كتب: الميتاشعريّة في التراث العربي: من الحداثيين إلى المُحدَثين

هدى فخر الدين، ترجمة آية علي

(دار أدب للنشر والتوزيع، الرياض، 2021)

جدلية (ج): كيف تبلورت فكرة الكتاب وما الذي قادك نحو الموضوع؟

هدى فخر الدين (هـ. ف.): قادني نحو هذا الموضوع اهتمامي بحركات الشعر الحديث عالميًّا وعربيًّا. فبعد أن حصلت على شهادة ماجستير في الأدب الإنجليزي من الجامعة الأميركية في بيروت، انتقلت إلى أميركا إلى جامعة إنديانا. وكانت خطتي أن أدرس حركة الحداثة في الشعر العربي إذ كنت معجبة بتجارب السياب وعبد الصبور والملائكة وجماعة شعر وغيرهم من رواد الحداثة.

وقد نشأتُ على قراءة المعلقات وأبي تمام والمتنبي وغيرهما من العباسيين، إلا أني أعدت اكتشاف أبي تمام وأنا في أميركا. في “غربة الوجه واليد واللسان”، كما يقول المتنبي، وجدت في لغة أبي تمام وفي مشروعه التجديدي ملاذًا وسَكنًا. فقرّرت أن أدرس هذا الوعي بالذات وباللغة وبالتراث الذي يظهر جليًّا في شعر أبي تمام وغيره من المحدثين العباسيين، كما يظهر عند معظم الشعراء أصحاب مشاريع التجديد. وطبعًا كان لعملي مع الدكتورة سوزان ستيتكيفتش في جامعة إنديانا أثرٌ في تحديد هذا الموضوع. فالكتاب في الأصل أطروحة دكتوراه حضرتها تحت إشرافها وفي حوار مع ما كتبته عن القصيدة العربية خاصة عن شعر أبي تمام. وقد صدر الكتاب أصلًا بالإنجليزية عن دار بريل في العام 2015.

(ج): ما هي الأفكار والأطروحات الرئيسية التي يتضمنها الكتاب؟

(هـ. ف.): يتخذ هذا الكتاب من تجربة الحداثة الشعریة في القرن الماضي مدخلًا لتناول تجربة الحداثة العباسیة، في محاولة للربط بین مفهومي الإبداع والتجدید في الحالتین. والجامع المشترك الأساسي بین هاتین التجربتین هو وعي نقدي میتاشعري لدى الشعراء بمواقفهم من الموروث الشعري، وبدورهم في خلق الجدید الذي یحاور هذا الموروث أو یتحداه.

“الميتاشعرية” مصطلح يشير إلى التنظير أو الوصف أو الكلام على الشعر ضمن إطار العمل الشعري نفسه. «الشعر على الشعر» أو «القصيدة في القصيدة» ترجمتان محتملتان للمصطلح اليوناني أصلًا. لم أقصد في هذا الكتاب إلى إقحام هذا المصطلح في الشعر العربي أو إسقاطه عليه، بل على العكس، سعيت إلى الكشف عن وجود هذا المفهوم وهذه الممارسة لدى الشعراء العرب ولا سيما المحدثين العباسيين الذين قدّموا لنا في قصائدهم تنظيرًا عميقًا ومركّبًا للشعر والقصيدة واللغة الشعرية والعلاقة مع التراث. وقد استعنت بالميتاشعرية كإطار نظري لأربط بين تجربة الحداثة في القرن العشرين وتجربة الحداثة العباسية، لا لأقارن بين الاثنتين، بالمعنى المباشر السطحي، ولا لأثبت تأثير واحدة على أخرى، بل لأتحدى المقاربة التاريخية التي تعيق دراسة الشعر على أنه استمرارية أو حوار خلاق بين الشاعر وأسلافه، حوار يتجاوز التاريخ وتصنيفاته المفتعلة. فكل نص شعري حقيقيٍّ حاضرٌ وطارئ وجديد في كل زمن، ومشارك فاعل في حركات التجديد. فإذا كان الدهر يبلي كل شيء، كما يقول بشار بن برد، “فلا يبلى على الدهر القصيد”، بل على العكس، فلحظة الشعر تتجاوز التاريخ وتعيد خلقه دومًا.

ودراسة هاتين التجربتين الشعريتين جنبًا إلى جنب تتيح لنا فهمًا أعمق لما يعنيه الحديث أو المحدَث، بمعزل عن الاعتبارات الزمنية وثنائية المتقدم والمتأخر. فإذا حاولنا تجريد مصطلح الحديث أو المحدث من دلالاته الزمنية التي تربطه بما هو متأخر، وأعدنا فهم الحداثة على أنها خرق أو تمرد فني على القوالب القائمة والذوق السائد، نجد أن هناك أمثلة كثيرة على ذلك في التراث الشعري العربي لا تقتصر على فترة زمنية معينة.

(ج): ما هي التحديات التي جابهتك أثناء البحث والكتابة؟

(هـ. ف.): التحدي الأول كان تحدي اللغة. فهذه دراسة في الشعر العربي ووعيه بذاته وبدقائق لغته، كان من المفروض أن تكتب في لغة غريبة. فالكتابة عن الشعر العربي، وعن موضوع هذا الكتاب بالتحديد، باللغة الإنجليزية اغتراب وعناء مضاعفان. إذ كان على الشعراء كأبي تمام وأصحابه المحدثين الذين عاشوا حيواتهم الشعرية في اغتراب وفي تحدٍ لسياقاتهم، أن يغتربوا مرة أخرى في الترجمة.

ولكني مع الوقت وجدت في هذا ميزةً، ولا سيما في عملي على ترجمة الأشعار في الكتاب، لأني وجدت في الترجمة تمرينًا دقيقًا وخلّاقًا على قراءة الشعر والبحث في دقائقه. وهكذا أتاحت لي الترجمة والكتابة بالإنجليزية مسافة نقدية تشبه تلك التي يصفها مصطلح الميتاشعرية. فكنت واعية بنفسي وبما أفعله في هذا الكتاب وعيًا أكبر وأكثر حدة مما كان سيكون عليه الحال لو كتبت الكتاب بالعربية. ودفعني هذا إلى محاولة ترجمة القصائد والأبيات ترجمة تحفظ شيئًا من شعرية الأصل وتستلهم شيئًا من إمكانات الإنجليزية الشعرية. وربما لم أنجح في هذا كل الوقت، ولكن هذا ما كنت أسعى إليه.

بالإضافة إلى ذلك تعمدت في هذا الكتاب تحدي الفصل القاطع بين دراسة الشعر “الحديث” ودراسة الشعر “القديم” أو “الكلاسيكي”. هذا الفصل الذي ورثناه عن المستشرقين وورثتهم من الدارسين العرب والأجانب الذين ينظرون إلى التراث الأدبي العربي فيرون ماضيًا بائدًا عليهم تخطيه للوصول إلى الحداثة. وكأن الحداثة ليست بناءً على الماضي، بل تغلّب عليه أو شفاء منه.

ولذلك أصرّ في هذا الكتاب على أهمية دراسة التراث الشعري لفهم شعرنا الحديث والمعاصر، فنحن بحاجة إلى هذا التراث وهذه الذاكرة الشعرية واللغوية لفهم قفزات الشعراء اللاحقين وثوراتهم ولوضعها في سياقها. فالإبداع الشعري هو حوار متجدد مع الماضي، حوار يفتح آفاقًا جديدة ويطرح أشكالًا جديدة للعلاقة مع التراث الشعري على نحو لا يحدد مسارات المشروع الجديد فحسب، بل يعيد تشكيل التراث مرة بعد مرة.

(ج): كيف يتموضع هذا الكتاب في الحقل الفكري/الجنس الكتابي الخاص به وكيف سيتفاعل معه؟

(هـ. ف.): هذا الكتاب دراسة نقدية لحركتي التجديد الأساسيتين في الشعر العربي. اعتمدت فيها على قراءة دقيقة لنماذج شعرية، وانطلقت منها لاستخلاص نظرية شعرية تتناول مواقف الشعراء المحدثين والحداثيين من تراثهم ومن مشاريعهم التي تتحدى هذا التراث، كما تضيف إليه وتعيد خلقه. آمل أن يكون الكتاب إضافة إلى المكتبة النقدية العربية التي تُُعنى بجماليات النص الأدبي قبل كل شيء، وتنطلق في خلاصاتها من قراءات نقدية وفية للشعر، قبل أن تلتفت إلى الكثير الكثير الذي يمكن للشعر أن يخبرنا إياه عن المجتمع والتاريخ. كما أتمنى أن يقدم هذا الكتاب أو أن يعيد تقديم بعض النماذج الشعرية التي تكشف عن البعد النقدي والتنظيري الكامن في تجربتي الحداثة اللتين درستهما هنا.

(ج): ما هو موقع هذا الكتاب في مسيرتك الفكرية والإبداعية؟

(هـ. ف.): هذا الكتاب انطلاقة بالنسبة إلي في دراستي للشعر العربي واهتمامي به. وقد نتج عنه عدد من مشاريع الترجمة، كما أنه كان مدخلًا بالنسبة إلي في تقصي العلاقة بين التنظير والممارسة الشعرية، وهذا بحث تابعته في كتابي الثاني عن قصيدة النثر. الأهم من ذلك، يعلن هذا الكتاب التزامي بدراسة التراث الشعري العربي ككل، خارج المقاربة التاريخانية التي تجزّئه وتفككه وتتوهم احتمال دراسة حقبة منه أو التخصص فيها بمعزل عن علاقاتها بالحقب الأخرى. هذه المقاربة الجمالية والنقدية للشعر العربي أتّبعها في صفوفي وفي عملي مع طلابي الذين آمل أن يكونوا طلابًا أوفياء للتراث العربي ومخلصين للغة العربية ولذاكرتها الشعرية الحيّة.

(ج): من هو الجمهور المفترض للكتاب وما الذي تأملين أن يصل إليه القراء؟

(هـ. ف.): حرصت على أن تكون لغة الكتاب بسيطة وسلسة، لكي يكون متاحًا للقرّاء المهتمين بالشعر عمومًا وليس حكرًا على المتخصصين في الأدب العربي. لأني أرفض الموضع الاستثنائي الذي توليه المؤسسة الأكاديمية الأميركية للأدب العربي وغيره من الآداب “الأخرى”. وهو موضع على هامش الدراسات الإنسانية، في المراكز والدوائر المعنية بـ”الشرق الأوسط” أو “الشرق الأدنى”. وغالبًا ما تكون الدوافع لدراسة الأدب طارئة عليه، تسخّره لدراسة ظواهر سياسية واجتماعية. ولذلك أرى أنه من واجبنا، نحن دارسي الأدب العربي في الجامعات الأميركية، أن نتوجه إلى أوسع جمهور ممكن من القراء وأن نقيم حوارًا بناءً بين الشعر والنقد في اللغة الإنجليزية وبين الشعر والنقد في اللغة العربية.

وأنا الآن سعيدة بترجمة الكتاب إلى العربية وأتطلع إلى تلقيه من قبل القراء العرب ولا سيما المهتمين بالشعر. هذه علاقة مختلفة عن العلاقة مع القراء بالإنجليزية، لأنها تعيد الشعر إلى أصله وتريحه من جهد الترجمة. ولذلك، قلت في مقدمة الكتاب، إني أرى في هذه الترجمة “عودةً بعد اغتراب”. وأنا شاكرة لدار أدب والقيمين عليها مبادرتهم هذه، وحرصهم على ظهور الترجمة بأحسن صيغة، كما أشكر المترجمة آية علي على الجهد الكبير الذي بذلته.

(ج): ما هي مشاريعك الأخرى/المستقبلية؟

(هـ. ف.): صدر مؤخرًا كتابي الثاني بعنوان “قصيدة النثر العربية: بين الممارسة والتنظير” عن دار جامعة أدنبره، ضمن سلسلة دراسات الأدب الحديث التي يحررها ويشرف عليها الدكتور رشيد العناني. یتناول هذا الكتاب قصیدة النثر العربیة كممارسة شعریة ذات منطلقات نظریة محركة، تهدف إلى مساءلة تخریبیة وتوسیعیة لحدود الشعر في اللغة العربیة. یعتمد الكتاب على قراءة متعمقة في أعمال مجموعة من الشعراء الذین شكلوا محطات واتجاهات مختلفة في هذا المشروع.

والكتاب الثاني هذا بناءٌ على ما قمت به في الكتاب الأول. فأنا مهتمة بما يقدمه الشعراء من تنظير داخل النص الشعري. يهمني هذا الجهد التسويغي الذي يجد له الشعراء الطليعيون أو المجربون مكانًا داخل القصيدة. وشعراء قصيدة النثر العربية انشغلوا بشكل واضح بتعريف هذا الشكل الشعري الجديد أو بنفي كل التعريفات عنه.

أما الكتاب الثالث الذي ما زال في طور التحضير، فأعود فيه إلى القصيدة الكلاسيكية (أو الكلاسيكية الجديدة) في بدايات القرن العشرين. إذ أتطلع لدراسة دور أم كلثوم في قراءة القصيدة العربية في ما اختارته من الشعر القديم ومن أشعار معاصريها. فكانت في اختياراتها وفي ترتيبها لهذه الاختيارات وفي أدائها لها، مترجمة للقصيدة القديمة وشارحة لها وكاشفة عن فهم كبير لعمق حضور القصيدة وقدرتها على التعبير عن الهموم الشخصية والجماعية، لا سيما في فترات الأزمات والتغييرات الجذرية في المجتمع والسياسة. إلا أن هذا المشروع مؤجل قليلًا، لأني في ما سيأتي من وقت، سأتفرغ لترجمة كتاب البديع لابن المعتز وذلك ضمن مشروع المكتبة العربية.

مقتطف من مقدمة الكتاب

كان اهتمامي بنشاط حركة الشعر الحُرّ في الشعر العربي (الحركة الحداثية في القرن العشرين) وبالمؤثرات فيها الدافعَ الأول وراء هذا المشروع. وحين كنت طالبة للأدب العربي والأدب الإنجليزي في العالم العربي، كثيرًا ما كنتُ أصادف أعمالًا تركّز على التأثيرات الغربيّة في حركة الحداثة العربية، ونادرًا ما كانت تشير إلى مرجعيات مُحتملة في التراث الشعري العربي لهذا المشروع الثوري. وكأنّ مشروعًا واعيًا للتغيير في التعبير الشعري لا بدّ أن يكون متعارضًا مع التراث الأدبيّ، وخاضعًا لتوجيه تأثيراتٍ غربيّة أو غير تراثيّة. وهكذا تحوّل اهتمامي نحو السوابق المحتملة لهذا المشروع الحداثي الثوري، أو على الأقل نحو المقارنات المُمكنة به في التراث الشعريّ العربي أو ما يشار إليه -وإن على نحوٍ إشكالي- بـ”الشعر العربي الكلاسيكي”.

فإذا كان الدهر يبلي كل شيء، كما يقول بشار بن برد، “فلا يبلى على الدهر القصيد”، بل على العكس، فلحظة الشعر تتجاوز التاريخ وتعيد خلقه دومًا.

 

تحمل صفة “كلاسيكي” في تطبيقها على الشّعر العربي في فترةِ ما قبل القرن التاسع عشر، وبالأخصّ شعر العصر العباسي، دلالاتٍ مُهمّة، تُشكّل طريقة قراءة هذا الشعر وتقديره داخل العالم العربي وخارجه. إنها تفترض وجود أدبٍ قديم جامد، ينبغي تناوله بالقراءة والتدارس، ولكن بهدف تجاوزه في نهاية المطاف. وكما أوضح ياروسلاف ستيتكيفيتش في محاضرةٍ ألقاها عام 1967 على جمهورٍ من المستعربين، فإن المأخذ الرئيسي على حقل الاستعراب حتى ذلك الوقت كان اعتماده على النّهج التاريخي في مقاربة الشعر العربي، مع نظرةٍ نقديّة محدودة أو مُنعدمة. ينتج عن هذا النهجِ التاريخيّ تاريخٌ أدبي يصبح في أفضل حالاته تاريخًا ثقافيًّا، وفي أسوأها دليلًا كرونولوجيًّا وسِيَريًّا رثًّا(1). إنه نهجٌ “يبني المعابد للعظماء الكلاسيكيين”(2)، فيظلّون أمواتًا وبعيدي المنال، ولا يمكن بعثهم إلى الحياة من جديد إلا من خلال قراءة نقدية تشتبك معهم اشتباكًا عميقًا وحميمًا.

يسلّط هذا الكتابُ الضوء على مرحلةٍ في التراث الشعري العربي، تُعتبر ثوريةً في إنجازاتها، ومتميّزةً بوعي شعرائها بأنفسهم وبكونهم أصحاب مشروع إبداعي جديد. وعلى الرغم من الاعتراف بأهمّية التجربة العباسية، إلا أن معظم النقاد الأدبيين لا يُشرِكونها في النقاشات التي تتناول الشعر الحديث في القرن العشرين. وفي المقاربة الزمنية الخطّية، نجدها تتعرض للإبعاد أو الدفع للوراء. ولذا أجد أن من الأهمية بمكان أن نربط بين المحدثين العباسيين وبين مشروع الحداثة العربيّة وأن نُدخل الشعراء العباسيين -من أمثال أبي تمام وابن الرومي والبحتري، وبالتأكيد المتنبي الذي أتى في وقتٍ لاحق- في المناقشة التي تدور حول الشعر العربي واتجاهاته في عصرنا الحالي. توفّر لنا مقابلة مشروع المُحدثين وحركة الشعر الحر رؤىً مُتبصّرة بالغة الأهمّية حول ما نعنيه تحديدًا بقولنا “التغيير الشعري” و”الثورات الشعرية”، وحتى الصّفات التي نستخدمها لوصف القصائد أو الحركات الشعرية، مثل: “أصيل” أو “جديد”.

عليّ أن أوضّح هنا أنّني لا أهدف إلى إجراء مقارنة بين هاتين المجموعتين من الشعراء، بل إلى استخدام التجربة الأحدث كنقطة انطلاقٍ لدراسة التجربة الأبعد تاريخيًّا. ويعود السبب وراء استخدام تجربة الحداثة في القرن العشرين كمدخلٍ لدراسة الميتاشعرية العباسية، إلى أن مصطلح “الميتاشعرية (metapoesis)” لم يتطور سوى في الأعمال النقدية التي تتناول حركة الشعر الحر. إنّ الدراسات الحديثة حول الميتاشعرية العربية -والتي أناقشها في الفصل الأول- توهمنا بأنّه لا يمكن تطبيق المفهوم سوى على حركة الشعر الحر الحديثة. كما أنّ المنظور النقدي المتاح حول مشروع الحداثة يؤسس للميتاشعرية بوصفها مفهومًا لا يمكن تطبيقه إلا على حركةٍ أدبيّة عربية “حديثة”، حيث يُفهم “الحديث” من المنظور الزمني على أنه “القريب زمنيًّا”. أود الابتعاد عن هذا المنظور النقدي السائد، والحثّ على فَهمٍ وتفحصٍ أعمق للحداثة الشعرية لدى المحدثين العباسيين، بحيث يُفهم مصطلح “حديث” باعتباره مصطلحًا أدبيًّا، لا تاريخيًّا.

يأتي قرار البدء من النهاية، عند المتأخرين زمنيًّا، بشكلٍ واعٍ تمامًا. إذ أرى أن البدء من القرن العشرين وشقّ الطريق عبر الكتاب نحو العصر العباسي يساهم في تجديد فهمنا لما هو “حداثي” أو “جديد شعريًّا”، وفصله عن منظور التسلسل الزمني. أودّ تقديم هاتين المرحلتين جنبًا إلى جنب، كمثالين كان فيهما التأليف الشعري مسكونًا بانشغال الشعراء بوسائل تعبيرهم، وقلقهم حيال مواقعهم في استمراريةٍ ما. أضِف إلى ذلك، أن شعراء الشعر الحر والمحدثين العباسيين ليسوا بعيدين عن بعضهم البعض من الناحية الشعرية كما هم من الناحية الاجتماعية والثقافية والتاريخية. والحقيقة أن شعراء الشعر الحر وأسلافهم (مثل جماعتي أبولو والديوان) كانوا يشكّلون في معظم الأحيان ردود فعلٍ مُضادة لمشروع الكلاسيكية الجديدة (أي شعر أحمد شوقي ومعاصريه)، والذين كانوا يحاولون من جانبهم إحياء القصيدة العباسيّة (خصوصًا لدى أبي تمام والبحتري). بعبارةٍ أخرى، فإن نموذج القصيدة الذي كانت تتفاعل معه الحركة الحداثية في القرن العشرين وتستجيب له كان نموذج القصيدة العباسية التي استعادها وأحياها الكلاسيكيون الجدد في عصر النهضة في أواخر القرن التاسع عشر.

ولأنّ المحدثين العباسيين(3) كتبوا ضمن حدود الأشكال الشعرية الموروثة، فإنّ إنجازاتهم الرائدة وبياناتهم الشعريّة أقل وضوحًا في نظر القُرّاء في القرنين العشرين والحادي والعشرين. ومن المنطلق نفسه، فقد منح التخلي ولو النسبي عن بحور الخليل الشعرَ المكتوب تحت مظلّة حركة الشعر الحر مكانة “الجديد” و”الثوري” و”الطلائعي”، على الرغم من أن الثورة لم تتجاوز في بعض الأحيان الالتزام بتفعيلة واحدة بدلًا من استخدام جميع تفعيلات البحر. لقد هجر الشعراء بحور الشعر العربي المكتملة ولجأوا بدلًا من ذلك إلى وحدة البحر المفردة (التفعيلة)، أو إلى مجموعة التفعيلات الأساسية المكوّنة للبحر (مثل تفعيلتي: مستفعلن وفاعلن لبحر البسيط). كما تحرّروا من الالتزام بالقافية الواحدة التي تميّز القصيدة القديمة. فأصبح التنويع في التفعيلات الشعرية وتكرارها واستخدام القافية أو عدمه من اختيار الشاعر الحديث، وهو الخيار الذي يتّخذه وفقًا لموضوع القصيدة وطابعها.

وقد اختبأ بعض النتاج الشعري لحركة الشعر الحر خلف هذه المخالفة الجريئة -ولكن الوحيدة- لهيكل القصيدة التراثية. وحين يكون التغيير مقتصرًا عند هذا الحد الشكلي، تفشل الحركة في تقديم لغةٍ شعريّة جديدة أو تأسيس ذوقٍ شعريٍّ جديد. في المقابل، كان الشعراء العباسيّون (من أمثال أبي تمّام وجيلِه) قادرين على إحداث ثورةٍ حقيقية في القصيدة ودالّاتها (موتيفاتها)، عوضًا عن التخلي عنها ببساطة باعتبارها بالية. بل ويمكن القول أيضًا إنّ الحفاظ على شكل القصيدة قد سمح لحوار أكثر حميمية واستمرارية مع التراث في مشروع الحداثة العباسية مما هو عليه في مشروع الحداثة في القرن العشرين. بيد أنّ حركة الشعر الحر في أواخر الأربعينيات من القرن العشرين ما تزال تمثّل في نظر النقاد العرب المُعاصرين خطوةً ذات أهمّية أكبر في تطوّر الشعر العربي. ومع أن البعض قد يشير إلى العباسيين باعتبارهم أسلافًا ملهِمُين، فإنّ المقاربة التاريخية للموروث الشعري العربي والثقافة العربية بشكل عام، غالبًا ما تُحيل الشعر العبّاسي إلى مجرد فئة كلاسيكية، ما يجعله -بحكم التعريف- نقطةً، على الشعراء العرب المعاصرين أن يتجاوزوها في سعيهم لتبوّء المنزلة والأهمّية في عالم اليوم.

يبحث هذا الكتاب في أعمال بعض الشعراء المُحدثين باستخدام الإطار النظري النقدي، الذي غالبًا ما يُستخدم للحديث عن الحركات الطليعية الحديثة، وخاصة من خلال عدسة الميتاشعرية. ما الشعر؟ ولماذا الشعر؟ ألحّ الشعراء العباسيون في السؤال كما ألحّ أحفادهم المعاصرون. ومن خلال هذه العدسة، والتي غالبًا ما تُستخدم لدراسة الشعر الحداثي في القرنين العشرين والحادي والعشرين، يرصد هذا الكتاب ميلًا ميتاشعريًّا ويتفحصُ تأمّلات شعراء القرن العبّاسي الأوّل في الشعر من خلال قصائدهم.

الهوامش

(1): ياروسلاف ستيتكيفيتش، الشعر العربي والاستشراق، تحرير. وليد خازندار (أكسفورد: مركز أبحاث كلية سانت جون، 2004)، 22.

(2): المرجع نفسه، 21.

(3): يُستخدم المصطلح للإشارة إلى شعراء القرون الأولى من العصر العباسي، ومفرده مُحدث. يعود الفضل إلى المحدثين في إدخال أسلوب البديع. ومن كبار الشعراء المحدثين: بشار بن بُرد (96/ 714– 167/ 783)، مسلم بن الوليد (130 / 747–167 / 783)، أبو نواس (130 / 747–198 / 813)، أبو تمام (172 / 788-231 / 845)، البحتري (206 / 821–284 / 897)، ابن الرومي (221 / 836–276 / 889)، المتنبي (313 / 915–354 / 965). كثير من هؤلاء الشعراء من أصول غير عربية أو مختلطة (مولّدون)، وهذا السبب وراء استخدام مصطلح (المولّدين) في بعض الأحيان كمرادفٍ لمصطلح (المحدثين). أنظر جي جي إتش فان خيلدر، (“Muḥdat̲h̲ūn a.)”، موسوعة الإسلام، الطبعة الثانية، تحرير: بي بيرمان، وتي بيانكيس، وسي إي بوسورث، وإي فان دونزيل، ودبليو بي هاينريش (ليدن: بريل، 2010) بريل أون لاين. 2012.

No Comments Yet

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *