الشاعر والباحث خزعل الماجدي

يكتب مقدمة الكتاب السادس من موسوعة بريد السماء الافتراضي

(( شعراءُ السُّمُوّ والضَّلال والخُلُود ))

بَريدُ البَرْق

 

يستبطنُ المؤلف شخصيات الماضي الأدبية والفكرية والفنية ، ويحاولُ أن يقول  معها شيئاً  جديداُ مبتكراً ، إنه فنّ تركيب أجنحة وألسنةٍ جديدة لشخصيات نعرفها .. لكننا نندهشُ بها من جديد حين نقرأ بريدها السماوي المفترض.

أسعد الجبوري يحاور نفسه ، من خلال الآخرين ، يستعملهم كعمود رياضة الزانة ليحلّق بآرائه من خلالهم .. فهي إذن حواراته هو من خلال كرته السحرية التي لها آلاف الوجوه  والعيون والأفواه .

إنه كمن يقرأ نفسه من خلال عدساتهم . بل يغريهم بالبوح حين يخترع لهم مركبات سماوية و بخارية ، ويدخل على طريق رحلاتهم وخلواتهم البعيدة .

كانت سيرهم ونصوصهم معادة الإنتاج بطريقةٍ خاصة تليق ببريد سماءٍ لا حدود لها .. وكان ذلك يعني سبر الهاوية التي كان يطلّ عليها هؤلاء .

كان يسأل عن طفولتهم وأحزانهم وكان يصنع لهم مراكبَ وخيولاً ويمنحهم تذاكر سفر لما وراء الطبيعة ، وبقدر ما كانت أسئلته لهم ذكيةً وعامرة بالفخاخ لكنه كان يخرج لنا بصور جديدة لم نألفها عنهم ، وهذه هي اصالة الإبتكار في بريد السماء هذا .

البقع التي أحدثها أسعد الجبوري في سيرة وأرواح هؤلاء العظام كانت ضرورة ريشة رسّام يصنع بورتريهات جديدة تخرج من زمنها وتعيد صياغتهم ، وكان اكتشاف القارات الدفينة لهم والمجرات الباطنية أمراً لابد منه ، وكما أن الشعر لا يحتاج إلاً الى الجنون كما يقول فرناندو بيسوا فإن أسعد يراه نافعاً في الحوار أيضاً ، ولذلك فهو يشيع الجنون في محاوريه ويجعلهم يهذون بأمور لسنا متأكدين منها .

كان الكثير من هؤلاء الذين حاورهم يجدون لذّة في البوح لأن شطآن عقولهم كانت تتآكل بسبب أمواج الجنون التي كانوا يعيشون تحت وطأة انفلاتها المفاجيء .. ولذا كان دور أسعد هو التقاط هذا الإنفلات وتدوينه على ورقٍ أو ضوء.

لقد التقط عوالمهم الداخلية ببراعة ونسجه معهم واستطاع أن يتجول في جغرافيا هذه العوالم ، ومن الطبيعي أن يلجأ لنصوصهم لوصف هذه التضاريس ، من الطبيعي أن يمنتج هذه النصوص ويصنع منها قوارب سفرٍ أعمق في دواخلهم . لم تكن الأحوال السايكولوجية لهم سوى بابٍ لفهم رحلاتهم إلى المجهول وكان لابد من العناية بهذه المفاتيح المهمة . ولذلك كانت الكهوف المظلمة لهم نصف مضاءة وكان يمكن تلمس منحوتاتها أو التحديق في بريقها الآسر .

كان لابد من استثمار الحياة الشخصية ، أيضاً ، لتلمس بعض التفاصيل الخفية في الداخل ، حيث نقرة فأس واحدة على شأنٍ شخصي قد تفتح منجماً عميقاً في الأغوار .

لا أخفي على القاريء رغبتي بقرأة مثل هذه الحوارات أكثر من رغبتي بتقصّي الحوارات الحقيقية التي ربما أجراها بعضهم ، لأني ، ببساطة ، كنتُ أقرأ حواراً وشعراً ، في الوقت عينه ، يتداخلان ويتسابقان في كشف الحقيقة ،  والإثنان ملتبسان بينهم وبين محاورهم ( الإفتراضي إيضاً ) ، وقد يبدو هذا الرأي غريباً ، لكن من يحاول التقصّي غير المألوف عنهم سيضطر للوصول إلى هذه النتيجة .

الحوارات تبحث عن محركات التاريخ بقدر بحثها عن محركات العوالم الخفيّة للمبدعين ، والأمر مترابط وشائك ، لكنّ التلميحات لذلك كانت واضحة فيه ، وكذلك كانت الإشارات الداخلية هاديةً الى الطرق الخارجية للعالم . لقد استطاعت الحوارات أن تربكنا بالقدر الذي كانت تستطيع فيه إثارتنا والجواب على أسئلتنا .

لعلّ أخطر ما في هذه الحوارات أنها سلطت الضوء على ذلك الصوت الداخلي النافر والمدبب لكلّ المبدعين ، صوتهم الرافض لعصرهم ولمجتمعهم وللسلطة وعماء الوهم الذي اندرجوا فيه وللإهمال والقسوة حولهم . وجاء هذا بسبب طريقة المعالجة الأساسية التي كان يشتغل بها المحاور ، فهو يؤكد على هذه الثيمة ويُشبعها نقاشاً .

هذه الحوارات تبحث في الجانب المخفي والمعتم والصاخب والجنونيّ في حياة المبدعين ، وهي إذ تؤكد على هذا الجانب فهي تنطلق من فرضية بسيطة عبّر عنها  الحوار مع بوكوفسكي  حين قال بأن القارئ ” يريد البحثَ في تنكة زبالة الوجود ،عسى أن يجدَ له تتمةً ضائعةً أو مختفيةً هناك . كلّ كائن له بعض الظلال في كل جريمةٍ تقعُ .وله أيضاً ، أثرٌ ما في الماخور والحانة والرصيف والبكتريا والصرصور وجثة العندليب المرمية تحت شجرة التفاح .كل تلك الأشياء تُشكلُ العصبَ القويّ في بناء النصّ الشعري أو الروائي.”

الحوارات تستدرج المبدعين الموتى للحياة مرة أخرى وتسألهم عن عالمهم الذي هم فيه ، فهي تذهب الى ناصيتهم البعيد ، تعيد لهم الحيوية بكؤوس من النبيذ وتُسكرهم وتجعلهم يبوحون من جديد .

هذا البريد السماوي لم يأتِ عبر الهواء  ولا عبر الغيوم  ولا عبر المطر بل جاء عبر البروق التي صعقت به ذواتٌ جسدَ هذا العالم الآيل للسكون والخوف والظلام والموت فأشعلت فيه ناراً لا تنطفئ .. تلك هي نار الشعر ، من جديد ، لكنها ، هذه المرة ، تأتي عبر الحوار.

تتعدد مسالك الوصول والرحلة مع المبدعين فمرة من خلال مركبات فضائية أو مائية أو من خلال أنفاق مهجورة تحت الأرض ، أو في حافلة طويلة … أو عبر التدلي من حبلٍ يربط السماء بالأرض ، أو الذهاب إلى مقابرهم مباشرةً .

كان الحوار يُنفّذ من خلال كل العدسات التي استعملها هؤلاء في فحص العالم ، سواء كانت شعرية أم نثرية أو عقلية أم سايكولوجية أو أنه استعمل أوهامهم لكي يستنطقهم ويجعلهم يبوحون ، كان كلّ شيء قابلاً للتصنيع الحواري في هذا المدى الإفتراضي الشاسع . وكانت لغة الحوار تتدفق بلا توقف، بقسوة ولينٍ ، وتنهار أو تتوثب في استنطاقها لما خلف الكائن .

هناك في البعيد والماورائي والإفتراضي والفانتازي تجمح كلّ الخيول ولا تعود لها سيقان قوية فحسب ، بل تنبت لها أجنحة أو زعانف أو مجسات ، يصبح الأمر كلّه خارج المألوف والتوقّع ، ومن هنا تكون فرادة الحوار/ النص.

يتسلل المحاور لقيعان من يحاورهم عن طريق زلاّت اللسان التي يوقعها بهم ، فهو يبتكرها  لكنه يستنطقهم من سيرتهم أو شعرهم أو مواقفهم . وهكذا تكون الشراك جاهزة تماماً ، وتكون الأجوبة شبه نيئة فيكسوها المحاور بنار صياغته .

يتداخل الظلام والنور ، الخير والشر ، القسوة واللين ، وتجتمع المتضادات في هذه النصوص ، ولكنها تسير في موكب شعري متّزن ، ولأن الحوار ذو غاية ومعنى فإنه يأتي عفوياً وتضعه المزامير في مكانه اللحني من هذه المعزوفة الكبيرة .

ثراء المخيلة يقفز بين الأسطر ، أسئلةً وأجوبة ، وهذا في حدّ ذاته كان ملهماً ومحفزاً لنا على ارتياد مناطق جديدة في الكتابة .

إن ابتكار طرازٍ أدبيّ ، في هذا الزمان ، ليس بالأمر الهيّن ، وبريد السماء الإفتراضيّ طرازٌ مميّز ، ينتمي إجمالاً إلى فانتازيا الأدب ، لكنه مربوطٌ بجذور تصله بالعالم الواقعي  ، فالأسماء التي يسعى  للحوار معها موجودة في الماضي القريب أو البعيد ، ولهؤلاء آراء واضحةٌ أو مضمرة في جوانب شتى من جوانب الحياة والثقافة . لكنها تأتي هذه المرة عبر سياط بريد البرق .

 

خزعل الماجدي

13/ 6 / 2021