كتاب يعيد خطّ مسيرته الشعرية والسياسية ودفاعه المستميت عن الزنوجة

الشاعر المارتينيكي إيميه سيزير المدافع عن الزنوجة (دار سوي – باريس)

 

لن يناقضنا أحد إن اعتبرنا المارتينيكي إيميه سيزير (1913- 2008) أحد أبرز مفكري القرن العشرين، وشاعراً أحدث ثورة مؤسسة في نصه الشهير “دفتر العودة إلى موطن الولادة” (1939). ولكن لمقاربة هذا العملاق الذي حيا أندريه بروتون “كلمته الشعرية الجميلة مثل أكسجين نقي”، كانت تنقصنا سيرة له بمستوى عبقريته. عمل أنجزته أخيراً الباحثة الفرنسية المختصة بشعره، كورا فيرون، وصدر حديثاً عن دار “سوي” الباريسية.

قيمة هذه السيرة الضخمة التي تقع في 865 صفحة تكمن أولاً في ارتكازها على جهد بحثي وتوثيقي دقيق كان لا بد منه لإعادة خطِّ -بكل غناها ومراحلها- مسيرة ذلك الذي أسس حركة “الزنجية” (la négritude) داخل الشعر الفرنكفوني في الثلاثينيات، مع ليون غونتران داماس وليوبولد سيدار سنغور، وأمضى حياته في النضال من أجل تحرير جميع البشر. إنسان حارب الظلامية والاستعمار بحكمة لا تخلو من شراسة وبقي “منفتحاً على جميع أنفاس العالم”: “فمي سيكون فم كل المآسي التي لا فم لها، وصوتي حرية الأصوات التي تختنق في سجن اليأس”.

تكمن أيضاً قيمة هذه السيرة في نقلها بكل حدتها النقاشات التي أشعلها سيزير ولم يخفت صداها بعد. وفعلاً، تمكنت فيرون التي نشأت في جزيرة غوادلوب وعاشرت الشاعر وأفراداً كثراً من محيطه، من منح سرديتها بعداً متعدد الأصوات عبر تغذيتها بحواراته مع أشخاص من آفاق فكرية وجغرافية مختلفة، وبالتالي إيصالها إلى مسمعنا أصوات أصدقائه والكتاب الذين كان يقرأهم، وأيضاً أصوات خصومه.

المراحل الست

ولأن عملها الجبار يتمحور قبل أي شيء حول سيرة سيزير، تستخلص الباحثة وتستكشف مراحل ست من حياته، بدءاً بجذوره العائلية والجغرافية التي لعبت دوراً مهماً في بلورة حساسيته ومشروعه الشعريين، مروراً بطفولته في مدينة فور دو فرانس، فدراسته في ثانوية “لوي لو غران” العريقة في باريس وانطلاقه في الكتابة في مجلات عديدة، ثم تأليفه في سن السادسة والعشرين ديوانه الشهير “دفتر العودة إلى موطن الولادة” الذي كانت نتيجته عودة سيزير إلى المارتينيك في سبتمبر (أيلول) 1939 وتأسيسه مجلة “تروبيك” الغنية عن التعريف كفعل مقاومة شعرية لـ”الأدب اللطيف”، ولقاءه الحاسم ببروتون عام 1941 وانضمامه إلى الحركة السوريالية.

باختصار، صفحات غزيرة تعج بالتفاصيل والوثائق والحوارات الحية والإسرارات الحميمية، كبوح الشاعر للباحثة يوماً بأن كتابته “دفتر العودة…” كانت مضنية إلى أبعد حد، وبأنه “عملٌ مُعاش إلى حدود العته”، أو إسراره لها مرةً أخرى أنه، قبل وصوله إلى باريس للدراسة، كان يخجل من وطنه الأم (المارتينيك) وينظر إليه كـ”أوروبا متخلفة” و”عالم لا مذاق له ولا أصالة”، قبل أن تؤدي تجربته الباريسية كطالب أسوَد وكتابته ديوانه المذكور إلى تحول جذري في موقفه وإدراك ومعانقة هويته “الزنجية”. يقظة هزته بعمق وإلى حد “كاد أن يفقد عقله واضطر إلى إيقاف دراسته عدة أشهر”، وفقاً لصديقه الشاعر سنغور. ولا عجب في ذلك، فمنذ ذلك الحين أدرك سيزير أن “زمن ما بعد الاستعمار سيكون أكثر صعوبة للعالم الأسوَد لأننا لن نضطر إلى الوقوف في وجه عدو مشترك يسهل تمييزه، بل إلى التعارك داخلنا، مع أنفسنا”.

وهذا من دون شك ما يفسر قيمة “دفتره” وجميع أعماله اللاحقة التي نتجت بدورها من بصيرة نادرة والتزام شرس بقضايا عصره. أعمال تنير بعمق تمزقات ذلك العصر، وفي مقدمها “خطاب حول الاستعمار” الذي خطَّه على شكل صرخة تمرد في وجه الغرب المتربع على “أعلى كومة من جثث البشرية”، وأيضاً نصوصه المسرحية الأربعة (“وكانت الكلاب تصمت”، “مأساة الملك كريستوف”، “فصل في الكونغو”، “عاصفة”) السياسية بامتياز والمشحونة شكلاً ومضموناً بثورة صاحبها.

لكن فيرون تبين في كتابها أن نشاط سيزير كمناضل ورجل سياسي لم يأت أبداً على حساب أصالته كشاعر. فمع أنه بقي عمدة مدينة فور دو فرانس على مدى 56 عاماً ونائباً في البرلمان الفرنسي عن إقليم المارتينيك من 1945 إلى 1993، لكن اضطلاعه بهاتين المهمتين الرسميتين لم يمنعه من إنجاز مشروعه الشعري وإحداث ثورة بواسطته داخل الشعر الفرنكفوني. مشروع تتحكم به جدلية الخاص والشامل، وتشكل جزيرة الشاعر، بناسها وبركانها وشمسها وأعاصيرها وشواطئها ونباتاتها وحيواناتها، بوصلته، والهوية الزنجية موضوعه. مشروع يصلح كتعريف له ما كتبه سيزير في تمهيده لكتاب “جملة جديدة من شعر العالم الأسوَد”: “ضحية الصدمة الاستعمارية، باحثاً عن توازن جديد، لم ينته الزنجي من التحرر. جميع الأحلام، جميع الرغبات، جميع الضغائن المتراكمة، جميع الآمال غير المصاغة والمكبوتة على مدى قرن من الهيمنة الاستعمارية، كل هذا كان يحتاج إلى الخروج. وحين يخرج ويعبر عن نفسه، جارفاً معه بلا تمييز الفردي والجماعي، المدرَك وغير المدرَك، المُعاش والتنبئي، فهو يدعى الشعر، لغة الجوهري التي تؤدي بالكامل دورها كفعل محرر”.

تثوير كلمة زنجي

ومن هذا المنطلق جاء تثويره لمعنى كلمة “زنجي” عبر استخدامها من منظور إيجابي كتثمين هوياتي. منظور شامل يتجاوز لون البشرة لتماهي الشاعر مع كل المضطهدين في التاريخ، تماماً مثل تماهيه مع أسلافه، العبيد السود. كلمة انتشر بسرعة استخدامها بمعناها الجديد، كما يشهد على ذلك عنوان البحث الذي وضعه الناشط من أجل استقلال الكيبيك، بيار فاليير، “زنوج أميركا البيض” (1968).

ومن النقاط الأخرى المهمة في هذه السيرة المرجعية، استخلاص فيرون بذكاء داخلها هوية أميركية قارية وعميقة لدى سيزير لم ينتبه إليها أحد قبلها، ولا تفاجئنا لأن جزيرة الشاعر جزء من أرخبيل الكاريبي الذي يقع ضمن القارة الأميركية، ولأن علاقات الشاعر بالدولة الفرنسية كانت سلسلة طويلة من خيبات الأمل أمام استحالة بلوغ وحدة مصير معها تحفظ استقلالية وطنه وحريته السياسية والثقافية؛ تصويرها سيزير كرجل يتسم براديكالية كبيرة في كتاباته، لكنه قادر على التأقلم مع الظروف التاريخية بغية المدافعة عن مصالح مواطنيه؛ متابعتها تطوره على المستويين الشعري والسياسي وإنارتها القلق السياسي الكبير الذي بقي مسلطاً عليه طوال حياته وعبر عنه بقوله في قصيدة “أنا، عشبة البحر”: “أسكن جرحاً مقدساً”؛ تأملها في علاقته الحميمية باللغة الكريولية (créole) التي دافع عنها ودعا إلى تطويرها كي تصبح لغة أدبية، وتوقفها في هذا السياق عند سعيه وتمكنه في نصوصه الشعرية من منح اللغة الفرنسية التي كتب بها ألوان اللغة الكريولية.

ولأنه لا مجال هنا لمقاربة جميع مصادر ثراء هذه السيرة، نكتفي في النهاية بالإشارة إلى أن الأسلوب الساحر الذي شحذته فيرون لكتابتها، ويعكس شغفها الواضح بموضوعها، يجعلنا نقرأ نصها كرواية آسِرة ونعبر صفحاته الغزيرة بيُسر ومتعة نادرتين.

https://www.independentarabia.com/node/25345