لمى سخنيني تترجم إلى العربية مختارات شاملة من 12 ديوان لها

الشاعرة الأميركية الفائزة بنوبل لويز غليك (أ ف ب)

عندما فازت الشاعرة الأميركية لويز غليك بجائزة نوبل للأدب للعام2020، أحدث فوزها مفاجأة في أوروبا وسواها، فهي لم تكن معروفة إلا ضمن نطاق نخبوي جداً، ولم تكن دواوينها ترجمت إلى معظم اللغات الأوروبية، ما خلا قصائد نشرت في مجلات شعرية. وما زاد من حجم المفاجأة أن اسمها لم يرد مرة في لوائح الترشيحات أو التوقعات، وبدا أن شهرتها نادراً ما تخطت تخوم الولايات المتحدة، وبعض العالم الانغلوساكسوني، فهي أميركية بامتياز، جواً وقضايا وقراء. وعلى سبيل المثل وصفت الصحافة الفرنسية الشاعرة الفائزة بـ “المجهولة” و”السرية”، خصوصاً أنها لم تترجم لها إلى الفرنسية سوى بضع قصائد، بينما تستقطب فرنسا معظم الشعراء الأميركيين وتترجم لهم، ولم تمض أشهر قليلة حتى صدر لها في فرنسا ديوانان عن دار غاليمار هما “السوسنة البرية” و”ليل الإيمان والفضيلة” (ترجمة ماري أوليفييه).

في المكتبة العربية كانت غليك حاضرة منذ العام 2009 في مختارات تحمل عنوان “عجلة مشتعلة تمر فوقنا” ترجمها الشاعر سامر أبو هواش وكتب لها مقدمة وصدرت عن دار الجمل ودار كلمة الإماراتية. واختار أبو هواش القصائد من أربعة دواوين لها في سياق مشروعه القائم على ترجمة مختارات ودواوين من الشعر الأميركي الحديث، مما أتاح أمام القراء العرب الفرصة لقراءة هذه الشاعرة والاطلاع على تجربتها الشعرية. هذه المختارات راجت بسرعة وتم اعتماد الكثيرين من الصحافيين والنقاد العرب عليها للكتابة عن لويز غليك، وأعيد نشر قصائد منها. ورأى أبو هواش أن ثمة مجالين يهيمنان على شعر غلوك، مجال الشعر اليومي المطعم بالسردي والواقعي والأوتوبيوغرافي، ومجال الشعر الإيحائي الميتافيزيقي السري وشبه الملغز. ويشير إلى استقائها رموزاً من الميثولوجيا الإغريقية، خصوصاً مثل عوليس وبينلوب وأخيل وساحرات هوميروس، وإلى إثارتها على ضوء هذه الميتولوجيا، مشاعر وشجوناً مثل الحب والغياب والرحيل والعودة والرغبة والانتظار. واعتمد أبو هواش بعض بياناتها أو مقولاتها الشعرية والنظرية، فهي آثرت منذ مطلع مسيرتها التركيز على المفردات البسيطة، وما يهمها في الصنيع الشعري هو السياق الذي توضع فيه المفردة. وتقول إنها تحب الوزن ولكن تفضله خفياً أي داخلياً. والتركيب الشعري يتكامل في نظرها عبر “إيقاع وموسيقى خفيين” والغاية خلق ما تسميه التأثير الشعري.

مختارات جديدة بالعربية

ولئن بدت مختارات سامر أبو هواش يتيمة وغير كافية، علماً أنه يهيئ ترجمات جديدة للشاعرة الأميركية، فإن المختارات التي أنجزتها الأكاديمية الأردنية لمى سخنيني وصدرت حديثاً عن دار “العائدون” في الأردن بعنوان “قصائد للحب والحياة في أفق الموت” بدت شاملة ووافية، فهي انتقت القصائد من 12 ديواناً من دواوين الشاعرة، مما جعل المختارات تتمكن من تمثيل مسارها الشعري وتجربتها وفق تطورها وخطها الزمني. راجع الترجمة وكتب لها مقدمة الشاعر عمر شبانة، وأدى دوراً إضافياً مهماً غالباً ما تحتاجه عادة الترجمات.

تتحدث المترجمة لمى سخنيني عن المختارات وسبب اختيارها وترجمتها، وترى أن السبب الأول هو فوز غليك بجائزة نوبل للآداب، وتقول “ولكن عندما بدأت أقرأ بعُمق للشاعرة على عادتي، عند بدء ترجمة أي نص لم أترجم منه من قبل، دخلتُ في عوالم غليك الشديدة الواقعية، وذات المناخات الأسطورية، فشدتني بشباك من شوق إلى الأبطال الأسطوريين إلى الإلياذة، فالشاعرة أعادت بناء قصصهم، بما يتوافق مع خيالها الخصب وتجربتها الحياتية الغنية، فهي توظف تجربة هذه الشخصيات في مواجهة حقائق ينكرها معظم الناس، كالشيخوخة والطفولة المبكرة والموت والحياة في ظلال الموت”.  تضيف: “هذا العمل الفذ الهادئ ولكن الفولاذي الهادف إلى إعادة التكيف مع التجربة الحياتية الحية، جعلني أقارن حياتي بحياتها وأقيس تجاربي بتجاربها، لأستنتج بأن حياة النساء المبدعات متقاربة بالشكل والمحتوى”. وتنقل عن غليك قولها “بمجرد أن أصنع نفسي وأصف نفسي، أريد أن أفعل الشيء المعاكس في التو”، للتحدث عن “الرغبة الدائمة في تدمير الذات والانسحاب من الحياة، فأكثر ما يُرعبها هو بلاء الصمت، الغياب عن الإبداع، تكرار الذات، فهي تحث على التغيير في الانجاز”.

وتقول المترجمة : “التجدد الدائم، هو أكثر ما يعجبني فيها، فهي تقول “إذا كانت لديك رسالة فلتكتب”. وعندما تتناول موضوع الموت، فهي لا تعرف الخوف وتقترب منه من دون مقاومة أو نضال. فهذا الإحساس بالحرية يمنعها من التثاقل في اقترابها وممارستها للحياة، فتخيم حرية النشوة في كتبها مثل أي رحلة يمكن لها القيام بها”.  وترى سخنيني أن “خيال غليك يتنوع على نطاق واسع ويخلق أحلاماً سريالية، وقد حلقت أنا كمترجمة، معها بها، وغنيت معها مجموعة واسعة من النغمات معبرة عن الاستسلام وخيبات الأمل، وأيضاً الفرح والنزوات وروح الدعابة، وكلها امتداد طبيعي لعقل الشاعرة المتعرج في دروب الحياة”.

قضت سخنين شهوراً في ترجمة هذه المختارات و”كأنني قد أدمنت الشعر فالآن أنا أشتاق إلى تلك التجربة الغنية السحرية. ولكني وعلى الرغم من لحظات الفرح العميق التي طرقت قلبي، فأنا هنا أتفق مع معظم النقاد الذين تناولوا شعرها، فغليك ليست شاعرة تقرأها لترفه عن نفسك”.

تقديم نقدي

ويرى الشاعر عمر شبانة في تقديمه للكتاب، أن الشاعرة لويز غليك، احتلت “حيزاً واسعاً وعميقاً، يشغل المهتمين بالأدب العالمي، وبات العالم يعرف عنها شغفها بمواضيع عدة، هي في غالبيتها ذات طابع إنساني وحميم عموماً، حيث الإنسان وهمومه مركز الكون، والطبيعة مركز أساسي فيه، وحيث العلاقة بين الحب والكراهية، وبين الحياة والموت، وعداهما من ثنائيات، تجسد الكثير من أحاسيس الشاعرة وأفكارها، لتنعكس في قصائدها في صور شتى”. ويسأل، “من هي هذه الشاعرة الصاعدة “فجأة” إلى هذه المكانة الشعرية العالمية، بعد أن كانت شبه مجهولة؟”. وللإجابة عن هذا السؤال يقدم شبانة تعريفاً بالشاعرة المولودة في نيويورك عام 1943،  ويرى إن من أبرز دواوينها: “المولود البكر”، “وجه يدنو”، “انتصار أخيل”، “السوسنة البرية”، “أفيرنو” الذي يعتبره النقاد الأميركيون الديوان الأهم في مسيرتها الشعرية. وقد وُصفت مجموعتها الشعرية “أرارات” بأنها “أكثر كتاب ممتلئ بالحزن والقسوة في الشعر الأميركي المنشور خلال ربع قرن”. و”أرارات” هو الجبل الذي يقال إن سفينة نوح رست عليه.

حملت دراسة شبانة عنوان “مختارات لويز غليك الشعرية: الألمُ والأمل في الواقع والأسطورة”، ومما يقول، “ما يشدنا، ويشد قراء الشاعرة، إلى قصيدتها وشعرها عموماً، هو عناصر أساسية وعلى غير صعيد، وأولها ربما، مواضيعها الحيوية وأسلوبها الذي يجمع الغموض والبساطة معاً، في جملة تعمل هي على تقطيعها بحسب ما تشهده القصيدة من “تدفق” مبعثه روحها الحرة، وتعامل شعرها مع واقع الوجود الإنساني، والتجارب المؤلمة فيه” ويضيف :”يجذبنا إلى شعرها أيضاً جانب شديد الحميمية فيه، حين تتناول ببساطة وشفافية، عوالم الإنسان وعلاقاته بالوجود والكون، بما في ذلك الطبيعة بعناصرها ومكوناتها الأساسية. فهي شديدة التعلق بهذه العناصر التي تشكل عالمها، وتميزها عن سواها.. عالم مسكون بالشجر والأزهار والخضرة والماء، وتفوح منه روائح وألوان شتى”.

الترجمة الفرنسية

أما مترجمة قصائدها إلى الفرنسية ماري أوليفييه، وقد صدرت ترجماتها في كتابين  لدى دار غاليمار ا، فترى أن لويز تنتمي إلى جيل شعري عرف باسم “الشعراء الموضوعيين”، ومنهم لويس ززوكوفسكي، شارلز ريزينكوف، جورج أوبن وكارل راكوزي. وقد برز هذا الجيل في أواخر الستينيات وفي السبعينيات. وترى أن غلوك حاضرة بقوة في المشهد الأميركي الراهن، وشعرها يمثل في كل مختارات الشعر الأميركي المعاصر. وتشير إلى أن النزعة الأنثوية التي تجتاز شعرها تواجه حالاً من المقاومة المقصودة، مما يخلق لديها معادلة فريدة قائمة على حضور الشعور الأنثوي وغيابه في آن واحد. ويجب عدم فهم النزعة الأنثوية بـ “النسوية”، فهي إذ تحتفي بالمرأة إنما تحتفي بها بوصفها إنساناً، يفيض بمشاعر حميمة وأليفة، أما الأنا الشعري لديها فهو شخصي بمقدار ما هو جماعي.

فازت لويز غلوك بجوائز أدبية مهمة في الولايات المتحدة، مثل ميدالية العلوم الإنسانية الوطنية التي منحها إياها الرئيس باراك أوباما، وجائزة “بوليتزر” وجائزة الكتاب الوطنية، وجائزة نقاد الكتاب الوطنية وسواها. وعينت الشاعرة مستشارة أدبية في مكتبة الكونغرس عام 2003، واختيرت “شاعرة أميركا المتوجة” في 2003. ووصفتها الأكاديمية السويدية بـ “الشاعرة ذات الطابع السير- ذاتي”، و”شعرها معروف بكثافته العاطفية وباستعادته للخرافة أو التاريخ أو الطبيعة والتأمل في التجارب الشخصية والحياة العصرية”.

 ولدت غلوك لعائلة يهودية هنغارية في مدينة نيويورك عام 1943 وترعرعت في لونغ آيلاند في نيويورك. بدأت أيام الدراسة الثانوية تعاني من فقدان الشهية العصبي، ثم تغلبت على المرض لاحقاً. تلقت دروساً في كلية سارة لورانس وجامعة كولومبيا لكنها لم تحصل على شهادة، ودرست الشعر في مدارس وجامعات. وتعمل غلوك حالياً كأستاذ مساعد وكاتب ضمن برنامج روسينكرانز في جامعة ييل.

https://www.independentarabia.com/no