ نشر في صحيفة “الفيغارو”، وبعد ثلاثة أسابيع فقط من صدور “أزهار الشر” مقال عنيف ضدها يتهمها بالإباحية حمل توقيع شخص شبه مجهول يدعى غوستاف بوردين، انتقلت “أزهار الشر” من حالتها كمجموعة شعرية إلى قضية عامة كما قلنا في مناسبة سابقة، إذ إن المقال سرعان ما فعل فعله، وفي الوقت الذي كان فيه مئات، وربما آلاف القراء يتدافعون لشراء المجموعة في طبعتها تلك وقراءتها، بحيث أصبح بودلير بين ليلة وضحاها أشهر شاعر في فرنسا، في ذلك الوقت كان القضاء قد أمسك بالقضية وأمر بمصادرة النسخ الباقية من “الأزهار” الشريرة في المكتبات، ثم بعد مداولات صدر الحكم: يعاد نشر المجموعة بشرط أن يمحو الشاعر منها ست قصائد هي الأكثر إباحية ولا أخلاقية في المجموعة. وإضافة إلى ذلك، فرضت على الشاعر وناشريه عقوبات مالية ضخمة. ومــــنذ ذلك الحين أضحت “أزهار الشر” مجموعة شعرية ملعونة، لكنها حتى بعد أن اقتطعت منها القصائد المدانة، عاشت حياتها، لا سيما بعد أن صدرت طبعة أخرى، وذلك في العام التالي لموت شارل بودلير تحت إشراف ثيوفيل غوتييه الكاتب الذي كان بودلير أهدى إليه المجموعة الأصلية، سميت “الطبعة النهائية”، إذ أضيفت إليها خمس وعشرون قصيدة أخرى سبق أن طبعت سراً في بروكسل.

حرية المبدعين بعد كلمة النهاية

لكن المهم في هذا كله هو أن الحكم القضائي الجديد أواسط القرن العشرين لم يغير الكثير في حياة المجموعة، إذ خلال الفترة التي فصلت بين الحكمين، وقاربت القرن من الزمن، لم يقبل القراء وحدهم على المجموعة الشعرية، بل دنا منها كثر من مبدعين متنوعين وفي المجالات الفنية كافة، يستلهمونها رسوماً وألحانا ومشاهد، يقودهم في هذا قول نسب إلى شارل بودلير يفيد بأن كل المبدعين، بل كل القراء، أحرار، يمكنهم أن يعيدوا “الاشتغال” على أي عمل إبداعي لأي فنان على هواهم، منذ اللحظة التي يضع فيها هذا الأخير كلمة “النهاية” على آخر صفحة يخطها. فـ”العمل الفني في خير طالما أن نسخته الأصلية في خير تماماً أن المجتمع أو عيني الحبيبة أو المشهد الطبيعي لن يفقده شيئاً من روعته إن جاء مبدع ما وصوره كما يراه أو يخيل إليه أنه يراه”. وواضح أن هنري دوتويو اشتغل على أشعار “أزهار الشر” من هذا المنطلق ليحقق عملاً خاصاً على الرغم من انطلاقه من شعر بودلير.

https://www.independentarabia.com/node