رند علي

يحكي لنا افلاطون في كتابه «المحاورات»: في حفلة عشاء يقوم فيها أرسطوفانيس ـ كاتب مسرحي ساخر ـ بتسلية ضيوفه من خلال القصة التالية: كان البشر في ما مضي مخلوقات ذوات أربع أذرع وأربع أرجل ووجهين، وذات يوم أغضبوا الآلهة فشطر زيوس كل واحد منهم إلى اثنين. ومنذ ذلك الوقت، فَقَدَ كل شخص نصفه أو نصفها الآخر.
الحب هو التوق لإيجاد النصف الآخر الذي سيجعلنا نشعر بالاكتمال مرة أخرى.
أما الكاتب الفرنسي أندريه موروا فقسمَ الحب على سبعة انوع، واستطاع أن يعطي مع كل نوع من أنواع الحب مثالا لعمل أدبي من روائع الأدب الفرنسي. يعتبر كتاب «وجوه الحب السبعة» الصادر حديثاً عن دار وتر في البصرة للكاتب الفرنسي أندريه موروا، ترجمة راوية بدر الدين، دراسة نفسية عن المشاعر، وكيف لها ان تتحكم بنا ونحن نقف أمامها صامتين، وللحب في نظر موروا سبعة وجوه، فهو تارة عفيف، وتارة عنيف، وتارة طاهر، وتارة فاجر، وتارة خيالي، وتارة مثالي، وتارة ناري، وقد تخير موروا كنموذج لكل أوجه أو قناع من أقنعة الحب السبعة قصة من روائع الأدب الفرنسي الخالدة، ولم يكتفِ بتلخيص القصة التي رآها معبرة عن ذلك الوجه، وإنما جعل حديثه عن القصة مزيجاً عن التلخيص والعرض والتحليل والتعليق، والحديث عن مؤلف القصة واختباراته في الحب ثم الحديث عن تقاليد المجتمع والنزعة العاطفية، التي كانت سائدة في ذلك العصر الذي عاش فيه الكاتب.

العلاقة بين الأدب والمشاعر الإنسانية

في هذا الكتاب يشبه موروا العلاقة بين الأدب والمشاعر الإنسانية، بالعلاقة بين الدولة والرأي العام، فقوة الدولة تعتمد إلى حد كبير، على الرأي العام وفي الوقت نفسه نجد أن الدولة هي التي توجه الرأي العام وتؤثر فيه، فالمشاعر الإنسانية هي التي توحي بالأدب، وتلهم الأدباء، ومن ناحية أخرى فإن الأدب يساهم بنصيب كبير في توجيه المشاعر وتلوينها، بل خلق مشاعر معينة في بعض الأحيان. ولم يعرف الحب كعاطفة معقدة إلا منذ القرنين الثاني عشر والثالث عشر، حين ترعرع في أوروبا في بلاط الأمراء وأجوائهم الشاعرية، ثم في غراميات الفرسان المغامرين، كما أن انتشار المسيحية ضاعف من حدة هذه العاطفة الروحية، لأن الزواج أيام الوثنية كان مجرد عقد منفعة، لا يفرض على الزوج أو الزوجة، أن يكونا مخلصين للشريك، أي أن الوثنية لم تفرض العفة، كما فرضتها المسيحية، هذا عدا عن عملية الترجمة للشعر العربي، ولاسيما ما يصطلح عليه بالغزل العذري إلى اللغة الفرنسية ثم الإنكليزية. ما ترتب على ذلك من الترويج للحب المجرد عن صلة الجسد، وأخيراً الحروب الصليبية التي أجبرت الجنود على حرمانهم من نسائهم، فوجدوا متعة في قراءة قصص الحب، وفي الوقت نفسه أقبلت النساء في بلدانهن على قراءة القصص، بعد أن ارتفع مستوى تعليمهن ومراكزهن في المجتمع، وأجبرهن سفر رجالهن إلى ميادين الحرب، على قتل أوقات فراغهن في القراءة وفي الحب.
وقد مهدت هذه القصص اذهان النساء لتطور غير عادي في مصائرهن فقد رأين أنفسهن فجأة هدفاً للمغازلة الرقيقة من جانب الرجل، ولسن موضع اشتهائه وحسب، مثل قصة المؤلفة الموهوبة مدام لافايت (الأميرة دي كليف) المرأة التي كان لها صداقة متينة مع البلاط وتحديداً شقيقة الملك لويس الرابع عشر.. قصة الأميرة دي كليف من قصص الحب الذي صنفه موروا (الحب الذي ينطوي على الفروسية) وتدور أحداثها حول المدموازيل دي شارتر، التي زفت عروساً إلى الأمير دي كليف بعد أن لقنتها أمها آداب الفضيلة، وعلمتها واجبات المرأة المثالية. وعلى الرغم من أنها بعد ذلك وقعت في عشق (مسيو دي نيمور) زهرة المجتمع الباريسي وأكثر رجاله رجولة، لكنها تأبى الاعتراف لنفسها وله بهذا الحب، وترفض أي علاقة به رفضاً تاماً، حرصاً على سمعتها وسمعة زوجها ووفاءً له. أما الوجه الثاني للحب في نظر موروا فهو الحب الرومانتيكي، الذي تمثل في رواية «جوليا» لجان جاك روسو أستاذ المشاعر والأحلام العاطفية الذي مجدته باريس بسبب كتاباته، وتدور أحداث قصة جوليا حول الفتاة التي تعشق معلمها ويرفض والدها النبيل زواجها منه، ونلاحظ أنه رغم وجود حب عارم بين الشخصين، فإنهما يلتزمان العفة قبل كل شيء آخر، ولم تسلم هذه القصة من نقد فولتير الساخر.

أما الوجه الأخير للحب فهو الحب المبني على الوهم وتمثله قصص الكاتب الفرنسي مارسيل بروست، وبروست يختلف عن سابقيه في أنه لا يضفي على مخلوقاته هالة من الكمال والجمال والذكاء تجعلهن جديرات بالحب، من جانب أي رجل يقع بصره عليهن.

أما الوجه الثالث للحب، حسب تصنيف موروا فهو من أخطر الوجوه (الحب الحرام) الذي تمثل في قصة العلاقات الخطرة للجنرال (كوديرلوس دي لاكو ) وقد ثارت ضجة كبيرة في باريس بعد كتابته لهذه القصة، التي صورت فساد المجتمع الباريسي الارستقراطي في القرن الثامن عشر، مجتمع ينعم فيه الرجال والنساء بفراغ كامل، لا يعرفون الكدح من أجل العيش، ولا يسمح لهم بممارسة لعبة السياسة التي تشغل جزءاً كبيراً من وقت الرجل في القرن العشرين.

كذلك فإن للحب العنيف نصيبا من وجوه الحب السبعة، الذي تمثل في قصة «الأحمر والأسود» للأديب الفرنسي الخالد ستندال. وقصص ستندال تجيب على تساؤل حائر طالما شغل أذهان الناس وهو، هل يسلك الرجل إزاء المرأة مسلك (فرتر) أو (دون جوان)؟ مسلك العاشق الولهان الذي يحب ويتأوه، أو مسلك الغازي الفاتح الذي يتميز بالشجاعة والصراحة والدعابة وخفة الروح؟ وقد قسم ستندال بطلات رواياته إلى فريقين فريق تمثله المرأة الرقيقة العاطفية المتدينة التي تكتم عواطفها، والتي يجد الرجل لذة في قهرها، والفريق الآخر تمثله امرأة كان ستندال يصير إليها، لو أنه خلق امرأة! أي المرأة التي لها صفاته وطباعه، وقد جمع ستندال بين الفريقين في شخصيات قصته (الأحمر والأسود) فجعل مدام (دي رينال) تمثل الفريق الأول و(ماتيلد) تمثل الفريق الثاني.
أما الوجه الخامس من الحب فهو الحب المبني على إرضاء الحواس، الذي تمثل في رواية «زنبقة الوادي» للكاتب الفرنسي بلزاك، وهو حب الشاب الخجول المحروم لامرأة في سن أمه! ثم حيرته حين يعلق قلبه بامرأة أخرى تصغرها، في وقت تقترب في العشيقة الأولى (العجوز) من حافة الأبدية.. ويتدرج بنا الكاتب والمحلل أندريه موروا نحو النوع السادس من الحب وهو الحب المنطوي على الخيال (هدفه إرضاء الخيال) والذي يتمثل في رواية «مدام بوفاري» للكاتب الفرنسي غوستاف فلوبير.. فقد خاب أمل (إيما بوفاري) في زوجها الطبيب شارل بوفاري، فإن الحب الذي كان حقيقياً بإرضاء نزعتها هو الحب الدخيل الغريب الذي قرأت عنه في الكتب، لكن أحاديث زوجها كانت تافهه مملة وهواياته معدومة، وهكذا تسائل إيما نفسها: لماذا بحق السماء تزوجت؟ وهل يوجد سبيل إلى الالتقاء برجل آخر؟ لا يمكن أن يكون الرجال جميعاً مثل هذا الرجل.. لكن ترى هل يوجد في الدنيا حب؟ وما وصفه وكيف يكون؟
أما الوجه الأخير للحب فهو الحب المبني على الوهم وتمثله قصص الكاتب الفرنسي مارسيل بروست، وبروست يختلف عن سابقيه في أنه لا يضفي على مخلوقاته هالة من الكمال والجمال والذكاء تجعلهن جديرات بالحب، من جانب أي رجل يقع بصره عليهن.. وإنما هو يوقع الرجال في حب نساء محرومات من المميزات التي تجملهن في عين من يراهن! فهو يصور في قصصه الحب (غير المنطقي) أو الحب الذي لا تبرره ظروفه، ذلك لأنه يعتبر الحب (مرضاً) طارئاً أليماً يصيب الإنسان. وكما تستطيع جرثومة صغيرة غير منظورة أن تسبب لنا حمى مرتفعة، كذلك تستطيع امرأة عديمة المزايا والمؤهلات أن تجعلنا تعساء.
وأندريه موروا روائي فرنسي برع في كتابة سِيَر أشهر الأدباء. ولد لأسرة يهودية 26 يوليو/تموز 1885 في إيلبوف والده صاحب مصنع نسيج، فعمل معه فترة، ثم أشبع ميوله الأدبية بحصوله على إجازة في الفلسفة. عمل ضابطاً مترجماً، أثناء الحرب العالمية الأولى لدى القوات البريطانية، وتعاطف مع الثقافة الأنكلوسكسونية، فكتب عن تاريخ إنكلترا عام 1937، وعن تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية عام 1947. بدأت شهرته منذ عام 1917 عندما كتب «صمت الكولونيل أو العقيد برامبل» وتألق أيضاً عندما كتب «أجواء» عام 1928 يطرح فيه وجهتي نظر المرأة والرجل في العلاقة الزوجية. أما كتابه «الحلقة الأسروية» (1932) فهو محاولة للتوفيق بين الأجيال. كتب أيضاً «غريزة السعادة» (1934) و«آلة لقراءة الأفكار» 1937، انتخب موروا عام 1938 عضواً في الأكاديمية الفرنسية، وتابع مسيرته الأدبية والصحافية. أكسبته كتابة السير الذاتية للمشاهير – التي نشرها موثقة – شهرة تفوق شهرته الروائية. وساعدته زوجته في تقصي حياة الأدباء فكتب عن حياة فولتير، والفيكونت دوشاتوبريان، وجورج غوردون بايرون، وجورج ساند، وفكتور هوغو، وأونوريه دي بلزاك، ومارسيل بروست وغيرهم، توفي في 9 أكتوبر/تشرين الأول 1967.

كاتبة من العراق

(القدس العربي)