على مشارف مئويته العابقة بالفكر والنضال الإنساني

إدغار موران على مشارف المئوية (موقع غيتي)

بعد أيام قليلة يحتفل المفكر الفرنسي إدغار موران بالذكرى المئوية الأولى لمولده، فهو ولد أوائل شهر يوليو (تموز) عام 1921.

ومن المدهش أنه لا يزال حتى اليوم في أوج نشاطه وصلابة فكره وعنف معاركه الفكرية، ولا يزال إنتاجه الكتابي حافلاً بالأفكار التجديدية لم يضاهه في هذا سوى مواطنه وزميله كلود ليفي ستروس، الذي حين رحل قبل عقد من الزمن تقريباً كان هو الآخر على مشارف انتهاء مئويته الأولى.

والحال أن موران كثيراً ما يقارن بليفي ستروس بالنسبة إلى عديد من الأمور التي تجمع بينهما، ولو ضمن أطر علمية متباعدة بعض الشيء. فلئن كان ستروس قد برز في الأنثروبولوجيا التي كرس لها حياته وألوف الصفحات، فإن موران يبرع في الفكر المعرفي، ولكن ضمن اتجاهات عديدة تشمل الإبستمولوجيا ونظرية المعرفة والسينما وعلم الاجتماع، ناهيك بخوضه المعارك الفكرية وحتى الصراعات السياسية التي حدث أن أوصلته إلى المحاكم في بعض الأحيان، ولا سيما حين كان يجابه المتطرفين اليهود والصهاينة في فرنسا نفسها كما في إسرائيل.

ولعل الحالة الأشهر في هذا السياق يوم وقع مع الكاتب الجزائري الأصل سامي ناير والكاتبة دانييل سالناف بياناً نشرته صحيفة “لوموند” صيف 2002 ضد الحكومة الإسرائيلية اعتبرته المنظمات الصهيونية “معادياً للسامية” وقد أغاظها توقيع موران أكثر من توقيع أي شخص آخر لكونه يهودياً… يومها ربح موران معركته.

ثلث قرن من أجل فكرة

لكن موران يبدي السرور الأكبر حين يربح معاركه الفكرية، وهو الذي لم يتوقف عن التفكير والكتابة يوماً. ولئن كانت كتبه تقرأ وتترجم على نطاق واسع عادة فإن عمله الأكبر يبقى كتابه الضخم ذو الأجزاء الستة والمعنون “المنهج”.

وهو الكتاب الذي أصدره هذا المفكر بين عامي 1977 و2004، أي على مدى ثلث قرن وهو يصر دائماً على أن الأجزاء الستة يمكن أن تقرأ متفرقة ومن دون أي ترتيب زمني، فأجزاء الكتاب “ليست في نهاية الأمر حلقات كتابية متتابعة، بل كتب متفرقة ربما تتجه نحو هدف معرفي واحد، ولكن ليس في سياق تتابعي”، كما يحرص دائماً على أن يقول. وفي هذه الكتب الستة، يحاول موران الذي كان قد تجاوز الخمسين حين بدأ تنفيذ المشروع وتجاوز الثمانين حين أنجزه، تلخيص تجربته الفكرية المتعددة السمات مع أنها تدور جميعاً من حول تلك الفكرة التي يلخصها العنوان العام للمجموعة “المنهج”.

ومن الواضح أن موران يستقي هذا “التلخيص” من عمله الأساسي كعالم اجتماع هو الذي يعتبر دائماً أن علم الاجتماع صنف فكري يتضمن في ثناياه كل الأصناف الفكرية الأخرى. ومن هنا نراه يكرس الجزء الأول لما يسميه “طبيعة الطبيعة”، والثاني لـ”حياة الحياة”، فالثالث لـ”معرفة المعرفة” فيما يعنون الجزء الرابع بـ”الأفكار” ليعود إلى الفكرة الأولى فيقدم لنا في الجزء الخامس ما يعتبره “إنسانية الإنسانية”، خاتماً في الجزء السادس والأخير بما يبدو واضحاً أنه المآل الطبيعي لفكره كله أي “الأخلاق”.

وهنا ليس من الصدفة أن يستعير موران في هذا العنوان الأخير عنوان واحد من الكتب الأساسية للفيلسوف سبينوزا الذي ليس ثمة شك في أنه يعتبره واحداً من أساتذته الكبار من دون أن يقول ذلك بوضوح.

على خطى سبينوزا

والحال أن ثمة كثيراً من الأمور تجمع موران بفيلسوف التمرد والطبيعة في القرن السابع عشر، بل حتى يمكن المقاربة بين مسعى موران “المنهجي” في هذه الموسوعة، والمسعى المنهجي، الراد على ديكارت بشكل ما، لدى سبينوزا.

ولئن كان موران يسمي مجموعته هذه “موسوعة منهجية فكرية”، فإنه ينبهنا بأسلوب يكاد يكون مستعاراً من سبينوزا، إلى أن الوقت قد حان لنسف الدلالة القديمة لكلمة موسوعة والعودة بالمصطلح إلى معناه الأساسي كمحتوى للمعرفة دائري الأسلوب لا ألفبائية. ومهما يكن من أمر لا شك أن المسعى الرئيس الذي اشتغل عليه موران هنا هو اشتغاله على ما سماه دائماً “الفكر المركب”.

مناسبتان عربيتان

وفي نهاية المطاف قد يجوز اعتبار إدغار موران ومنذ إصداره كتبه الأولى عند بدايات النصف الثاني من القرن العشرين، واحداً من كبار المفكرين الفرنسيين، وربما أحد الأخيرين بين أبناء الجيل الذي صنع للفكر الفرنسي مكانته خلال العقود الأخيرة.

وموران ضمن إطار فكره المركب الذي أتاح لنا يوماً أن نلتقي به في عمل سينمائي مشترك في طنجة المغربية من ناحية وفي ترجمتنا لكتابه “نجوم السينما” من ناحية ثانية، برز لنا حين التقينا به، في المناسبتين العربيتين اللتين نشير اليهما بصفته معنياً بالسينما – في وجه خاص – فإنه من المعروف أن الفن السابع لا يشكل سوى جزء يسير من اهتماماته الفكرية التي تشمل قضية الإعلام والفلسفة والبيئة وعلم الاجتماع وصولاً إلى السياسة التي يخوضها من منطلق فكري وإنساني، ولا سيما حين يتعلق الأمر بالقضية الفلسطينية.

وفي هذا المجال لا يمكن إلا أن نذكر هنا الكثير من البيانات والمواقف التي عبر فيها عن موقف شديد التأييد للفلسطينيين في “أن تكون لهم دولتهم وكيانهم”، و”يتوقف الظلم الواقع عليهم”.

وفي هذا الإطار، شكل مرجعاً دائماً وأساسياً ذلك المقال المشترك الذي كتبه ووقعه قبل سنوات مع المفكر الجزائري الفرنسي سامي ناير ودانييل سالنوف. وهو مقال أثار في حينه حفيظة كثير من الكتاب والمفكرين اليمينيين الإسرائيليين وزملائهم من الصهاينة الفرنسيين من الذين “أدهشهم” يومها ذلك الموقف “المعادي لإسرائيل” يصدر عن كاتب يهودي الأصل. يومها أمام ذلك الهجوم المتعدد الذي شن عليه، اكتفى موران بالابتسام قائلاً “ولكنني بوذي منذ زمن طويل، ولم أعد يهودياً!”

… وفي رحاب الفن السابع

خلال مساره العلمي والفكري الطويل – أكثر من ثلثي قرن من الزمن حتى الآن – وضع إدغار موران نحو 50 كتاباً في مختلف أنواع الفكر… ومعظم هذه الكتب جاء تحت ظل فكرة “المنهج” التي لا تبارح وجدانه وفكره.

وهي فكرة ترتبط لديه بعلم الاجتماع، لكنه يتجول بها في كل ما يكتب ويفكر حيث إنه يعتبر نفسه مفكراً تحليلياً منهجياً وعقلانياً أولاً وأخيراً. وفي المجال الذي جمعنا معه ذات يوم قبل عشر سنوات، أي مجال السينما، نجد المنهج نفسه يسود في كتابيه الأساسيين اللذين كرسهما للفن السابع: كتاب “النجوم”، ثم وفي شكل خاص كتاب “السينما أو الإنسان المتخيل” الذي كان مساهمته الأولى في فرع من الفلسفة بات يعرف الآن بفلسفة السينما… والحال أن موران – وحتى قبل أن تصبح فلسفة السينما  – أو فلسفة الفيلم كما يفضل الأنغلوساكسون الذين صاروا خلال الربع الأخير من القرن العشرين سادة في هذا المجال الدراسي – علماً معترفاً به، كان من أوائل الذين ساهموا برفع مستوى دراسة الفيلم، فكرياً واجتماعياً، إلى أعلى مستوى من مستويات العلوم الإنسانية باحثاً عما هو خلف الصورة – في “السينما أو الإنسان المتخيل” – وعما هو خلف النجوم وأسطرتهم من جانب المعجبين – في “النجوم” الذي صدر في العربية بعنوان “نجوم السينما” كي لا يخلط القراء بين موضوع دراسته الذي هو نجوم السينما وعلوم الفلك والتنجيم!

ضمن إطار الفكر المركب
غير أن اسهامات إدغار موران السينمائية، والتي تأتي ضمن سياق “فكره المركب”، لا تتوقف عند هذا الحد. فهذا المفكر متعدد الاهتمامات، والذي افتتح النشاطات العملية لدورة مهرجان طنجة المذكور، والذي تشاركنا عضوية لجنة التحكيم فيه، بمحاضرة عنوانها “في السينما” شارك المخرج الفرنسي التسجيلي الراحل جان روش في عام 1961 تحقيق الفيلم الشهير “مدونات صيف” الذي فاز العام نفسه بجائزة النقاد الكبرى في مهرجان “كان”.

كما أن في مساره الإبداعي مساهمات وظهوراً في نصف دزينة أخرى من أفلام سينمائية وتلفزيونية بعضها فكري، فيما يتناول بعضها الآخر مساره الحياتي الذي بدأ عام 1921 حين ولد في سالونيك اليونانية آخر العهد العثماني تحت اسم ناعوم لأب يهودي شرقي سيضع عنه الابن واحداً من أجمل كتبه بعد ذلك بأكثر من 70 سنة.

https://www.independentarabia.com/node/