إحداهن صرخت بالضابط السوفياتي فأرداها وأخرى قالت للأميركيين تدربون الأصوليين ثم تقاتلونهم

نساء افغانيات يعشن الخوف من عودة طالبان (غيتي)

ما إن اجتاحت حركة “طالبان” أخيراً مدن أفغانستان وقراها وعاصمتها كابول حتى ارتفعت أصوات النسوة الأفغانيات قبل الأصوات الأخرى، محتجة على هذه العودة السريعة وغير المرتقبة  لجماعة ظلامية ونظام متسلط ومتخلف، بخاصة إزاء المرأة وحقوقها البسيطة، مثل حقها في العلم والعمل والعيش الكريم. ومعروف أن النسوة هن أكثر من عانى في ظل هذا الحكم الجائر الذي سيطر على البلاد والعباد بين عامي 1996 و2001 ثم اندحر صوب الأطراف، ليواصل نشاطه سياسياً وعسكرياً بعيداً عن مناطق السلطة. لكن أحوال التعصب والتشدد التي رسختها حركة طالبان والتي كانت موجودة أصلاً لدى بعض الجماعات منذ حقبات، ظلت تهيمن على مجتمعات عدة وبيئات، عانت النسوة في ظلالها مآسي صغيرة وكبيرة. وكانت النسوة الشاعرات اللاتي يؤلفن شعر اللانداي الشعبي أو يكتبن القصيدة الحديثة أو الكلاسيكية عموماً، قاسينَ الاضطهاد على أيدي أهلهن وآبائهن وإخوتهن كما على ألسنة الناس والأقارب. والجميع يذكر كيف أقدم عام 2005 في ولاية هرات، زوج الشاعرة ناديا أنجومن ابنة الخامسة والعشرين، على ضربها بقسوة حتى أرداها صريعة. وكان منزعجاً من شهرتها ونشاطها كشاعرة، ولم يحتمل هذا النجاح وشعر أن زوجته تفوقه ثقافة ولا ترضخ لفكره المحافظ. وكانت الشاعرة الشابة المعروفة أصدرت ديواناً بعنوان “زهرة قرمزية” لقي ترحاباً في الأوساط الأدبية.

زرمينا الشاعرة المنتحرة

ولا تُنسى أيضاً مأساة الشاعرة زارمينا التي فاجأها أهلها مرة تلقي قصيدة حب عبر الهاتف، فظنوا أنها تغازل شاباً، فانقضوا عليها ضرباً وسجنوها داخل البيت، إلى أن قاومت وانتحرت مضرمة النار في جسدها. كانت زارمينا تكتب قصائد اللانداي باسم مستعار هو راحيل. ومن قصائدها هذه: “إنني مثل زنبقة في الصحراء. أموت قبل أن أتفتح. ثم تذرو عاصفة الصحراء تويجاتي”. وكم من شاعرات ورسامات ومثقفات ونسوة عاديات لقين المصير نفسه. وقد اضطرت شاعرات كثيرات إلى كتابة الشعر في الخفاء وبأسماء مستعارة وإلقائها في حلقات سرية وضيقة. أن تكون المرأة شاعرة فهذا يعني في نظر المجتمع وأسرتها أنها مومس وغير ملتزمة السلوك الحسن الذي يفرضه الواجب الاجتماعي والديني، ومصيرها الاضطهاد والعنوسة. وهذا ما عبرت عنه شاعرة “سرية” تدعى ناديا قائلة: ” أي رجل يقبل على الزواج من امرأة تكتب قصائد؟ عموماً إذا كانت المرأة تكتب عن الحب، فهذا يعني أنها امرأة بلا قيم”.

كانت ناديا هذه عضواً في جمعية شعرية نسائية سرية اسمها “ميرمن بهير” في مدينة قندهار مهد حركة “طالبان” في جنوب أفغانستان، وهي تضم شاعرات شابات وربات بيوت وطالبات يؤثرن شعر اللانداي والكتابة، وكن يجتمعن دورياً في أحد الأقبية ويلتقين ويتبادلن القصائد. وقد خصصت الجمعية خطاً هاتفياً تسجل عبره، الشاعرات المقموعات على يد أسرتهن وأزواجهن، قصائدهن بالسر، ثم تُقدم هذه القصائد في اللقاءات الشعرية والثقافية. وبات الهاتف المحمول حاجة ملحة لهؤلاء الشاعرات اللاتي يكتبن في السر. وتصطحب بعض الشاعرات معهن فتياتهن أو قريبات لهن، ليبررن غيابهن أمام الزوج أو الأخ أو حتى الأم. وينقل صحافي فرنسي في تحقيق له، عن الشاعر الأفغاني وحيد وارسته قوله “إن النساء اللاتي يجرؤن على الغناء وتلاوة القصائد أمام الناس قد يعاملن بصفتهن مومسات. غير أن الدعارة  الحقيقية تكمن في رؤوس هؤلاء الأشخاص الذين ينظرون إليهن مثل هذه النظرة”.

الشعر الرائج

لا يزال شعر اللانداي رائجاً بشدة، مثلما راج قديماً وحديثاً، لا سيما خلال الاجتياح السوفياتي لأفغانستان ونزوح آلاف الأفغان إلى باكستان وسواها (1994- 1996)، وكذلك خلال الحرب الأهلية التي شتّتت جماعات كبيرة (1994- 1969)، ثم أثناء الحرب التي شنتها الولايات المتحدة وانتهت بالغزو (2001). وبدت شاعرات اللانداي غير بعيدات عما يحصل من معارك ومواجهات، وجعلن من شعرهن وسيلة للنضال على طريقتهن ولمواجهة الجنود الروس والمقاتلين الطالبانيين وحتى الجيش الأميركي. تسخر مثلاً شاعرة من الجيش الأميركي الذي كان يقاتل في أفغانستان فاضحة استراتيجية السياسة الأميركية المزدوجة، قائلة في قصيدة: “هنا يقاتل الأميركيون طالبان، وهناك في مقلب الجبال يدربونهم”. ومن قبل واجهت الشاعرات الجيش السوفياتي بجرأة ولم يهبن سطوته. وفي إحدى المسيرات النسائية التي كانت الشاعرات في مقدمها صرخت امرأة تدعى ناهد في وجه ضابط سوفياتي جهاراً، فوجه بندقيته إليها ليبعدها، فقالت له بصوت عال: “أيها الجبان إن كنت عاجزاً عن حماية شرفك فلست رجلاً”. حينذاك أطلق النار عليها وأرداها شهيدة. صارت ناهد رمزاً وطنياً ونسائياً تتغنى به الشاعرات.  بل إنهن كن يشجعن الجنود الأفغان على محاربة “طالبان”، فتقول شاعرة مخاطبة جندياً: “خذ خماري وضعه على رأسك وأعطني سلاحك، نحن النساء قادرات على الدفاع عن هذه الأرض أفضل منك”.

يدور شعر اللانداي كما كان معروفاً في أجواء أهلية صرفة، ويتناول قضايا المرأة ومعاناتها في مجتمع لا يعترف بحقوقها وبيئة تتجاهلها وتهمشها وتقصر وجودها على الإنجاب وخدمة الزوج والعائلة. ودأبت الشاعرات على التمرد ضد واقعهن السيئ وضد السلطة الذكورية وما يسمى “القفص المظلم”، ساعيات إلى تحطيم قضبان هذا القفص. لكن شعر اللانداي لم يتوان البتة على تناول أحوال الحب والعشق العذريين والإباحيين في آن واحد، وبرزت أصوات نسائية جريئة جداً في التغزل في الحبيب وإثارته وإيقاد رغباته. ومقابل هذه النزعة العشقية كان اللانداي يعبر أيضاً عن أحوال الخيبة واليأس والحزن التي تعيشها النساء، وكذلك عن مواجهة الموت، لا سيما الانتحار رفضاً للإذعان والرضوخ واستحقاقاً للحرية ولو بالموت. وكان عنوان كتاب بهاء الدين مجروح عن شعر اللانداي، معبراً جداً في جمعه بين الغناء والانتحار، فهما كانا على الرغم من تناقضهما، يمثلان حقيقة واحدة: الغناء يؤجل الانتحار والانتحار يمثل نهاية الغناء واختناقه.

هكذا يبدو شعر اللانداي كأنه صنيع الحياة في معناها الشامل وفي وجوهها كافة، في أفراحها ومآسيها، في صعوباتها وتحدياتها. ولم يخل هذا الشعر من روح السخرية الشديدة خصوصاً عندما يدور حول الذكورية الغبية. تقول شاعرة “وهبني القدر رجلاً طفلاً، لكن يا إلهي، عندما يكبر ويشتد عزمه، أكون أصبحت كهلة هزيلة”. ودارت قصائد لانداي كثيرة حول الرجل تحت عنوان ساخر هو “القبيح الدميم”.

بهاء الدين مجروح 

يعود الفضل في نشر شعر اللانداي عالمياً، إلى الشاعر الأفغاني الكبير بهاء الدين مجروح الذي اغتاله الأصوليون الطالبانيون أمام باب داره عام 1988 في مدينة بيشاور في منفاه الباكستاني. وكان مجروح شاعر المنفى والمنفيين الذين تركوا ديارهم وأراضيهم في الثمانينيات هرباً من القبضة السوفياتية التي هيمنت على البلاد طوال عشرة أعوام. وقد وردته فكرة جمع شعر اللانداي في مخيمات المهجرين الأفغان في باكستان، فقضى أوقاتاً طويلة ينقل القصائد القصيرة عن ألسنة النسوة وانطلاقاً من ذاكرتهن. وبعد أن جمعها تبنتها دار غاليمار في سلسلتها “معرفة الشرق” وأصدرتها مترجمة إلى الفرنسية. وتعاون الشاعر الأفغاني الذي يجيد الفرنسية مع الشاعر الفرنسي أندريه فلتير على هذه الترجمة مع التقديم، فصدرت المختارات تحت عنوان “الانتحار والغناء: الشعر الشعبي للنساء الباشتون”. وبدت الترجمة رائعة ومتقنة شعرياً ولغوياً، وحافظت على روح القصائد المحلية وعلى إيقاعها وبساطتها وفطريتها التي تميزها لكونها شبه مرتجلة وعفوية وبعيدة عن الصنعة والبلاغة. والفضل يعود إلى الشاعر مجروح الذي كان درس في فرنسا وحصل على شهادة الدكتوراه من جامعة ليون.

وانطلاقاً من هذه الترجمة الفرنسية أُطلقت ترجمات عالمية ومنها الترجمة الإنجليزية التي أنجزتها مارجولين دو جايغر وصدرت في طبعات أنغلوفونية عدة. وما يجدر ذكره أن الشاعرة والصحافية الأميركية ليزا غريزولد تحمست لشاعرات اللانداي الأفغانيات وتأثرت بهن، بعدما قرأت كتاب بهاء الدين مجروح، فقررت السفر إلى أفغانستان بحثاً عن هذه التجربة الفريدة. كتبت غريزولد ريبورتاجاً شاملاً  مرفقا بالصور، عن النساء الباشتون وحياتهن وواقعهن اليوم، وجمعت نحو مئة قصيدة، منها قصائد حديثة تُظهر تطور شعر اللانداي ودخوله العالم الجديد، لا سيما وسائل التواصل الاجتماعي والإنترنت، من غير أن يتخلى عن موضوعاته الأثيرة كالطبيعة والحب ومعاناة المرأة. حمل كتاب غريزولد عنواناً لافتاً ومؤثراً هو “أنا متسولة العالم”، وهو مأخوذ من قصيدة تقول: “في حلمي أكون رئيس البلاد، وعندما أسيقظ أكون متسولة العالم”. تقول قصيدة أخرى حديثة: “في أميركا كل الانهار جافة يا بنية، الفتيات تعلمن ملء الجرار من الأنترنت”.

كتب الكثير عن شعر اللانداي وعن خصائصه اللغوية  والإيقاعية وطبيعته العفوية والارتجالية، فهو ك،ما يشرح بهاء أدلين مجروح، يقوم على بيتين من الشعر، يتكون الأول من تسعة مقاطع صوتية (سيللاب بالفرنسية)، والثاني من ثلاثة عشر مقطعاً. وقد تغيب القافية أحياناً ليبقى الإيقاع الذي يمثل عصب القصيدة. ولئن كان شعر اللانداي الذي يكتبه الرجال أيضاً في أحيان، يعتمد اللغة الباشتونية التي تستخدمها الأكثرية في أفغانستان، فهو يختلف تماماً عن الشعر الأفغاني الآخر الذي يسمى الداري والمكتوب باللغة الفارسية، فهذا الشعر قائم على البعد الصوفي والديني والعرفاني وتضرب جذوره في أديم الشعر الفارسي القديم. أما اللانداي الذي يشبه شعر “الهايكو” والشذارت الشعرية، فهو بعيد عن الروحانيات والصوفية ومنغرس في الأرض والطبيعة والحياة بوجوهها كافة. وهذا ما جعله في منأى عن البلاغة والإطناب والصنعة اللغوية.

كتب عن شعر اللانداي كثيراً في العالم العربي وترجمت منه مختارات في المجلات الأدبية والصحف، وصدرت مختارات منه في كتاب عن دار الانتشار العربي عام 2002 بترجمة جميل صلاح، وعنوانها “اللانداي: الشعر الشعبي للنساء البشتون” وحملت اسم سعيد بهو الدين مجروح، والأرجح أنها ترجمت عن الفرنسية. وحديثاً صدرت ترجمة أخرى عن الترجمة الإنجليزية ( دار أزمنة – الأردن) بعنوان “اللانداي: من شعر المرأة الأفغانية في الحب والحرب” وارتأى المترجمان عبد الله شميس وحنان الجابري نقل القصائد القصيرة موزونة ومقفاة على طريقة الشعر التفعيلي، ما أوقع الترجمة في الصنعة والتكلف وأبعدها عن روحها الأصلية. هنا بضع قصائد لانداي نقلتها عن الفرنسية:

مختارات مترجمة عن الفرنسية

قلبي باح لي: أنا لا شيء، لكنهما العينان اللتان تحدقان في جعلتاني عاشقة.

تعال وكن زهرة على صدري، كي أنعشك كل صباح ببارق ضحكة.

غدوت جميلة في ثيابي البالية، مثل حديقة مزهرة بين أنقاض قرية.

على أرض الوطن، تغدو نقاط دم الشهداء خزامى حمراء.

أيها الرجال القساة! ترون الرجل العجوز يجرني إلى فراشه. ثم تسألون لماذا أبكي وأنزع شعري.

خذني أولاً بين ذراعيك وشدني إليك. ثم أدر وجهي وقبّل شاماتي واحدة تلو أخرى.

يا إلهي! ترسل إلي مرة أخرى الليل المظلم. ومرة أخرى أرتجف من رأسي حتى أخمص قدمي، فأنا سأصعد السرير الذي أمقته.

أرسلتك إلى الموت بيدي هاتين، وصعدت إلى السطح لأراك تواجه ألسنة النار الأولى.

حبيبي افتح قلبي وانظر إلى الغبار الذي يغطي نشوة عيني.

أيها الأب بعتني إلى رجل عجوز، هدم الله بيتك، إنني لست سوى ابنتك.

دع يداً تنزلق داخل صدر يتداعب تفاحة هي رمانة من قندهار، حمراء ناضجة.

في يدي زهرة بدأت تذبل، لكنني لا أعرف إلى من أقدمها على الأرض الغريبة.

ضع فمك على فمي وأفلت عنان لساني ليحدثك عن الحب.

يا حبيبي، يا شمسي، أشرق وسع الأفق وامح ليالي منفاي. ظلام العزلة يحيطني من كل حدب.

إن مات حبي، سأكون له كفناً. هكذا نتزوج الغبار معاً.

عد بجسد تخترقه رصاصات بندقية ظلامية، أرفأ جروحك وأهبك فمي.

أيتها الأرض، ما أثقل جزيتك، تلتهمين زهرة الشباب وتدعين الأسرة فارغة.

اقترب مني حبيبي. وإن حال خفرك دون أن تلامسني، فسآخذك أنا بين ذراعيّ.

حبيبي يريدني أن أقبله بين أوراق شجرة التوت، أما أنا فأتسلقها غصناً تلو غصن لأعطيه فمي.

هات يدك يا حبي ولننطلق صوب الحقول. كي نتعاشق أو نسقط معاً تحت طعنات السكاكين.

فمي لك، التهمه ولا تخش أمراً، فهو ليس من سكر كي يوشك أن يذوب.

لا تسحقني بين ذراعيك، إن برعمي نهدي يرتعشان من ألم ناعم.

أيها القبر المخرب، أيها القرميد المبعثر، أمسى حبيبي رماداً وريح السهل تذروه في البعيد.

https://www.independentarabia.com/node