https://www.independentarabia.com/noالمترجم والأكاديمي المغربي محمد خطابي انطلق من روح المجاورة الثقافية

تخطيط شعري للرسام الإسباني خوان ميرو (متحف الرسام)

يعود الكاتب والمترجم المغربي محمد محمد خطابي، عضو الأكاديمية الإسبانية الأميركية للآداب والعلوم في كولومبيا، ليرسخ تلك العلاقة المفترضة بين ثقافتين متجاورتين، العربية والإسبانية عبر تقديم منتخبات شعرية مترجمة إلى اللغة العربية، كُتبت في الأصل باللغة الإسبانية، سواء داخل الجارة العريقة أو خارجها، في البلدان اللاتينية، وتجعلنا هذه الترجمة الجديدة نعيد طرح السؤال الذي تفرضه الحالتان الجغرافية والتاريخية بين البلدين، فالمغرب هو البلد الذي يفترض أن يكون رائداً في ترجمة الأدب المكتوب بالإسبانية إلى اللغة العربية، بحكم أنه أقرب بلد عربي إلى إسبانيا، إذ لا تتجاوز المسافة الفاصلة بينهما 14 كيلومتراً، وبحكم العلاقة التاريخية التي اقتحم فيها البلدان بعضهما بعضا، سياسياً وثقافياً. واللافت أن معظم سكان مدن الشمال في المغرب يتحدثون الإسبانية في الشارع، وإن لم يتعلموها في المدرسة من قبل.

ولعل العنوان الذي يقترحه محمد محمد خطابي لكتابه الجديد “قطوف دانية” الصادر حديثاً عن دار خطوط وظلال في الأردن، يحمل في عمقه مفهوم التقارب، فإذا كانت القطوف القريبة هي النصوص التي يقترحها علينا المترجم، فإن القاطف بالضرورة هو القارئ. والشعر وسيلة لتجسير هذه العلاقة بين ثقافتين لهما كثير من المشترك التاريخي والحضاري، إنه “إرث الأندلس العظيم ذي الرمال النبيلة” كما جاء في أول نص من الكتاب للشاعر الإسباني لويس دي غونغورا، وهو وفق آخر نص للكوبية فينا غارسيا ماروث “بصيص الضوء الخافت الذي يبعث النار من جديد”.

في مقدم ترجماته يتحدث خطابي عن صعوبات الترجمة وسياقاتها، وما يتوسمه من خصائص وشروط في قارئ الشعر، متوقفاً عند إشكالات قراءة الشعر المترجم، ومقلباً مفهوم القصيدة وتمثلاتها بين التراث والحداثة، وكيف نظر إليها الشعراء على مدار قرون. ثم ينتقل ليعلي من قيمة الشعر بين بقية الأجناس الأدبية، إلى درجة أنه يبدو متعصباً أو متطرفاً في حبه الشعر على حساب الأشكال الأدبية الأخرى، بدليل أنه يستدعي مناسبة ثقافية سابقة كان قد حضرها برفقة أدونيس، ليستشهد بتصريحاته، هو الذي كان يرى أن من يؤثر في القارئ هو الشاعر وليس الروائي، معتبرا أن الروائيين “يمرون في عقل أي إنسان بطريقة أفقية وسطحية، وهم يؤثرون في القراء المستهلكين. أما الشعراء فإنهم يؤثرون في القراء المبدعين” بحسب زعم أدونيس.

هذا ما يحفز خطابي على الحسم بأن “الشعر هو اللغة في أسمى مظاهرها”، مستنداً إلى خلاصات الفيلسوف الفرنسي هنري برغسون الذي يرى اللغة تبقى قاصرة في التعبير عن المشاعر وإبلاغ ما يعتمل في الذات إلا حين تصير شعراً.

وبالفعل إذا عدنا إلى فلسفة برغسون سنجد أنه يرى أن مختلف الفنون تروم تمثيل ما هو بشري في صور حسية، وينتقل في ذلك من الرسم إلى الفوتوغرافيا والنحت والموسيقى وفن المعمار والرواية، ليتوقف عند الشعر باعتباره “الفن الأغنى” الذي يستطيع التفوق في التعبير عن بقية الفنون.

أجيال مختلفة وأسماء مشهورة ومغمورة

لا يرتهن المترجم المغربي محمد محمد خطابي إلى الشرط الزماني في منتخباته، فهو يعود أحياناً إلى القرن الـ 16 لينتقي نصوصاً للشاعر الأندلسي القرطبي لويس دي غونغورا، أحد أبرز أدباء المرحلة الكلاسيكية، أو ما كان يسمى “العصر الذهبي” في إسبانيا. وبعده مباشرة يورد نصوصاً للشاعر الإسباني داماسو ألونسو الذي توفي سنة 1990، وكان مديراً للأكاديمية الملكية الإسبانية. لينتقل إلى اسم أكثر حداثة، الشاعرة المكسيكية سعيدة سيسين (مواليد 1956) ذات الأصل اللبناني الإسباني.

ركز المترجم على الأسماء الأساسية في الشعرية الإسبانية فرديريكو غارسيا لوركا، ميغيل إرنانديث، أنطونيو ماتشادو، وشقيقه مانويل ماتشادو، إضافة إلى شعراء آخرين أقل شهرة وحضوراً من أجيال مختلفة. وينقل إلى القارئ العربي نصين للرسام الشهير بابلو بيكاسو عبر فيهما عن عالمه الفني بشكل لا يقل شاعرية عن الشعراء المنتخبين في الكتاب ، “سأكتم صوت الموسيقى في الغابة/ وأهشمها على الصخور وأمواج البحر/ سأعود وأعض السبع على خده/ وسأجعل ابن آوى يبكي/ حنانا أمام لوحة من ماء”.

لم يترجم خطابي لأسماء كثيرة من إسبانيا البلد الذي تتدفق كأسه الثقافية على مدار مختلف الحقب، تاركاً معظم صفحات الكتاب لشعراء من أميركا الجنوبية، الذين كتبوا طبعا باللغة ذاتها، لغة سرفانتيس. ويحافظ على نهجه في الترجمة عبر مزجه في الاختيار بين الأسماء الأكثر حضورا، وأسماء أخرى قد يكتشفها معظم القراء العرب للمرة الأولى. فمن المكسيك نقرأ منتخبات من أشهر القصائد المطولة لأكتافيو باث، بجانب شاعرة معاصرة غير معروفة لدى القارئ العربي هي ماريان غوثمان. ومن الشيلي نجد الثلاثي الأشهر غابرييلا مسترال وبابلو نيرودا ونيكانور بارا بجانب سيرخيو ساليناس، والأمر ذاته ينطبق في اختيارات المترجم على شاعرات وشعراء البلدان الأخرى.

قصائد تطرح إشكالات الهوية

اختار خطابي نصوصاً تركز في غالبيتها على مسألة الهوية، وذلك انسجاماً مع تصوره الذي يرى أن العالم هو أجزاء متداخلة، والمسألة الثقافية توجد في جوهر هذا التداخل. يقول مانويل ماتشادو في قصيدة “الدفلى”، “أنا مثل هؤلاء القوم/ الذين إلى أرضي/ قدموا/ أنا من أرومة محتد/ العرب الأقحاح/ أصدقاء الشمس/ منذ أقدم العهود/ الذين ظفروا بكل شيء/ والذين خسروا كل شيء”. في السياق ذاته، يقول ميغيل إرنانديث، “الصمت كاتدرائية بدون نواقيس…/ خطواتي منهكة من الجغرافيا/ أحلم بالآفاق الفسيحة حيث يُقطَف الحبور”.

 لا يتبرأ الشاعر الإسباني لويس خيمنيث مارتوس من منابعه العربية، فهو يملك “خريطة للعودة المعروفة” ويرغب في الرجوع إلى “طفولة الحب/ التي ما فتئت/ تعيش في حدائق غرناطة”.

“كل الأسماء هي اسم واحد”، هذا ما يراه شاعر المكسيك الأشهر أوكتافيو باث، ويضيف صاحب “جذر الإنسان”، “كل الوجوه وجه واحد/ كل القرون لحظة واحدة”. وترى سعيدة سيسين أن الحياة “وداع دائم”. هذا ما يؤكده ألبرتو بلانكو، “جئنا إلى هذا العالم/ لنودع كل من أحببناه”. ويتأمل خبيير غونساليس الفراغ الداخلي، متسائلا عن المسافة بين الأنا والآخر. في قصيدة “كريستوف كولمبوس” يطرح روبين داريو مسألة الهنود الحمر، متذكرا “الحقول التي يتآخى فيها الدم بالرماد”.

ليست الهوية هي التيمة الوحيدة في “قطوف دانية”، لكنها الطاغية، وتشكل ثيمات أخرى امتداداً لها، الذاكرة، الأصالة، المسألة الوجودية، الحاجة إلى الآخر، الحيرة، الشتات، الموت، القلق، الوحشة، الفقدان، الطفولة، الحزن، وغيرها.

يقدم الكتاب، وفق رؤية بانورامية، تشكيلة من النصوص الشعرية المكتوبة بالإسبانية، يؤطرها مزاج المترجم وذوقه، مما جعلها تبدو في نسختها العربية منسابة، وقد نجت من المشكلات التي عادة ما تصاحب مشاريع ترجمة الشعر. وهذا يجعل القارئ يأمل بأن يخصص خطابي مشروعاً متكاملاً لترجمة الشعر الإسباني واللاتيني الحديث. ليس فقط بسبب إتقانه للغة “الأصل” واللغة “الهدف” وحسب، بل لقربه أيضاً من الحياة الثقافية الإسبانية واللاتينية الراهنة، وتعمقه في الأدب الهيسباني المعاصر.

https://www.independentarabia.com/no