هل المترجمون هم العاطلون الجدد عن العمل؟

17 أغسطس 2021
حسب تكهنات الصحافي والخبير الاقتصادي والمترجم محمد عميد فلجاوي، مدير المجلات الفرانكفونية التابعة لمجموعة “رولارتا” الاقتصادية، في سياق مقالة له عن الترجمة، سيصبح المترجمون في عداد العاطلين عن العمل في سنوات قليلة قادمة. فلم يبق إلا عدد من السنوات، وبفضل الثورة الرقمية، سيصبح بإمكان أي مواطن التحدث مع مواطن آخر في أي بلد في العالم، والقيام بالترجمة المباشرة لأي نص مكتوب بلغة أخرى. والذين هذه هي مهنتهم، المترجمون والمترجمون الفوريون، مهددون بالبطالة. أما السنة المرتقبة لهذا الانقلاب فهي 2025، في أبعد تقدير، وما على المعنيين بالأمر سوى الاستعداد للتحرك!

فهل حقًا هذا ما سيحدث؟

يلاحظ أن التطور التكنولوجي يتقدم بخُطى كبيرة، وأن الفاعلين في هذه السوق الضخمة يعملون دون توقف كي يطوروا من خدماتهم. إضافة إلى أن التطورات الأخيرة في مجال الذكاء الاصطناعي يمكنها أن تساعد على تطوّر أكبر.

 

الذكاء الاصطناعي

إذا وُجدت تكنولوجيا قادرة على تشكيل تهديد خطير لمهن الترجمة والترجمة الفورية، فإنها بدون شك تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي. بماذا يتعلق الأمر؟ حسب معجم “لاروس” الفرنسي، الأمر يتعلق بـ”مجموعة من النظريات والتقنيات قيد الإنجاز بهدف اختراع آلات قادرة على مضاهاة الذكاء الإنساني”. كما أن هذه الآلات المزودة بذكاء اصطناعي ستكون قادرة على التعلم الذاتي، أو ما يسمى بالتعلم الآلي أو التعلم الإحصائي.

وإننا نرى كيف أنه في السنوات الأخيرة اخترقت التكنولوجيا الحياة اليومية لخبراء اللغات. “تطبيق الترجمة بواسطة الحاسوب”، “قاعدة معطيات المصطلحات”، أو أيضًا “ذاكرة الترجمة”، هذه مفاهيم مستعملة باستمرار من طرف اللسانيين المتخصصين. ورغم ذلك، فهذه الأدوات لها وظيفة مساعدة المترجم في مهنته، وليس تعويضه.

لكن، ألا يخاطر تطور الذكاء الاصطناعي بتغيير المعادلة في السنوات المقبلة؟ لقد نجحت حديثًا آلة في إلحاق الهزيمة ببطل العالم في لعبة “كو” (لعبة صينية قديمة)، التي تتطلب الخيال والإبداع! إذًا، ألن تنجح، في المستقبل المنظور أو غير المنظور، في إنجاز ترجمات عالية الجودة؟ للإجابة عن هذا السؤال، لا بد من تقديم تحليل حول ثلاث نقط.

الأولى تتعلق بتحليل الوضعية الحالية. وتناول الأدوات التي يستعملها المترجمون المحترفون. والثانية تتعلق بتحديد ماهية الذكاء الاصطناعي. والثالثة تتعلق بمحاولة فهم العلاقة الموجودة بين الإنسان والآلة، ومحاول استشراف تطور هذه العلاقة. وحين نجيب على هذه التساؤلات ربما يكون بمستطاعنا وضع خلاصة تركيبية متفائلة عن مستقبل الترجمة والترجمة الفورية.

جل المترجمين اليوم، إن لم يكن كلهم، محاطون بتطبيقات ترجمية على الحاسوب  مثل غوغل للترجمة أو تطبيق “سيستران”

الوضعية الحالية

رغم أنه ليس من الضروري الوقوف عند الفرق بين المترجم والمترجم الفوري، لكن لا بأس من تقديم هذا التوضيح في بضع كلمات. إن هاتين المهنتين تتطلبان كفاءات مختلفة. فالمترجم ينقل الرسائل المكتوبة، فيما المترجم الفوري ينقل الرسائل الشفهية.

جل المترجمين اليوم، إن لم يكن كلهم، محاطون بتطبيقات ترجمية على الحاسوب. هنا ينبغي توضيح أن الأمر لا يتعلق بتطبيقات الترجمة الآلية، مثل غوغل للترجمة أو تطبيق “سيستران”، لكن بتطبيقات المساعدة على الترجمة. والإنسان هو في مركز هذه الصيرورة. والمنهجية المتبعة هي جعل الآلة قادرة على القيام بأفعال، وتحليلها، ثم استخلاص المعلومات من أجل العمل بكفاءة في المستقبل.

في مجال الترجمة، يرتكز الذكاء الاصطناعي على تقنية تلقين آلية أخرى جد مختلفة: التلقين المراقَب. وتطبيقات الترجمة الآلية هي المثال النموذجي على ذلك. ففي المقام الأول، يخزن التطبيق أجزاء من الجمل، أو الكلمات، وأيضًا ترجماتها الممكنة. وعلى هذه القاعدة يقدم إحصائيات دقيقة. والبرامج بدورها ترتكز على هذه الإحصائيات الدقيقة لتحديد الترجمة الأكثر ملاءمة للكلمة، أو لتتمة كلمة أو جملة. لكن، بحسب بيير- إيف أوديفر، مدير مركز البحث في صناعة الروبوت بالمعهد الوطني للبحث الرقمي، فإن “هذه الآلات غبية. فهي لا تفقه شيئًا في الجمل التي تترجمها، إنها فقط ترى أن هده الجملة أو تلك تتم ترجمتها غالبًا بهذه الطريقة”.

إن آليات الترجمة الآلية تتوفر إذًا على طاقة إحصائية، عكس الإنسان الذي يحتوي على طاقة تحليلية. فالآلة ليست قادرة على إدراك معنى الكلمة أو الجملة التي عليها ترجمتها. وهنا تكمن المعضلة! إن الترجمة نشاط معقد ولا يمكن تلخيصها في متتاليات من المعطيات الإحصائية.

يضيف يوشوا بينجيو، الأستاذ بقسم الرقميات والبحث العملي في جامعة مونتريال: “إننا بعيدون، بعيدون جدًا، عن درجة الكفاءة والقدرات الإدراكية التي يتمتع بها الإنسان، بل وحتى عن تلك القدرات التي يملكها أصغر حيوان… إن الفأر يبقى أكثر ذكاء من حاسوب يتمتع بذكاء اصطناعي”.

ضغط المنافسة الدولية

ترى سيلفي فانداييل، أستاذة اللسانيات والترجمة، أن الترجمة الآلية هي الأكثر تعقيدًا. إنها منذ الخمسينيات تمثل أحد الرهانات الاستراتيجية في الحرب الباردة، وهي لا زالت تحقق تقدمًا كبيرًا. لكنها لا ترى أنه من الممكن إعلان موت المترجم، كما ذهبت إلى ذلك بحماس بعض وسائل الإعلام.

إن هذه النظرية الاختزالية والصادمة للترجمة، لا يتقاسمها المترجمون، والمصطلحيون، والمترجمون الفوريون، ودارسو اللغات. أولا لأن هذه الرؤية لا تأخذ بعين الاعتبار تعددية الوضعيات والممارسات، فهي ترتكز على فضاء مشترك يضع الأدب في مقابل “الباقي”، كما لو أن الكتابات العلمية، بل التقنية، ليست من الإنتاجات الثقافية الخاضعة لعدة معايير. والأخطر من ذلك أنها تعتبر نتائجها صالحة مائة بالمائة. لكن في مقابل ذلك، هناك خبراء يتوخون الحذر أمام الذكاء الاصطناعي في مجال الترجمة، لأنهم يعرفون جيدًا أن هناك بعض الأبعاد التي تهرب من الآلة، مثل المرجعيات الخارج لسانية، بعض عناصر التركيب والتماسك.

إن ترجمة يقوم بها مترجم متمكن تبقى ذات ضرورة قصوى. لكن يبقى الذكاء الاصطناعي أيضًا عنصرًا مساعدًا لأنه يبقى حلا للترجمة المنجزة انطلاقًا من المتن الذي تحتويه الآلة. وذلك يعني، في النهاية، أن قيام الإنسان بالترجمة أمر لا غنى عنه، لأن الترجمة تتطلب معارف شتى تخترق اللغات، وثانيًا لأن قيام الآلة بترجمة ملائمة يبقى أمرًا شديد التعقيد.

وتستخلص سيلفي فانداييل أن ما يهدد الترجمة ليس الذكاء الاصطناعي، لأن الترجمة ستستعمله في القريب وستتعود عليه، بل وستسيطر عليه، بل ما يهددها هو ضغط المكافآت التي تضعها المنافسة الدولية والتي تدعمها عدة إيديولوجيات وأفكار.

المُنَظر الأدبي ستانلي فيش هو أول من وضع مصطلح “الجماعة الإبستيمية”

جانسينية المترجمين

تعود التسمية (جانسينية) إلى جانسينوس (1885-1638)، وهو داعية ديني، التفت حوله طائفة، تتكون من علماء ومفكرين، يئسوا من الفساد السياسي والرياء الأخلاقي السائدين في المجتمع الفرنسي في القرن السابع عشر. فقرروا الاعتزال في دير يُدعى “بور روايال” قصد التفرغ للتأمل والتفكير. وقد برز بينهم مترجمون، منهم من اعتمدَ الترجمة الشارحة، ومنهم المتشددون للترجمة الحرفية، ومنهم من فضل اتباع الترجمة الفنية التي ترفض الترجمة كلمة بكلمة (هذا ما يقوم به الذكاء الاصطناعي).

يدل مصطلح جانسينية على عقيدة مناهضة لكل تصرف للنص الأصلي. وقد كانوا يرون أن هذه هي الترجمة الجيدة، بكونها “تلك التي إذا قمنا بترجمتها هي نفسها، فإنها تعود بنا مباشرة إلى الأصل”. ويعود الفضل للجانسينية في الحديث عن مفهوم “المعادل”، الذي قصدوا به مقابلة كل صورة وكل مجاز وكل مقطع جميل في النص الأصلي بما يناسبه في النص المترجَم. وهذا ما يعجز عنه الذكاء الاصطناعي، ويفشل في تحقيقه.

الجهل بالجماعة الإبستيمية

المُنَظر الأدبي ستانلي فيش هو أول من وضع مصطلح “الجماعة الإبستيمية”. وقد قصد به الإشارة إلى كُتاب وقُراء أنواع معينة من النصوص. هي جماعة تشترك في الشفرات نفسها، لذلك تُعد عند علماء العلامات جماعة تفسيرية، تضم أعضاء يشتركون في استعمال وإدراك وتفسير، وترجمة أيضًا، شفرات معينة. وهذه الجماعة نفسها تحمل اسمًا مغايرًا عند علماء اللغة، وهو “جماعة الخطاب”. وكل مترجم، باستثناء الآلة وتطبيقات الترجمة، معني مباشرة بفهم ودراسة شفرات هذه الجماعة من أجل ترجمة جدية لنصوصها المُنتجة، من خلال فهم دقيق لـ: حياة اللغة، الخاصيات الأسلوبية، الخصائص الدقيقة للغة، الخصائص الدلالية للإبلاغ، الخصوصيات اللسانية، الخلفيات اللغوية، حدس المتكلم/الكاتب.