زيارة ريفية تبدّل حياة بأسرها وتكشف روعة إبداع الطبيعة

رينيه شار في ريفه (غيتي)

في التحديثات الأخيرة للوائح الكتب التي تحمل توقيع الكاتب الفرنسي ألبير كامو، كتاب من خصائصه أن طبعته المتداولة الأولى لم تصدر إلا في عام 2009 أي بعد أكثر من ثلث قرن مر على رحيل “مؤلفه” في حادث سير، ولكن من خصائصه أيضاً أنه يحمل توقيع كامو، وكان يجدر به أن يُحتسب في عداد كتب الشاعر رينيه شار. فحتى إن كان الكتاب في الشكل الأول الذي ظهر به في طبعة بالغة الأناقة وبالغة الخصوصية للمرة الأولى في عام 1965 أي مباشرة بعد مقتل كامو، قد أقر لصاحب “الطاعون” و”الغريب” بأن لقلمه دوراً أساسياً في وجوده، لا بد من الإشارة هنا إلى أن الدور الأساس في وجود “ذرية الشمس” هو ذاك الذي لعبه شار، ولكن إنطلاقاً من تلك الصداقة العميقة التي جمعته بكامو ذات يوم. صداقة كان من أجمل تجلياتها اكتشاف كامو للريف الفرنسي الرائع في منطقة الفوكلوز التي ولد شار وعاش فيها وكتب عنها وفي أحضانها أجمل أشعاره ومعظم نصوصه غير الشعرية.

كتاب الصداقة

والحقيقة أن ما نعنيه هنا هو أن “ذرية الشمس” أتى من رحم الصداقة بين الأديبين، ناهيك بكونه أتى من رحم اكتشاف كامو، المديني وصاحب الباع في الكتابة السياسية والاجتماعية، للطبيعة، وذلك بفضل، ومع، شار الذي كان ابن الريف والطبيعة بالتأكيد. ومن هنا، حتى لو حمل “ذرية الشمس” توقيع كامو وشار معاً في معظم طبعاته، وأحياناً توقيع كامو وحده، لا بد من أن ندرك دائماً أن جوهره ينتمي إلى شار، شكلاً شاعرياً لم يكن من مميزات أسلوب كامو، وارتباطاً بالطبيعة لم يكن لكامو عهد به، وحتى انطلاقاً من غاية رفاقية لم تكن لتهم صاحب “أسطورة سيزيف” بشيء. كل ما في “ذرية الشمس” يعود إذاً إلى رينيه شار. وتقول لنا الحكاية الحقيقية للكتاب إن شار ومباشرة بعد تحرير فرنسا، وكان هو من المقاومين في حربها ضد الألمان، دعا صاحبه كامو الذي كان التقاه خلال الحرب، إلى زيارته في منطقته الريفية الرائعة، وهناك انطلاقاً من استضافته في بيته الريفي الجميل في ليل – سور- لاسورغ، رافقه في جولات شملت العديد من أجمل مناطق إقليم ليبرون الذي لفرط إعجاب كامو به قرر أن يشتري بيتاً يقيم فيه هناك.

“ترييف” ألبير كامو

وهكذا من تلك الرفقة وذلك الإعجاب ولدت تلك النصوص الريفية وحتى الرعوية البديعة التي كانت غريبة عن كامو، لكنه استطاب كتابة بعضها ومشاركة شار في بعضها الآخر، ما أسفر في النهاية عن نحو 80 صفحة شديدة الخصوصية، نشرت للمرة الأولى في كتاب كبير الحجم (42 ×34 سم) مع صور فوتوغرافية للمنطقة ولوحات تشكيلية من بينها، مثلاً لوحة “انطباع شمس مشرقة” لكلود مونيه. وهكذا صدر الكتاب بنصوصه ولوحاته للمرة الأولى عام 1965 أما المرة التالية فكانت عام 2009 حين أرفقت بمعرض أقيم عام 2010 في منزل رينيه شار الريفي… لكن الطبعة نسبت هذه المرة إلى كامو فيما الحق بالكتاب مقدمة حملت توقيع شار يحكي فيها حكاية الكتاب… ولعل في توقفنا عند بعض سيرة شار ومراجعتنا لنصوص “ذرية الشمس” ما يعيد الحق إلى صاحبه.

شعر وحرب وطبيعة فاتنة

تعيدنا سيرة شار إلى حرب مقاومة النازيين حين كانت مندلعة الأوار في مناطق ريف الجنوب الفرنسي، وأصوات الرصاص مندلعة هنا وهناك، والألمان يبحثون في التلال والأدغال وبين البيوت عن المقاومين، فيما هؤلاء، يتراكضون مختفين، محاربين سعداء بما يقدمون بين زوايا أماكن يعرفونها جيداً، ووسط شعب ينتمون إليه ويبدو قادراً على حمايتهم، معبراً بطرق أو بأخرى عن عدائه للمحتلين. وسط ذلك كله، كان ثمة شاعر قابع في زاوية من الزوايا، سلاحه مرمي إلى جانبه وعيناه تتأملان الشجر الأخضر والماء النابع من أعماق الأرض والسماء المرصعة بالنجوم، وأمامه الورق والقلم في يده، يخط يوميات شعرية وقصائد مختصرة، مليئة بالأفكار وبالعداء للحرب وبوصف الطبيعة. وهو، إلى ذلك كله، غير آبه كثيراً بما يحدث من حوله، لأنه يعرف كما يعرف كل شاعر أن الحرب سوف تنتهي لا محالة، وأن الكثيرين من الذين يخوضونها سوف يموتون لا محالة، بينما ستبقى خالدة الكلمات، مهما كانت سريعة ومختصرة، لأن الكلمات كانت في البدء وسوف تكون في النهاية. هذا الشاعر كان من حظه، على الرغم من المخاطر وتنقله بين المناطق مقاوماً، أنه لم يمت خلال تلك الحرب التي خاضها وهو يقترب من الأربعين من عمره، والتي سيعيش بعدها أربعين عاماً أخرى، ستشهد، بشكل خاص، ظهور تلك القصائد والأفكار والعبارات التي صاغها قلمه وسط ضجيج العراك. كان الشاعر هو نفسه رينيه شار، الذي سيعيش حتى عام 1988، ليكون بذلك واحداً من أطول الشعراء عمراً بين أبناء جيله، وإن كان قد عرف على الدوام بأنه من أكثرهم زهداً في الشهرة ورغبة بالنشر والاهتمام بأن يتداول الآخرون شعره.

من السوريالية إلى الطبيعة

ولد رينيه شار عام 1907 في تلك القرية الصغيرة في الريف الفرنسي الواقعة وسط مشهد طبيعي في غاية الجمال، عرف دائماً بأن الشاعر بترارك قد عاش فيه بعضاً من عمره. كان المكان من الجمال والدعة بحيث أن رينيه شار ظل وفياً له إلى الأبد، لا يريد أن يبرحه، وعاش فيه طوال عمره باستثناء فترات قصيرة قام خلالها ببعض الأسفار، أو أقام في باريس. باكراً اكتشف رينيه شار الحركة السوريالية ورأى أن بإمكانه أن يكيفها، وهي الحركة ذات الصبغة المدينية في الأصل، مع طابعه الريفي، وهكذا راح يكتب أشعاراً قصيرة سوريالية على الرغم من انطباعها “بخضرة الشجر ولون المياه العذبة ورائحة الزهور”، بحسب تعبيره هو نفسه. في تلك المرحلة الأولى من حياته الشعرية، كتب شار قصائد جمعها في مجموعة حملت عنوان “مطرقة السيد” وصدرت في عام 1934، وهو قبلها كان قد تشارك مع بول اليوار وأندريه بريتون في كتابة نصوص مشتركة حملت عنوان “إبطاء! إشغال”(1930). صحيح أن شار عاد بعد ذلك وتخلى عن السوريالية، لكن بعض ملامح أسلوبه السوريالي ظل مائلاً لديه على الدوام، وعلى الأقل في مجال الشكل إن لم يكن في مجال المضمون، حتى وإن كان من المعروف أنه لم ينشر إلا القليل بين أواسط سنوات الثلاثين والأعوام الأولى التي تلت الحرب العالمية الثانية. وكان أول ما نشره بعد الحرب كتاب “شمس المياه” (1946) الذي أتبعه بكتب عدة، بدأت حقاً تلفت إليه الأنظار خلال السنوات التالية، ومنها “غضب وغموض” (1948)، “إلى هدوء متوتر” (1951)، “رسالة مغرمة” (1953) “المكتبة تحترق” (1956).

مواقف سياسية موسمية

معظم هذه الكتب جاء يضم أشعاراً ذات طابع شكلي يغلب عليها، لكنها لم تخل من إشارات واضحة إلى التزام سياسي كان الشاعر قد بدأ يعبر عنه، أولاً، في نصوص كتبها حيث خاض تجربة الحرب الأهلية الإسبانية لفترة وجيزة، وذلك قبل أن يخوض حرب الأنصار في فرنسا ضد النازيين. غير أن ذلك الالتزام لم يمنعه في عام 1959 من أن يكتب أول نص يكتبه شاعر ليعارض فيه، الرحلة التي قام بها إلى الفضاء أول رائد فضاء سوفياتي (غاغارين)، إذا كان شار يرى أن عظمة الإنسان تكمن في احتكاكه بأرضه وتربته ليس أكثر. وهو موقف معاد للتكنولوجيا وللحرب أيضاً عبّر عنه لاحقاً في عام 1964، حين كتب يعارض نصب الصواريخ الفرنسية في مناطق الجنوب الريفي، التي كانت قبل ذلك مثالاً حياً على توحد الإنسان بالطبيعة.

شعر الاختصار

وعلى الرغم من ذلك كله، ظل شار شاعراً استثنائياً يعيش لشعره لا غير. ومن هنا كان حذر النقاد الشديد في التعامل معه وفي تصنيفه، هو الذي اعتبروه شاعر الاختصار والجمل السريعة، شاعر الموقف الملتبس والطبيعة، والأفكار المتناقضة في الآن عينه. وهذا التناقض لم يمنع الموسيقي بيار بوليز من أن يحوّل نصوص “مطرقة من دون سيد” إلى عمل غنائي موسيقي استثنائي في 1954. وحين رحل رينيه شار عن عالمنا، لم يفت الصحافة الفرنسية أن تشير إلى أن فرنسا فقدت برحيله واحداً من آخر شعرائها الكبار.

https://www.independentarabia.com/node/