معركة بين العلم والفن في بدايات القرن العشرين

أبولينير وبيكاسو وماري لورنسين بريشتها (مواقع التواصل)

قد لا يكون كتاب “الشاعر القتيل” لغيّوم أبولينير واحداً من أقوى كتب هذا الشاعر الذي على الرغم من وفاته شاباً، يُعتبر من مؤسسي الحداثة الشعرية في القرن العشرين، وفي فرنسا تحديداً مع أنّ أصوله بولندية. ولكن من المؤكد أن اثنين من مؤسّسي السوريالية، الشاعر أراغون والكاتب فيليب سوبو، كانا يعرفان جيداً ماذا يفعلان حين قدما هذا النص في طبعة جديدة عام 1927، بعد تسع سنوات من موت كاتبه، كإعلان منهما عن ولادة ما، للكتابة ما بعد – الرمزية، وعن ولادةٍ ما للكتابة السوريالية. وكان ذلك مصيراً للكتاب لم يحلم به أبولينير حين كتبه ونشره للمرة الأولى عام 1916، على شكل مجموعة قصصية لها على أي حال من الوحدة ما يجعل مقبولاً عودة كل شخصيات المقطوعات المتلاحقة لتجتمع معاً في ملحق للقصة الأخيرة التي تحمل عنوان المجموعة “الشاعر القتيل” وهو الأمر الذي جعل النص في مجمله يبدو غريباً ومحيّراً حتى، بما أن القارئ لن يكون قد توقّع مثل تلك العودة من خلال حكاية الشاعر المدعوّ “كرونلامنتال”، الذي لم يكن على القارئ سوى أن يخطو خطوة واحدة ليجده أشبه بمرآة لأبولينير نفسه. في هذا السياق، لم يكونوا بعيدين من الصواب أولئك الذين رأوا في النص نوعاً من سيرة ذاتية لأبولينير نفسه. وفي ذكريات الشاعر المتخيّل والآراء التي يعبر عنها، ما يقود مباشرةً إلى الشاعر الحقيقي وحكايات حياته.

حكاية شاعر

من الواضح أن إمكانية التقريب بين “الشاعرين” هي التي أغرت السورياليين بتبني الكتاب، معتبرينه الحدّ الفاصل بين الرمزية المحتضرة والسوريالية الوليدة. يفيدنا النص بأن “كرونلامنتال” وُلد طفلاً غير شرعي لعلاقة بين موسيقي متجول وامرأة فاسدة انتهازية. بيد أنّ هذه الأخيرة وبعد أن تعيش تقلبات تُروى لنا، تتمكن من الحصول على زوج سيقبل بتبني وليدها الذي ما إن تضعه حتى ترحل عن عالمنا، تاركةً الطفل في عهدة الزوج. يكبر الطفل مبرهناً عن مواهب كبيرة وذكاء خارق ويغرم بمراهقة تبادله الحب… ومن خلال ذلك الحب، يتعزّز اكتشافه لكون ذكائه قد قاده إلى الشعر الذي يعتبره أسمى وسائل التعبير عن أعمق ما في جوهر الكون. وهو لكي يعزّز توجهاته هذه يقرر أن الوقت قد حان ليقوم بجولة تقوده إلى بلدان أوروبية عدّة، سيعود منها عمّا قريب ليتوقف في مرسيليا في الجنوب الفرنسي. وهناك، أمام دهشته بل غضبه حتى، يرى الجماهير صاخبةً زاعقةً تحتفل بعالمٍ معتبرةً إياه نجمها الجديد، مستغنيةً بالعلم عن كل ما يمكن لأفكار وأعمال الأذكياء أن تنتجه. هنا، يجد شاعرنا نفسه في وضع يحتّم عليه الدفاع عن ذاته ومواهبه وعمّا تبقّى من قيم يمثلها الشعراء في هذا الوجود. فالشاعر يعرف أنه منذ بداياته كان منذوراً للموت في سبيل مثله العليا. ها هي الفرصة باتت سانحة لوضع نذره موضع التطبيق. بالتالي، سيموت بالفعل في معركته مع العالم، وبالتالي مع الجماهير المتحمسة. وتنتهي تلك المعركة بأن يتكالب البؤساء على تمزيقه، مناصرةً منهم لوثنهم الجديد، وتحديداً في وقت تموت فيه حبيبته كذلك بصورة مباغتة من دون أن يبدو أن ذلك الموت يحزنها. ولكن، وكما سيقول جان كوكتو بعد حين، من البديهي أن الشعراء لا يموتون. وهكذا يُستعاد شاعرنا من قلب موته، وعلى الأقل من طريق ضروب التكريم التي تُخَصّ بها عبقريته والخطب التي تثني عليه، وذلك بالتحديد لأنّ العالم الذي قتل شعراءه محوّلاً إياهم إلى شهداء، يعرف كذلك كيف يكرمهم، وإن بعد موتهم…

كثير من الأمور لسنوات قليلة

لم يعش غيّوم أبولينير نفسه سوى 38 سنة. ومع ذلك، عرف «الطفل النابغة» وفق تعبير ماري لورنسين، و«ذلك الملك غير المتوَّج للثقافة والنقد الفني»، حسب تعبير بابلو بيكاسو، كيف يُحدث رجّة عميقة في دوائر الفن والأدب في فرنسا. ربما لا يكون أبولينير بالنسبة إلى الشرطة الفرنسية سوى فرنسي من أصل أجنبي اتُهم ذات يوم بمحاولة سرقة لوحة الموناليزا، وربما لم يكن بالنسبة إلى المهاجرين الروس سوى العشيق المفترض لسيدة روسية الأصل والأب غير الشرعي لابنتها إليزابيث ايرهاردت، التي ستصبح عاشقة الصحراء وتموت في الجزائر لاحقاً، وربما لم يكن بالنسبة إلى المجتمع المخملي الفرنسي سوى مغامر آفاق ذي شخصية غريبة ساحرة، لكنّ أبولينير، بالنسبة إلى عالم الفن والأدب هو أكثر من هذا بكثير: إنه المؤسس الحقيقي للحداثة الشعرية، والمساند الأول للحداثة الفنية. فلئن كان الهواة اكتشفوا عند بدايات هذا القرن، لوحات بيكاسو وبراك وخوان غري فاندهشوا بها، فإنّ جزءًا أساسياً من الفضل في هذا يعود إلى أبولينير الذي لعب دوره كناقد فني، بشكل كامل وأسهم بذلك في خلق تيار بأسره. أما السورياليون، فإنهم بعد رحيل أبولينير بسنوات، سيظلون يعتبرونه الأب الشرعي لهم.

مهما يكن، فإن أبولينير كان ابن عصره. وكان من أوائل الذين اكتشفوا أن العصر الجديد هو عصر السيارة والتكنولوجيا والسينما والراديو، فكانت دعوته إلى أن تبذل الكتابة والفن، كل ما في وسعهما من جهود لمواكبة هذا العصر ومستجداته.

مفاجآت القرن العشرين

وُلد أبولينير عام 1880 وتلقّى دراسة عادية، واتجه أوّل ما اتجه إلى كتابة الشعر، متأثراً بغلاة رمزيّي نهاية القرن التاسع عشر من أمثال فرلين وريمبو ومالارميه، وكان من شأنه أن يصبح على غرارهم شاعراً رمزياً مطعِّماً رمزيته بشيء من الرومانسية، لولا أنّ بداية القرن العشرين فاجأته بجديدها. ولولا أنه اكتشف ابتداءً من عام 1903، تلك الحلقة الفنية المؤلفة من رسامين، معظمهم أجانب مقيمون في فرنسا، كانوا في طريقهم لأن يصبحوا طليعة الحياة الفنية الفرنسية. وإذ جاء، تعرّف أبولينير على هؤلاء، وفي مقدمتهم بيكاسو وبراك، بموازاة ارتباطه بالكاتب المسرحي العبثي ألفريد جاري (صاحب «أوبو ملكاً»)، انقلبت حياة صاحبنا بأسرها، وأدرك أن الرمزية انتهت، وكذلك انتهى الفصل بين الفن والكتابة. فالرسم الجديد، التكعيبي خصوصاً، هو شعر أيضاً وشعر مميز. ومن هنا، تمازجت لديه ضروب الإبداع تلك وبدأ يكتب النقد ويتابع الحياة الفنية الجديدة بالنقد والتحليل. وفي الوقت ذاته، راح يمارس ويدعو إلى، نوع من الشعر والكتابة التكعيبيَّيْن، وفيهما تتجاور الأفكار والتعابير في دعوة إلى القارئ لكي يقيم توليفاً يشارك عبره الشاعر (والكاتب) إبداعه. بالنسبة إلى أبولينير، كانت تلك هي لغة العصور الجديدة. ومن هنا، ما يُقال دائماً عن أنّ هذا الكاتب والشاعر والمغامر الآفاق قد رجّ الحياة الثقافية بأفكاره الراديكالية حول «دور الأدب» وحول تفوّق الحقيقة على الجمال. بالنسبة إليه – وعلى عكس الرمزيين، معلّميه القدامى، لا معنى للفن إن لم يكن حقيقياً. وهذا الشعار هو الذي جعل كثراً يعتبرونه على الرغم من صغر سنه، الوالد الشرعي للجماليات الجديدة، تلك الجماليات التي راحت – على لسان أبولينير – تطالب الشعر بأن يسبر أغوار سمات الحياة والحقيقة كافة، ويعبّر عنها بلغة معاصرة، حديثة ومفهومة. كان أبولينير مؤمناً بأن على الشعر أن يستغلّ الأفكار الجديدة لكي يتماشى مع العالم الحديث. والعالم الحديث كان بالنسبة إليه عالماً تواكب فيه الفنون الآداب بل العلم حتى. وكان يرى خصوصاً أن فن السينما الذي يجمع الفنون كافة، سيكون له شأن كبير مع مرور الزمن.

عُرف غيّوم أبولينير كشاعر وكاتب قصص وكاتب مسرحيات أيضاً (واحدة من مسرحياته وعنوانها «حلمات ترزياس» لا تزال تُعتبر حتى الآن أول مسرحية سوريالية)، لكنه إضافةً الى ذلك كله، كتب ايضاً مئات المقالات النقدية وفي الفنون، ولا سيما في الفن التشكيلي إذ تدين له الحياة الثقافية، حتى اليوم، بأفضل ما كُتب عن التكعيبيّين. وإضافةً إلى ذلك، ترجم أبولينير أيضاً، نصوصاً عدّة وكتب مقدمات كتب. كان يكتب كثيراً وبكثافة وسهولة، وفي كل مكان، بما في ذلك خنادق الحرب العالمية الأولى التي خاضها مجنَّداً وأُصيب خلالها بجرح في رأسه، ما إن شُفي منه حتى أصابته إنفلوانزا إسبانية عنيفة، سرعان ما قضت عليه في نوفمبر (تشرين الثاني) 1918.